الدعوة إلى الله وما ينبغي أن يتحلى به الدعاة
لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز
رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وقيوم السموات والأرضين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وخليله، وأمينه على وحيه، أرسله إلى الناس كافة، بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين ساروا على طريقته في الدعوة إلى سبيله وصبروا على ذلك وجاهدوا فيه حتى أظهر الله بهم دينه، وأعلى كلمته ولو كره المشركون، وسلم تسليما كثيرا. أما بعد:
فإن الله ﷾ إنما خلق الجن والإنس ليُعْبَد وحده لا شريك له، وليعظم أمره ونهيه، وليعرف بأسمائه وصفاته، كما قال ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ .
وقال ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ .
وقال ﷿: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ .
فبين سبحانه أنه خلق الخلق ليعبد، ويعظم ويطاع أمره ونهيه، لأن العبادة هي توحيده وطاعته مع تعظيم أوامره ونواهيه، وبين ﷿ أيضا أنه خلق السموات والأرض وما بينهما ليعلم أنه على كل شيء قدير، وأنه قد أحاط بكل شيء علما.
[ ١١ / ١٧١ ]
فعلم بذلك أن من الحكمة في إيجاد الخليقة أن يعرف الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأنه على كل شيء قدير، وأنه العالم بكل شيء جل وعلا، كما أن من الحكمة في خلقهم وإيجادهم أن يعبدوه ويعظموه ويقدسوه ويخضعوا لعظمته إذ العبادة هي الخضوع لله جل وعلا والتذلل له، وسميت الوظائف التي أمر الله بها المكلفين من أوامر وترك نواهي عبادة لأنها تُؤَدّي بالخضوع والتذلل لله ﷿.
ثم لما كانت العبادة لا يمكن أن تستقل بتفاصيلها العقول، كما أنه لا يمكن أن تعرف بها الأحكام من الأوامر والنواهي على التفصيل، أرسل ﷾ الرسل، وأنزل الكتب لبيان الأمر الذي خَلق من أجله الخلق، ولإيضاحه وتفصيله للناس حتى يعبدوا الله على بصيرة، وحتى ينتهوا عما نهاهم عنه على بصيرة.
[ ١١ / ١٧٢ ]
فالرسل عليهم الصلاة والسلام هم هداة الخلق، وهم أئمة الهدى، وهم دعاة الثقلين جميعا إلى طاعة الله وعبادته، فالله سبحانه أكرم العباد بهم ورحمهم بإرسالهم إليهم، وأوضح على أيديهم الطريق السوي والصراط المستقيم، حتى يكون الناس على بينة من أمرهم، وحتى لا يقولوا: ما ندري ما أراده الله منا، ما جاءنا من بشير ولا نذير، ما نعرف مراد الله، فقطع الله المعذرة وأقام الحجة بإرسال الرسل، وأنزل الكتب كما قال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ . وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ . وقال ﷿: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ الآية وقال سبحانه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ .
[ ١١ / ١٧٣ ]
فبين سبحانه أنه أرسل الرسل وأنزل معهم الكتب ليحكم بين الناس بالحق والقسط، وليوضح للناس ما اختلفوا فيه من الشرائع والعقائد، من توحيد الله وشريعته ﷿ فإن قوله ﷾: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يعني على الحق لم يختلفوا من عهد آدم ﵊ إلى نوح كان الناس على الهدى كما قال ابن عباس ﵄ وجماعة من السلف والخلف، ثم وقع الشرك في قوم نوح فاختلفوا فيما بينهم، اختلفوا فيما يجب عليهم من حق الله، فلما وقع الشر والاختلاف أرسل الله نوحا ﵊ وبعده الرسل كما قال ﷿: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
فالله أنزل الكتاب يبين حكم الله فيما اختلف فيه الناس، ويبين شرعه فيما جهله الناس، وليؤمر الناس بالتزام شرع الله، والوقوف عند حدود الله، وينهى الناس عما يضرهم في العاجل والآجل، وقد ختم الرسل جل وعلا بأفضلهم وبإمامهم وبسيدهم نبينا وسيدنا محمد بن عبد الله عليه من ربهم أفضل الصلاة والتسليم.
[ ١١ / ١٧٤ ]
فبلَّغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، ودعا إلى الله سرا وجهرا، وأوذي في الله أشد الأذى ولكنه صبر على ذلك كما صبر مَنْ قبله مِنَ الرسل عليهم الصلاة والسلام. صبر كما صبروا، وبلغ كما بلغوا، ولكنه أُوذي أكثر، وصبر أكثر وقام بأعباء الرسالة أكمل قيام عليه وعليهم الصلاة والسلام. مكث ثلاثا وعشرين سنة يبلغ رسالات الله، ويدعو إليه، وينشر أحكامه، منها ثلاث عشرة سنة في أم القرى - مكة المكرمة - أولا بالسر ثم بالجهر، صدع بالحق وأُوذي وصبر على الدعوة وعلى أذى النَّاس مع أنهم يعرفون صدقه وأمانته ويعرفون فضله ونسبه ومكانته، ولكنه الهوى والحسد والعناد من الأكابر، والجهل والتقليد من العامة، فالأكابر جحدوا واستكبروا وحسدوا، والعامة قلدوا واتبعوا وأساؤوا، فأُذي بسبب ذلك أشد الأذى ﵊.
ويدلنا على أن الأكابر قد عرفوا الحق وعاندوا قوله سبحانه: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ .
