المبحث الرابع: متابعة الرسول ﷺ والاقتداء به لا بد للسالك كذلك من متابعة الرسول ﷺ والتأسي به في كل أعماله صغيرها وكبيرها، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١)، وفي هذا يقول ابن القيم مخاطبا العبد السالك: حقيقة هذا الاقتداء "التأدب بآداب رسول الله ﷺ باطنا وظاهرا، وتحكيمه باطنا وظاهرا، والوقوف معه حيث وقف بك، والمسير معه حيث سار بك، بحيث تجعله بمنزلة شيخك الذي قد ألقيت إليه أمرك كله سره وظاهره، واقتديت به في
_________________
(١) سورة الأحزاب الآية ٢١
[ ٨٦ / ٣٠١ ]
جميع أحوالك، ووقفت مع ما يأمرك به فلا تخالفه ألبتة، فتجعل رسول الله ﷺ لك شيخا وإماما وقدوة وحاكما، وتعلق قلبك بقلبه الكريم وروحانيتك بروحانيته كما يعلق المريد روحانيته بروحانية شيخه، فتجيبه إذا دعاك، وتقف معه إذا استوقفك، وتسير إذا سار بك، وتقيل إذا قال، وتنزل إذا نزل، وتغضب لغضبه، وترضى لرضاه.
وإذا أخبرك عن شيء أنزلته منزلة ما تراه بعينك، وإذا أخبرك عن الله بخبر أنزلته منزلة ما تسمعه من الله بأذنك.
وبالجملة: تجعل الرسول شيخك وأستاذك ومعلمك ومربيك ومؤدبك، وتسقط الوسائط بينك وبينه إلا في التبليغ، كما تسقط الوسائل بينك وبين المرسل في العبودية، ولا تثبت وساطة إلا في وصول أمره ونهيه ورسالته إليك" (١)
ويتابع فيقول: "وهذان التجريدان هما حقيقة شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله. والله وحده هو المعبود المألوه الذي لا يستحق العبادة سواه، ورسوله المطاع المتبع المهتدى به الذي لا يستحق الطاعة سواه. ومن سواه فإنما يطاع إذا أمر الرسول بطاعته، فيطاع تبعا للأصل.
وبالجملة: فالطريق مسدودة إلا على من اقتفى آثار الرسول ﷺ.
_________________
(١) مدارج السالكين، ج٣/ص١٠٩
[ ٨٦ / ٣٠٢ ]
واقتدى به ظاهره وباطنه. فلا يتعنى السالك على غير هذا الطريق، فليس حظه من سلوكه إلا التعب، وأعماله ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (١).
ولا يتعنى السالك على هذا الطريق، فإنه واصل ولو زحف زحفا، فأتباع الرسول ﷺ إذا قعدت بهم أعمالهم: قامت بهم عزائمهم وهممهم ومبايعتهم لنبيهم، كما قيل:
من لي بمثل سيرك المدلل تمشي رويدا وتجيء في الأول
والمنحرفون عن طريقه إذا قامت بهم أعمالهم واجتهاداتهم:
قعد بهم عدولهم عن طريقه:
فهم في السرى لم يبرحوا من مكانهم وما ظعنوا في السير عنه وقد كلوا
(٢)
"ويقول - معتبرا - الاقتداء بالرسول ﷺ أحد ثلاثة أمور لا يصح السلوك إلا بها: "إنما يصح السلوك ويسلم من الآفات والعوائق والقواطع بثلاثة أمور:
الأول: أن يكون السالك على الدرب الأعظم، الدرب النبوي المحمدي، لا على الجواد الوضعية والرسوم الاصطلاحية، وإن
_________________
(١) سورة النور الآية ٣٩
(٢) المصدر السابق، ج٣/ص١٠٩ – ١١٠. وراجع: طريق الهجرتين، ص ٢٤
[ ٨٦ / ٣٠٣ ]
زخرفوا لها القول ودققوا لها الإشارة وحسنوا لها العبارة.
الثاني: ألا يجيب على الطريق داعي البطالة والوقوف والدعة.
