لم يفرض الإسلام الزكاة في أي قدر من الزيتون، وإنما اشترط لكي تجب فيه الزكاة أن يبلغ مقدارا معينا سمي النصاب، فالنصاب هو المقدار المحدد أو المعين الذي حدده الشارع ﷿ لكي تجب الزكاة في الزيتون.
وقد بين الدهلوي الحكمة من المقدار بقوله: إنما قدر من الحب والتمر خمسة أوسق؛ لأنها تكفي أقل بيت إلى سنة، وذلك لأن أقل البيت الزوج والزوجة وثالث - خادم أو ولد بينهما -، وما يضاهي ذلك من أقل البيوت، وغالب قوت الإنسان رطل أو مد من الطعام، فإذا أكل كل واحد من هؤلاء ذلك المقدار كفاهم السنة. (١).
والفقهاء الذين قالوا بوجوب إخراج الزكاة في الزيتون اختلفوا في اشتراط النصاب على قولين بيانهما في الآتي:
_________________
(١) الدهلوي حجة الله، ٢/ ٥٠٦.
[ ٧٥ / ٣٤٧ ]
الرأي الأول: النصاب شرط في وجوب الزكاة في الزيتون، وإليه ذهب مالك وأحمد والشافعي في قوله القديم، وهو مروي عن الثوري والحسن والأوزاعي وعطاء ومكحول والنخعي وابن أبي ليلى، وأبي يوسف ومحمد من الحنفية.
الرأي الثاني: النصاب ليس شرطا في وجوب الزكاة في الزيتون وهو مروي عن إبراهيم النخعي وعطاء، وإليه ذهب أبو حنيفة فقال: تجب الزكاة فيما أخرجت الأرض قليله وكثيره.
الأدلة: استدل هؤلاء على قولهم السابق بأدلة هي:
أولا: استدل أصحاب القول الأول: بما روي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة (١)».
وجه الاستدلال في الحديث:
الحديث يدل بالمنطوق على وجوب الزكاة فيما تخرجه الأرض وذلك إذا بلغ خمسة أوسق فما فوق.
قال ابن قدامة: قوله ﷺ: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة (٢)» خاص يجب تقديمه، وتخصيص عموم ما رووه أي قوله ﷺ: «فيما سقت السماء العشر (٣)». (٤)
_________________
(١) البخاري، الجامع الصحيح، ٣/ ٣١٠، مسلم، الجامع الصحيح، ٢/ ٦٧٣.
(٢) صحيح البخاري الزكاة (١٤٤٧)، صحيح مسلم الزكاة (٩٧٩)، سنن الترمذي الزكاة (٦٢٦)، سنن النسائي الزكاة (٢٤٨٧)، سنن أبي داود الزكاة (١٥٥٩)، سنن ابن ماجه الزكاة (١٧٩٣)، مسند أحمد (٣/ ٩٧)، موطأ مالك الزكاة (٥٧٦)، سنن الدارمي الزكاة (١٦٣٣).
(٣) صحيح البخاري الزكاة (١٤٨٣)، سنن الترمذي الزكاة (٦٤٠)، سنن النسائي الزكاة (٢٤٨٨)، سنن أبي داود الزكاة (١٥٩٦)، سنن ابن ماجه الزكاة (١٨١٧).
(٤) ابن قدامة، المغني ٣/ ٧.
[ ٧٥ / ٣٤٨ ]
قال ابن حزم: وعن مجاهد وحماد بن أبي سليمان وعمر بن عبد العزيز وإبراهيم النخعي، إيجاب الزكاة في كل ما أخرجت الأرض قل أو كثر، وهو عن عمر بن عبد العزيز وإبراهيم وحماد بن أبي سفيان (١).
وقد فصل داود الظاهري في ذلك فقال: ما كان يحتمل التسويق فلا زكاة فيه حتى يبلغ خمسة أوسق، وما كان لا يحتمل التسويق مثل القطن والزعفران وسائر الخضراوات فالزكاة في قليله وكثيره (٢).
ثانيا: واستدل أصحاب القول الثاني بالسنة والمعقول:
١ - السنة:
قوله ﷺ: «فيما سقت السماء العشر (٣)».
وجه الاستدلال في الحديث:
قالوا: الحديث يدل بعمومه على وجوب إخراج الزكاة من كل ما سقته السماء العشر وما سقى بالنضح نصف العشر، دون تحديد نصاب المخرج منه، ولا فرق في هذا بين الزيتون وغيره.
٢ - من المعقول:
قالوا: إن الزيتون لا يعتبر له الحول لكي تجب فيه الزكاة فلا
_________________
(١) ابن حزم، المحلى ٥/ ١١٢.
(٢) ابن حزم، المحلى ٥/ ١١٣.
(٣) صحيح البخاري الزكاة (١٤٨٣)، سنن الترمذي الزكاة (٦٤٠)، سنن النسائي الزكاة (٢٤٨٨)، سنن أبي داود الزكاة (١٥٩٦)، سنن ابن ماجه الزكاة (١٨١٧).
[ ٧٥ / ٣٤٩ ]
يشترط له النصاب حتى تجب فيه الزكاة (١).
وأجيب عنه: لم يعتبر الحول في زكاة الزيتون؛ لأنه يكمل نماؤه باستحصاده لا ببقائه، واعتبر الحول في غيره، لأنه مظنة لكمال النماء في سائر الأحوال، والنصاب اعتبر ليبلغ حدا يحتمل المواساة فيه، فلهذا اعتبر فيه، يحققه أن الصدقة إنما تجب على الأغنياء، ولا يحصل الغنى بدون النصاب كسائر الأحوال الزكائية (٢).
كما أن الزكاة تؤخذ من أموال الأغنياء وتعطى لفقرائهم مواساة لهم وتخفيفا من معاناتهم، ولا معنى لأن تؤخذ الزكاة من الفقير وهو بحاجة ماسة إلى أن يعان لا أن يعين (٣).
_________________
(١) ابن قدامة، المغني ٣/ ٧.
(٢) ابن قدامة، المغني ٣/ ٧.
(٣) القرضاوي، فقه الزكاة، ١/ ١٥٢.
[ ٧٥ / ٣٥٠ ]