[ ١١ / ١٧٥ ]
بين سبحانه أنهم لا يكذبون رسول الله ﷺ بل يعلمون صدقه وأمانته وكانوا يسمونه الأمين قبل أن يوحى إليه ﵊، ولكنهم جحدوا الحق حسدا وبغيا ونفاسة عليه - ﵊ - لكنه ﵊ لم يبال بذلك ولم يكترث به بل صبر واحتسب وسار في الطريق ولم يزل داعيا إلى الله جل وعلا، صابرا على الأذى مجاهدا بالدعوة كافا عن الأذى متحملا له صافحا عما يصدر منهم حسب الإمكان، حتى اشتد الأمر وعزموا على قتله ﵊ فعند ذلك أذن الله له بالخروج والهجرة إلى المدينة.. فهاجر إليها ﵊، وصارت عاصمة الإسلام الأولى وظهر فيها دين الله وصار للمسلمين دولة وقوة واستمر ﵊ في الدعوة وإيضاح الحق وشرع في الجهاد بالسيف وأرسل الرسل يدعون الناس إلى الخير والهدى ويشرحون لهم دعوة نبيهم محمد ﵊، وبث السرايا، وغزا الغزوات المعروفة حتى أظهر الله دينه على يديه وحتى أكمل الله به الدين وأتم عليه وعلى أمته النعمة ثم توفي ﵊ بعدما أكمل الله به الدين وبلغ البلاغ المبين ﵊ فتحمل أصحابه من بعده الأمانة وساروا على الطريق فدعوا إلى الله ﷿، وانتشروا في أرجاء المعمورة دعاة للحق ومجاهدين في سبيل الله ﷿ لا يخشون في الله لومة لائم يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله جل وعلا فانتشروا في الأرض غزاة مجاهدين ودعاة مهتدين وصالحين مصلحين ينشرون دين الله، ويعلمون الناس شريعته ويوضحون لهم العقيدة التي بعث الله بها الرسل، وهي إخلاص العبادة لله وحدة وترك عبادة ما سواه من الأشجار والأحجار والأصنام وغير ذلك، فلا يدعى إلا الله وحده، ولا يستغاث إلا به ولا يحكَّم إلا شرعه ولا يصلى إلا له ولا ينذر إلا به إلى غير ذلك من العبادات وأوضحوا للناس أن العبادة حق الله وتلوا عليهم ما ورد في
[ ١١ / ١٧٦ ]
ذلك من الآيات مثل قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ . إلى غير ذلك من الآيات.
وصبروا على ذلك صبرا عظيما وجاهدوا في الله جهادا كبيرا ﵃ وأرضاهم وتبعهم على ذلك أئمة الهدى من التابعين وأتباع التابعين من العرب وغير العرب ساروا في هذا السبيل - سبيل الدعوة إلى الله ﷿ وتحملوا أعبائها وأدوا الأمانة مع الصدق والصبر والإخلاص في الجهاد في سبيل الله وقتال من خرج عن دينه وصد عن سبيله ولم يؤدوا الجزية التي فرضها الله إذا كان من أهلها. فهم حملة الدعوة وأئمة الهدى بعد رسول الله ﷺ وهكذا أتباع الصحابة من التابعين وأتباع التابعين وأئمة الهدى ساروا على الطريق كما تقدم وصبروا في ذلك، وانتشر دين الله وعلت كلمته على أيدي الصحابة ومن تبعهم من أهل العلم والإيمان من العرب والعجم من هذه الجزيرة جنوبها وشمالها ومن غير الجزيرة من سائر أرجاء الدنيا، ممن كتب الله له السعادة ودخل في دين الله وشارك في الدعوة والجهاد وصبر على ذلك وصارت لهم السيادة والقيادة والإمامة في الدين بسبب صبرهم وإيمانهم وجهادهم في سبيل الله ﷿ وصدق فيهم قوله سبحانه فيما ذكر في بني إسرائيل ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ صدق هذا في أصحاب الرسول ﷺ وفي من سار على سبيلهم صاروا أئمة وهداة ودعاة للحق وأعلاما يقتدى بهم بسبب صبرهم وإيقانهم.
[ ١١ / ١٧٧ ]
فإن بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين فأصحاب الرسول ﵊ وأتباعه بإحسان إلى يومنا هذا هم الأئمة وهم الهداة وهم القادة في سبيل الحق، وبذلك يتضح لنا جميعا، ويتضح لكل طالب علم أن الدعوة إلى الله من أهم المهمات وأن الأمة في كل زمان ومكان في أشد الحاجة إليها بل في أشد الضرورة إلى ذلك ولذا رأيت أن تكون هذه المحاضرة في شأن الدعوة ويتخلص الكلام في الدعوة إلى الله ﷿ في أمور:
الأمر الأول: حكمها وفضلها.
الأمر الثاني: كيفية أدائها وأساليبها.
الأمر الثالث: بيان الأمر الذي يدعى إليه.
الأمر الرابع: بيان الأخلاق والصفات التي ينبغي للدعاة أن يتخلقوا بهما وأن يسروا عليهما فنقول - وبالله المستعان وعليه التكلان جل وعلا وهو المعين والموفق لعباده ﷾-:
الأمر الأول: بيان حكم الدعوة إلى الله ﷿ وبيان فضلها:
[ ١١ / ١٧٨ ]
أما حكمها: فقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب الدعوة إلى الله ﷿ وأنها من الفرائض والأدلة في ذلك كثيرة منها قوله سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ . ومنها قوله جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّك الْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ . ومنها قوله ﷿: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ . ومنها قوله سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ . فبين سبحانه أن أتباع الرسول ﷺ هم الدعاة إلى الله وهم أهل البصائر والواجب كما هو معلوم هو اتباعه والسير على منهاجه ﵊ كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ .
