للشيخ عبد القادر شيبة الحمد المدرس في الجامعة
روى الشيخان واللفظ لمسلم من طريق أبي ذر الغفاري ﵁ قال: "قلت: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: "الإيمان بالله والجهاد في سبيله". قال: قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: "أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنا"قال قلت: فإن لم أفعل؟ قال: "تعين صانعا أو تصنع لأخرق". قال: قلت: يا رسول الله أرأيت إن ضعف عن بعض العمل؟ قال: "تكف شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك".
لقد قرر رسول الله ﷺ فيما أجاب به الصحابي الجليل أبا ذر رضي الله عيه قرر أسس التوجيهات التي تصل بالمجتمع الإنساني إلى أسمى درجات الكمال وقد بين ﷺ أن الآخذ بهذه التوجيهات النبوية الكريمة قائم بأفضل الأعمال. وأولى هذه المبادئ الإسلامية التي تضمنها هذا التوجيه النبوي الكريم هو الإيمان بالله ولاشك أن الإيمان بالله هو أول قاعدة من قواعد العدل، وهو الباب الرئيسي الذي لا بد من ولوجه لمن أراد السلوك إلى الله ﵎، وهو كذلك الأساس المتين الذي تقوم عليه الوحدة الإنسانية بين الإنسان وأخيه الإنسان، ففي بوتقة الإيمان بالله تنصهر جميع الفروق اللونية والجنسية والوطنية والأخوية وتموت في ظله جميع الحزازات العنصرية وبها ولا شك تقوم الدعامة الحقيقية لحقوق الإنسان.
[ ٢ / ٣٠ ]
أما التوجيه الثاني من هذه التوجيهات الرشيدة التي أشار إليها رسول الله ﷺ فإنها تفرض على من أنعم الله عليه بهذه النعمة العظيمة نعمة الإيمان بالله تفرض عليه أن يدعو الناس إلى مشاركته في هذه النعمة وأن يبذل كل جهد وأن يستفرغ كل وسع في دعوة الناس إليها وحملهم عليها وأن يسلك في ذلك كل طريق معتدل يوصل إلى هذه الغاية ويشيع في الأمم هذا الخير حتى يسعدوا بالله وحتى يسلموا من عذاب الله، وحتى يهتدوا إلى طريق مستقيم أما التوجيه الثالث من التوجيهات النبوية الكريمة التي تضمنها هذا الحديث الجليل فهو لفت النظر الإنسان في كافة أنحاء الأرض إلى أن الإسلام يقرر أن من أقرب ما يقرب العبد من ربه تحرير العبيد وفك الرقاب وبذل النفيس المال في سبيل هذا تحرير وقد أكترث الشريعة الإسلامية من الحض على منح الحريات وفك الرقاب وساقت في ذلك نصوصا كثيرة. بل جعلت أن المسلم لا يقتحم العقبة الحقيقية التي تحول بين العبد وبين مرضاة الله إذا كان من أهل القدرة على تحرير الرقاب إلا إذا منح هذه الحرية لهذه الرقاب وأعان اليتامى والضعفاء ولو بلقمة عيش تشد أصلابهم أودهم وفي ذلك يقول الرب ﵎: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾
[ ٢ / ٣١ ]
بل جعل الرب ﵎ تحرير العبيد أحد المصارف الثمانية التي تنفق فيها أموال المسلمين الزكوية مع كثرتها وفي ذلك يقول الرب ﵎: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ بل وعد الله ﵎ من يعتق رقبة بأن يعتق منه بكل عضو أعتق عضوا منه من النار لذلك روى البخاري من حديث سعيد ابن مرجانة صاحب علي بن الحسن ﵄ قال سعيد: قال لي أبو هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ: "أيما رجل أعتق امرأ مسلما استنقذ الله بكل عضو منه عضوا منه من النار" قال سعيد بن مرجانة ﵀ فانطلقت به أي بهذا الحديث إلى علي بن الحسين فعمد علي رضى الله إلى عبد له قد أعطاه به عبد الله ابن جعفر عشرة آلاف درهم او ألف دينار فأعتقه وقد أقامت الشريعة الإسلامية أسبابا شتى تهدف إلى تحرير الأرقاء وإعتاق العبيد٠ فقد جعل الإسلام من أنواع الكفارات تحرير الرقاب ففي كفارة اليمين يقول ﵎: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وفي كفارة القتل يقول: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ثم يقول: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ثم يقول: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ وفي كفارة الظهار يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا
[ ٢ / ٣٢ ]
ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير﴾ . بل كان رسول الله صلى عليه وسلم يأمر أصحابه بالعتاقة عند حدوث بعض البلايا أو وقوع بعض المخوفات فلقد روى البخاري رحمة الله من طريق أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت:"أمر رسول الله ﷺ بالعتاقة في كسوف الشمس.."وفي لفظ لها ﵂: "كنا نؤمر عند الكسوف بالعتاقة"، وكلما كانت الرقبة ذات نفع متعد كأن يكون المملوك مجيدا لبعض أنواع الصناعات أو الفنون فإن الشريعة الإسلامية تجعل عتقه أفضل أنواع العتق.
