للشيخ أحمد مختار بزرة المدرس في الجامعة
الحمد لله رب العالمين، ولي المؤمنين، وناصر المخلصين، وعدا عليه حقا في القرآن العظيم، الذي فتح أبواب الجنة للمجاهدين: الشهداء والمنتصرين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وخير المجاهدين الذي أمده ربّه بالملائكة مردفين، وأنزل عليه النصر المبين، وجعله للمؤمنين شفيعا يوم الدين.
لا يماري أحد في أن الانتصارات العظيمة التي حققها الإسلام في فجر بزوغه وانتشاره يكمن سرها في قدرة المسلمين أنفسهم على تمثل هذا الدين عقيدة وإقامته عبادة وعملا، وفي اندفاعهم وامتثالهم لإنفاذ الأوامر الإلهية في أدق صورة يستطيع مؤمن أدائها.
ولا يماري أحد أن سرّ ذلك يكمن في طاقة الجهاد العظمى التي فجّرها هذا الدين في نفوس أتباعه على مثال لا يعرف تاريخ البشر له شبيها.
والحق أن قصة الإسلام الأولى هي مراحل الجهاد الشاق العنيف المتواصل الذي بدأه رسول الله ﷺ ثم غزا شعاعه نفوس الداخلين في دين الله أفواجا حتى هجمت بهم صدور الخيل على سور الصين ولجج بحر الظلمات.
إن المسلم ليتغنى بأنشودة عذبة ساحرة، أنشودة الأمجاد الخالدة التي ابتناها المؤمنون السابقون.
وإننا لنستبقي نحن المسلمين ذكرى هذه الانتصارات حية في غدّونا ورواحنا نرنو إليها بمزيد من الحنو ونتوجه إليها بكثير من الشوق والحنين وإنها لتزداد توهجا في ضمائرنا في هذه الأيام الحالكات إذ الهزائم تنزل بنا، ونحن من العجز حسرى، ومن الفم سكارى، وفي براثن العذاب أسارى، لا يكون منا إلا التوجع والشكوى، فنطبق الأجفان على واقع أليم، ونشط بالذكرى إلى ملاحم الإسلام وانتصارات الأجداد الفاتحين صرفا لأنفسنا عن اليأس وتزودا بالرجاء وتمسكا بما فيه عزا.
[ ١ / ٤٠٨ ]
ولكننا لانفعل بأنفسنا خيرا إن أَمتنا شعورنا بالواقع بما نورد عليه من جميل الذكريات الخالدات، وهربنا من شقوتنا وتعاستنا إلى حمى سعادة غابرة ليس من حقنا أن ننعم بها لأنا لسنا محققيها: هل نحن حققنا تلك السعادة؟ هل نحن رفعنا أعمدة المجد الشامخ؟؟ كلا.. إننا قطعنا حلقة الاتصال بيننا وبين أصحابها، لكننا لسنا بأحفاد أولئك الذين ينتشي التاريخ بالحديث عن بطولاتهم ومآثرهم ومكرماتهم الإنسانية؟.
كيف يكون الخير إذن في تذكارها؟ وكيف ننتفع بها في وصل ما انقطع من أيام الإسلام المجيدة؟
إن الانتفاع بها لعظيم، وإن فيها الوقدة الذاكية القادرة على أن تضرم في قلوب الملايين من المسلمين حميّة الجهاد وحب الاستشهاد، وأن تهز القلوب والأعصاب منهم هزا، وأن تنفض الكرى والسبات عنهم نفضا، وأن تخرجهم من التبلد والخمول إخراجا.
ولكن كيف تستطيع أيام الإسلام أن تفعل في أنفسنا هذه المعجزة المنتظرة؟
إنّ ذكرى بدر وحنين واليرموك والقادسية وحطين تغمر نفوسنا غمرا ولكن لا يحسن بنا أن نرضى منها بالأطياف بل لا بد أن تفعم قلوبنا بمبادئها وأهدافها وأن نعي خططها لنصنع أنفسنا في معملها صنعا مجددا، وإننا نحياها حق الحياة إذا استنتجنا منها الدرس العملي التطبيقي في تحقيق النصر الأكبر، وليس من شك أنّ هذه الحروب هي التي صاغت المسلمين كما شاء الله لهم أن يكونوا ورفعت لهم أمجادهم، وهي وحدها قادرة على أن تصنعنا بمشيئة الله وقد جعل الله لنا منها قدوة، وجعل لنا في أصحابها أسوة. وإننا مضطرون إن كنا جادين في طلب النصر إلى العودة إليها للتحري والتقصي عما فيها من الأعمال والخطى التي رجعت بالنصر المبين.
إن الله تعالى علّم المسلمين الأولين كيف يصنعون النصر بأيديهم، وما أحوجنا أن نتعلم كما تعلموا.
[ ١ / ٤٠٩ ]
إننا مدعوون شئنا أم أبينا إلى خوض معركة فاصلة مع أعدائنا يكتب لنا فيها البقاء أو الفناء، وهذه المعركة هي أشد ما تعرّض له المسلمون من محن في تاريخهم لأنها لا تستهدف من الغلبة الاستيلاء على الحكم فحسب وإنما تستهدف ذات وجودنا روحا وقلبا ووطنا فإما أن نبقى وإما أن نذهب إلى الفناء.
أقول: إننا مدعوون راضين أو كارهين إلى المعركة الفاصلة، فإن لم نتقدم إليها بتخطيطنا وتصميمنا استقدَمنا إليها أعداؤنا استقداما، فهم جادون في تنفيذ ما حلموا به قرونا وأزمانا وما أيسر انتصارهم علينا إن جرونا إليها جرا لا يكون أمرنا أصعب من أمر الأنعام التي تساق إلى المسلخ مقهورة وما أمنعنا وأشدنا إن كنا نحن البادئين المفاجئين قد عقدنا العزم وأعددنا العدة، وأمسكنا بزمام الأمر وأخذنا مطالع السبل وأحطنا بالعدو ثم أدرنا عليه الدائرة.
وقد جعل الله للنصر أسبابا وللظفر سبلا هدى إليها المؤمنين المخلصين فكانوا بها الغالبين والفاتحين، ولو أخذنا في إحصائها لوجدنا من أهمها:
أ- بناء الحياة الإسلامية على قاعدة الجهاد:
علينا أن نبادر إلى إقرار حقيقة لا تُدفع هي: أن الانتصارات العظمى في تاريخ الأمة الإسلامية قد قامت على قاعدة راسخة تجعل من الجهاد في سبيل الله الأساس في كيان الجماعة الإسلامية ومنطلقهم إلى العالم والحياة، إن الوجود الراكد لا يقبله ديننا، بل هو في جوهره إخراج الناس من الركود إلى الحركة، أو من الحركة المشتتة المخربة إلى الحركة المنظمة البناءة التي تهب السعادة وتنشر البشر والخير، وهي القاعدة التي أقام الله عليها الوجود الإنساني كله، قال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾
[ ١ / ٤١٠ ]
ولقد أكمل الله الدين للمسلمين وأتم عليهم نعمته، ومن ذينك الكمال والتمام أن يجعل منهم القوة الدافعة في الأرض لتجتث جذور الكفر ولإفساد.
إن إكرام الله للمسلمين لن يجعل منهم جنده المنتصرين المنصورين.
تلك هي الحقيقة يزيدها سطوعا ما أعلمناه الله من استغنائه عن خلقه، واستقلاله بالنصرة دونهم لمن شاء من عباده، وأنه ما حمّلهم أمانة الجهاد والانتصار لله إلا إنقاذًا لهم وتكريما، فعرّف المؤمنين ما كان من نصره للرسل وحده وللنبي محمدًا ﷺ فقال تعالى: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [٢] فأين كانوا وكيف كانوا يوم أنزل جنوده وحمى نبيه.!
وفي محكم الكتاب آيات مفصلات لكثير من المواقف الحرجة التي تنزل فيها نصر الله على رسله وعباده الصالحين في ساعة اليأس، فقد نصر الله يوسف ﵇ بعد أن ألقاه إخوته في غيابة الجب في بيداء منقطعة ثم مكّن له في الأرض، وأنقذ موسى وقومه من فرعون الطاغية ولم يقاتلوا ولم يناوشوا فضرب لهم في البحر طريقا يبسا وأغرق فرعون وجنوده بعد أن كاد الهلع يأتي على قلوب بني إسرائيل، كذلك منّ على أصحاب الكهف لما خافوا أن يغلبوا على أمرهم وأن يفتنوا عن دينهم فلجئوا إلى الله لا يرون ربا غيره ولا يطيبون عن إيمانهم نفسا، فنادوا متضرعين مستنجدين. ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [٣] فآواهم إلى الكهف وضرب عليهم النوم قرونا وحماهم بمعجزة عليا هو وحده عليها قادر.
تلك هي معجزات الله لو شاء الله أن يستغني عنا في نصرة الدين لفعل، ولكن كان التكليف بها منة منه علينا وإفضالا وإكراما؟ إنها ثقة الله في عباده المؤمنين الطائعين.
[ ١ / ٤١١ ]
وحسبنا أن نعلم أن الأمة المسلمة تدين بوجودها وبقائها لما أيدها الله به من انتصارات وفتوحات باهرات.
فإن الجماعات التي تعجز في الدفاع عن كيانها تنتهي كما انتهى كثير من شعوب الأرض-إلى الزوال.
وقد كان المسلمون في فجر الدعوة والهجرة قلة مستضعفين لم تسلم لهم القبائل والبلاد المحيطة بهم باعتراف رسمي، وكانوا هدفا للعدوان يخشون أن ينصب عليهم من جهات الأرض، فاستل الله من قلوبهم الخوف إذ قادهم بأمره وتقديره إلى بدر ليجربوا بلائهم لأول مرة وليستمرئوا طعم الظفر حتى يمعنوا في طلبه، وليمن عليهم بنصر علوي يرفعهم لذروة الفخار والاعتزاز فلا يرضون بعدها بخسف أو ذل، وليشعروا بأنهم قادرون على حمل أعدائهم على أن يخلوا بينهم وبين أنفسهم يعبدون الله أحرار ويدعون إلى سبيله أحرارا.