[ ١١ / ١٧٩ ]
وصرح العلماء أن الدعوة إلى الله ﷿ فرض كفاية بالنسبة إلى الأقطار التي يقوم فيها الدعاة فإن كل قطر وكل إقليم يحتاج إلى الدعوة وإلى النشاط فيها فهي فرض كفاية إذا قام بها من يكفي سقط عن الباقين.. ذلك الواجب وصارت الدعوة في حق الباقين سنة مؤكدة وعملا صالحا جليلا وإذا لم يقم أهل الإقليم أو أهل القطر المعين بالدعوة على التمام صار الإثم عاما وصار الواجب على الجميع وعلى كل إنسان أن يقوم بالدعوة حسب طاقته وإمكانه. أما بالنظر إلى عموم البلاد فالواجب أن يوجد طائفة منتصبة تقوم بالدعوة إلى الله جل وعلا في أرجاء المعمورة تبلغ رسالات الله وتبين أمر الله ﷿ بالطرق الممكنة فإن الرسول ﷺ قد بعث الدعاة وأرسل الكتب إلى الناس وإلى الملوك والرؤساء ودعاهم إلى الله ﷿ وفي وقتنا اليوم قد يسر الله ﷿ أمر الدعوة أكثر بطرق لم يدركها من قبلنا ولم تحصل لمن قبلنا فأمور الدعوة اليوم متيسرة أكثر من طرق كثيرة وإقامة الحجة على الناس اليوم ممكنة بطرق كثيرة: عن طريق الإذاعة عن طر يق التلفزة - عن طريق الصحافة - من طرق شتى.. فالواجب على أهل العلم والإيمان وعلى خلفاء الرسول أن يقوموا بهذا الواجب وأن يتكاتفوا فيه وأن يبلغوا رسالات الله إلى عباد الله ولا يخشون في الله لومة لائم ولا يحابون في ذلك كبيرا ولا صغيرا ولا غنيا ولا فقيرا بل يبلغون أمر الله إلى عباد الله كما أنزل الله وكما شرع الله وقد يكون ذلك فرض عين إذا كنت في مكان ليس فيه من يؤدي ذلك سواك كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه يكون فرض عين ويكون فرض كفاية. فإن كنت في مكان ليس فيه من يقوى على هذا الأمر ويبلغ أمر الله سواك فالواجب عليك أنت أن تقوم بذلك فأما إذا وجد من يقوم بالدعوة والتبليغ والأمر والنهي غيرك فإنه يكون حينئذ في حقك سنة وإذا بادرت إليه وحرصت عليه كنت بذلك منافسا في الخيرات ومسابقا إلى الطاعات. ومما احتج به
[ ١١ / ١٨٠ ]
على أنها فرض كفاية قوله جل وعلا: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْر﴾ الآية.
قال الحافظ ابن كثير عند هذه الآية وجماعة ما معناه: ولتكن منكم أمة منتصبة لهذا الأمر العظيم تدعوا إلى الله وتنشر دينه وتبلغ أمره ﷾ ومعلوم أيضا أن الرسول ﵊ دعا إلى الله وقام بأمر الله في مكة حسب طاقته وقام الصحابة كذلك ﵃ وأرضاهم بذلك حسب طاقتهم ثم لما هاجروا قاموا بالدعوة أكثر وأبلغ ولما انتشروا في البلاد بعد وفاته ﵊ قاموا بذلك أيضا ﵃ وأرضاهم كل على قدر طاقته وعلى قدر علمه.
فعند قلة الدعاة وعند كثرة المنكرات وعند غلبة الجهل كحالنا اليوم تكون الدعوة فرض عين على كل واحد بحسب طاقته وإذا كان في محل محدود كقرية ومدينة ونحو ذلك ووجد فيها تولى هذا الأمر وقام به وبلغ أمر الله كفى وصار التبليغ في حق غيره سنة لأنه قد أُقيمت الحجة على يد غيره ونفذ أمر الله على يد سواه. ولكن بالنسبة إلى بقية أرض الله وإلى بقية الناس يجب على العلماء حسب طاقتهم وعلى ولاة الأمر حسب طاقتهم أن يبلغوا أمر الله بكل ما يستطيعون وهذا فرض عين عليهم بالتعيين على حسب الطاقة والقدرة وبهذا يعلم أن كونها فرض عين وكونها فرض كفاية أمر نسبي يختلف.
[ ١١ / ١٨١ ]
فقد تكون الدعوة فرض عين بالنسبة إلى أقوام وإلى أشخاص وسنة بالنسبة إلى أشخاص وإلى أقوام لأنه وجد في محلهم وفي مكانهم من قام بالأمر وكفى عنهم أما بالنسبة إلى ولاة الأمور ومن لهم القدرة الواسعة فعليهم من الواجب أكثر وعليهم أن يبلغوا الدعوة إلى ما استطاعوا من الأقطار حسب الإمكان بالطرق الممكنة وباللغات الحية التي ينطق بها الناس. يجب أن يبلغوا أمر الله بتلك اللغات حتى يصل دين الله إلى كل أحد باللغة التي يعرفها: باللغة العربية وبغيرها فإن الأمر الآن ممكن وميسور بالطرق التي تقدم بيانها.. طرق الإذاعة والتلفزة والصحافة وغير ذلك من الطرق التي تيسرت اليوم ولم تتيسر في السابق كما أنه يجب على الخطباء في الاحتفالات وفي الجمع وفي غير ذلك أن يبلغوا ما استطاعوا من أمر الله ﷿ وأن ينشروا دين الله حسب طاقتهم وحسب علمهم. ونظرا إلى انتشار الدعوة إلى المبادئ الهدامة وإلى الإلحاد وإنكار رب العباد وإنكار الرسالات وإنكار الآخرة وانتشار الدعوة النصرانية في الكثير من البلدان وغير ذلك من الدعوات المضلِّلة نظرا إلى هذا فإن الدعوة إلى الله ﷿ اليوم أصبحت فرضا عاما وواجبا عاما على جميع العلماء وعلى جميع الحكام الذين يدينون بالإسلام فرض عليهم أن يبلغوا دين الله حسب الطاقة والإمكان بالكتابة وبالخطابة وبالإذاعة وبكل وسيلة استطاعوها وألا يتقاعسوا عن ذلك أو يتكلوا على زيد أو عمرو فإن الحاجة بل الضرورة ماسة اليوم إلى التعاون والاشتراك والتكاتف في هذا الأمر العظيم أكثر مما كان قبل ذلك لأن أعداء الله قد تكاتفوا وتعاونوا بكل وسيلة للصد عن سبيل الله والتشكيك في دينه ودعوة الناس إلى ما يخرجهم من دين الله ﷿ فوجب على أهل الإسلام أن يقابلوا هذا النشاط المضل وهذا النشاط الملحد بنشاط إسلامي وبدعوة إسلامية على شتى المستويات وبجميع الوسائل وبجميع الطرق الممكنة وهذا من باب أداء ما أوجب الله على عباده من
[ ١١ / ١٨٢ ]
الدعوة إلى سبيله.
