لقد تفرغ الشيخ عبد الله لطلب العلم الشرعي بجد، وطول نفس وصبر، فدرس وحفظ الكثير من الكتب والمتون في الفقه والحديث والنحو.
ففي الفقه: حفظ زاد المستقنع في اختصار المقنع، في الفقه الحنبلي، وحفظ كثيرا من مختصر نظم ابن عبد القوي، ونظم المفردات وغيرها من مصادر الفقه الحنبلي، فكان فقيها حنبليا، محبا لشيخ الإسلام ابن تيمية، لكنه واسع الاطلاع في المذاهب الأخرى.
وفي الحديث: حفظ بلوغ المرام في أدلة الأحكام لابن حجر ﵀، وألفية الإمام السيوطي في مصطلح الحديث، كما حفظ
[ ٨٦ / ٣٣٥ ]
كثيرا من الأحاديث من مصادرها العالية عن ظهر قلب.
وفي النحو: حفظ ألفية ابن مالك، وقطر الندى لابن هشام (١) وكان الشيخ محبا للعلم - كما قال ابن بسام - لا يثنيه عن طلب العلم أهل ولا مال، فلا يكاد يسمع بعالم من العلماء في بلد من البلاد، إلا شد الرحال إليه، وترك أهله وولده، وسافر بطلب العلم، وقد كانت أولى سفراته إلى قطر، حيث قصدها طلبا للعلم، على يد الشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع عام ١٣٥٥هـ، وكان له من العمر ستة وعشرون عاما، وإذا علم أن وسيلة المواصلات في ذلك الوقت هي الإبل علمنا المشقة الشديدة التي قاساها في سبيل طلب العلم، لكن مما يهونها عليه أنه ﵀، يسير مع القوافل التي تذهب من الحوطة، إلى قطر للتجارة وللعمل في الغوص وغيره، وقد لازم الشيخ ابن مانع ثلاث سنين في قطر، ودرس عليه عددا من كتب الحديث والتفسير والفقه، كما حفظ عددا من المتون في الفقه.
وكان من أبرز طلاب الشيخ ابن مانع، في مدرسته التي استقطبت طلاب العلم في قطر، وخارجها، وقد أعجبه سرعة حفظه، وفهمه الشديد للعلم؛ يقول الشيخ أحمد ابن الشيخ محمد بن مانع - ﵀ -: كان الشيخ ابن محمود من أبرز طلبة الوالد ﵀، وكان والدي يرى فيه مخايل النبوغ، فتعهده واهتم بتعليمه، وكان الشيخ ابن محمود
_________________
(١) تحفة الودود تأليف عمر تهاني مختار ص٢٩
[ ٨٦ / ٣٣٦ ]
حريصا على العلم، سريع الحفظ حاضر البديهة، وعندما غادر والدي مكة لتسلم عمله بطلب الملك عبد العزيز، سافر الشيخ معه، ويذكر الشيخ زهير الشاويش أن الشيخ محمد بن مانع قال للشيخ علي بن عبد الله حاكم قطر في حينه، عليكم بالشيخ ابن محمود، فوالله إن ذهب أو ترك فلن تجدوا مثله (١) وقال بعض من عرفه ذلك الوقت: إنه لم يكن يترك المصحف، أو الكتاب من يده طول اليوم، وكان يقضي أغلب وقته في المسجد للدراسة، أو الاستذكار.
وفي قطر: كان يسكن عند ابن عمه: سعد بن إبراهيم آل محمود وبعد عودته من قطر، ومجيء الشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع، إلى المملكة للعمل في مكة فقد رجع الشيخ عبد الله بن محمود من قطر، فلزم حلقة الشيخ: محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية في الرياض، وأخذ عنه العلم سنة كاملة (١٣٥٨هـ).
ثم صدر الأمر من الملك عبد العزيز إلى الشيخ: محمد بن إبراهيم، باختيار ثمانية من العلماء يذهبون إلى مكة للوعظ والتدريس بها، ويكونون تحت طلب الحكومة، لسد حاجة الأقاليم من القضاة، فكان الشيخ: عبد الله أحد هؤلاء الثمانية، حيث توجه إلى مكة عام
_________________
(١) ص٢، ٣ عن ترجمة لسيرته من ابنه الشيخ عبد الرحمن
[ ٨٦ / ٣٣٧ ]
١٣٥٩هـ ومكث بها فترة للوعظ والتدريس، بالمسجد الحرام حين سفره لتولي القضاء في قطر (١)
وقد ذكر عمر تهاني مختار في كتابه عن الشيخ عبد الله بن محمود، أن من هؤلاء الثمانية: الشيخ عبد العزيز بن ناصر الرشيد، رئيس هيئة التمييز بالرياض سابقا ﵀، استنادا على ما جاء في رسالة الشيخ ابن محمود: مباحث التحقيق مع الصاحب الصديق، وذكر أيضا أنهم نزلوا في مسكن فسيح جميل ذي طابقين، في الحلقة بمكة ومنهم الشيخ: عبد اللطيف بن إبراهيم آل عبد اللطيف، والشيخ محمد البصيري وكلاهما من أهل شقراء، والشيخ صالح بن طاسان، والشيخ إبراهيم الزغيبي، والشيخ عبد العزيز بن مقري، والشيخ: عبد الله بن عامر. (٢) وقد بان في ترجمة الشيخ: محمد بن مانع، عند عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ: أن الشيخ محمد بن مانع لما قدم الأحساء قادما من قطر عام ١٣٥٨هـ، قابله عبد الله السليمان وزير المالية، فأشار عليه بالقدوم على الملك عبد العزيز بالرياض فقبل ذلك وأكرمه الملك عبد العزيز، وعينه مدرسا في الحرم المكي الشريف،
_________________
(١) علماء نجد ثمانية قرون لعبد الله البسام الطبعة الثانية، ١٤١٩هـ، ج٤: ١٢٢
(٢) تحفة الودود في ترجمة علامة قطر عبد الله آل محمود عام ١٤٢٣هـ، ص٣٤ الحاشية
[ ٨٦ / ٣٣٨ ]
فأقام بمكة واجتمع عليه كثير من الطلاب، يقرؤون عليه في الفقه والحديث، والنحو والفرائض، أعرف منهم الشيخ: عبد العزيز بن رشيد رئيس هيئة التمييز بالرياض، والشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم الباهلي، والشيخ: ناصر بن حمد بن راشد الرئيس العام لتعليم البنات ﵀ سابقا، والشيخ: عبد الله بن زيد بن محمود.
وقد أخذ عنه العلم قبل ذلك في البحرين وقطر خلق كثير نذكر منهم الشيخ: عبد الله الأنصاري، وعبد الله بن تركي، والحاج قاسم درويش، ومحمد الحسن الجابر، وابنه محمد، وأحمد بن يوسف الجابر، ومبارك بن نصر. (١)
وفي هذا دلالة على أن الشيخ عبد الله، أخذ عن الشيخ محمد المانع العلم في البحرين ثم في قطر ثم في مكة، وكذا عن الشيخ محمد بن إبراهيم مرتين، في الرياض، ومع أنه لم يستمر في الجلوس عند مشايخه طويلا، إلا أنه لذكائه وقوة حافظته، فإنه يستوعب كثيرا وبسرعة، وهذه موهبة من الله بانت عليه منذ حداثة سنه وأدركها منه مشايخه فكان لهم فيه نظرة خاصة.
_________________
(١) مشاهير علماء نجد وغيرهم الطبعة الأولى ١٣٩٢هـ بإشراف مؤسسة اليمامة بالرياض ص ٢٧٠
[ ٨٦ / ٣٣٩ ]