س: ما حكم من يزور القبور ثم يقرأ الفاتحة وخاصة على قبور الأولياء كما يسمونهم في بعض البلاد العربية المجاورة، بالرغم أن بعضهم يقول: لا أريد الشرك، ولكن إذا لم أقم بزيارة هذا الولي فإنه يأتي إلي في المنام ويقول لي: لماذا لم تزرني؟ فما حكم ذلك؟ جزاكم الله خيرا (٢).
ج: يسن للرجال من المسلمين زيارة القبور كما شرعه الله سبحانه لقول النبي ﷺ: «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة (٣)» خرجه الإمام مسلم في صحيحه، وروى
_________________
(١) هذه الفتاوى سبق نشرها في ج ١٣ من مجموع الفتاوى لسماحته.
(٢) سبق نشره في (الجزء الخامس) ص ٣٤٥ من مجموع فتاوى سماحته.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه في (الجنائز) باب استئذان النبي ﷺ ربه في زيارة قبر أمه برقم (٩٧٦).
[ ٧٦ / ٤١ ]
مسلم في صحيحه أيضا عن بريدة بن الحصيب ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية (١)».
وصح عنه ﷺ من حديث عائشة ﵂ أنه كان إذا زار القبور يقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد (٢)»، ولم يكن حال الزيارة ﵊ يقرأ سورة الفاتحة ولا غيرها من القرآن، فقراءتها وقت الزيارة بدعة، وهكذا قراءة غيرها من القرآن لقول النبي ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٣)» متفق على صحته، وفي رواية مسلم ﵀ يقول ﷺ: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٤)»، وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ عن النبي صلى الله عليه
_________________
(١) أخرجه مسلم في (الجنائز) باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها برقم (٩٧٥).
(٢) رواه مسلم في (الجنائز) باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها برقم (٩٧٤).
(٣) رواه البخاري في (الصلح) باب إذا اصطلحوا على صلح جور برقم (٢٦٩٧)، ومسلم في (الأقضية) باب نقض الأحكام الباطلة برقم (١٧١٨).
(٤) رواه مسلم في (الأقضية) باب نقض الأحكام الباطلة برقم (١٧١٨).
[ ٧٦ / ٤٢ ]
وسلم أنه كان يقول في خطبته يوم الجمعة: «أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة (١)»، وأخرجه النسائي وزاد: «وكل ضلالة في النار (٢)».
فالواجب على المسلمين التقيد بالشرع المطهر والحذر من البدع في زيارة القبور وغيرها، والزيارة مشروعة لقبور المسلمين جميعا، سواء سموا أولياء أم لم يسموا أولياء، وكل مؤمن وكل مؤمنة من أولياء الله كما قال ﷿: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣) ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٤)، وقال الله سبحانه: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٥).
ولا يجوز للزائر ولا لغيره دعاء الأموات، أو الاستغاثة بهم، أو النذر لهم، أو الذبح لهم عند قبورهم، أو في أي مكان يتقرب بذلك إليهم ليشفعوا له، أو يشفوا مريضه، أو ينصروه على عدوه، أو لغير ذلك من الحاجات؛ لأن هذه الأمور من العبادة، والعبادة كلها لله وحده كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٦)، وقال ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٧)،
_________________
(١) رواه مسلم في (الجمعة) برقم (٨٦٧).
(٢) سنن النسائي صلاة العيدين (١٥٧٨).
(٣) سورة يونس الآية ٦٢
(٤) سورة يونس الآية ٦٣
(٥) سورة الأنفال الآية ٣٤
(٦) سورة البينة الآية ٥
(٧) سورة الذاريات الآية ٥٦
[ ٧٦ / ٤٣ ]
وقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١)، وقال ﷿: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٢)، والمعنى: أمر ووصى، وقال ﷿: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٣)، وقال ﷿: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤) ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٥)، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا (٦)» متفق على صحته من حديث معاذ ﵁، وهذا يشمل جميع العبادات من صلاة وصوم وركوع وسجود وحج ودعاء وذبح ونذر وغير ذلك من أنواع العبادة، كما أن الآيات السابقات تشمل ذلك كله، وفي صحيح مسلم عن علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لعن الله من ذبح لغير الله (٧)»، وفي صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب
_________________
(١) سورة الجن الآية ١٨
(٢) سورة الإسراء الآية ٢٣
(٣) سورة غافر الآية ١٤
(٤) سورة الأنعام الآية ١٦٢
(٥) سورة الأنعام الآية ١٦٣
(٦) رواه الإمام أحمد في (مسند الأنصار) برقم (٢١٥٥٣)، والبخاري في (الجهاد والسير) برقم (٢٨٥٦)، ومسلم في (الإيمان) برقم (٣٠).
(٧) رواه الإمام أحمد في (مسند العشرة المبشرين بالجنة) برقم (٨٥٧)، ومسلم في (الأضاحي) برقم (١٩٧٨).
[ ٧٦ / ٤٤ ]
﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله (١)»، والأحاديث في الأمر بعبادة الله وحده والنهى عن الإشراك به وعن وسائل ذلك كثيرة معلومة.
أما النساء فليس لهن زيارة القبور؛ لأن رسول الله ﷺ لعن زائرات القبور، والحكمة في ذلك والله أعلم أن زيارتهن قد تحصل بها الفتنة لهن ولغيرهن من الرجال، وقد كانت الزيارة للقبور في أول الإسلام ممنوعة حسما لمادة الشرك، فلما فشا الإسلام وانتشر التوحيد أذن ﷺ في الزيارة للجميع، ثم خص النساء بالمنع حسما لمادة الفتنة بهن.
أما قبور الكفار فلا مانع من زيارتها للذكرى والاعتبار، ولكن لا يدعى لهم ولا يستغفر لهم؛ لما ثبت في صحيح مسلم (٢) عن النبي ﷺ أنه «استأذن ربه أن يستغفر لأمه فلم يأذن له، واستأذنه أن يزور قبرها فأذن له (٣)»، وذلك أنها ماتت في الجاهلية على دين قومها.
_________________
(١) رواه البخاري في (الحدود) برقم (٦٨٣٠)، والدارمي في باب الرقائق (٦٨).
(٢) رواه مسلم في (الجنائز) برقم (٩٧٦)، وابن ماجه في (الجنائز) برقم (١٥٧٢).
(٣) صحيح مسلم الجنائز (٩٧٦)، سنن النسائي الجنائز (٢٠٣٤)، سنن أبي داود الجنائز (٣٢٣٤)، سنن ابن ماجه ما جاء في الجنائز (١٥٧٢)، مسند أحمد (٢/ ٤٤١).
[ ٧٦ / ٤٥ ]
وأسأل الله أن يوفق المسلمين رجالا ونساء للفقه في الدين، والاستقامة عليه قولا وعملا وعقيدة، وأن يعيذهم جميعا من كل ما يخالف شرعه المطهر، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
[ ٧٦ / ٤٦ ]