أعتقد أن هذه المسألة من أهم المسائل المطروحة في بحث زكاة الأراضي، كما أنها من أشكل المسائل، لأن كثيرا من الناس لا يدري ما معنى نية التجارة، ومتى تتحصل عنده نية التجارة؟ وهل هناك فرق بين نية التجارة ونية البيع؟ وهل يكفي فيها مجرد الإضمار أو العزم القلبي أو لا بد من عمل آخر، يبين هذا العزم؟ وما الحكم عند التردد في النية؟ وهل يمكن أن يستدل بقرائن الأحوال على تعيين النية؟
[ ٨٦ / ٢٠١ ]
ولعلي أن أوضح هنا بعض هذه الإشكالات المتعلقة بنية مالك الأرض، وأثر ذلك في إيجاب الزكاة أو عدم إيجابها، وذلك من خلال النقاط الآتية:
أولا: متى تتحصل نية التجارة؟ وما الفرق بينها وبين نية البيع؟
من المسلم به أنه ليس كل من يريد بيع سلعة يريد التجارة بها، لأن مجرد البيع ليس بالضرورة أن يكون تجارة، فبيع السلع يكون لمقاصد أخرى كالتخلص من السلعة، أو عدم الرغبة فيها أحيانا، أو وجود ضائقة، أو نحو ذلك، ولذا فقد ذكر الفقهاء أن التجارة في البيع معناها: تقليب المال بقصد الأرباح
ويظهر من هذا أن نية التجارة في الأرض تغاير نية البيع، فقد ينوي الإنسان بيع الأرض وهو لا يريد المتاجرة فيها، وذلك كمن اشترى أرضا للسكنى أو الاستثمار، ولم يقصد عند الشراء بيعها للتجارة، ثم بدا له بيعها، لسبب أنه رغب عن الأرض، كأن يريد تغيير الموقع إلى موقع أنسب، فهذا في الحقيقة لم ينو التجارة، والذي يظهر أنه لا تجب على مثله زكاة، ولو مر حول أو أكثر على هذه النية.
ومثل هذا أيضا من ورث أرضا وأراد بيعها لقسمة ثمنها على
[ ٨٦ / ٢٠٢ ]
الورثة، لا لقصد الربح والتجارة، فهذا لا زكاة عليه في قيمة الأرض، ولو بقيت على تلك الحال زمنا؛ لأنها لم تكن معدة للتجارة.
وبهذا يعلم أن تحصيل النية للتجارة في الأراضي أو العروض عموما يكون بتحري الربح ببيع العرض، لا بقصد البيع فقط.
ومما يؤيد هذا المعنى أن الزكاة الواردة في الشرع إنما تجب في الأموال التجارية التي يراد منها إنماء المال وربحه، وهذا هو الإعداد للبيع الوارد في الحديث المتقدم: «كان يأمرنا أن نخرج الزكاة من الذي يعد للبيع (١)»
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الزكاة باب العروض إذا كانت للتجارة هل فيها من زكاة؟ ٢/ ٩٥ رقم (١٥٦٢)، والطبراني في الكبير ٧/ ٢٥٣ رقم (٧٠٢٩)، والدارقطني في كتاب الزكاة. باب زكاة مال التجارة وسقوطها عن الخيل والرقيق ٢/ ١٢٧، ١٢٨ رقم (٢٠٢٧) والبيهقي في السنن الكبرى كتاب الزكاة باب زكاة التجارة ٤/ ١٤٦ رقم (٧٣٨٨)، وابن حزم في المحلى ٥/ ٢٣٤، وابن عبد البر في التمهيد ١٧/ ١٣٠، كلهم من طريق جعفر بن سعد عن خبيب بن سليمان عن أبيه، وفيه زيادة عند الدارقطني في أوله، ومدار الحديث على جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، وهذا إسناد ضعيف لما يلي: ١ - فيه جعفر بن سعد، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن حزم: مجهول، وقال عبد الحق - في الأحكام-: ليس ممن يعتمد عليه، وقال ابن عبد البر: ليس بالقوي، وقال ابن القطان: ما من هؤلاء من يعرف حاله - يعنى جعفرا، وشيخه وشيخ شيخه - قال الذهبي: وقد جهد المحدثون فيهم جهدهم، وهو إسناد يروى به جملة أحاديث قد ذكر البزار منها نحو المائة، ولذا قال ابن حجر في التقريب: (ليس بالقوي). ينظر الأحكام الوسطى ٢/ ١٧١، بيان الوهم لابن القطان ٥/ ١٣٩، ميزان الاعتدال ١/ ٤٠٧، تهذيب التهذيب ٢/ ٨٠، التقريب (٩٤١). ٢ - خبيب بن سليمان ذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن حزم: مجهول، وقال عبد الحق: ليس بقوي، قال ابن حجر: وقرأت بخط الذهبي: لا يعرف، ولذا قال ابن حجر في التقريب: (مجهول). ينظر تهذيب التهذيب ٣/ ١١٦، تقريب التهذيب (١٧٠٠). ٣ - سليمان بن سمرة بن جندب: قال عنه ابن القطان: مجهول، ولذا قال ابن حجر في التقريب: (مقبول). ينظر تهذيب التهذيب ٤/ ١٧٣، تقريب التهذيب (٢٥٦٩). فهذا كلام أهل العلم بالرجال في رواة هذا الإسناد تفصيلا، وبخصوص هذا الإسناد بعينه فقد قال الحافظ الذهبي - كما في الميزان ١/ ٤٠٨ - لما ساق جملة من الأحاديث التي رويت بهذا الإسناد: (وبكل حال هذا إسناد مظلم لا ينهض بحكم)، ولذا قال الحافظ ابن حجر في التلخيص ٢/ ١٧٩: (في إسناده جهالة)، وقال في البلوغ (ص: ١١٢): بإسناد لين، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: وفي إسناده ضعف ٣/ ٦٩، وقال الألباني في الإرواء ٣/ ٣١٠: (ضعيف). وبهذا يتبين أن أكثر أهل العلم بالحديث لا يثبت هذا الحديث، أما قول النووي: (وفي إسناده جماعة لا أعرف حالهم ولكن لم يضعفه أبو داود، وقد قدمنا أن ما لم يضعفه فهو حسن عنده المجموع ٦/ ٤٠، وكذا قول الشنقيطي (وهذا الحديث سكت عليه أبو داود ﵀ ومعلوم من عادته أنه لا يسكت إلا عن حديث صالح للاحتجاج عنده). أضواء البيان ٢/ ١٣٧، فإنه اعتماد على إخراج أبي داود للحديث، وسكوته عنه والاعتماد على سكوت أبي داود غير مقبول عند جماعة من أهل العلم، لأنه ثبت أن أبا داود يسكت أحيانا عما في الصحيحين وعما هو شديد الضعف. قال الحافظ ابن حجر في النكت على كتاب ابن الصلاح ١/ ٤٣٩ - ٤٤٤ بعد أن ذكر أن أبا داود يخرج أحاديث جماعة من الضعفاء في الاحتجاج ويسكت عنها: (فلا ينبغي للناقد أن يقلده في السكوت على أحاديثهم، ويتابعه على الاحتجاج بهم بل طريقه أن ينظر هل لذلك الحديث متابع فيعتضد به، أو هو غريب فيتوقف فيه؟ إلى أن قال: فالصواب عدم الاعتماد على مجرد سكوته)
[ ٨٦ / ٢٠٣ ]