كانت أجهزة الدولة في قطر، أول ما تولى الشيخ القضاء ضعيفة، إذ لم يكن هناك بلديات أو دوائر للخدمات، مما زاد العبء على جهاز المحاكم، ومع ذلك فقد نهض الشيخ بمسؤولياته خير قيام: فكان هو القاضي، والمفتي، ويلقي الدروس، ويتولى مهمة الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويشرف على المساجد والأوقاف وكفالة الفقراء والأيتام والقصر واستثمار
[ ٨٦ / ٣٥٠ ]
أموالهم، علاوة على:
ما يتعلق بالمواطنين والخدمات، وكانوا في قطر يسمونه: أبو المساكين، وأبو اليتامى، كما اشتهر بالعدل والحزم في قضائه، علاوة على احترامه لوقت الدوام، إذ كان أول من يداوم في مكتبه وآخر من يخرج.
كما تحسس حاجة أهل البلاد، الذين لم يكن لهم دخل يكفيهم، فقام بالتوسع في توظيفهم في المساجد، فكان يعين في بعض المساجد أكبر من حاجتها، قد يصل إلى عشرة، كل ذلك من أجل المساعدة في توفير دخل للمحتاجين، وكان يصرف راتب المتوفى لورثته المحتاجين.
وقد كان أول من وضع أساس النظام الاجتماعي، عندما بدأ في إجراء مقررات للعجزة، والأيتام والفقراء من أهل البلاد.
وعندما وجد أن الحكومة قد تأخرت في إجراء خدمة توصيل المياه العذبة للقرى البعيدة عن العاصمة تولى المهمة بنفسه، وقام بالاتفاق مع عدد من المقاولين في تلك القرى لتوصيل المياه إلى كل بيت فيها بعد أن اعترض المستشار.
ولما وجد المقابر غير محترمة، ولا عناية لها فقد قام - ﵀ - بتخصيص مقابر في كل منطقة، مع تزويدها بحاجتها من عمال ومجهزين.
ومن مواقفه الحازمة: عندما تقدم بعض التجار بطلب افتتاح
[ ٨٦ / ٣٥١ ]
دار للسينما في الدوحة، رد عليهم الشيخ على آل ثاني بأنه: إذا أجاز ذلك الشيخ عبد الله بن محمود فلا مانع لدي، لكن فضيلته أجابهم بحرمة ذلك، وأنه باب من أبواب الشر ودخوله للبلاد، يجب إغلاقه.
وقبل بداية الاستقلال لدولة قطر، وفي عهد الشيخ: أحمد بن علي ﵀، وعندما عين: حسن كامل مستشار للحكومة، أراد أن يضع قانونا للديات بحيث تكون دية الشخص المسلم على ثلاث درجات: طبقة الوجهاء والأعيان، وكبار المسؤولين، ومن يماثلهم بالدرجة الأولى، وديتهم عالية، ثم الطبقة الوسطى، ولهم دية من الدرجة الثانية، ثم الطبقة الفقيرة، أو ذات الدخل المحدود، ولهم دية من الدرجة الثالثة.
لكن فضيلة الشيخ عبد الله غضب، وتصدى لحسن كامل بقوة وثبات، وجرت مناقشة بحضور الشيخ أحمد، وبين فضيلة الشيخ لهم: أن دماء المسلمين متكافئة، يسعى بذمتهم أدناهم فانتصر هذه القضية، وبقيت دية المسلمين متساوية كما شرعها الله.
ولما كان فضيلته أول من سن في قطر نظام المساعدات للعجزة والأرامل والفقراء وغيرهم، فقد كانت أول حادثة لهذا الأمر أن رجلا عاجزا عن العمل حضر إليه مبينا أنه لا دخل له، ولا يوجد من يعوله، فكتب إلى المستشار وهو في ذلك التاريخ، إنجليزي الجنسية يدعى (جي إم هنكوك)
[ ٨٦ / ٣٥٢ ]
فكتب إليه الشيخ بشان تقرير مساعدة شهرية للرجل، يتعيش منها ومن يكلفهم إن وجد، إلا أن المستشار رفض، فما كان من فضيلته إلا أن قرر مبلغا معينا للشخص المذكور، ثم أخذه معه في سيارته، وذهب به إلى مقر المستشار، وأدخله عليه في مكتبه، وقال له: يجب أن يصرف هذا المقرر للرجل، ولن يغادر مكتبك حتى يتم له هذا الضمان، لكون الحكومة ملزومة بذلك شرعا، لكل من هو في حالته.
وقد تم ذلك، ووافق الشيخ علي يرحمه الله، على أن يقرر لكل عاجز، أو أرملة أو يتيم، يرى فضيلته أحقيتهم للمساعدة، أن يصار إلى صرفها بالقدر الذي يقرره فضيلة الشيخ عبد الله. (١)
وله مواقف كثيرة، يقدرها له حكام قطر، ويؤيدونه فيها، لما يعلمونه من نصحه وإخلاصه وصفاء نيته ومن ذلك قصته إيصال المياه العذبة التي أوردتها في هذا البحث باختصار، حيث أجرى عقودا بتأمين المياه العذبة لكل بيت يوميا في جميع القرى، وأوضح للمستشار الذي رفض ذلك بقوله: بأن عليهم أن يشربوا من الآبار، فرد عليه بأنه حق لهم واجب على الدولة، أن تساويهم بأهل الدوحة، وشرع الله لا يفرق في الحقوق بين مواطن ومواطن، وكان ذلك في
_________________
(١) من أوراق مخطوطة بعثها إلي ابنه فضيلة الشيخ عبد الرحمن، بأقلام أخص تلاميذه
[ ٨٦ / ٣٥٣ ]
عام ١٣٧٦هـ عندما تقدم له أهالي ٥٠ مدينة وقرية في شمالية في قطر.
وكان هو أول من طبق في قطر اعتبار الطلاق بالثلاث عن واحدة، وخالف رأي الجمهور حول الطلاق البدعي، وله الكثير من الآراء التي تسير عليها محاكم قطر الآن التي حلت كثيرا من المشكلات (١)
_________________
(١) من أوراق بعثها إلي ابنه معالي الشيخ عبد الرحمن رئيس المحاكم في قطر
[ ٨٦ / ٣٥٤ ]