أيها الإخوة.
إننا مدينون بدين صعب الوفاء لهؤلاء البدريين-رضوان الله عليهم-الذين صنع الله على أيديهم النصر الأول قاعدة مجاهدة الأعداء بالسيف.
وقد أمر الله المؤمنين أن يذكروا معتبرين ذلك اليوم العظيم الذي وطّد كيانهم وأخرجهم من الخوف إلى الأمن ومن التردد إلى الحزم ومن التوقف إلى العمل، ومن الدفاع إلى الهجوم، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾ [٤]
ولاشك أن الله سبحانه إذ فُرض القتال على المسلمين طريقا إلى النصر اختار لهم منهجا سويا سليما يحفظهم من آفات الحضارة، ومن أمراض النفس ودواعي الخزي والذل والموت إذ ركّب الله في النفس البشرية قوتين متعارضتين وميلين متناقضين:
[ ١ / ٤١٢ ]
الميل إلى الدعة والسكون والتبلّد، والميل إلى النشاط والفعالية والتوثب ومستقبل الإنسان بينهما فإن بسط الأول عليه سلطانه كان أدنى إلى الحيوان المتمتع المستهلك، وإن غلب عليه الثاني كان الإنسان الفعال المنتج ويتجاذب الإنسان هذان الميلان فإن انتصرت إيجابيته على سلبيته كان هذا النصر الداخلي مقدمه للنصر الخارجي فإن لم ينتصر الإنسان على نفسه فلا رجاء في أي انتصار خارجها.
ومن ثم أمرنا الله أن نقهر في ذواتنا رغبات القعود، وبيّن لنا أنه قد خلقنا لأمانة كبرى لا ينهض بها إلا أولو العزم من المجاهدين، وأن إهمال هذه الأمانة حطّ للإنسان من قدر ذاته وهوان يجره بتقاعسه على نفسه، وحذرنا من الإخلاد إلى الأرض فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيل﴾ [٥] فقد جعل الله جلت حكمته من القتال معهدا يتخرّج فيه المجاهدون في السبيل الله، ومن الحروب مصنعا ينتج أبطالا متفوقين يستصغرون الدنيا ويستعذبون الموت، فتنصهر بهذه الممارسة العملية والمعاناة الجادة للصعوبات والتضحيات القوى الفعالة البنّاءة في النفس وتنهزم الشهوات والاستسلام للدعة والترف ومغريات الأرض.
إنّ الجهاد في حقيقته تربية لنفوس صحية سليمة واقعية، إذ يضعها دائما في ظروف مشحونة بالأخطار لتتغلب عليها وتنجو منها، فتتعود فيها الصبر والاحتمال وتصبح الأخطار مهنتها المتقنة ومجالها المفضل الذي تحقق فيه ذاتها وتكشف عن إمكانياتها وإذا وصلت النفوس إلى هذا المستوى من الشدة وردود الفعل الناجحة اقتربت من نصر الله.
[ ١ / ٤١٣ ]
وهذا هو الانتصار الداخلي في النفس الذي لا يكون النصر المسلح إلا به، وإن أية تجربة عسكرية لا ترتكز إليه مقضي عليها بالإخفاق، وكان الله عليما حكيما إذ أخرج المؤمنين في السنة الثانية من الهجرة من المدينة حيث الظل والشجر والأمن إلى بدر وكان فريق منهم ألفوا هذه الحياة المطمئنة فأرادوا عيشا يسيرا من غير جهد، وأراده الله لهم مجبولا بالعرق، غاليا كالمهج وصور لنا نفوسهم فقال تعالى مخاطبا رسوله ﷺ: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [٦]
لقد قضت سنة الله أن يحق الحق بسيوف عباده الذين انتدبهم لنصرة الحق، وهم لا يقدرون على النصر حتى يؤثروا الجهاد على ارتباطات الحياة كلها، ولا يجدوا في الموت ضيرا ومن ثم أوجب الله تعويد النفوس حب ما تكره من القتال، وكره ما تحب من ملازمة الأرض وإيثار السلامة.
قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُون﴾ .
[ ١ / ٤١٤ ]
ذلك أن طلبها للسلامة يزيّن لها الاستسلام فتمرض مرضا عصي، وتفسد حياتها فسادا ذريعا، فلا يبرؤها إلا أن تحب ما كرهته من الانتقاض على القعود ولا يتم لها هذا إلا بمعارضة نفسية داخلية تصرع فيها حوافز الكفاح والنضال المثبطات والمعوقات الذاتية، حتى يصبح الكفاح قاعدة الحياة وغايتها ولا يتحقق ذلك إلا بالمعاناة المريرة وإقحام النفس في المسالك الوعرة والشعاب الشاقة التي يتعثر فيها الصاعدون فتتمزق بالأحجار الناتئة أقدامهم وأيديهم وهم يتشبثون بأطراف الصخور ليصلوا إلى الأعالي، فمنهم من يستشهد ومنهم من يبلغ القمة ويركز فيها الراية. إن هذا لهو البلاء الحسن الذي ذكره الله تعالى فقال: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ [٨]
أجل إنه البلاء الذي يصنع نفوس الأبطال ويخرج خير الأمم والشعوب وبذاك يعيش المؤمنون تجربة الإيمان حية دفاقة قد دفعوا في ثمنها من دمائهم، فتغلو لديهم وتعلو، وتصبح الجزء الذي لا يتجزأ من وجودهم، بل تسمو عليه فلا يجدون الموت من أجلها كثيرا أو صعبا، فصار الدين بذلك أنفس النفائس لدى المؤمنين.
وإذا غدا القتال طريق الأمجاد ونشيد الفخار تسابق إليه المتسابقون وكثير طلابه، وخجل من تركه من خشي على نفسه السقوط في الاعتبارين الإلهي والاجتماعي وكل خطير من الأمور تهابه النفوس ابتداء ثم تألفه اعتيادا، وتحرص عليه لما يعطيها من خير، كذلك كان شأن المسلمين قبل بدر منهم من يؤثر الغنيمة الباردة، فلما وشفوا من رضاب النصر الأمل مجت أفواههم غيره، ودبت الغيرة في النفوس فصار الذين لم ينالوا شرف البدرية يتمنون لقاء العدو ليفوزوا بالأجر والفخر كما فاز بهما إخوانهم في بدر.
ما أسعد الأمة وأمنعها إذا كانت البطولة والجهاد مثلها الأعلى وما أشقاها وأهونها إذا رضيت باللين والترف والتخنث حظا وقسما.
[ ١ / ٤١٥ ]
وهكذا نجد أن الجهاد باعتباره قاعدة الحياة يبعث في نفوس أتباعه القدرة على الانتصار الذاتي أولا ثم ينهض بهم إلى قهر خصومهم وتثبيت مركزهم وتأثيل ملكهم، ثم يحبب إليهم الاستزادة من الانتصارات والارتقاء في سلم السؤدد والمكرمات.
على أننا بوصفنا الجهاد بأنه قاعدة الوجود الإسلامي الدنيوي نعطيه نصف الحقيقة والحقيقة التامة أن الجهاد ركيزة حياة المؤمن في الدنيا والآخرة معا: إنه جواز سفره إلى الجنة قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [٩] إن الانتصارات الحربية تصبح تافهة الشأن إذا قيست بالهدف العلوي الذي يسعى إليه المسلمون المجاهدون.. أقدامهم ثابتة في أرض المعركة وآمالهم في السماء يتحينون النصر أو الشهادة طمعا بالجنة. وهؤلاء المؤمنون الذين يحملون بين جنوبهم قلوبا يعمرها الإيمان بالله والشوق إلى جنانه هم الذين أمروا بالقتال، قال تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [١٠]
وهكذا يطيف الجهاد بالمؤمنين من جوانب حياتهم كلها: في حاضرهم ومستقبلهم، فهو السد المنيع لهم من الخذلان في الدنيا، والجنة من عذاب لله في الآخرة.
[ ١ / ٤١٦ ]
وليس أدل على كونه أساسا وسياجا من أن الله هددنا بالذل المقيم والعذاب الأليم في الدنيا والآخرة إن نحن قعدنا عنه ورمينا بهذا الواجب عرض الحائط فقد أعلمنا الله ﷿ أنه ما خلقنا إلا لنجاهد في سبيله فإن لم يجدنا أهلا لأمانة الجهاد وأعباء القتال قضى علينا بالفناء وكرم غيرنا بنصرة دينه فقال: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [١١]
أجل إننا لا نضر الله شيئا إذ له جنود السماوات والأرض وما نضر إلا أنفسنا بحرمانها شرف الجهاد فوق الاعتبارات والارتباطات المادية والعاطفية كلها في الحياة حتى لا يحول بيننا وبينه حائل، ولا ينفعنا بتركه اعتذار فهو فوق العواطف الأبوية والبنوية والأخوية والزوجية والقبلية والوطنية وفوق الرغبات المادية، فإن قدمنا شيئا منها عليه تخوفنا على أنفسنا من الله سخطا عظيما وقد أوعد الله به في معرض الدعوة إلى قتال المشركين: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [١٢]
نسألك اللهم إلا تحقق فينا وعيدك وأن تعيننا على أنفسنا وأن ترفع عنا ما أصابنا من الخزي والعجز، وأن تجعل منا جندك المخلصين.
٢- إنشاء جيش مسلم فريد في خصائصه:
[ ١ / ٤١٧ ]
لقد بينا أن القتال هو الفقار والصلب في حياة المسلمين، لا يستطيعون له تركا، أو تساهلا به وإنهم لفي صراع دائم لأعداء الدين إذا أرادوا أن يكونوا دائما موضع مرضاة ربهم، والخلفاء في الأرض الذين لا ينقطعون عن الكيد لهم، وعن تبييتهم بالمؤامرات، والغارة عليهم ما أصابوا منهم نهزة، فقد أبى هؤلاء الدخول في ديننا وهم يحولون بيننا وبين الدعوة إلى كلمة الله فلا معدي لنا عن منازلتهم، وإحباط خططهم، وتشتيت قوتهم حتى يسلم لدولة الإسلام الأمن والاستقلال والسيادة لذلك كان نشوء جيش إسلامي نشوءا تلقائيا طبيعيا أمر تفرضه الضرورة وطبيعة الدين الإسلامي.