الثالث: أن يكون في سلوكه ناظرا إلى المقصود (١)
ويستشهد بأقوال بعض علماء السلوك الأجلاء في هذا الضابط، فيقول: " قال الجنيد بن محمد ﵀: (الطرق كلها مسدودة على الخلق، إلا من اقتفى أثر الرسول ﷺ واتبع سنته ولزم طريقته، فإن طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه" (٢) "وقال أحمد بن أبي الحواري ﵀: "من عمل عملا بلا اتباع سنة فباطل عمله" (٣) وقال ابن عطاء (من ألزم نفسه آداب السنة نور الله قلبه بنور المعرفة، ولا مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب في أوامره
_________________
(١) مدارج السالكين، ج٣/ص١٣٠ - ١٣١
(٢) المصدر السابق، ج٣/ص٩٣. وانظر: ج٢/ص٧٦، وص٣٤٨، وطريق الهجرتين، ص٢٤
(٣) مدارج السالكين، ج٢/ص٣٤٨
[ ٨٦ / ٣٠٤ ]
وأفعاله وأخلاقه) (١)
ويبين - ﵀ - الفرق بين تجريد المتابعة للرسول ﷺ وإهدار أقوال العلماء وإلغائها، فيقول: "والفرق بين تجريد متابعة المعصوم ﷺ وإهدار أقوال العلماء وإلغائها: أن تجريد المتابعة ألا تقدم على ما جاء به قول أحد ولا رأيه كائنا من كان، بل تنظر في صحة الحديث أولا، فإذا صح لك نظرت في معناه ثانيا، فإذا تبين لك لم تعدل عنه ولو خالفك من بين المشرق والمغرب. ومعاذ الله أن تتفق الأمة على مخالفة ما جاء به نبيها، بل لا بد أن يكون في الأمة من قال به ولو لم تعلمه، فلا تجعل جهلك بالقائل حجة على الله ورسوله، بل اذهب إلى النص ولا تضعف، واعلم أنه قد قال به قائل قطعا ولكن لم يصل إليك، هذا مع حفظ مراتب العلماء وموالاتهم واعتقاد حرمتهم وأمانتهم واجتهادهم في حفظ الدين وضبطه، فهم دائرون بين الأجر والأجرين والمغفرة، ولكن لا يوجب هذا إهدار النصوص وتقديم قول الواحد منهم عليها بشبهة أنه أعلم بها منك، فإن كان كذلك فمن ذهب إلى النص أعلم به منك فهلا وافقته إن كنت صادقا، فمن عرض أقوال العلماء على النصوص ووزنها بها
_________________
(١) مدارج السالكين، ج٢/ص٣٤٩.
[ ٨٦ / ٣٠٥ ]
وخالف منها ما خالف النص لم يهدر أقوالهم ولم يهضم جانبهم، بل اقتدى بهم، فإنهم كلهم أمروا بذلك، فمتبعهم حقا من امتثل ما أوصوا به لا من خالفهم. فمخالفتهم في القول الذي جاء النص بخلافه أسهل من مخالفتهم في القاعدة الكلية التي أمروا ودعوا إليها من تقديم النص على أقوالهم.
ومن هنا يتبين الفرق بين تقليد العالم في كل ما قال وبين الاستعانة بفهمه والاستضاءة بنور علمه، فالأول يأخذ قوله من غير نظر فيه ولا طلب لدليله من الكتاب والسنة، بل يجعل ذلك كالحبل الذي يلقيه في عنقه يقلده به، ولذلك سمي تقليدا. بخلاف من استعان بفهمه واستضاء بنور علمه في الوصول إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فإنه يجعلهم بمنزلة الدليل إلى الدليل الأول، فإذا وصل إليه استغنى بدلالته عن الاستدلال بغيره، فمن استدل بالنجم على القبلة فإنه إذا شاهدها لم يبق لاستدلاله بالنجم معنى. قال الشافعي: (أجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد) (١)
_________________
(١) الروح، ص٣٥٦ - ٣٥٧.
[ ٨٦ / ٣٠٦ ]