فضل الدعوة:
وقد ورد في فضل الدعوة والدعاة آيات وأحاديث كثير كما أنه ورد في إرسال النبي ﷺ الدعاة أحاديث لا تخفى على أهل العلم ومن ذلك قوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ . فهذه الآية الكريمة فيها التنويه بالدعاة والثناء عليهم وأنه لا أحد أحسن قولا منهم وعلى رأسهم الرسول ﵊ ثم أتباعه على حسب مراتبهم في الدعوة والعلم والفضل فأنت يا عبد الله يكفيك شرفا أن تكون من أتباع الرسل ومن المنتظمين في هذه الآية الكريمة ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ المعنى لا أحد أحسن قولا منه لكونه دعا إلى الله وأرشد إليه وعمل بما يدعو إليه يعني دعا إلى الحق وعمل به وأنكر الباطل وحذر منه وتركه ومع ذلك صرح بما هو عليه ولم يخجل بل قال: إنني من المسلمين.. مغتبطا وفرحا بما مَنَّ الله به عليه ليس كمن يستنكف عن ذلك ويكره أن ينطق بأنه مسلم أو بأنه يدعو إلى الإسلام لمراعاة فلان أو مجاملة فلان ولا حول ولا قوة إلى بالله. بل المؤمن الداعي إلى الله القوي الإيمان البصير بأمر الله يصرح بحق الله وينشط في الدعوة إلى الله ويعمل بما يدعو إليه ويحذر ما ينهى عنه فيكون من أسرع الناس إلى ما يدعو إليه ومن أبعد الناس عن كل ما ينهى عنه ومع ذلك يصرح بأنه مسلم وبأنه يدعو إلى الإسلام ويغتبط بذلك ويفرح به كما قال ﷿: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ .
[ ١١ / ١٨٣ ]
فالفرح برحمة الله فرح الاغتباط.. فرح السرور.. أمر مشروع، أما الفرح المنهي عنه فهو فرح الكبر والمرح هذا هو المنهي عنه كما قال ﷿ في قصة قارون: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ . هذا فرح الكبر والتعالي على الناس والتعاظم وهذا هو الذي ينهى عنه أما فرح الاغتباط والسرور بدين الله والفرح بهداية الله والاستبشار بذلك والتصريح بذلك ليعلم فأمر مشروع وممدوح ومحمود فهذه الآية الكريمة من أوضح الآيات في الدلالة على فضل الدعوة وأنها من أهم القربات ومن أفضل الطاعات وأن أهلها في غاية من الشرف وفي أرفع مكانة وعلى رأسهم الرسل عليهم الصلاة والسلام ومن ذلك قوله جل وعلا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ . فبين سبحانه أن الرسول يدعو على بصيرة وأن أتباعه كذلك فهذا فيه فضل الدعوة وأن أتباع الرسول ﷺ هم الدعاة إلى سبيله على بصيرة والبصيرة هي العلم يما يدعو إليه وما ينهى عنه وفي هذا شرف لهم وتفضيل وقال النبي الكريم ﵊ في الحديث الصحيح: "من دل عل خير فله مثل أجر فاعله". رواه مسلم في الصحيح.. وقال ﵊: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا". أخرجه مسلم أيضا. وهذا يدل على فضل الدعوة إلى الله ﷿ وصح عنه ﵇ أنه قال لعلي ﵁ وأرضاه: "فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم". متفق على صحته، وهذا أيضا يدلنا على فضل الدعوة إلى الله وما فيها من الخير العظيم وأن الداعي إلى الله جل وعلا يعطي مثل أجور من هداه الله على يديه ولو كآلاف الملايين تعطى أيها الداعية مثل أجورهم فهنيئا لك أيها الداعية إلى الله بهذا الخير العظيم وبهذا يتضح أيضا
[ ١١ / ١٨٤ ]
أن الرسول ﵊ يعطى مثل أجور أتباعه فيالها من نعمة عظيمة يعطى نبينا ﵊ مثل أجور أتباعه إلى يوم القيامة لأنه بلغهم رسالة الله ودلهم على الخير ﵊ وهكذا الرسل يعطون مثل أُجور أتباعهم عليهم الصلاة والسلام وأنت كذلك أيها الداعية في كل زمان تعطى مثل أجور أتباعك والقابلين لدعوتك فاغتنم هذا الخير العظيم وسارع إليه.