وهذا الجيش ذو خصائص نادرة مختصة به ثابتة فيه، لا يكون جيشا إسلاميا إلا بها، ولم يتمتع بها أحد من شعوب الأرض قديما أو حديثا إلا جيوش بعض الأنبياء والصالحين: كجنود طالوت وذي القرنين، وهؤلاء قد انقطع الزمان بهم، أما الجيش الإسلامي فهو ممكن الوجود في أي حقبة يستجمع أفراده هذه الصفات الخاصة عاملين بالتوجيه الإلهي..
إنه جيش الله المتجدد ما حافظ المؤمنون على الإيمان الحق، فإذا خلت صفوفهم من هؤلاء الجنود النادرين تراجعوا رجوعا ظاهرا.
فما أبرز خصائص الجيش الإسلامي؟
١- القتال من أجل هدف علوي:
فإذا كانت الأمم ترسل بجيوشها إلى الجبهات حلا لأزماتها: كالتزايد في السكان أو التضخم في الإنتاج، أو لتأمين مواد أولية وأسواق لمصانعها أو للسيطرة على بقاع من الأرض وبسط النفوذ على شعوب تسخرهم فيما يلائم مصالحها وحاجاتها فإن المسلمين لم يقاتلوا لواحدة من هذه أو أشباهها، ولا ينبغي لهم أن يقاتلوا لمثل هذه الأغراض، بل نحق الحق إذا قلنا إن الله بعثهم يقاتلون ذات الإغراض، ويقدمون للإنسانية مثلا جديدا من أمثال التحرك الإنساني: تحركا يثير الخير، ويئد الشر.
[ ١ / ٤١٨ ]
إن الجندي المسلم يبرز للنزال وهو خالي الذهن من أي غرض ذاتي أو حاجة دنيوية ليس له من هم إلا أن يعلم الله مكانه ويرى بلاءه، ويفوز بمرضاته منتصرا أو شهيدا. لقد حل ارتباطات نفسه من الأرض ووصلها بربه الذي به آمن وعليه اتكل، وأحبه حبا يسرع به إلى رضاه ولو اصطلحت عليه الأخطار وترصد له الردى. ولا نبالغ إذا ادعينا أن المؤمن المحارب يكاد يشعر أن وسط الأخطار والمحن والزلازل والتضحيات وسطه الحقيقي فإنه ينفذ منه إلى الجنة ومازلنا نذكر كيف ألقى عمير بن الحمام، أخو بني سلمة ثمرات كانت بيده يأكلهن قائلا: "بخ بخ، أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء ثم قذف التمرات من يده، وأخذ سيفه، فقاتل القوم حتى قتل" [١٣] كان عمير ﵁ يعالج بقتاله باب الجنة حتى فتح له.
لقد قضى الجندي المسلم على شبح الخوف من الموت، فلم يبق له حساب في سير المعركة، يقينا منه أن الاستشهاد فيها خير من ثمرات البقاء التي يقاتل لها الكفرة، قال-تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُون وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [١٤]
وهل يخاف الذاهب إلى ربه! إنه لن يضيع أبدا وما كان الله ليضيعه وقد لبى نداءه وحمل رايته وضرب في سبيله، لا يرى الموت إلا منه من الله عليه! إذ قال –تعالى-لكل مؤمن ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُم﴾
[ ١ / ٤١٩ ]
وكيف يشعر بالضياع وهو عارف مستقبله يراه في يقين رأي العين؟ ألم يحدثه الله عن هذا المستقبل العظيم؟ ألم يخبره بما أعد له من نعيم في دار البقاء ومن التكريم في أعلى درجات الجنة؟ إن الشهادة عنده هي الفوز: هي بدأ الحياة الحقيقية: حياة الخلود إنه سمع قول الله ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [١٦]
سمع قول الله فوعاه وعي المؤمن المصدق فكان الخوف من الموت شيئا منسيا.
وليس من حقنا أن نبرئ المسلم من حرصه على المنفعة الذاتية، بل هو يطلبها لنفسه طلبا حريصا وما كان ليبذل مهجته سدى، وما يعطيها إلا بحقها، وإنه يتقاضى الثمن من الله ﷿: إذ عقد معه بيعا رابحا: فهو يبيع لله نفسه بجنة عرضها السماوات والأرض قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾
[ ١ / ٤٢٠ ]
هؤلاء المحاربون الذين يبلغون هذا المدى من العمق الإيماني يقبلون طواعية على هذه الصفقة الرابحة، وعلى أيديهم يجعل الله النصر إن شاء ولا يصل الجندي المسلم هذا المستوى الرفيع حتى يحقق لذاته صفات وخلالا تجعل كيانه إيمانيا عمليا كله، تبتدئ في سلوكه من جزيئات سلوكه المغموسة بالإيمان غمسا، وأول مسلك له أن يتوب إلى الله من ذنوبه فإن فن طلب التوبة اعترافا بالتقصير واستعدادا للبذل والتضحية ثم يقبل على عبادة الواحد الأحد عبادة يتجلى فيها الإخلاص قولا وعملا، حامدا ربه على نعمة الإيمان وما خص به من الإكرام في تكليفه بالواجبات، وعلى ما منحه من حرية الجهاد وقد كانت الطواغيت تخنق قلبه وتكبل يديه ثم لا يفتر عن التسبيح والتهليل ولا يسهو عن الصلاة ولا يخطو خطوة إلا ليأمر بمعروف وينهى عن منكر، فلا تفارقه التقوى ولا يتجاوز حدود الله. وهذه الصفات أو الشروط في المجاهد ليست من اقتراح إنسان وإنما نص الله على وجوب توفرها في جنده المحاربين فذكرها مفصلة بعد الآية السابقة التي حدث فيها عن اشتراء أنفس المؤمنين بالجنة فقال ﷿: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [١٨]
وقد ربح بيع المؤمنين الذين لم يكونوا شيئا مذكورا ثم صاروا أمة تقاتل معهم الملائكة وتستغفر لهم وتشد أزرهم ثم يمكن الله لهم في الأرض إن هذا لهو الفضل المبين.
٢- القدرة على احتمال الزلزلة في القتال:
[ ١ / ٤٢١ ]
ومن خصائص هذا الجيش أن أفراده المبشرين بالنصر لا يجنون ثمرته حتى يستفرغوا جهدهم في القتال، ويثبتوا ثباتا يقطع عزم الأعداء، لأن هذه القدرة من الاحتمال هي البرهان العملي على ما وقر في القلب من حل التضحية قال تعالى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [١٩] ثم يخرجون من هذه التجارب أصلب من الصخور الراسية لا تجتاحهم عاصفة من رهبة ولا سيل من غزو، وقد وضع الله المسلمين الأولين في ميادين الاختبار ورماهم بالعدو الكثير العنيد الحقود فظفروا بمرضاة الله وكانوا أحق بها وأهلها وذكر الله ما لقوا من عدوهم في غزوة الأحزاب فقال: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [٢٠]
وقد جعل الله لهذه المعاناة للزلزلة سنة خالدة في الأولين والآخرين يأخذ سبيلها من أراد أن يرتفع إلى مقام الأبطال وأن تفتح له أبواب الجنة فقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾
[ ١ / ٤٢٢ ]
أجل إن نصر الله قريب.. قريب في هذه اللحظة التي يشعر فيها المؤمن المقاتل أن لم يبق بينه وبين الجنة إلا ضربة بسيف أو طعنة برمح أو قذف بقنبلة أو انقضاض بطائرة في هذه اللحظة بالذات تأخذ الغيوم تتقشع وتتسرب أشعة الشمس من خلال الشقوق بين السحب الدكناء ويتبدى النصر للمجاهدين قليلا قليلا وهم يعانون المآسي ويحتملون الآلام ويبذلون التضحيات إنهم لا يستروحون عبير النصر حتى يشرفوا على لحظات اليأس، وإذ ذاك يتدفق الأمل في النفوس حيا ثجاجا عجاجا ويتنزل النصر من عند الله فيتمسكون به ويضنون به، وإذا تعودت النفوس العزة كبر عليها الذل فتخجل من النكوص على العقبين ومن الارتداد إلى الهزيمة.
أجل إن نصر الله قريب ولكنه ليس قريبا إذا استجدى المسلمون إيقاف القتال وعدوهم عليهم ظاهر ولم يكن طعم من ردود الفعل إلا الدموع والتظلم والشكوى.
٣- المصابرة والمرابطة والثبات:
ومن ثم صدرت الأوامر من الله إلى الجيش الإسلامي بالمصابرة والمرابطة والثبات، فإنها أعمدة النصر المنتظر إن رفعت على تقوى الله والتزام حدوده فقال ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [٢٢]
والسر في ذلك أن الصبر من الحرب كالروح من الجسد، وأن الفريق الأجلد والأصبر هو الفائز بالنتائج الرابحة في المعركة ولذلك أمرنا الله أن نصابر الكافرين في القتال حتى نغلبهم في الصبر وقد أرشدنا سبحانه إلى القوة التي يستمد منها الصبر وتعين عليه ألا وهي تقوى الله، فإن الفار يبوء بغضبه ومن يخشه يمتثل أمره ويثبت قدميه في مستنفع الموت لا يرتدون خائبين وبالصبر أحبط المسلمون يوم الخندق خطة الأحزاب وكان من دواعي فخرهم إن صبروا ويشهد بذلك شعر قاله كعب بن مالك رضوان الله عليه يوم الخندق:
ولو شهدت رأتنا صابرينا
وسائلة تسائل ما لقينا
[ ١ / ٤٢٣ ]
صبرنا لا نرى لله عدل
وبين أن للصبر غاية منبعها التقوى:
نكون عباد صدق مخلصينا
لننصر أحمد والله حتى
وأحزاب أتوا متحزبينا
ويعلم أهل مكة حين ساروا
وأن الله مولى المؤمنينا [٢٣]
بأن الله ليس له شريك
والمرابطة من المصابرة ولكنها الصبر المستديم غير المبتوت الجامع للحذر والتيقظ والرصد الدائم لتحركات العدو. ولا يحفظ بلاد الإسلام إلا المرابطون في الثغور والحدود يصدون عنها الطامعين ومنها ينطلقون فاتحين فهم في حالة دائمة من الاستعداد والتنبيه والتوثب وقد عرف رسول الله ﷺ دور هؤلاء المرابطين فبشرهم بالثواب الطيب فقال من حديث له: "طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له وإن يشفع لم يشفع" [٢٤]
ولو أنعمنا النظر في كثير من حروب الإسلام الهامة لوجدنا أن الثبات العظيم الذي لبسته فئة مختارة من المجاهدين كان له الأثر البليغ في تلك المعارك وفي مستقبل المسلمين.
