:
يعود الاختلاف بين الفقهاء في اشتراط النصاب في زكاة الثمار ومنها الزيتون وعدم الاشتراط إلى قاعدة أصولية مشهورة ومعروفة هي: قاعدة تعارض العام والخاص بين الحديثين السابقين (١)، وبيان ذلك على النحو الآتي:
الحديث الأول: روى سالم بن عبد الله عن أبيه رضي الله تعالى
_________________
(١) ابن رشد، بداية المجتهد ٢/ ٢٢٥.
[ ٧٥ / ٣٥٠ ]
عنهما عن النبي ﷺ أنه قال: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر وما سقي بالنضح نصف العشر (١)».
الحديث الثاني: روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة (٢)».
محل التعارض بين الحديثين السابقين:
يدل الحديث الأول على أن ما سقي بماء السماء زكاته العشر قل أو كثر فهو عام في القليل والكثير، ومن ثم فإنه لا يشترط مقدار معين يخرج منه هذا العشر.
بينما يدل الحديث الثاني على اشتراط النصاب فيما تجب فيه الزكاة فما كان دون خمسة أوسق فلا تجب فيه الزكاة فيكون هذا الحديث معارضا للأول الذي دل على إخراج الزكاة في القليل والكثير، ولو كان القليل دون خمسة أوسق.
ولقد سلك الفقهاء في دفع هذا التعارض مناهج عدة هي:
الأول: الجمع بين الحديثين وذلك على مذهبين:
المذهب الأول: تخصيص حديث سالم بن عبد الله عن أبيه بحديث أبي سعيد الخدري، ويكون الحكم أن ما سقي بماء السماء أو كان عثريا من الزيتون لا تجب فيه زكاة العشر إلا إذا بلغ خمسة أوسق فما فوق.
_________________
(١) صحيح البخاري الزكاة (١٤٨٣)، سنن الترمذي الزكاة (٦٤٠)، سنن النسائي الزكاة (٢٤٨٨)، سنن أبي داود الزكاة (١٥٩٦)، سنن ابن ماجه الزكاة (١٨١٧).
(٢) صحيح البخاري الزكاة (١٤٤٧)، صحيح مسلم الزكاة (٩٧٩)، سنن الترمذي الزكاة (٦٢٦)، سنن النسائي الزكاة (٢٤٨٧)، سنن أبي داود الزكاة (١٥٥٩)، سنن ابن ماجه الزكاة (١٧٩٣)، مسند أحمد (٣/ ٩٧)، موطأ مالك الزكاة (٥٧٦)، سنن الدارمي الزكاة (١٦٣٣).
[ ٧٥ / ٣٥١ ]
وذهب إلى هذا الجمهور (١)، وقال البخاري عقب حديث سالم هذا تفسير الأول، لأنه لم يوقت في الأول، يعني حديث ابن عمر: «وفيما سقت السماء العشر (٢)»، وبين في هذا ووقت، والزيادة مقبولة، والمفسر يقضي على المبهم إذا رواه أهل الثبت (٣).
وذهب إلى هذا أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية وقالا: لا يجب العشر إلا فيما له ثمرة باقية إذا بلغ خمسة أوسق.
وتأول فقهاء الحنفية ما ذهب إليه الصاحبان: بأنه محمول على زكاة التجارة ومقتضى هذا التأويل أن يخصص حديث «ليس فيما دون» بمن أعد الخارج من الأرض من الزرع والثمار للتجارة فيه فإنه لا تجب عليه الزكاة فيه حتى يبلغ خمسة أوسق، وحديث: «فيما سقت السماء (٤)» في حق من لم يرد التجارة فيما يخرج من أرضه من الزروع والثمار (٥).
المذهب الثاني: كل ما يدخل فيه الكيل يراعى فيه النصاب، وما لا يدخل الكيل ففي قليله وكثيره الزكاة، لأن ما سقي بماء السماء إما أن يكون قليلا أو لا، فما كان قليلا فيشترط فيه النصاب
_________________
(١) النووي، شرح صحيح مسلم ٧/ ٤٩، ابن قدامة، المغني ٣/ ٧، البغوي، شرح السنة ٥/ ٥٠١.
(٢) صحيح البخاري الزكاة (١٤٨٣)، سنن النسائي الزكاة (٢٤٨٨)، سنن أبي داود الزكاة (١٥٩٦)، سنن ابن ماجه الزكاة (١٨١٧).