كيفية الدعوة:
أما كيفية الدعوة أسلوبها فقد بين الله ﷿ في كتابه الكريم وفيما جاء في سنة نبيه ﵊ ومن أوضح ذلك قوله تعالى جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ . فأوضح سبحانه الكيفية التي ينبغي أن يقوم بها الداعية ويسلكها. يبدأ أولا بالحكمة والمراد بها الأدلة المقنعة الواضحة الكاشفة للحق والداحضة للباطل ولهذا قال بعض المفسرين المعنى: "بالقرآن"لأنه الحكمة العظيمة لأن فيه البيان والإيضاح للحق بأكمل وجه وقال بعضهم معناه: "بالأدلة من الكتاب والسنة"وبكل حال فالحكمة كلمة عظيمة معناها الدعوة إلى الله بالعلم وبالبصيرة والأدلة الواضحة المقنعة الكاشفة للحق والمبينة له وهي كلمة مشتركة تطلق على معان كثيرة تطلق على النبوة وعلى العلم والفقه في الدين وعلى العقل وعلى الورع وعلى أشياء أخرى وهي في الأصل كما قال الشوكاني ﵀: "الأمر الذي يمنع عن السفه هذه هي الحكمة"والمعنى أن كل كلمة وكل مقالة تردعك عن السفه وتزجرك عن الباطل فهي حكمة وهكذا كل مقال واضح صريح صحيح في نفسه فهو حكمة فالآيات القرآنية أولى بأن تسمى حكمة وهكذا السنة الصحيحة أولى بأن تسمى حكمة بعد كتاب الله وقد سماها الله حكمة في كتابه العظيم كما في قوله جل وعلا: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ يعني السنة فالأدلة الواضحة تسمى حكمة والكلام الواضح المصيب
[ ١١ / ١٨٥ ]
للحق يسمى حكمة كما تقدم ومن ذلك الحكمة التي تكون في فم الفرس سميت بذلك لأنها تمنع الفرس من المضي في السير إذا جذبها صاحبها بهذه الحكمة.
فالحكمة كلمة تمنع من سمعها من المضي في الباطل وتدعوه إلى الأخذ بالحق والتأثر به والوقوف عند الحد الذي حده الله ﷿. فعلى الداعية إلى الله ﷿ أن يدعو بالحكمة ويبدأ بها ويعنى بها. فإذا كان المدعو عنده بعض الجفاء والاعتراض دعوته بالموعظة الحسنة بالآيات والأحاديث التي فيها الوعظ والترغيب والترهيب فإن كان عنده شبهة جادلته بالتي هي أحسن ولا تغلظ عليه بل تصبر عليه ولا تعجل ولا تٌعنّف بل تجتهد في كشف الشبهة وإيضاح الأدلة هكذا ينبغي لك أيها الداعية أن تتحمل وتصبر ولا تشدد لأن هذا أقرب إلى الانتفاع بالحق وقبوله وتأثر المدعو وصبره على المجادلة والمناقشة وقد أمر الله جل وعلا موسى وهارون لما بعثهما إلى فرعون أن يقولا له قولا لينا وهو أطغى الطغاة قال الله جل وعلا في أمره لموسى وهارون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ وقال الله سبحانه في نبيه محمد ﵊: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ . الآية.. فعلم بذلك أن الأسلوب الحكيم والطريق المستقيم في الدعوة أن يكون في ذلك حكيما في الدعوة بصيرا بأسلوبها لا يعجل ولا يُعنّف بل يدعو بالحكمة وهي المقال الواضح المصيب للحق من الآيات والأحاديث وبالموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن هذا هو الأسلوب الذي ينبغي لك في الدعوة إلى الله ﷿.
[ ١١ / ١٨٦ ]
أما الدعوة بالجهل فهذا يضر ولا ينفع كما يأتي بيان ذلك إن شاء الله عند ذكر أخلاق الدعاة لأن الدعوة مع الجهل بالأدلة قول على الله بغير علم وهكذا الدعوة بالعنف والشدة ضررها أكبر وإنما الواجب والمشروع ما بيَّنه الله ﷿ في آية النحل وهي قوله سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ الآية أما الشيء الذي يدعى إليه ويجب على الدعاة أن يوضحوه للناس كما أوضحه الرسل عليهم الصلاة والسلام فهو الدعوة إلى صراط الله المستقيم وهو الإسلام وهو دين الله الحق، هذا هو محل الدعوة كما قال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّك﴾ فسبيل الله جل وعلا هو الإسلام وهو الصراط المستقيم وهو دين الله الذي بعث به نبيه محمدا ﵊ هذا هو الذي يدعى إليه وتجب الدعوة إليه لا إلى مذهب فلان ولا إلى رأي فلان ولكن إلى دين الله إلى صراط الله المستقيم الذي بعث الله به نبيه وخليله محمدا ﵊ وهو ما دل عليه القرآن العظيم والسنة المطهرة الثابتة عن رسول الله ﵊ وعلى رأس ذلك الدعوة إلى العقيدة الصحيحة إلى الإخلاص لله وتوحيده بالعبادة والإيمان به وبرسله والإيمان باليوم الآخر وبكل ما أخبر الله به ورسوله هذا هو أساس الصراط المستقيم وهو الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ومعنى ذلك الدعوة إلى توحيد الله والإخلاص له والإيمان به وبرسله عليهم الصلاة والسلام ويدخل في ذلك الدعوة إلى الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسله مما كان وما يكون من أمر الآخرة وأمر آخر الزمان وغير ذلك. ويدخل في ذلك أيضا الدعوة إلى ما أوجب الله من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت إلى غير ذلك ويدخل أيضا الدعوة إلى الجهاد في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأخذ بما شرع الله في الطهارة والصلاة والمعاملات والنكاح والطلاق والجنايات والنفقات والحرب والسلم وفي كل
