يجب على العبد السالك أداء ما افترضه الله عليه من عبادات شرعية كالصلاة والصيام والزكاة والحج ، ويرى ابن القيم أنه لا يجوز للسالك ترك فرائض أو جهاد أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر مهما بلغ من درجة القرب من الله، بل يرى أنه ينبغي عليه أن يكون
[ ٨٦ / ٣١٧ ]
أكثر عبادة والتزاما بأوامر الله ونواهيه كلما ترقى في درجات القرب من الله. حيث يقول ﵀: "كلما تمكن العبد في منازل العبودية كانت عبوديته أعظم، والواجب عليه منها أكبر وأكثر من الواجب على من دونه. ولهذا كان الواجب على رسول الله ﷺ - بل على جميع الرسل - أعظم من الواجب على أممهم، والواجب على أولي العزم أعظم من الواجب على من دونهم، والواجب على أولي العلم أعظم من الواجب على من دونهم، وكل أحد بحسب مرتبته" (١)
ويقول أيضا: "إن العبد كلما كان إلى الله أقرب كان جهاده في الله أعظم، قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (٢). وتأمل أحوال رسول الله ﷺ وأصحابه فإنهم كانوا كلما ترقوا من القرب في مقام؛ عظم جهادهم واجتهادهم. لا كما ظنه بعض الملاحدة المنتسبين إلى الطريق، حيث قال: (القرب الحقيقي ينقل العبد من الأحوال الظاهرة إلى الأعمال الباطنة، ويريح الجسد والجوارح من كد العمل).
_________________
(١) مدارج السالكين، ج١/ص٨٧ - ٨٨.
(٢) سورة الحج الآية ٧٨
[ ٨٦ / ٣١٨ ]
وهؤلاء أعظم كفرا وإلحادا، حيث عطلوا العبودية وظنوا أنهم استغنوا عنها بما حصل لهم من الخيالات الباطلة، التي هي من أماني النفس وخدع الشيطان
وقد صرح أهل الاستقامة وأئمة الطريق بكفر هؤلاء، فأخرجوهم من الإسلام، وقالوا: لو وصل العبد من القرب إلى أعلى مقام يناله العبد لما سقط عنه من التكليف مثقال ذرة، أي: ما دام قادرا عليه
قال سري السقطي (من ادعى باطن حقيقة ينقضها ظاهر حكم فهو غالط). وقال سيد الطائفة الجنيد بن محمد: (علمنا هذا متشبك بحديث رسول الله ﷺ). وقال إبراهيم بن محمد النصرابادي (أصل هذا المذهب ملازمة الكتاب والسنة وترك الأهواء والبدع، والتمسك بالأئمة والاقتداء بالسلف، وترك ما أحدثه الآخرون، والمقام على ما سلك الأولون). وسئل إسماعيل بن نجيد: ما الذي لا بد للعبد منه؟ فقال: (ملازمة العبودية على السنة ودوام المراقبة) وقال الجنيد
[ ٨٦ / ٣١٩ ]
لما ذكر عنده استهانة بعض أهل المعرفة بالعبادات -: (العبادة على العارفين أحسن من التيجان على رؤوس الملوك) فلا تصغ إلى قول ملحد قاطع للطريق في قالب عارف يقول: إن منزلة القرب تنقل العبد من الأعمال الظاهرة إلى الأعمال الباطنة، وتحمل على الاستهانة بالطاعات الظاهرة، وتريحه من كد القيام بها" (١)
ويعنف - ﵀ - على من ادعى سقوط التكاليف الشرعية عن السالك إذا ازداد قربا من الله، فيقول: "من زعم أنه يصل إلى مقام يسقط عنه فيه التعبد، فهو زنديق كافر بالله ورسوله، وإنما وصل إلى مقام الكفر بالله والانسلاخ من دينه" (٢) والتكاليف الشرعية "إنما هي قرة عين، وسرور قلب، وحياة روح، صدر التكليف بها عن حكيم حميد. فهي أشرف ما وصل إلى العبد من ربه، وثوابه عليها أشرف ما أعطاه الله للعبد" (٣)
_________________
(١) مدارج السالكين، ج٣/ص٩١ - ٩٤، بتصرف يسير.
(٢) المصدر السابق، ج١/ص٨٧.
(٣) المصدر السابق، ج٣/ص١١٧.
[ ٨٦ / ٣٢٠ ]