[ ١ / ٤٢٤ ]
ففي معركة أحد جهد المشركون للوصول إلى نبينا محمد ﷺ والحقوا به أذى حتى ظنوا أنه قد قتل ولكن نفرا من الصحابة استماتوا في حياطته والدفاع عنه، فجالدوا جلادا عنيفا، وكان منهم أبو دجانة (ترس دون رسول الله ﷺ بنفسه، يقع النبل في ظهره وهو منحن عليه، حتى كثر فيه النبل) [٢٥] ومنهم سعد ابن أبي وقاص وكان يرشقهم بالنبل رشقا دون رسول الله ﷺ والرسول يناوله السهام وهو يقول: "ارم، فداك أبي وأمي" [٢٦] وأظهر بعضهم من نادر البطولات، في الدفاع عن رسول الله ﷺ، ووقايته من المشركين ما رفعهم إلى منزلة الشهداء وهم أحياء فكان رسول الله ﷺ يقول في طلحة بن عبيد الله-وكان له في أحد المنجد المعوان-: "من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشى على وجه الأرض، فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله" [٢٧]
ويوم حنين ولى المسلمون عن رسول الله ﷺ حتى خيل للمرتابين هزيمتهم، وما إن أمر رسول الله ﷺ عمه العباس ﵁ أن ينادى: (يا معشر الأنصار، يا معشر أصحاب الشجرة [٢٨] حتى تيقظت في النفوس الذكريات، وتأججت العواطف الخالدة فأجابوا: "لبيك لبيك" [٢٩] وأسرعوا إليه، وما أن تجمع منهم مائة حتى حمى الوطيس، كما قال رسول الله ﷺ، وثبتوا للعدو، وأخذوا في زحزحته وتقطيعه، (فما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسارى مكتفين عند رسول الله ﷺ) [٣٠] فحقق الله نصره بسيوف هذه المائة من الصابرين وبقلوبهم المؤمنة.
٤- القوة المعنوية العظمى.
[ ١ / ٤٢٥ ]
وقد جعل الله الثبات والصبر في متناول المسلمين، لما نفحهم به من روح معنوية غالبة على إمكانيات العدو النفسية كلها: إذ أمرهم ألا يسمحوا للوهن أن يجد إلى نفوسهم مدخلا، وبين لهم أن المؤمن الذي يريد أن يسلم له الإيمان نقيا من الشوائب بريئا من المفسدات، هو الذي يضل الخوف عن قلبه شلا، قال-تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [٣١] فلا يحق للمؤمن في تعاليم الله أن يدخل عليه الإحساس بالضعف والفتور، فإن فتر فقد مركز المتفوق والعلو.
[ ١ / ٤٢٦ ]
ذلك أن الوهن النفسي أول الهزيمة ولا يسببه إلا استعظام الموت والجراحات ولا يبعده إلا تناسيها وتهوين أمر المصائب وهي من طبائع الحروب، ولا حرب من غير خسائر تنزل بالفريقين معا: قال تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [٣٢] وقد أولى الله هذا العامل النفسي اهتماما كبيرا لأثره الفعال في تقرير مصير المجاهدين، فكان القرآن حريصا على أن يسمو بروحهم المعنوية في المعركة، وقبل أن يدخلها، وبعد أن يخرجوا منها، يتتبع حركات نفوسهم، ولا يسمح لهم بتنازل-وإن قل-في شعور الاستعلاء على العدو، وينهاهم عن السعي إلى السلم فرارا من الزحف قال تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [٣٣] والسبب في ذلك جلي الجلاء الساطع فإننا إن نخرج من المعركة ضعاف النفوس تكن خسارتنا مضاعفة في الجانب المعنوي والجانب المادي معا أما إذا خرجنا بنفوس مستعيلة فلم نخسر ماديا إلا مثل ما أصبنا به أعداءنا فنحن وهم في القروح سواء ونفضلهم بالإيمان وعظم النفس فتبقى لنا الغلبة عليهم.
[ ١ / ٤٢٧ ]
ولذلك أقر النبي ﵊ ما فعله بعض المؤمنين في القتال مما فيه دلالة على رفعة معنوياتهم، وهو عند الله ورسوله مبغض في غير هذا الموطن: ففي يوم أحد أخذ أبو دجانة السيف من يد رسول الله ﷺ بحقه، وهو أن يقاتل به حتى ينحني. فأخرج عصابة له حمراء فعصب بها رأسه وكان إذا اعلم بها علم الناس أنه سيقاتل، وجعل يتبختر بين الصفين. فقال رسول الله ﷺ حين رأى أبا دجانة يتبختر: "إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن" [٣٤] وكانت القوة المعنوية التي كان المسلمون عليها قبل القتال سر انتصارهم في كثير من المعارك التي لم يحرزوا فيها نصرا فكانت السر يوم بدر إذ خرج المسلمون قلة، وكثرتهم قريش بالرجال والخيل، ولم يكن للمسلمين قبلها بلاء مشهود، وكان يظلهم خوف أن يتخطفوا عن قلة.
وعلم الله ما في نفوسهم وهم يستغيثون فوضع في أيديهم مفتاح النصر ألا وهو التفوق النفسي في المعركة إذ أخبرهم أنهم ليسوا وحدهم في الميدان، وأن الملائكة لتقاتل معهم فكانت البشرى التي حلقت بهم إلى القمة من الثقة فانقضوا على المشركين كالشهاب فشردوهم كل مشرد، قال تعالى يذكرهم هذه المنة الكبرى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [٣٥]
فكيف لا يصبرون بعدها؟ ومن تحدثه نفسه بفرار وهو يعلم أن الملائكة تضرب وترمي معه إن هذه البشرى هي التي جعلت الجندي المسلم يوم بدر غلابا لعشرة من المشركين بما نفخت فيه من الحمية والحماسة.
[ ١ / ٤٢٨ ]
فإن قال قائل منا: "وأنى لنا ببشرى كهاتيك حتى تهدأ نفوسنا وتطمئن للنصر اطمئنان البدريين وأمثالهم؟ فإنه يجد الجواب في كتاب الله_تعالى الذي يهبنا البشرى ذاتها ذلك إن ربنا الكريم الرؤوف الرحيم وعدنا النصر القاطع إن اجتمعت لنا مقومات النصر التي أمرنا بحيازتها. أو ليس هو القائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [٣٦] إنه وعده الحق، ولا مبدل لكلمات الله.
وفى القرآن وصف مفصل للعملية الإلهية التي رفعت معنويات المسلمين في بدر وكان الهدف منها إزالة المخاوف والهواجس ووساوس الشيطان وإحلال السكينة محل هذا كله فعمد إلى الخواطر المضطربة والعواطف المصطرعة والأعصاب الثائرة فمحا ما بها بالنوم فذهب القلق وأنزلت السكينة. فناموا فى ليلة لا ينام فيها الخائف أبدا. وصحوا طيبين قريرين ليجدوا السماء قد جادت بالماء فمالت لهم الوديان ولبدت لهم الرمل بينهم وبين العدو. فاغتسلوا وتوضؤوا وشربوا، فطهروا نفسا وجسدا، وتيقنوا فضل الله، وصدقوا وعده، فأقبلوا على القتال لا يرون إلا النصر.
فثبتوا، وكان الثبات النتيجة الأخيرة لمرحلة الإعداد النفسي، وخرجوا يومئذ أبطالا، ولكن من صنع الله لا من صنع أنفسهم. قال تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَام﴾ [٣٧] وبالنوم أيضا هدأ الله خواطر المؤمنين وثبت فيهم اليقين عقب معركة أحد، وأخرجهم من ظلل الغم فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ [٣٨] فكان ذلك وسيلة من وسائل الله للربط على قلوب المسلمين وحشد طاقتهم النفسية في مواطن البأس والغم.
[ ١ / ٤٢٩ ]
ومن هذه العملية النفسية أن الله ﷾ أزال من نفوس المؤمنين استعظام خطر الكافرين، بل هو شأنهم، وضاءل في أعينهم خطرهم حتى جرأهم وشجعهم في مهاجمتهم، ولو استعظموا أمرهم لتراجعوا عنهم لأنه وهو الرب يعلم حقيقة النفس البشرية وما هو لها قوة، وما هو لها تثبيط. قال تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [٣٩]
إن الهدف الأولي ظاهر وهو نصر المؤمنين على المشركين فجعل السبب إلى ذلك استقلال المسلمين لهم من به، ويذهب عنكم رجز الشيطان جانب واستهانة المشركين بالمؤمنين من جانب ولا شك أن المسلمين لم يجدوا جمع الكفرة كثيرا لما رفع الله من معنوياتهم فهانت عليهم الكثرة فكانت كالقلة، وأن الكافرين استهانوا بالمؤمنين لأنهم قدروهم تقديرا عدديا ولم يفطنوا لما كانت عليه النفوس من الشدة والصلابة والتأجج، فوجدوا عند الصدام ما لم يحتسبوا.
فالجيش الإسلامي لا ينبغي له أن يستعظم عدوه أو أن يهوله خطره حتى لا يداخله شيء من الوهن. ولكن يجب علينا أن ندرك الفرق واضحا بين الاستقلال للعدو وبين الاستهانة به فمع الاستقلال والاستصغار له الاستعداد الأوفى والتحفز الأعلى والتآلف الأقوى والإقدام الأمضى. ومع الاستهانة به التراخي والخطأ في التقدير والإهمال والتشتت والجبن. فلا يحق لنا أن نستقل عدونا حتى نعرفه حق المعرفة.
