لقد جرت العادة أن ينفق المزارع على مزروعاته بعض النفقات التي تحتاج إليها هذه المزروعات مثل: الحرث، والسماد، والتنقية، والحصاد ونقله إلى المعصرة وغير ذلك وتسمى هذه بالنفقات الإنمائية، وقد تكون هذه النفقات باهظة كما هو الحال في عصرنا الحاضر. والسؤال هو: هل يجوز خصم هذه النفقات من الغلة وقبل أن تؤخذ الزكاة أم لا؟
لقد وقع الاختلاف فيها بين أهل العلم على قولين:
الأول: لا يجوز خصم أو احتساب هذه النفقات من الغلة وقبل أن تؤخذ الزكاة، ومؤدى هذا القول إخراج الزكاة من الغلة دون الالتفات إلى النفقات مهما بلغت، وقد ذهب إليه الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة ومن وافقهم.
[ ٧٥ / ٣٦٤ ]
وحجتهم في ذلك: قوله ﷺ: «فيما سقت السماء العشر وما سقي بالنضح ففيه نصف العشر (١)».
وجه الاستدلال في الحديث: لقد حكم الرسول ﷺ بتفاوت الواجب لتفاوت المؤنة، فلو رفعت المؤنة كان الواجب واحدا، وهو العشر دائما في الباقي، لأنه لم ينزل إلى نصفه إلا للمؤنة، والفرض أن الباقي بعد رفع قدر المؤنة لا مؤنة فيه، فكان الواجب دائما العشر، لكن الواجب قد تفاوت شرعا، مرة العشر ومرة نصفه، بسبب المؤنة، فعلمنا أنه لم يعتبر شرعا عدم عشر بعض الخارج- وهو القدر المساوي للمؤنة- أصلا (٢).
الثاني: يجوز خصم النفقات من الغلة قبل أن تؤخذ الزكاة، وهو مروي عن ابن عباس وابن عمر وعطاء وطاووس ومكحول واختاره ابن العربي ومن المعاصرين القرضاوي (٣).
وحجتهم في ذلك:
أولا: روى أبو عبيد عن مكحول قال: «كان رسول الله ﷺ إذا بعث الخراص قال: خففوا فإن في المال
_________________
(١) صحيح البخاري الزكاة (١٤٨٣)، سنن الترمذي الزكاة (٦٤٠)، سنن النسائي الزكاة (٢٤٨٨)، سنن أبي داود الزكاة (١٥٩٦)، سنن ابن ماجه الزكاة (١٨١٧).
(٢) ابن عابدين، الحاشية ٢/ ٣٢٧.
(٣) ابن قدامة، المغني ٣/ ١٧، القرضاوي، فقه الزكاة ١/ ٣٩٦.
[ ٧٥ / ٣٦٥ ]
العرية والوطية (١)».
ثانيا: ما روي عن سهل بن أبي حثمة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع (٢)».
وجه الاستدلال في الحديثين:
الدلالة في الحديثين واضحة وهي أن على الخارص أن يترك لأصحاب الزروع والثمار (الزيتون) الثلث، أو الربع، وهذا القدر يساوي مقدار ما ينفقه صاحب الثمر (الزيتون) على زيتونه وفي هذا دلالة واضحة على خصم النفقات الإنمائية من الغلة وقبل إخراج الزكاة.
وقد أيد القرضاوي ما ذهب إليه بأمرين: (٣):
الأول: إن للكلفة والمؤنة تأثيرا في نظر الشارع، فقد تقلل مقدار الواجب، كما في السقي بآلة، حيث جعل الشارع ﷿ فيه نصف العشر فقط، وقد تمنع الوجوب أصلا، كما في الأنعام المعلوفة أكثر العام، فلا عجب أن تؤثر في إسقاط ما يقابلها من الخارج من الأرض.
_________________
(١) أبو عبيد، الأموال ص ٦١١.
(٢) الترمذي، السنن ٢/ ٧٧.
(٣) القرضاوي، فقه الزكاة ١/ ٣٩٦.
[ ٧٥ / ٣٦٦ ]
الثاني: إن حقيقة الثمار هو الزيادة، ولا يعد المال زيادة وكسبا إذا كان قد أنفق مثله في الحصول عليه.
[ ٧٥ / ٣٦٧ ]