[ ١١ / ١٨٧ ]
شيء لأن دين الله ﷿ دين شامل يشمل مصالح العباد في المعاش والمعاد ويشمل كل ما يحتاج إليه الناس في أمر دينهم ودنياهم ويدعو إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال وينهى عن سفساف الأخلاق وعن سيئ الأعمال فهو عبادة وقيادة يكون عابدا ويكون قائدا للجيش عبادة وحكم يكون عابدا مصليا صائما ويكون حاكما بشرع الله منفذا لأحكامه ﷿. عبادة وجهادا يدعو إلى الله ويجاهد في سبيل الله من خرج عن دين الله. مصحف وسيف: يتأمل القرآن ويتدبره وينفذ أحكامه بالقوة ولو بالسيف إذا دعت الحاجة إليه. سياسة واجتماع فهو يدعو إلى الأخلاق الفاضلة والأخوة الإيمانية والجمع بين المسلمين والتأليف بينهم كما قال جل وعلا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ . فدين الله يدعو إلى الاجتماع وإلى السياسة الصالحة الحكيمة التي تجمع ولا تفرق.. تؤلف ولا تباعد.. تدعو إلى صفاء القلوب واحترام الأخوة الإسلامية والتعاون على البر والتقوى والنصح لله ولعباده وهو أيضا يدعو إلى أداء الأمانة والحكم بالشريعة وترك الحكم بغير ما أنزل الله ﷿ كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ وهو أيضا سياسة واقتصاد كما أنه سياسة وعبادة وسياسة وجهاد فهو يدعو إلى الاقتصاد الشرعي المتوسط ليس رأسماليا غاشما ظالما لا يبالي بالحرمات وبجمع المال بكل وسيلة وبكل طريق وليس اقتصادا شيوعيا إلحاديا لا يحترم أموال الناس ولا يبالي بالضغط عليهم ولا بظلمهم والعدوان عليهم فليس هذا ولا هذا بل هو وسط بين الاقتصادين وسط بين الطرفين وحق بين الباطلين فالغرب عظموا المال وغلوا في حبه وفي جمعه حتى جمعوه بكل وسيلة واستحلوا فيه ما حرم الله ﷿ والشرق من الملحدين من السوفيت ومن سلك سبيلهم لم يحترموا أموال العباد بل أخذوها واستحلوها ولم
[ ١١ / ١٨٨ ]
يبالوا بما فعلوا في ذلك بل استعبدوا العباد اضطهدوا الشعوب وكفروا بالله وأنكروا الأديان وقالوا لا إله والحياة مادة فلم يبالوا بهذا المال ولم يكترثوا من أخذه بغير حله ولم يكترثوا بوسائل الإبادة والاستعباد واستيلاء الأموال والحيلولة بين الناس وبين ما فطرهم الله عليه منم الكسب والانتفاع والاستفادة من قدراتهم ومن عقولهم وما أعطاهم الله من الأدوات فلا هذا ولا هذا فالإسلام جاء يحفظ المال واكتسابه بالطرق الشرعية البعيدة عن الظلم والغشم والرباء وظلم الناس والتعدي عليهم كما جاء باحترام الملك الفردي والجماعي فهو وسط بين النظامين وبين الاقتصادين وبين الطريقين الغاشمين فأباح المال ودعا إليه ودعا إلى اكتسابه بالطرق الحكيمة من غير أن يشغل كاسبه عن طاعة الله ورسوله وعن أداء ما أوجب الله عليه ولهذا قال ﷿ ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ . وقال النبي ﵊: "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه" وقال: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا". وقال ﵊: "لأن يأخذ أحدكم حبلة فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من سؤال الناس أعطوه أو منعوه". وسئل ﷺ: "أي الكسب أطيب"فقال: "عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور". وقال ﵊: "ما أكل أحدٌ طعاما أفضل من أن يأكل من عمل يده وكان نبي الله داود يأكل من عمل يده". فهذا يبين لنا أن نظام الإسلام في المال نظام متوسط لا مع رأس المال الغاشم من الغرب وأتباعه ولا مع الشيوعيين الملحدين الذين استباحوا الأموال وأهدروا حرمات أهلها لم يبالوا بها واستعبدوا الشعوب وقضوا عليها واستحلوا ما حرم الله منها. فلك أن تكسب المال وتطلبه بالطرق الشرعية وأنت أولى بمالك وبكسبك بالطريقة
[ ١١ / ١٨٩ ]
التي شرعها الله وأباحها جل وعلا.