(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٣/ ٣٤٧.
(٤) صحيح البخاري الزكاة (١٤٨٣)، سنن النسائي الزكاة (٢٤٨٨)، سنن أبي داود الزكاة (١٥٩٦)، سنن ابن ماجه الزكاة (١٨١٧).
(٥) ابن الهمام، فتح القدير ٢/ ٢٤٣.
[ ٧٥ / ٣٥٢ ]
وهو خمسة أوسق وما لم يكن قليلا فلا يشترط فيه النصاب فتخرج الزكاة في قليله وكثيره ذهب إلى هذا داود الظاهري (١).
الثاني: الترجيح ومقتضاه تقديم حديث: «فيما سقت السماء (٢)» على حديث: «ليس فيما دون» لأن الحديث الأول عام، والثاني خاص، ودلالة العام قطعية كالخاص تماما، وإذا تعارض العام والخاص قدم الأحوط وهو الوجوب، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة فقال: في قليل ما أخرجته الأرض وكثيره العشر، لأنه لما تعارض حديث: «فيما سقت السماء (٣)» .. " مع حديث الأوساق في الإيجاب فيما دون خمسة أوسق، كان الإيجاب أولى للاحتياط (٤).
وعلل الطحاوي عدم اشتراط النصاب بقوله: لا يشترط أن يبلغ الخارج من الأرض خمسة أوسق حتى يزكى، والنظر الصحيح يدل على ذلك، وذلك أنا رأينا الزكوات تجب في الأموال والمواشي في مقدار منها معلوم، بعد وقت معلوم، وهو الحول، فكانت تلك الأشياء تجب بمقدار معلوم ووقت معلوم، ثم رأينا ما تخرج الأرض يؤخذ منه الزكاة في وقت ما تخرج، ولا ينتظر به وقت، فلما سقط أن يكون له وقت يجب فيه الزكاة بحلوله، سقط أن يكون له مقدار يجب الزكاة فيه ببلوغه، فكان حكم المقدار والميقات في هذا سواء
_________________
(١) ابن حجر، فتح الباري ٣/ ٣٥٠.
(٢) صحيح البخاري الزكاة (١٤٨٣)، سنن النسائي الزكاة (٢٤٨٨)، سنن أبي داود الزكاة (١٥٩٦)، سنن ابن ماجه الزكاة (١٨١٧).
(٣) صحيح البخاري الزكاة (١٤٨٣)، سنن النسائي الزكاة (٢٤٨٨)، سنن أبي داود الزكاة (١٥٩٦)، سنن ابن ماجه الزكاة (١٨١٧).
(٤) ابن الهمام، فتح القدير ٢/ ٢٤٣.
[ ٧٥ / ٣٥٣ ]
إذا سقط أحدهما سقط الآخر (١).
وقال ابن القيم في هذا الصدد:
يجب العمل بكلا الحديثين، ولا يجوز معارضة أحدهما بالآخر، ولا إلغاء أحدهما بالكلية، فإن طاعة الرسول ﷺ فرضي في هذا وفي هذا ولا تعارض بينهما بحمد الله تعالى فإن قوله: «فيما سقت السماء العشر (٢)» إنما أريد به التمييز بين ما يجب فيه العشر، وما يجب فيه نصفه، فذكر النوعين مفرقا بينهما في مقدار الواجب، وأما مقدار النصاب فسكت عنه في هذا الحديث، وبينه نصا في الحديث الآخر، فكيف يجوز العدول عن النص الصحيح الصريح المحكم، الذي لا يحتمل غير ما دل عليه البتة، إلى المجمل المتشابه الذي غايته أن يتعلق فيه بعموم لم يقصد بيانه بالخاص المحكم المبين كبيان سائر العمومات بما يخصها من النصوص (٣).
_________________
(١) الطحاوي، شرح معاني الآثار ٢/ ٣٨.
(٢) صحيح البخاري الزكاة (١٤٨٣)، سنن الترمذي الزكاة (٦٤٠)، سنن النسائي الزكاة (٢٤٨٨)، سنن أبي داود الزكاة (١٥٩٦)، سنن ابن ماجه الزكاة (١٨١٧).
(٣) ابن القيم، أعلام الموقعين ٢/ ٣٤٨.
[ ٧٥ / ٣٥٤ ]