[ ١ / ٤٣٠ ]
هذا وإن ما يعرفه العدو عن معنويات المسلمين يؤثر تأثيرا بعيدا في كفه عنهم أو تجرئه عليهم وكان رسول الله ﷺ شديد العناية أن يعرف عنه المشركون مواصلة الكفاح بهمم شماء وما زال بالمسلمين يملؤهم بقوة النفس خوفا من انحسارها فيهم. ولقد عادوا من أحد وفيهم الجراح البليغة والأحزان الدكناء وندبهم رسول الله ﷺ إلى ملاحقة قريش حتى لا يظنوا بالمسلمين خورا فاجلبه المؤمنون والجروح عليها الضماد والركائب في كلل. فلما رأى أبو سفيان منهم الجد والعزم تهيب الكرة عليهم فانتصروا عليه بعلو-معنوياتهم وردوه بصبرهم في هذا الموقف العظيم وأمثاله بلغ المسلمون الذروة في القوة النفسية فلم يلقوا بعدها إلا النصر وقد أثنى الله ﷿ عليهم في محكم كتابه فقال: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [٤٠]
٥- التآلف والتآزر:
[ ١ / ٤٣١ ]
ومن ثم جعل الله سبحانه للقوة المعنوية موارد عديدة يورد المؤمنين منها ما شاء، على أنه من عليهم بمورد دائم فياض لا يغيض ولا ينضب ماؤه يذكي فيهم الحمية والشجاعة ما نهلوا منه إلا وهو منهل التآلف والتعاضد والمؤمن إن رأى نفسه عضوا في جماعة كبيرة متساندة متآخية متحدة الكلمة والرأي استشعر ثقة كبرى، وإن علم أنه يقاتل في جيش يتسابق أفراده إلى الشهادة امتلك حينئذ الثبات والإقدام امتلاكا والحق أن هذه الوحدة في الفكر والشعور هي أظهر ما يميز الجيش الإسلامي، بل هي شعاره ورايته ولم يمن الله عليه بالنصر إلا بها إنها كلمة السر في انتصارات المسلمين وفي عزهم وظهورهم وقد ذكر الله نبيه نعمته تلك في الحديث عن بدر فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ﴾ [٤١]
ومن نافلة القول أن نذكر أن سبب التأليف هو وحدة العقيدة والتزامهم بها، وأن حظهم من قوة التآلف يقاس بمقدار ما هم عليه من الارتباط بها والاندماج فيها. وما زال الله يجمع بين المؤمنين بالإيمان حتى صنع منهم مثلا لا يدانى في وحدة الصف والكلمة وهل نجد في التاريخ كله مشهدا أقوى اتحادا من مشهد المؤمنين يوم بيعة الرضوان في الحديبية إذ بايعوا رسول الله ﷺ على الصبر أو الموت.
[ ١ / ٤٣٢ ]
وكانوا في ثياب الإحرام فلم يبالوا إن كانت أكفانهم. في هذا الموقف العظيم لم تكن قوة المشركين مهما عتت قادرة على الصمود في وجه الجيش الإسلامي المتحد، قال تعالى في تلك المناسبة: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ [٤٢] ولكن كلمة الله الجليلة أرادت لهم غير القتال ولقد اطلع الله على المؤمنين وهم يبايعون رسول الله ﷺ فعلم حقيقة صدقهم فعجل لهم الثواب من غير عناء قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [٤٣] وكان راضيا عنهم لأنهم ارتفعوا إلى أفق من الإيمان والتسليم لله ما يرتفع إليه المؤمنون إلا نصرهم إن شاء قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [٤٤] وليس عندي من التصرف في القول ما أقوى معه على وصف ما كان عليه الجيش الإسلامي الأول من وحدة في الفكر والعمل وما يجب أن يكون عليه جيش الإسلام في كل عصر ومصر ولكن الله وصفهم بنفسه إذ قال في المبايعين بيعة الرضوان في الآية الأخيرة من سورة الفتح:
[ ١ / ٤٣٣ ]
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجيل كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [٤٥]
هؤلاء هم عناصر الجيش الإسلامي صهرهم الإيمان والإخلاص للفرد الصمد فتراحموا فيما بينهم وإذا لقوا الكفار أذاقوهم بأسا مرا. ولقد تكاملوا بالإيمان شيئا فشيئا وصنع الله بعضهم من بعض فلا ينفذ إلى صفوهم وهن أو تفريق كما يتكامل النبات خلية حتى يصير زرعا ناميا معطاء فإذا الجذور والساق والأوراق والأنسجة واللحاء والقشرة يعين بعضها في استقلال تام عن الأجسام القريبة.
إن هذا لهو المثل الحق لجيش الإسلام. فمتى يخرج المسلمون جيشا مثله؟
٣- تشكيل قيادة إسلامية:
[ ١ / ٤٣٤ ]
وسارت بهذا الجيش الفريد في دروب النصر قيادة إسلامية فريدة يعزى إليها الفضل في إنجاح الخطط وكسب المعارك، ويشهد الاستقراء التاريخي أن الحاكم الأعلى للمسلمين هو القائد الأعلى لقواتهم المسلحة وهو رئيس هيئة أركان حرب الجيش لا يبتعد عن الدراية الدقيقة بمواقف الجند المسلمين، ودرجة استعدادهم وفعاليتهم، وبالمهام المناطة بهم ويظهر من بعض أحاديث الرسول ومن سيرته أنه يستحسن للقائد الأعلى الاشتراك الفعلي في الحروب كلها، أو أكثرها، فكان ﵊ القائد في الغزوات الشهيرة وكان يتمنى لو استطاع أن يكون على رأس السرايا كلها فقال في حديث له: "لولا أن أشق على أمتي ما تخلفت عن سرية ولكن لا أجد حمولة ولا أجد ما أحملهم عليه، ويشق على أن يتخلفوا عني" [٤٦]
كما يشهد التاريخ أن الذين عهدت إليهم المسؤوليات في الفتوحات الكبرى كانوا أدهى الناس في شؤون الحرب وأشدهم مراسا لقتال. ولهؤلاء القادة العسكريين صفات لا تكاد تختلف ولا بد من توفرها فيهم ويمكننا التعرف عليها بيسر إذا تقرينا أخبار قادتنا أمثال رسول الله ﷺ وعاصم بن ثابت ابن أبي الأفلج وجعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحه وخالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص والمثنى ابن حارثة وقتيبة بن مسلم الباهلي وأفذاذ غيرهم، ولا شك أنهم اختيروا للمركز القيادي لما جعل الله فيهم من الخصال الشماء، أما النبي ﷺ فقد تولى الله اختياره فكان مثلا في القيادة لا يجارى ولا يدانى، وأما القواد الآخرون فاختارهم الحكام اختبارا وبلاء..
ومن سير هؤلاء نستخلص مميزات القيادة فنجد أهمها:
أ- الشجاعة الخارقة:
فلم يكن للعدو هيبة ولا للموت رهبة في نفوسهم يجذبهم إلى الإقدام جاذب لا يدفع ويدعمهم عزم لا يقطع.
[ ١ / ٤٣٥ ]
فكان رسول الله ﷺ أسرع الناس إلى مصادر الفزع يسبق الناس إليها على صهوة جواده وحده وأثبتهم في قتال إذا ولى الناس [٤٧] وربما نازل قائد سرية مسلحة لا تتجاوز ستة نفر جمعا كثيرا حتى يقتل [٤٨] وضرب زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحه مثلا في الثبات حتى الموت يرفعون الراية غير مبالين بالسيوف تأخذ من أوصالهم. [٤٩]
وإذا كانت الشجاعة أسعدتهم بالشهادة فقد كللت غيرهم بالظفر وكلاهما عند الله فوز وهذه الخليقة لا بد منها في المقاتل قائدا كان أو مقودا إلا أنها في القائد ذات اعتبار خاص فإن تقدمه صفوف المقاتلة يرفع من معنويات الجندي إقتداء به ويستخرج أقصى الجندي إقتداء به ويستخرج أقصى ما عندهم من الثبات والهجوم.
ب- الأمانة: ذلك أنه ما تحقق نصر في تاريخ الإسلام إلا بقيادة مخلصة نابعة من أعماق المسلمين الذين التفوا حولها فأخذوا من حكمتها وإخلاصها وأعطوها من صدقهم ونصيحتهم ولقد يبدوا هذا القول من المسلمات الأولى ولكن يصبح النص عليه لازما إذا خلى المسلمون القيادة لفئة ليست منهم يترقبون من قبلها نصرا فتقتحم عليهم الهزائم من كل باب، فهم يفقدون فيها الأمانة والغيرة على أوطانهم ومصالحهم والرفق بهم الشفقة عليهم من المكاره والذل ولا يجدون إلا غلظة وإباحة للحمى وقسوة وامتهانا ولعلنا نستطيع أن نفهم معنى الفضل الإلهي حق الفهم في خطاب الله المؤمنين: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾
[ ١ / ٤٣٦ ]
ج- قوة الشخصية: وهي أبرز صفات القائد وقد بين الله معالمها الكبرى في شخصية طالوت إذ اختاره الله ملكا على بني إسرائيل فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [٥١] واستبعد الله الإسرائيليين الجماعين المناعين وكانوا أرادوا الملك لأنفسهم فقالوا معترضين: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ [٥٢] . وما استبعدهم الله إلا لأن الأثرة تتعارض تعارضا تاما مع التضحية والإيثار.
وضرب لنا الرسول ﷺ مثلا في التخفف من أعباء المال فكان يرفع نفقة عياله لسنة ويرد الباقي في موازنة الدفاع. [٥٣] حتى لا تتأثر النفس بشيء من حب الدنيا فتجنح إلى الطيب اللين من العيش فتثاقل إلى الأرض لأن التقشف كان يحفظ نفوسهم من فتور الدعة ويبقى لها شدتها وتنبهها وفعاليتها ومن ثم لم يدخل الاعتبار المادي في اختبار الرسول والخلفاء الراشدين القواد والأمراء وكان عمر ﵁ يعزل العمال الجانحين إلى لين العيش ويستبقي المخشوشنين والحق أن من يتولى القيادة لا يؤثر على الأتباع بغنى وسيع أو مال منتشر ولكن بما يكنون له من تقدير واحترام ومحبة هي الاعتراف بمزاياه وبقوة شخصيته.