والإسلام أيضا يدعو إلى الأخوة الإيمانية وإلى النصح لله ولعباده وإلى احترام المسلم لأخيه لا غل ولا حسد ولا غش ولا خيانة ولا غير ذلك من الأخلاق الذميمة كما قال جل وعلا: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ . وقال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ . وقال النبي ﷺ: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحتقره ولا يخذله" الحديث. فالمسلم أخو المسلم يجب عليه احترامه وعدم احتقاره ويجب عليه إنصافه وإعطاؤه حقه من كل الوجوه التي شرعها الله ﷿ قال ﷺ: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" وقال ﷺ: "المؤمن مرآة أخيه المؤمن". فأنت يا أخي مرآة أخيك وأنت لبنة من البناء الذي قام عليه بنيان الأخوة الإيمانية فاتق الله في حق أخيك واعرف حقه وعامله بالحق والنصح والصدق وعليك أن تأخذ الإسلام كله ولا تأخذ جانبا دون جانب. لا تأخذ العقيدة وتدع الأحكام والأعمال ولا تأخذ الأعمال والأحكام وتدع العقيدة بل خذ الإسلام كله خذه عقيدة وعملا وقولا وعبادة وجهادا واجتماعا وسياسة واقتصادا وغير ذلك خذه من كل الوجوه كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ . قال جماعة من السلف معنى ذلك ادخلوا في السلم جميعه يعني في الإسلام يقال للإسلام سلم لأنه طريق السلامة وطريق النجاة في الدنيا والآخرة فهو سلم وإسلام. فالإسلام يدعو إلى السلم. يدعو إلى حقن الدماء بما شرع من الحدود والقصاص والجهاد الشرعي الصادق فهو سلم وإسلام وأمن وإيمان ولهذا قال جل وعلا: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ . أي ادخلوا في جميع شعب الإيمان في جميع خصال الإيمان لا تأخذوا بعضا وتدعوا بعضا عليكم أن تأخذوا بالإسلام كله ﴿وَلا
[ ١١ / ١٩٠ ]
تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ يعني المعاصي التي حرمها الله ﷿ فإن الشيطان يدعو إلى المعاصي وإلى ترك دين الله كله فهو أعدا عدو ولهذا يجب على المسلم أن يتمسك بالإسلام كله وأن يدين بالإسلام كله وأن يعتصم بحبل الله جل وعلا وأن يحذر أسباب الفرقة والاختلاف في جميع الأحوال فعليك أن تحكم شرع الله في العبادات وفي المعاملات وفي النكاح والطلاق وفي النفقات وفي الرضاع وفي السلم والحرب ومع العدو والصديق وفي الجنايات وفي كل شيء. دين الله يجب أن يحكم في كل شيء وإياك أن توالي أخاك لأنه وافقك في كذا وتعادي الآخر لأنه خالفك في رأي أو في مسألة فليس هذا من الإنصاف فالصحابة ﵃ اختلفوا في مسائل ومع ذلك لم يؤثر ذلك في الصفاء بينهم والموالاة والمحبة ﵃ وأرضاهم فالمؤمن يعمل بشرع الله ويدين بالحق ويقدمه على كل أحد بالدليل ولكن لا يحمله ذلك على ظلم أخيه وعدم إنصافه إذا خالفه في الرأي في مسائل الاجتهاد التي قد يخفى دليلها وهكذا في المسائل التي قد يختلف في تأويل النص فيها فإنه قد يعذر فعليك أن تنصح له وأن تحب له الخير ولا يحملك ذلك على العداء والانشقاق وتمكين العدو منك ومن أخيك ولا حول ولا قوة إلا بالله.
[ ١١ / ١٩١ ]
الإسلام دين العدالة.. دين الحكم بالحق وبالإحسان.. دين المساواة إلا فيما استثنى الله ﷿ ففيه الدعوة إلى كل خير وفيه الدعوة إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال والإنصاف والعدالة والبعد عن كل خلق ذميم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ والخلاصة أن الواجب على الداعية الإسلامي أن يدعو إلى الإسلام كله ولا يفرق بين الناس وألا يكون متعصبا لمذهب دون مذهب أو لقبيلة دون قبيلة أو لشيخه أو رئيسه أو غير ذلك بل الواجب أن يكون هدفه إثبات الحق وإيضاحه واستقامة الناس عليه وإن خالف رأي فلان أو فلان أو فلان. ولما نشأ في الناس من يتعصب للمذاهب ويقول: إن مذهب فلان أولى من مذهب فلان جاءت الفرقة والاختلاف حتى آل ببعض الناس هذا الأمر إلى أن لا يصلي مع من هو على غير مذهبه فلا يصلي الشافعي خلف الحنفي ولا الحنفي خلف المالكي ولا خلف الحنبلي هكذا وقع من بعض المتطرفين المتعصبين.. وهذا من البلاء ومن اتباع خطوات الشيطان فالأئمة أئمة هدى الشافعي ومالك وأحمد وأبو حنيفة والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وأشباههم كلهم أئمة هدى ودعاة حق دعوا الناس إلى دين الله وأرشدوهم إلى الحق ووقع هناك مسائل بينهم اختلفوا فيها لخفاء الدليل فهم بين مجتهد مصيب له أجران وبين مجتهد أخطأ الحق فله أجر واحد فعليك أن تعرف لهم قدرهم وفضلهم وأن تترحم عليهم وأن تعرف أنهم أئمة الإسلام ودعاة الهدى ولكن لا يحملك ذلك على التعصب والتقليد الأعمى فتقول: مذهب فلان أولى بالحق بكل حال أو مذهب فلان أولى بالحق
[ ١١ / ١٩٢ ]
بكل حال لا يخطئ. لا هذا غلط، عليك أن تأخذ بالحق وأن تتبع الحق إذا ظهر دليله ولو خالف فلانا أو فلانا وعليك ألا تتعصب وأن لا تقلد تقليدا أعمى بل تعرف لهم فضلهم وقدرهم ولكن مع ذلك تحتاط لنفسك.. تحتاط لدينك.. تأخذ بالحق وترشد إليه وترضى به إذا طلب منك وتخاف الله وتراقبه جل وعلا تنصف من نفسك مع إيمانك بأن الحق واحد وأن المجتهدين إن أصابوا فلهم أجران وإن أخطؤوا فلهم أجر أعني مجتهدي أهل السنة.. أهل العلم والإيمان والهدى..
أما المقصود من الدعوة والهدف منها:
فالمقصود والهدف إخراج الناس من الظلمات إلى النور وإرشادهم إلى الحق حتى يأخذوا به وينجوا من النار وينجوا من غضب الله وإخراج الكافر من ظلمة الكفر إلى النور والهدى وإخراج العاصي من ظلمة الجهل إلى العلم والعاصي من ظلمة المعصية إلى نور الطاعة هذا هو المقصود من الدعوة.
كما قال جل وعلا: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ فالرسل بعثوا لإخراج الناس من الظلمات إلى النور ودعاة الحق كذلك يقومون بالدعوة وينشطون لها لإخراج الناس من الظلمات إلى النور ولإنقاذهم من النار ومن طاعة الشيطان ولإنقاذهم من طاعة الهوى إلى طاعة الله ورسوله.