ولذلك أجاب رسول الله ﷺ أبا ذر ﵁ حينما سأله أي الرقاب أفضل فقال ﷺ: "أغلاها ثمنا" وفي لفظ البخاري: "أعلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها" وهذا من المقررات في الشريعة الإسلامية فإن أحسن ما يتصدق به ما كان محبوبا طيبا ولذلك يقول الله ﵎: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ويقول: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾
[ ٢ / ٣٣ ]
أما التوجيه الرابع من هذه التوجيهات النبوية الكريمة المرشدة لأفضل الأعمال وأحسن الخصال فهو التعاون العملي ولا سيما ممن لا يستطيع أن يمد يد المساعدة بالتعاون المالي وقد قسم الرسول الله ﷺ هذا النوع من التعاون إلى قسمين وجعل الأول منهما إعانة الصانعين وفي هذا الإرشاد النبوي إشارة واضحة إلى ما يجب أن يكون عليه المجتمع الإسلامي وإنه مجتمع المثالي في الحقل التعاوني وفي قوله ﷺ تعين صانعا ما يدل على أن الشريعة الإسلامية تستحب إشاعة الصناعة وبذل المعونة لذوي الصناعات في الأفراد أو الشركات فرب صانع لا يجد المواد الأولية التي لابد منها في صناعته ورب صانع لا يجد اليد العاملة التي تحقق غايته٠
فقد حض الرسول الله ﷺ من يريد أعلى الدراجات ومن يبتغي أفضل الأعمال أن يسارع بمد يد المساعدة وعلى قدر جهده وطاقته لمعاونة الصناع وتقوية الصناعات كما أشار رسول الله ﷺ إلى أن من أعظم ما يقرب العبد من ربه كذلك مساعدة الأخرق الضائع الذي لا يستطيع الصناعة إما بتدريبه على الصناعة أو بالصناعة له وفي ذلك يقول رسول الله ﷺ:"أو تصنع لاخرق"
[ ٢ / ٣٤ ]
وفي هذا كذلك تكثير لليد الصانعة وبهذا تستغني الأمة الإسلامية في صناعاتها وتستقل استقلالا ذاتيا في هذا السبيل ولما قال أبو ذر ﵁ لرسول الله ﷺ: "أرأيت إن ضعفت عن ذلك؟ "أي ماذا أفعل إن عجزت عن إعانة الصانع أو الصناعة لبضائع فأجيب من مشكاة النبوة بقوله: "تكف شرك عن الناس" أي فهذا صدقتك. ولذلك روى البخاري من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "على كل مسلم صدقة"قالوا: فإن لم يجد قال: "فيعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق" قالوا: فإن لم يستطع قال: "فيعين ذا الحاجة الملهوف" قالوا: فإن لم يفعل قال: "فليأمر بالخير" قالوا: فإن لم يفعل قال: "فليمسك عن الشر فإنه له صدقة".
[ ٢ / ٣٥ ]