د- الطاعة: ولا بد من أن تحظى هذه القيادة برضى المسلمين عنها وطاعتهم لها وتنفيذ أوامرها بدقة فهي الرأس المفكر وهم الجوارح المنفذة فإن التجاوب بينها وبين عناصر الجيش كفيل بالنظام والنجاح وقد أمرنا بالطاعة ما لم تكن معصية فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة [٥٤] وأعظم الطاعات مردودا ما انبعث من المحبة والثقة بالقائد،
[ ١ / ٤٣٧ ]
فيعتصب الجيش بقيادته اعتصابا ويندمج فيها وتندمج فيه فتتناسق العمليات والخطا وتقل الأخطاء ويعطي الجيش طاقاته كلها في خطة منسقة محققة للنصر، ولو قرأنا أخبار الفتوحات الإسلامية وما حققته من باهر الانتصارات فلن نخطئ أبدا إذا حكمنا بأن جانبا كبيرا من النصر يعزى إلى التواثق والتجاوب بين القيادة والجندي، وفي تاريخنا مواقف خالدة لهذه الطاعة الراضية المرضية فقد بحث رسول الله ﷺ عنها في من أقبل معه إلى بدر في أول مشهد عظيم فوجدها فيهم وارتضاها كان يقول: "أشيروا علي أيها الناس" [٥٥] يستوثق من أصحابه، وكل يجيبه بالطاعة والرضا، وفي مقالة المقداد بن عمرو ما يفحص عن هذه الطاعة التي لا تعرف حدا للإذعان والاستجابة. قال المقداد:"يا رسول الله أمض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى أذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن أذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوا الذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجا لدنا معك من دونه حتى تبلغه".
وقد علمت المؤمنين الأحداث أن طاعة قيادتهم تقتضي التنفيذ الفعلي الدقيق للأوامر كلها، ولا يحق لأي وحدة من وحدات الجيش أن تتصرف تصرفا خاصا بها، وقد دفعوا يوم أحد الثمن غاليا إذ خالف الرماة عن أمر رسول الله ﷺ ونزلوا عن الجبل طمعا في الغنيمة لما أيقنوا هزيمة القوم فالتفت عليهم خيل المشركين وكلفتهم هذه المخالفة سبعين شهيدا وكانت درسا قاسيا علمت المسلمين بعدها الالتزام الشامل للأوامر الصادرة من رسول صلى الله عليه وسلام فكان أحدهم يوم الخندق إذا أراد الذهاب لبعض حاجته استأذن الرسول ﵊ فيأذن له.
[ ١ / ٤٣٨ ]
ويدخل في باب الطاعة أن يردوا القيادة النظر في الأنباء التي تأتيهم عن أحوال العدو وأن يتورعوا عن نشر الشائعات التي تتعلق بأمن الدولة خوف البلبلة والتشويش قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ [٥٦]
هـ الخبرة والدراية والإخلاص:
[ ١ / ٤٣٩ ]
ويختار لمراكز القيادة العسكرية أفذاذ الرجل الذين شهد لهم بالموهبة وعرفوا بالعبقرية في فنون القتال. وهؤلاء يجب أن يبقوا في منأى عن سياسة الدولة منصرفين لدارسة إمكانيات الدفاع والهجوم متتبعين لوسائل الحرب وفنونها. وعليهم أن يتلقوا من القائد الأعلى للمسلمين وهو خليفتهم الأوامر فينفذها على وجهها، ولنا في خالد بن الوليد ﵁ أسوة حسنة إذ أسلم القيادة لأبي عبيدة بن الجراح أمرًا من الخليفة عمر عقب انتصار المسلمين في اليرموك وأن الانصراف عن المسائل العامة هو الذي يمكن العسكريين من التعمق في التخصص واستغلال ملكاتهم أحسن استغلال. وإننا لنذكر والأسى العميق يقطع أنياط قلوبنا ما فعلته العصبية القبلية أو المشاركات لسياسية في عديد من قادتنا الكبار منهم قتيبة بن مسلم الباهلي فاتح المشرق وموسى بن نصير فاتح المغرب وطارق بن زياد فاتح أسبانيا. والله وحده يعلم ما كان يمكن أن يكون عليه مستقبل تلك البلاد في المشرق والمغرب لو قدر لهؤلاء القواد أن يبقوا على رأس جيوشهم يتابعون رسالة الفتح ويوطدون الملك في الأقاليم الجديدة قبل أن تتسرب إليها الخلافات وتدب فيها عوامل الضعف حتى انتهى بعضها إلى الانهيار واضطر المسلمون للجلاء عنها بعد قرون من فتحها وعمرانها ويجدر التنبيه على أن التفكير السياسي لكثير من قواد الدولة الإسلامية كان من أكبر عوامل التجزئة فيها، إذ طمع بعضهم بالملك فجعل لنفسه الأمر في البلاد التي ولي عليها ولم يبق له بالخلافة إلا اتصال اسمي فتعددت القيادات في الدولة الإسلامية ولم تكن على وفاق فقاتلت في جهات متعددة وهي متفرقة حين لم يكن بعضها يقاتل بعضا ولا أدل على ذلك من أن سيف الدولة الحمداني في القرن الرابع الهجري حمل وحده عبء الجهاد وغزو الدولة البيزنطية حتى استنفذ قواه ولم يبق له بقية من صمود، وأن الصليبيين لما دخلوا بيت المقدس ذبحوا خمسين ألفا من أبنائه المسلمين والمسلمون من
[ ١ / ٤٤٠ ]
حولهم أعجز من الأوتاد عن نصرتهم ولم يسترد صلاح الدين الأيوبي القدس إلا وهو على رأس قيادة إسلامية موحدة ولن يستردها غدا إلا مثلها.
لقد ذكرنا بعض ما يجب أن تمتاز به القيادة الإسلامية، ونوهنا بدورها الكبير في تحقيق النصر ولكن مهما بلغ شأن الأفراد فيها من علو القدر وقوة الشخصية وتجمع الثقة بهم يجب ألا يؤثر فقدهم على مجرى الحروب وموقف الجندي مهما بلغ حبهم وإعظامهم لأن القائد كغيره من الناس يلقى الأجل المحتوم فهو ذاهب ورسالة الإسلام باقية. ولقد نبه الله تعالى المسلمين إلى هذه الحقيقة عندما ظن بعضهم أن رسول الله ﷺ قد قتل فكاد بعضهم يستيأس قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [٥٧]
٤- تطهير صفوف الجيش ومراكز انطلاق المسمين من المنافقين والعملاء:
[ ١ / ٤٤١ ]
ولا يخلو المجتمع الإسلامي من أعداء فيه ينتسبون إلى الإسلام وهم يبطنون الكفر ويتربصون بالمسلمين الدوائر. وهؤلاء تكشفهم الأحداث التي تحيق بالمسلمين فيسفرون عن وجوههم كالحة كلما زحفت إلينا الأخطار وأحاط بنا الأعداء، فيمسون الأعوان لهم واليد الحذاء بالتآمر معهم، ولكن لا ينكر المسلمون منهم شيئا في الأمن والسلم فهم يشعرونهم أن أهدافهم أهداف المسلمين وأمانيهم أماني المسلمين فيطمئنون إليهم في غير موضع اطمئنان إليهم، ويتركون موضع المخافة من غير حراسة فإذا أدلهم الخطب أجهضوا قوة المسلمين إجهاضا. وكان تنبيه القرآن إليهم ملحا وتحذيره منهم كثيرا شديدا. ومما قاله تعالى في صفتهم: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [٥٨] .
ومن أظهر خصائصهم الجبن لما تجن صدورهم من البغضاء للمؤمنين والغدر بهم والخيانة لهم. فهم أكبر مصدر من مصادر الخذلان في الجيش، ولقد رأيناهم يرجعون قبل البدء بالقتال أو المسير إليه في كثير من حروب الرسول ﷺ فرجعوا عنه في بدر وأحد والأحزاب وتبوك وغيرها يريدون تشكيك المؤمنين وضعضعة معنوياتهم.
[ ١ / ٤٤٢ ]
ولقد عاتب الله تعالى رسوله ﷺ عندما إذن لهم في الخروج معه إلى تبوك فلم يتجاوزوا ثنيات الوداع من المدينة فقال: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [٥٩] فأعلمنا إن استبعادهم من صفوف الجند واجب لما له من ضرر بالغ في نفوس المقاتلة بتثبيط الهمم فهم يخيلون للمجاهدين عبث الخروج ومضيعة الاحتشاد والسير بقولهم لهم كما حكى الله عنهم ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاَتَّبَعْنَاكُمْ﴾ . فإن كانت الحرب واستجاب لله المؤمنون فكرم منهم من شاء بالشهادة حركوا الأسى في نفوس ذوي الشهداء: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [٦٠] وهم يتربصون بالمؤمنين هزيمة ماحقة ليكشفوا عن السرائر: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلاَّ يَسِيرًا..﴾ [٦١] ومن هنا يتوجب على المسلمين أن يطهروا صفوفهم منهم عملا بالأمر الإلهي:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [٦٢]
ويتفرغ من هذا وجوب التخلص من الذين يتوقع منهم خطر دائم من خيانة أو غدر أو تأليب على المسلمين، وذلك إما بإجلائهم عن مركز انطلاق المسلمين أو بقتلهم كما كان شأن الرسول ﷺ مع بني النضير وبني قريظة، الذين وضعت غزوة الأحزاب تصفية نهائية لهم وكانت هذه التصفية ركيزة النصر في الحروب التي تلتها.
