للشيخ صالح رضا المدرس بالجامعة
وتظل (المدينة الفاضلة) قابعة في زوايا المكتبات، يتراكم عليها غبار الأزمان المتعاقبة، وهي تنظر إلى الفلاسفة الذين رأوها بعين الازدراء؛ لأنهم لم يستطيعوا أن يقيموها على أرض الواقع في عالم الحقيقة وتنظر إلى الناس من حولها نظرة إشفاق ورحمة؛ لأنهم لا يستطيعون بطبيعتهم وجبلتهم أن يتمثلوا الحقائق المجردة، ويتبعوا النظم الأخلاقية ما لم تكن ماثلة أمامهم في رجال يتحلون بها، ويقيمونها في أنفسهم، ثم في مجتمعهم، فإن لم تقم التعاليم والأخلاق في الرجال ظلّت حروفا تسود الكتب، وأشباحا يتصورها الخيال في عالمه، وتستبعدها الحقيقة من عالمها.
ولئن شاركت الفاسفة الأديان في دعوتها إلى الأخلاق، فقد فارقتها، وقصرت عنها، بأن كانت الفلسفة تصورًا لما يجب أن يكون عليه الإنسان، وكان هذا التصور من نتاج الإنسان نفسه، فظلّت نظم الفلسفة خاصة ببعض من يطابق عقله عقل الفيلسوف واضع النظام، وبقي عامة الناس في منأى عن تلك الفلسفة.
[ ٢ / ٣٤١ ]
وأما الأديان فقد غايرت الفلسفة في منشئها ومنهاجها، حيث كانت منزلة من خالق الإنسان، ومبدع الحياة، العالم بجبلة الإنسانية، وما يصلح لها، وما يصلحها، فكانت في منهاجها وسبيل دعوتها مسايرة لجبلة الإنسان، ومن أكبر مظاهر تلك الموافقة أن أرسل الله - ﷿ - رجل من جنس البشر الذين يعيشون على وجه الأرض؛ ليكون لهم قدوة يتبعونه، ويقتفون أثره، إذ من جبلة الناس أن لا يقلدوا إلا من كان من جنسهم، وأشار الله ﷿ إلى ذلك في قوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ (٩٥- الإسراء)، وقال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ (٩- الأنعام) . فلما كان على الأرض بشر كان الرسول بشرا، وكانت مهمة هذا الرسول أن يكون صورة صادقة لدعوته، في أوامرها ونواهيها، في خلقها وآدابها، ولذلك كانوا يقولون: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ (٨٨- هود)، ولذلك أمرنا الله ﷾ أن نقتدي ونتأسى بالرسول ﷺ فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ .
فالأوامر والنواهي قد بينت ووضحت، ولكن القدوة التي تمثلت الإسلام كاملا والتي يجب أن نتبعها في ذلك، ونقتفي أثرها، ونمضي معها، هو رسول الله ﷺ، وهو من جنسنا فما عمله يمكننا أن نعمله، فلذا اتبعه السلف الصالح من الصحابة فنجحت دعوة الإسلام، وانتشرت في أنحاء المعمورة، تنقذ البشرية من العبودية لغير الله تعالى.
[ ٢ / ٣٤٢ ]
وإنّ الله ﷿ عندما أراد أن يزيل خلقا من أخلاق الجاهلية، لا يرضاه الإسلام، خلقا راسخا في النفوس، متمكِّنًا منها، لا تتصور خلافه، ولا تقدر على تركه، قد سار عليه آباؤها، ومضى الأولون على تقريره والعمل به، وعندما أراد أن يرفع ذلك، جعل رسوله يفعل كفعلهم، فيتبنى زيدا، ويدعى زيد بن محمد، فينزل الله سبحانه آيات تبطل هذا التبني، وأنه كلام لا حقيقة له، فيقول سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ، ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٤ - ٥ الأحزاب) .
ولا يقف الأبطال عند هذا، بل يجعل الله - عزّ ثناؤه - رسوله يخالف هذه العادة من قواعدها وأسسها، فيزوِّجُه مطلقة من كان متبنيا له، وكانت العرب لا تجيز ذلك بناء على قواعد البنوة والأبوة المزعومتين، ويقول الله - جل وعز -: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (٣٧- الأحزاب) .
[ ٢ / ٣٤٣ ]
وهكذا يعلمنا الله - ﷿ - تأثير القدوة حين تتمثل ما تعلم في انتشال الناس من وهدات الجاهلية، ولقد علم الصحابة هذا التأثير للعمل في الإقتداء والإتباع، فهذا رسول الله ﷺ يفرغ من صلح الحديبية مع أهل مكة فيأمر أصحابه أن ينحروا ثم يحلقوا رؤوسهم، ولكن الصلح كان في نظر كثير منهم ذلًاّ وهوانا لا يليق بالمسلم، فكانوا في ذلك في غم شديد، فأبطأوا في تنفيذ أمر رسول الله ﷺ، ولم يعمل رجل واحد، مع تكرار الأمر ثلاث مرات، ويدخل رسول الله ﷺ حزينا، لما لقيه من الناس، فها هو يأمرهم ولا يأتمروا، وتلهم أم سلمة ﵂ إلى الحل الذي يحل هذه الأزمة، فإذا بالحل هو (القدوة المتمثلة)، فتقول للنبي ﷺ: "اخرج ثم لا تكلم أحدا كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو خالقك".