أما أخلاق الدعاة وصفاتهم التي ينبغي أن يكونوا عليها فقد أوضحها الله جل وعلا في آيات كثيرة منها: الإخلاص.
فيجب على الداعية أن يكون مخلصا لله ﷿ لا يريد رياء ولا سمعة ولا ثناء الناس ولا حمدهم.. إنما يدعو لله يريد وجهه ﷿ كما قال الله سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ . فعليك أن تخلص لله ﷿ هذا أهم الأخلاق.. هذا أعظم الصفات أن تكون في دعوتك تريد وجه الله والدار الآخرة..
[ ١١ / ١٩٣ ]
الأمر الثاني: أن تكون على بينة في دعوتك أي على علم لا تكن جاهلا بما تعدو إليه ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَة﴾ فلا بد من العلم فالعلم فريضة فإياك أن تدعو على جهالة وإياك أن تتكلم فيما لا تعلم فالجاهل قد يهدم ولا يبْني وقد يُفسد ولا يُصلح فاتق الله يا عبد الله.. إياك أن تقول على الله بغير علم لا تدعو إلى شيء إلا بعد العلم به والبصيرة بما قاله الله ورسوله فلابد من بصيرة وهي العلم فعلى طالب العلم وعلى الداعية أن يتبصروا فيما يدعو إليه وأن ينظر فيما يدعو إليه ودليله فإن ظهر له الحق وعرف الحق ودعا إلى ذلك سواء كان فعلا أو تركا فيدعو إلى الفعل إذا كان طاعة لله ورسوله يدعو إلى ترك ما نهى الله عنه ورسوله على بينة وبصيرة.
الأمر الثالث: من الأخلاق التي ينبغي لك أن تكون عليها أيها الداعية أن تكون حليما في دعوتك رفيقا فيها متحملا صبورا كما فعل الرسل عليهم الصلاة والسلام إياك والعجلة.. إياك والعنف والشدة عليك بالصبر.. عليك بالحلم.. عليك بالرفق في دعوتك فقد سبق لك بعض الدليل على ذلك كقوله جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وقوله سبحانه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ الآية وقوله جل وعلا في قصة موسى وهارون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ وفي الحديث الصحيح يقول النبي ﷺ: "اللهم مَن وَليَ من أمر المسلمين شيئا فَرَفق بهم فارفق به ومن ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه".
[ ١١ / ١٩٤ ]
فعليك يا عبد الله أن ترفق في دعوتك ولا تشق على الناس ولا تنفرهم من الدين ولا تنفرهم بغلظتك ولا بجهلك ولا بأسلوبك العنيف المؤذي الضار عليك أن تكون حليما صبورا سلس القياد لين الكلام طيب الكلام حتى تؤثر في قلب أخيك وحتى تؤثر في قلب المدعو وحتى يأنس لدعوتك ويلين لها ويتأثر بها. ويثني عليك بها ويشكرك عليها أما العنف والشدة فهو منفر لا مقرب..
ومن الأخلاق والأوصاف التي ينبغي بل يجب أن يكون عليها الداعية العمل بدعوته وأن يكون قدوة صالحة فيما يدعو إليه ليس ممن يدعو إلى شيء ثم يتركه أو ينهى عنه ثم يرتكبه هذه حال الخاسرين نعوذ بالله من ذلك أما المؤمنون الرابحون فهم دعاة الحق يعملون به وينشطون فيه ويسارعون إليه ويبتعدون عما ينهون عنه قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ وصح عن النبي ﷺ أنه قال: "يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور فيها كما يدور الحمار بالرحى فيجتمع عليه أهل النار فيقولون له يا فلان مالك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.. فيقول بلى كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه".
[ ١١ / ١٩٥ ]
نعوذ بالله من ذلك هذه حال من دعا إلى الله وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر ثم خالف قوله فعله وفعله قوله نعوذ بالله من ذلك. فمن أهم الأخلاق ومن أعظمها في حق الداعية أن يعمل بما يدعو إليه وأن ينتهي عما نهى عنه أن يكون ذا خلق فاضل وسيرة حميدة وصبر ومصابة وإخلاص في دعوته واجتهاد فيما يوصل الخير إلى الناس وفيما يبعدهم من الباطل ومع ذلك يدعو لهم مع دعوته يدعو لهم بالهداية هذا من الأخلاق الفاضلة أن تدعو لهم بالهداية وتقول للمدعو هداك الله وفقك الله لقبول الحق أعانك الله على قبول الحق.. تدعوه وترشده وتصبر على الأذى ومع ذلك تدعو له بالهداية.. قال النبي ﵊ لما قيل عن دوس أنهم عصوا قال: "اللهم أهد دوسا وآت بهم". تدعو له بالهداية والتوفيق بقبول الحق وتصبر وتصابر في ذلك ولا تقنط ولا تيأس ولا تقل إلا خيرا لا تعنف ولا تقل كلاما شينا ينفر من الحق لكن من ظلم وتعدى له شأن آخر كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ . فالظالم الذي يقابل الدعوة بالشر والعناد والأذى له حكم آخر في الإمكان تأديبه على ذلك بالسجن أو غيره ويكون تأديبه على ذلك على حسب مراتب الظلم لكن ما دام كافا عن الأذى فعليك أن تصبر عليه وتحتسب وتجادله بالتي هي أحسن وتصفح عما يتعلق بشخصك من بعض الأذى كما صبر الرسل وأتباعهم بإحسان..
وأسأل الله ﷿ أن يوفقنا جميع لحسن الدعوة إليه وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا وأن يمنحنا جميعا الفقه في دينه والثبات عليه ويجعلنا من الهداة المهتدين والصالحين المصلحين إنه جل وعلا جواد كريم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
[ ١١ / ١٩٦ ]