[ ١ / ٤٤٣ ]
وقد أثبتت الأحداث أن الكفار واليهود بخاصة لا عهد لهم، ولن يألوا غدرا وتآمرا، ولن يفسحوا في حرية الانطلاق لتبليغ أمر الله ونشر رسالته في الأرض، وأنهم إن وادعوا المسلمين باليد لم يوادعوهم باللسان، وإن أظهر لهم المسلمون مودة أبطنوا لهم كراهية وحقدا وإن أشركوهم في بعض مصالحهم أفسدوها عليهم ولقد لقي رسول الله صلى عليه وسلم وأصحابه غدرا بليغا وأسى كبيرا من المشركين كغدرهم بالمسلمين في غزوة الرجيع وبئر معونة إذ لا عهد لهم ولا ذمة، ولذلك نزل الأمر الإلهي بتنظيف الجزيرة العربية من المشركين والكفرة المتآمرين ليأمنوا من ورائهم إذا انطلقوا إلى فتح العالم.
وهكذا نجد أن في مقومات النصر الأساسية
أ-إبعاد المعوقين عن صفوف الجيش.
ب- تطهير مراكز تجمع المسلمين وانطلاقهم من الأعداء الحقيقيين.
٥- التسلح والتعبئة العامة:
تمتاز حروب المسلمين بأنها حققت منجزات كثيرة بأعداد قليلة، أعانهم على ذلك عامل خطير، ألا وهو إرهاب العدو وإرعابه. قال ﵊ من حديث له "ونصرت بالرعب" [٦٣] وأشار تعالى إلى هذا العامل الحاسم في هزيمة المشركين فقال: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [٦٤] وقال في بني قريظة وكانوا معتصمين بالحصون المنيعة، فأسلموها واستسلموا: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [٦٥] ذلك أن الرعب يقضى على العدو بالهزيمة النفسية، وهي الهزيمة الحقيقية وظل هذا السلاح مقدمة الجيوش الإسلامية ما ضربت في الأرض فاتحة، ترتعد فرائص العدو إذا أحسوا لها اقترابا.
[ ١ / ٤٤٤ ]
وثمة أسباب للرعب، منها متابعة الغزو في بلاد العدو حتى لا يعرف منا إلا البأس الشديد والنكال الوفاق، فيتهيب إقدامنا ويهزمه الخوف قبل أن يلقى المقاتلة، وفي هذا قصد في الخسائر وكسب في المغانم وتحدثنا كتب السيرة عن الغزوات العديدة المتلاحقة لرسول الله ﷺ حتى لا يكون بين الغزوة والغزوة إلا الأشهر القليلة، وإذا كانت طبيعة الدعوة اقتضت تتابع الغزو زمن الرسول ﷺ فإن المسلمين صبروا على هذه السنة بضعة قرون ولما أغمدوا السيوف وانقطع والغزو جاءهم العدو من كل مكان إذ لم يبق لهم صيت مرعب.
ومنها التسلح الأتم والاستعداد العسكري الأوفى، وقد نصت على ذلك الآية في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [٦٦]
فإن العدة مصدر لا يستهان به من مصادر الرهبة، وقد أمر المسلمون باستكمالها، فكان الرسول ﷺ يجعل ما زاد عن نفقة أهله في السلاح، وحين أفاء الله عليه من أموال بني قريظة بعث بسبايا منهم وبأموال إلى نجد ليشتري بها خيل للمسلمين ذلك أن المسلمين لا ينبغي لهم أن يسمحوا لعدوهم أن يفوقهم في درجة الاستعداد العسكري، وعليهم أن يسابقوه إلى التسلح لتبقى رهبتهم في قلبه وعليهم أن يجدوا في ابتكار الوسائل والمخترعات التي تقرب النصر، وتوفر على المسلمين العناء والخسارة كان الخندق الذي احتفره الرسول والمؤمنون في غزوة الأحزاب حول المدينة تخطيطا عسكريا فوجئ به العرب-وكان سلمان الفارسي قد أشار بحفره-حتى زعم بعض المشركين أن هذا الخندق هو الذي ردهم على أعقابهم:
لدمرنا عليهم اجمعينا [٦٧]
لولا خندق كانوا لديه
[ ١ / ٤٤٥ ]
كما كان الرسول ﵊ أول من رمى بالمنجنيق في الإسلام في حصار الطائف. وكان لدى الجيش الإسلامي زمن الأمويين والعباسيين مبتكرات ووفرة في السلاح لا يضاهى بمثلها.
ومن هنا كان من مقومات النصر الأولى أن يزداد المسلمون في التسلح حتى يتفوقوا على أعدائهم إرهابا له وتمكينا لأنفسهم، وأن من واجبهم أن يصنعوا هم ذلك السلاح ما استطاعوا لصنعه سبيلا كما يدل احتفار الخندق وتركيب المنجنيق فهذا أوعى للتوثق والاطمئنان، وعلى المسلمين وحدهم تقع المسئولية أمام الله إذا سبقوا إلى استحداث سلاح فتاك يهدد وجودهم بالفناء فلم يستحدثوا مثله أو أمضى منه ذلك أن قوام كل نصر بسبب مادي وسبب معنوي فإذا استوى المسلمون والكفرة في العدة والسلاح غلب المؤمنون بإذن الله لتفوقهم المعنوي الظاهر، ولأنه وعد الله ولا يخلف الله وعده.
ومنها التعبئة العامة وهي كما كانت عند المسلمين الأولين إجابة داعي الله إلى الجهاد من كل قادر على حمل السلاح، وحشد القوى المالية والنفسية واستخراج ما في الوسع. وكانت النساء ينهضن بعبء الدفاع المدني، جاء في الحديث: [٦٨] عن الربيع بنت معوذ قالت: "كنا مع النبي ﷺ نسقي ونداوي الجرحى، ونرد القتلى إلى المدينة"
فإذا استتم المؤمنون الاستعداد واستوفوا شروطه وعزموا على القتال توكلوا عندها على الله حق توكله: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [٦٩]
٦- ذكر الله واستغفاره في القتال:
[ ١ / ٤٤٦ ]
ومن أسس النصر في حروب الإسلام: استغفار الله في المعركة والإكثار من ذكره، يقينا أن النصر من عنده وحده، فتخلص له النفوس وتتجه إليه متوكلة صابرة، وقد أمر الله بالذكر فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [٧٠] وعلم المؤمنين الدعاء عند لقاء العدو: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [٧١]
وينبني على هذا أن تدابير المؤمنين في الحذر والاستعداد والتخطيط لا غناء فيها إلا باليقين المطلق أن لا نصر إلا بالله، ولا تنفع من غيره كثرة ولا عدة وكانت موقعة حنين درسا بليغا للمسلمين إذ قال قائل منهم: "لن نغلب اليوم من قلة" [٧٢]، فطارت الكثرة شعاعا عند الصدمة الأولى فانهزمت وجاء الله بالظفر على يد القلة المؤمنة التي لبت نداء الرسول ﷺ، وصبرت. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [٧٣] .
لذلك كانت مسألة النصر في حياة المسلمين غاية في الحساسية [٧٤]، وإن مثلهم مثل جهاز دقيق الصنع عجيب التركيب رهف الآلية لا يصيب الخلل جزءا ضئيلا من أجزائه إلا اضطرب سيره.
طبيعة الحروب الإسلامية:
[ ١ / ٤٤٧ ]
قال تعالى في المؤمنين المنصورين: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [٧٥] ويلزم في كونهم خير أمة أن انتصاراتهم خير الانتصارات، وأن حروبهم خير الحروب، فما طبيعة تلك الحروب؟ فإن معرفة طبيعتها من الأهمية بمكان إذ مقومات النصر في هذه الطبيعة نفسها: إنها:
أ- حرب إيمانية:
حمل المسلمون أمانتها لينشروا دين الله في الأرض، ولم تثرها دواعي الطمع، ولم تبلغ ما بلغت من الروعة والقوة بالجشع وهي حروب فذة في تاريخ البشر وقد عين الله هدفها الإيماني وهدف الحرب الكافرة في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [٧٦]
ولهذا لا يكون للكفار غرض سوى زحزحة المؤمنين عن دينهم: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [٧٧] وتخصيص الحرب الإسلامية بهذا الهدف دلالة على أن فكر الإنسان وقلبه أفضل ما فيه، ولذلك وكان القضاء على العقيدة أو تحويل الناس عنها أعظم جرما من إراقة الدم وإزهاق النفس: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [٧٨] فأمر الله بالقتال حتى يسلم الدين وتوأد الفتنة: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [٧٩]
ومن البين أن القتال لدفع الفتنة ليس مادي الغاية، وإنما هو دفاع عن الإنسان المفكر الذي تختنق الطواغيت قلبه وتكرهه على معتقداتها وفلسفاتها بالبطش والنكال.
إن أعظم ما في حروب الإسلام أنها قامت لحماية قلب الإنسان وعقله، وهما أساس سموه وازدهاره الحضاري.
[ ١ / ٤٤٨ ]
ولنا على ذلك أدلة كثيرة منها: منع شن الحرب لغاية مادية، ومنع الانتهازيين، أرباب المكاسب الشخصية، من الاشتراك فيها: إذ كان مفهوم الغزو عند الجاهليين الحيازة والغنم، فألغى الإسلام هذا المفهوم البائد وأحل مفهوما جديدا: هو القتال لإعلاء كلمة الله: وفي القرآن الكريم تصوير للنفسية العربية وهي تعاني النقلة من القتال المادي إلى القتال من أجل الله، قال تعالى في سورة الفتح: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ [٨٠] وكشف لهم عن حقيقة الحرب الجديدة لا مغنم فيها إلا الأجر ولا غاية إلا نشر الدين ليصيروا حملة رسالة بعد أن كانوا مطية ضلالة قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [٨١]
ومن الأدلة على ذلك أنه قبل علانية الذين يعلنون إسلامهم على تخوف من الأسر أو القتل ونهى عن قتلهم أو أسرهم: فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [٨٢] .
[ ١ / ٤٤٩ ]
ومنها ما نظم من أمر الغنيمة والفيء النظام المعروف في الإسلام، بعد إن كانت الغنيمة في الجاهلية للغانم وحده أو بشركة سيد القبيلة.
ب- حرب إنسانية:
ولذلك يمكننا أن نصف الحروب الإسلامية بحق أنها حرب إنسانية إذ جعل الله رسالة المؤمن أن يكافح الأذى والسوء وأن يقضي على الطغيان في الأرض وفد قضت سنة الله أن الشر لا يدفعه إلا الخير، وأن الظلم لا يرفعه إلا الحق.
