ثالثا: إذا جمع نية التجارة مع غيرها.
لو نوى الشخص حين شراء الأرض أنها للتجارة والإجارة أو الاستغلال، أو نوى بشرائها التجارة والانتفاع بها؛ بحيث ينوي أنه سينتفع بها وربما يبيعها متى ما تحصل له ثمن مناسب، ومثل هذا يحصل عند بعض الناس، يقول أنا اشتريت ناويا الانتفاع إلا أن تأتي هذه الأرض بفائدة فأبيع، فهل هذه الأرض تجب فيها الزكاة؟
يذكر فقهاء المالكية في مثل هذه المسألة خلافا، هو روايتان عن مالك.
[ ٨٦ / ٢٠٥ ]
فالرواية الأولى: وجوب الزكاة على من نوى عند شراء العرض القنية والتجارة أو الغلة (الاستغلال) والتجارة، وذلك مراعاة لقصد التنمية بالغلة والتجارة (١) ولأن القنية والتجارة أصلان، كل واحد قائم بنفسه، منفرد بحكمه، أحدهما يوجب الزكاة والآخر ينفيها، فإذا اجتمعا كان الحكم للذي يوجب الزكاة؛ احتياطا، كشهادة تثبت حقا وشهادة تنفيه، وكقول مالك فيمن تمتع وله أهل بمكة وأهل ببعض الآفاق إنه يهدي احتياطا فهذا مثله (٢)
لكن يمكن أن يجاب عن هذا بما يلي:
١ - أن قصد التنمية باستغلال العروض يجعل الزكاة في المستغل دون الأصل، كما هو معلوم في زكاة المستغلات دون أصولها، ولذا فصاحب الأرض إذا نوى استغلالها فالزكاة في الغلة فقط، ولا زكاة في عين الأرض - كما تقدم في المبحث الثاني - (٣)
_________________
(١) الفروق ٢/ ١٩٦.
(٢) البيان والتحصيل ٢/ ٣٦٨، التاج والإكليل ٣/ ١٨٢، ١٨٣.
(٣) راجع ص ١٥٩.
[ ٨٦ / ٢٠٦ ]
٢ - المنع من جعل التجارة أصلا في العروض، بل الأصل في العروض هو القنية، ولذلك احتاج من أراد التجارة إلى النية المصاحبة، وجعلت شرطا فيها.
٣ - أن الأخذ بمبدأ الاحتياط إنما يكون عند تقارب الدليلين أو تكافئهما، مع عدم وجود المرجح، وهنا لم تتكافأ الأدلة، ووجد المرجح وهو الأصل، فإن الأصل أن العروض تكون للقنية لا للتجارة.
والرواية الثانية: سقوط الزكاة على من اشترى العرض بنية القنية والتجارة، أو بنية الغلة والتجارة، وذلك لتغليب النية في القنية على نية التنمية فيمن أراد الاستغلال؛ ولأن القنية هي الأصل في العروض (١)
والذي يظهر رجحانه: الرواية الثانية، وعليها فإنه لا تجب الزكاة في الأرض إذا نوى بها الانتفاع والتجارة معا، أو نوى بها الاستغلال والتجارة معا؛ لأن من شرط العين التي تجب فيها الزكاة أن تتمحض النية فيها للتجارة، وهذه المسألة تشبه المسألة السابقة التي أبهمت فيها النية، أو ترددت عند المالك، فإن النية الموجبة للزكاة هي النية الجازمة التي لم يقترن بها غيرها، خاصة إذا تقرر بأن الأصل في شراء الأرض الانتفاع (٢)
_________________
(١) البيان والتحصيل ٢/ ٣٦٨، الفروق ٢/ ١٩٦
(٢) البيان والتحصيل ٢/ ٣٦٨، الفروق ٢/ ١٩٦.
[ ٨٦ / ٢٠٧ ]
ولا يعني هذا تحول نية التجارة بمجرد استغلال الأرض أو الانتفاع بها بأي وجه كان، كمن عنده أراض تجارية، فأراد أن يستفيد منها فائدة مؤقتة، كأن يجعلها موقفا للسيارات، أو مستودعا أو نحو ذلك، فهذا لا يخرجها عن نية التجارة؛ لأنه في الحقيقة يريد بيعها، ولو على تلك الحال، وقد أشار بعض الفقهاء - كما سبق - إلى مثل هذه المسألة حيث ذكروا: وجوب الزكاة في الأرض التجارية إذا زرعت (١)
ولعل هذا هو الذي جعل بعض فقهاء المالكية يرجح وجوب الزكاة على من نوى عند الشراء الإجارة والتجارة، أو القنية والتجارة حيث قالوا: "إن نوى بشراء العرض التجارة والإجارة كان ذلك أبين في وجوب الزكاة، ومثله إذا نوى التجارة والاستمتاع بالاستخدام والوطء؛ لأنه معلوم أن كل من نوى التجارة بانفرادها يستمتع في خلال ذلك بالاستخدام والركوب والكراء إلى أن يتفق له البيع" (٢)
فهم نظروا إلى أن وجود الانتفاع أو الاستغلال لعين السلعة مع وجود الأصل وهو نية التجارة لا يسقط حكم الزكاة فيها؛ لأنه يريد بالسلعة البيع متى ما اتفق له ذلك، وهذا حق من هذا الوجه، ولعله هو المراد عند من اختار هذا القول من فقهاء المالكية.
_________________
(١) راجع ص ١٩٨.
(٢) التاج والإكليل ٣/ ١٨٢.
[ ٨٦ / ٢٠٨ ]