هذه المسألة هي لب البحث، بل هي المقصودة به، وأما ما مضى فهو عبارة عن مقدمات لتوضيح بعض جوانب المسالة وخلفية الخلاف فيها.
وقبل أن نبدأ في تفصيل هذه المسألة أنبه إلى أمرين:
الأول: أن الخلاف في هذه المسألة وإن كان من آثار الخلاف في مسألة التقليد فهو لا يبنى على الخلاف فيها انبناء مطلقا؛ لأن جمعا ممن قال بالتقليد منع التمذهب.
الثاني: أن معظم من منع التقليد إنما منعه على غير العامة، أما العامة فيجوز لهم التقليد إلا في قول بينا ضعفه، وأما التمذهب فيمنع
[ ٨٦ / ١٤٩ ]
من قال بمنعه العامة وغيرهم من التمسك به، لأنه كما يقولون حصر للتقليد وتحديد له بغير دليل، كما سنعرف ذلك مفصلا في ثنايا المسألة إن شاء الله تعالى.
تعريف التمذهب واللامذهبية:
هاتان الكلمتان ترجعان إلى فعل ثلاثي هو: "ذهب" بمعنى مضى (١) وفي القاموس: (المذهب: المتوضأ والمعتقد الذي يذهب إليه والطريقة والأصل) اهـ (٢) وقال صاحب المصباح: (ذهب مذهب فلان: قصد قصده وطريقته وذهب في الدين مذهبا رأى فيه رأيا). اهـ (٣)
وقال الحطاب: (المذهب لغة: الطريق ومكان الذهاب، ثم صار عند الفقهاء حقيقة عرفية فيما ذهب إليه إمام من الأئمة من الأحكام الاجتهادية) (٤) ومما مر يتبين أن معنى اللامذهبية هي عدم سلوك طريق أي إمام من الأئمة المجتهدين، والاستقلال بمعرفة الأحكام.
كما تبين أن معنى التمذهب: اتباع أحد هؤلاء الأئمة.
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة لابن فارس، مادة "ذهب"
(٢) القاموس المحيط مادة "ذهب"
(٣) المصباح المنير مادة "ذهب"
(٤) القول السديد للشنقيطي (٥)
[ ٨٦ / ١٥٠ ]
والنقطة التي دار فيها الإشكال أن من قلد عددا من العلماء في مسائل عدة كلا منهم في مسألة هل يعد متمذهبا؟
أنصار التمذهب يرون أنه متمذهب؛ لأنه تبع مذهب كل منهم فيما تابعه فيه، كما قرر ذلك الدكتور البوطي في رسالته حول هذا الموضوع (١)
أما أنصار اللامذهبية فيقولون: ليس بمتمذهب؛ لأن التمذهب سلوك طريق واحدة ومذهب واحد لا يحيد عنه سالكه، فلو كان فاعل هذه المسألة متمذهبا، لم يعد هناك أحد لم يتمذهب.
والقول الحسن في هذا أن اللغة لا تمنع من إطلاق التمذهب على هذه الحالة، لكن العرف الفقهي عند العلماء قيدها بالتزام مذهب واحد، كما قال الحطاب، أما إذا لم يتبع أحدا بعينه في كل أقواله فإنه لا يكون ملتزما بمذهب، وعلى هذا فلا يكون متمذهبا. والله أعلم.
_________________
(١) اللامذهبية (١١)
[ ٨٦ / ١٥١ ]