وهذه الصفة ظاهرة في حروب الإسلام فلم تكن إلا دفاع في المضطهدين عربا كانوا أو عجما، وليس في حروب المسلمين غير هذا المعنى مهما جهد المؤرخون في وضع النظريات لمنشأ الحروب وغاياتها، إنها حرب إنسانية بأوسع ما في هذه العبارة من معنى سواء كانت دفاعا عن النفس أو عن الآخرين.
فإذا كانت دفاعا عن النفس فللرد على ظلم غاشم ومن صفات المؤمنين الأصلية في كتاب الله الأنفة من قبول البغي ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [٨٣] ويفرض الله عليهم إن يكونوا حماة المضطهدين والذائدين عن حقوقهم، إذ قال تعالى في استنهاضهم: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [٨٤]
وقد جعلت لها صفتها الإنسانية آثارا بعيدة المدى باقية على الزمان إذ أعانت على انتشار الإسلام، فأقبل الناس عليه إقبال الغرقى على سفينة النجاة، ولم يلق المقاومة والكيد إلا في الموتورين الحاقدين على الدين والإنسانية كلها. أما الحروب المنبعثة من الجشع أو شهوة القهر والسلطان فإن آثارها تزول بزوال أصحابها.
[ ١ / ٤٥٠ ]
وطبيعتها الإنسانية لا تمنع أن تكون حربا هجومية، إنها هجومية في أقوى مضمون لهذه الكلمة، لا نداجي ولا نجامل ولا نخجل من هذا المحتوى ولا يحملنا حاضر المسلمين التعيس على إلقاء ظلال كاذبة زائفة على حروبنا، فهي هجوم على الكفر والإلحاد والطغيان ودفاع عن الروح والعقيدة والإنسان إن هذه الصفة باقية لها ما بقى للإلحاد تطاول في وجه الإيمان.
وهذه الصفة الإيمانية الإنسانية تفرض أن يكون لها شعار واحد ثابت على الدهور، هو: "لا اله إلا الله، محمد رسول الله"وإنها لتفقد جوهرها وتفرغ من مضمونها إن اتخذت ستارا غيره ولا تسمى حربا إسلامية أي حرب اتخذت شعارا يعارض الحقيقة التي ينبثق منها هذا الشعار، وإن كان وقود هذه الحرب جنودا من أبناء المسلمين.
د- حرب عادلة:
وتتجلى عدالتها في مواقف المسلمين السمحاء، باعتراف من أعدائهم، ومردها إلى التزامهم تعاليم الله التي شرعها لهم في معاملة المغلوبين والمعتدين. ويكفي أن نشير إلى العدالة المطلوبة في الحال التي تدعو إلى الرد على العدوان: إذ جعل الله للرد مقدار هو جزاء المثل، وقيده بالتقوى. قال تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [٨٥] فأوجب الله على المسلم أن يحكم التقوى في سلوكه في المواقف كلها، وفي اللحظة التي لا يخشى في البطش حسيبا من الناس، ولكنه يخشى الله﷿فيمسك فإذا هو المحارب التقي العادل.
ويعطي الرد العادل أطيب النتائج للفريقين معا، فهو يكف عن المسلمين بأس الذين كفروا، ويفتح لهؤلاء باب الدخول في الإسلام وقد وجدوا جنده مثلا في العدل والرفق.
[ ١ / ٤٥١ ]
وهكذا يدخل المسلمون الحرب بقانون ويديرونها بقانون ويمسكون عنها بقانون، وفي كل المواقف تبقى إنسانيتهم التي أعطاهموها الدين ظاهرة فليس غريبا بعد هذا أن يقول كاتب غربي: "لم يعرف التاريخ فاتحا أرحم من العرب" [٨٦]
استبقاء النصر:
لقد حاز المسلمون هذه المقومات فحرروا أنفسهم والعالم من عبادة الطاغوت ثم دبت فيهم عوامل الضعف على مدى القرون، ففقدوا كثيرا منها، وقد يستعيدونها مرة أخرى - إن شاء الله لهم استعادتها- ويحملون راية الجهاد لإنقاذ البشرية من ويلات أمرا أفدح مما كانت تعانيه قبل ظهور الإسلام، فإذا قدر لهم الله ذلك كان عليهم أن يحتفظوا بالنصر وبأسبابه وليس من بحثنا أن نتحرى عن تلك الأسباب ولكن نعتقد أن الله قد جمعها في الآية الكريمة: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [٨٧] .
وصية..
كان عمر بن الخطاب إذا بعث أمراء الجيوش أوصاهم بتقوى الله ثم قال لهم:
"بسم الله، وعلى عون الله، وامضوا بتأييد الله بالنصر وبلزوم الحق والصبر، فقاتلوا في سبيل الله من كفر بالله، ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين.. لا تجبنوا عند اللقاء، ولا تمثلوا عند القدرة، ولا تسرفوا عند الظهور، ولا تقتلوا هرما، ولا امرأة ولا وليدا، وتوقوا قتلهم إذا التقى الزحفان وفي شن الغارات، ونزهوا الجهاد عن غرض الدنيا. وذلك هو الفوز العظيم".
--------------------------------------------------------------------------------
[١] البقرة الآية: ٢٥١.
[٢] الأنفال الآية:٢٦.
[٣] الكهف آية ١٠.
[٤] الأنفال الآية:٢٦
[٥] التوبة: الآية:٣٨
[٦] الأنفال: الآيات:٥-٨
[٧] البقرة: الآية:٢١٦
[ ١ / ٤٥٢ ]
[٨] الأنفال: الآية:١٧
[٩] آل عمران: الآية:١٤٢
[١٠] النساء: الآية:٧٤
[١١] التوبة: الآية ٣٩
[١٢] التوبة: الآية:٢٣
[١٣] السيرة النبوية لابن هشام: ق١ص٦٢٧. تحقيق السقا
[١٤] آل عمران: الآية١٥٧-١٥٨
[١٥] محمد: الآيات٤-٥
[١٦] آل عمران: ١٦٩-١٧١.
[١٧] التوبة: الآية١١١
[١٨] التوبة: الآية١١٢
[١٩] آل عمران: الآية١٥٤
[٢٠] الأحزاب: الآية١١
[٢١] البقرة: الآية:٢١٤
[٢٢] آل عمران: الآية٢..
[٢٣] السيرة النبوية لابن هشام: ق٢ ص٢٥٥. تحقيق السقا.
[٢٤] صحيح البخاري: باب الجهاد: ح٤ص٢٨
[٢٥] السيرة النبوية لابن هشام: ق٢ص٨٢
[٢٦] السيرة النبوية لابن هشام: ق٢ص٨٠
[٢٧] السيرة النبوية لابن هشام: ق٢ص٨.
[٢٨] السيرة لابن هشام ق٢ص
[٢٩] السيرة لابن هشام ق٢ص
[٣٠] السيرة لابن هشام ق٢ص
[٣١] آل عمران: الآية:١٣٩
[٣٢] آل عمران: الآيتان:١٤.-١٤١
[٣٣] محمد: الآية:٧
[٣٤] السيرة لابن هشام: ق٢ص٦٦
[٣٥] الأنفال: الآيتان:٩-١.
[٣٦] محمد: الآية٧
[٣٧] الأنفال: الآيتان:٤٣-٤٤
[٣٨] الأنفال: الآية:١١
[٣٩] آل عمران: الآية:١٥٥
[٤٠] آل عمران: الآية١٢٣
[٤١] الأنفال: الآيتان:٦٢-٦٣
[٤٢] الفتح: الآية٢٢
[٤٣] الفتح: الآية١٨
[٤٤] الفتح: الآية١٠
[٤٥] الفتح: الآية٣٩
[٤٦] الصحيح البخاري ج ٤ص٤٢
[٤٧] انظر صحيح البخاري ج ٤باب الجهاد
[٤٨] أنظر السيرة: غزوة الرجيع. ق، ص١٦٩
[٤٩] انظر السيرة: غزوة مؤتة. ق٢ص٣٧٣
[٥٠] التوبة: الآية:١٣٩
[٥١] البقرة: الآية٢٤٧
[٥٢] البقرة: الآية٢٤٧
[٥٣] صحيح البخاري ج٤:باب الجهاد
[٥٤] انظر صحيح البخاري ج ٤باب الجهاد
[٥٥] السيرة لابن هشام: ق٢ص٦١٥
[٥٦] النساء: الآية٨٣
[٥٧] آل عمران: الآية١٤٤
[ ١ / ٤٥٣ ]
[٥٨] المنافقون: الآية٢
[٥٩] التوبة: الآية:٤٣
[٦٠] آل عمران: الآية:١٦٨
[٦١] الأحزاب: الآية:١٤
[٦٢] آل عمران: الآية:١١٨
[٦٣] صحيح البخاري ج٤باب الجهاد
[٦٤] الأنفال: الآية١٢
[٦٥] الحشر: الأية٢
[٦٦] الأنفال: الأية٦
[٦٧] السيرة لابن هشام: ق ٢ص٢٥٥
[٦٨] صحيح البخاري ج٤ باب الجهاد
[٦٩] آل عمران: الآية١٥٩
[٧٠] الأنفال: الآية٤٥
[٧١] آل عمران: الآية١٤٧
[٧٢] السيرة: ق٢ص٤٤٤
[٧٣] التوبة:٢٥ الآية
[٧٤] راجع في هذا الباب وصية عمر بن الخطاب لسعد بن أبي وقاص.
[٧٥] آل عمران: الآية١١٠.
[٧٦] النساء: الآية:٧٦
[٧٧] البقرة: الآية:٢١٧
[٧٨] البقرة: الآية:٢١٧
[٧٩] البقرة: الآية:١٩٣
[٨٠] الفتح: الآية:١٥
[٨١] الفتح: الآية:١٦
[٨٢] النساء: الآية:٩٤
[٨٣] الشورى: الآية:٤٢
[٨٤] النساء: الآية:٧٥
[٨٥] البقرة: الآية:١٩٤
[٨٦] هو غستاف لوبون.
[٨٧] الحج: الآية:٤١
[ ١ / ٤٥٤ ]