فما كاد الصحابة يرون النبي ﷺ ينحر ويحلق حتى قاموا جميعا ينحرون ويحلقون، وهكذا كان للعمل أكبر تأثير في الاستجابة للأوامر، وعرفت أم سلمة هذا لما تلقنته من بيت النبوة.
ولمن يريد أن يأخذ صورا عن تأثير القدوة المتمثلة في النفوس، فما عليه إلا أن يمر على السيرة النبوية فيستقي من كل حادثة فيها صورة كاملة للتأثير الفعال للأسوة الحقة، فهذا علي ﵁ يحدثنا عن شجاعة النبي ﷺ فيقول: "كنا إذا حمى الوطيس واحمرّت الحدق لذنا برسول الله ﷺ فما أحد أقرب من العدو منه"
[ ٢ / ٣٤٤ ]
لو حدثك إنسان عن الشجاعة طيلة اليوم لما استطاع أن يعطيك الصورة الحقيقية لها كما يعطينا إياها هذا الحديث، فليست الشجاعة جعجعة فارغة، وكلاما أجوفا، وخطبا رنانة؟، وإنما عمل فعال، ونزال يكون صاحبه أقرب ما يكون إلى العدو، حتى يحتمي به الأبطال، كعلي بن أبي طالب، هذه صورته ﷺ في الجهاد في ساح الوغى وصورته في الوقوف أمام قومه، يخالفهم يشتم آلهتهم، لا تخفى على أحد، وأنها من أكبر صور الشجاعة الحقة.
وكذلك في (الكَرَمِ) تحدثنا السيرة عن كرم رسول الله - ﷺ - وأنه كان أكرم الناس، وكان أجود بالخير من الريح المرسلة، ويأتي الوصف الدقيق لكرم رسول الله ﷺ، وذلك عندما أعطى غنمًا بين جبلين، فعاد الرجل إلى قومه ليقول: "يا قوم أسلموا؛ فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر".
هذا الوصف الدقيق المعبر عن الكرم الحقيقي، والدافع الصحيح له، فالمانع للعبد من الإنفاق، والحافز له على البخل، ما هو إلا خشية الفقر، وخوفه من مستقبل حياته، أو مستقبل أهله وأولاده، فيأتي وصف كرمه ﷺ بأنه يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، معتمدا بذلك على خزائن الرحمن، فيعطي بذلك المثل الأعلى للكرام المثل الذي احتذاه الصحابة، فقدم أبو بكر ماله، وعمر نصفه، وعثمان جهز جيش العسرة، وكانوا يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وينسون أنفسهم عند الإنفاق، فلا يبقى معهم ما يشترون به ما يطعمون، كما فعلت عائشة ﵃ أجمعين.
وقل مثل هذا في الوفاء بالعهد، وذلك بعد صلح الحديبية، عندما جاء أبو جندل يرسف في قيده فيرده رسول الله ﷺ، وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وذلك لأن الصلح ابتنى على رد كل مسلم يأتيه.
وكذلك في عبوديته لله ﷿ حينما يترك الأمر للناقة عند دخول المدينة المنورة، ويقول لأصحابه: "دعوها فإنها مأمورة".
[ ٢ / ٣٤٥ ]
وصورة الثقة بالله ونصره عندما قال له أبو بكر ﵁ الصديق - وهما في طريق الهجرة -: "لو أنّ أحدهم نظر إلى موضع قدمه لرآنا"، فيقول له - بيقين الواثق ثقة المتوكل -: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما، لا تحزن إنّ الله معنا".
إلى غير ذلك من الصور التي كانت للصحابة الأسوة الكاملة، والقدوة العاملة، فكانوا يرون الأخلاق العظيمة متجسدة في شخص رسول الله ﷺ مما يدفعهم إلى الإتباع، ويحفزهم إلى التخلق بأخلاق المصطفى صلى اله عليه وسلم، وبذلك تخرّجوا من مدرسة محمد ﷺ، وكل منهم يحمل الإسلام في عمله وأخلاقه قبل خطابه وكلماته، فكانوا صورة صادقة للإسلام، وأسوة مطبقة لما يدعون الناس إليه، فدخل الناس في دين الله أفواجا، وانهارت الممالك أمامهم ذليلة خاضعة أمام قوتهم، مكبرة لأخلاقهم وآدابهم.
هذا ما كان، وأما ما صار الأمر إليه في هذه العصور، فقد غدا الدعاة يتكلمون ولا يعملون، فإذا سألت أحدهم عن ذلك قال: "خذوا أقوالنا ولا تقلدون في أعمالنا".
وبهذا أصبحت دعوة الإسلام -كأي دعوة أرضية - كلاما يحمل، وفكرة تتبنى، ليس لها في عالم الواقع حقيقة ومثالا، ولا رصيد في سماء التطبيق، فلهذا لم تعد الاستجابة للدعاة كاملة، إذ ترك الداعية لبعض ما يدعوا الناس إليه يشككهم في دعوته، قائلين: "لو كان خيرا لسبقنا إليه".
فنسأله تعالى أن يجعلنا ممن يعمل بما يعلم، ويكون قدوة صالحة للمجتمع الإسلامي الكامل. والله الموفق.
حبّ السلامة
حب السلامة يثني هم صاحبه
عن المعالي ويغري المرء بالكس
فإن جنحت إليه فاتخذ نفقا
في الأرض أو سلما في الجو واعتزل
ودع غمار العلى للمقدمين على
ركوبها واقتنع منهن بالبلل
الطغرائي
[ ٢ / ٣٤٦ ]