القاعدة الصلبة الواعية من المهاجرين والأنصار
لفضيلة الشيخ زهير الخالد
لقد رأينا في الحلقة السابقة الأثر العميق والواسع الذي تركته وفاة رسول الله ﷺ على الصابة رضوان الله تعالى عنهم، فقد تركت فيهم حزنا عميقا وأسى بالغا إلى درجة الذهول كما حدث مع عمر بن الخطاب ﵁ وعلى القبائل العربية في الجزيرة العربية حيث تفاوتت انعكاساته، فمنهم من حزن، وهم الصادقون، وهم قلة قليلة، أما أكثرهم ممن قال فيهم رب العزة والجلال: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ فقد تركت لديهم سرورا وفرحا وردة عن الإسلام. وإن اختلفت الصورة التي ظهرت فيها ردة كل فريق..
أما اليهود الموتورون، والمتنبئون الكذابون والنصارى ودولتهم الرومية، الذين يمثلون المعسكر الغربي، والفرس ودولتهم المجوسية الذين يمثلون المعسكر الشرقي. فقد دفعتهم وفاة رسول الله ﷺ لأن يتحضروا ويعدوا العدة للانقضاض عل دولة المسلمين في المدينة المنورة، حتى أصبح أصحاب رسول الله ﷺ عقب وفاة نبيهم - ﵊ - كما تصفهم أم المؤمنين السيدة عائشة - ﵂ - فتقول: "لما قبض رسول الله ﷺ ارتدت العرب قاطبة وأعربت النفاق وسار أصحاب محمد كأنهم معزى مطيرة في ليلة شاتية مطيرة، بأرض مسبعة.
[ ١٢ / ٢٥٣ ]
لقد كان الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - يدركون هذه الأخطار والتحديات التي نجمت عن وفاة نبيهم ﵊ وكانوا يدركون أيضا المهمات الكبرى التي تنتظرهم وتمتحن صلابتهم ووعيهم، وفي مقدمتها مغالبة آلامهم الشديدة، وأحزانهم العميقة، والمسارعة لانتخاب خليفة لرسول الله ﷺ يجتمعون عليه للوقوف في وجه هذه المحن المتلاحقة والتي تقف في وجههم.
ضرورة البت السريع في انتخاب خليفة لرسول الله ﷺ
إن اجتماع الأمة على رجل يخلف قائدها المتوفى أمر في غاية الأهمية، وله تأثيره الكبير على حاضر الأمة ومستقبلها، وعلى تماسكها وقوتها والحيلولة دون تفرق كلمتها وتمزق وحدتها، ومن هنا نجد أن الأمم ومنذ زمن قديم حتى العصر الحاضر تحرص أن يكون لقائدها، ملكها أو رئيسها نائبا يخلفه إذا نزل به الموت، ويسارع أهل الحل والعقد لتنصيبه أو لتأكيد تنصيبه خلفا لقائدها الراحل فور موته وقبل الاشتغال بمراسم دفنه، وهذا ما تقضي به مصلحة الأمة وأمنها.
[ ١٢ / ٢٥٤ ]
لكن شأن النبوة يختلف عن شأن الرئاسات الدنيوية، ومن ثم لم يكن لرسول الله ﷺ خليفة معينا صراحة من قبل رسول الله ﷺ ولذا فقد وجد الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - أن عليهم أن يقوموا بهذه المهمة الكبيرة، وعلى وجه السرعة والحكمة لأن الأحداث المنتظرة والمتوقعة تقتضي منهم هذا البت السريع، والزمن لا يتنظر فإن لم تقطعه قطعك. ومن ثم فقد رأيناهم - ﵃ - يسارعون إلى ذوي السن والمكانة والقيادة فيهم للتشاور معهم على هذا الأمر الجلل فذهب فريق منهم إلى أبي بكر ﵁ وهم كثرة المهاجرين وأسيد بن حضير في بني عبد الأشهل من الأنصار، وذهب بعض المهاجرين إلى علي بن أبي طالب ﵁ ومعه الزبير بن العوام ﵁ في بيت فاطمة بنت رسول الله ﷺ ورضي الله عنها، وذهب فريق ثالث وهم كثرة من الأنصار إلى سعد بن عبادة ﵁ في سقيفة بني ساعدة.
لقد حدثت هذه الاجتماعات نتيجة مبادرات قام بها المجتمعون، ولم تكن نتيجة دعوة رسمية أو عامة حتى يستعيد أحد أو يقرب غيرهن ولكن هذا قد يؤدي إلى نتائج خطرة إذ قد تخرج كل مجموعة برأي لا سيما إذا كانت تشمل أو تمثل عددا كبيرا من أهل الحل والعقد، ثم تطلب من عامة المسلمين الموافقة على ما اتخذته من قرار فإذا اختلف القراران فتح بذلك المجال لأن تبذر بذور الفتنة..
وخطورة هذه الحال لم تكن غائبة عن الصحابة - رضوان الله تعالى عنهم -، ومن ثم لمل علم بعضهم باجتماع المهاجرين ومن معهم من الأنصار إلى أبي بكر وعمر - رضي الله تعالى عنهما - واجتماع الأنصار في سعد بن عبادة ﵁ سارع إلى أبي بكر وعمر وأخبرهما باجتماع الأنصار.
[ ١٢ / ٢٥٥ ]
قال ابن إسحاق: فأتى آت إلى أبي بكر وعمر فقال: إن هذا الحي مع سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، قد انحازوا إليه فإن كان لكم بأمر الناس حاجة فأدركوا الناس قبل أن يتفاقم أمرهم.
قال عمر: فقلت لأبي بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار حتى ننظر ما هم عليه ١. لقد كان هناك من الصحابة من يرى أن المهاجرين هم أولى الناس باختيار الخليفة، ومن ثم كان يكفيهم أن يرسلوا إلى إخوانهم الأنصار ليأتوا إليهم للتشاور في هذا الأمر الخطر لكن تجرد الصحابة وإخلاصهم لله سبحانه أملا عليهم إلا أن يتجاوزوا هذه الاعتبارات التي يلتصق بها كثير من الناس، وإلا أن يرتفعوا إلى أعلى درجات السمو والتواضع والحرص على جمع كلمة المسلمين، فقام المهاجرون ومشوا إلى إخوانهم الأنصار، في سقيفة بني ساعدة.. وفي الطريق يلتقي المهاجرون بمعن بن عدي وعويم بن ساعدة الأنصاريين فيقولان لهم: إلى أين يا معشر المهاجرين؟ فيجيب عمر: نريد إخواننا هؤلاء الأنصار. فيقولان لهم: لا عليكم ألا تقربوهم، وقضوا أمركم يا معشر المهاجرين.
لقد كان هذان الأنصاريان - رضي الله تعالى عنهما - ممن يرون أن المهاجرين هم أولى الناس باختيار الخليفة، ولا حرج عليهم فيما لو نفروا في البت في هذا الأمر، ولم يأتوا الأنصار. لكن المهاجرين أرادوا أن يكون الأمر عن إجماع من الصحابة كلهم - رضي الله تعالى عنهم - ولذلك سعوا إلى السقيفة حيث الأنصار.
الاجتماع التاريخي في سقيفة بني ساعدة
[ ١٢ / ٢٥٦ ]
١-موضوع البحث في السقيفة: إن الذي يدرس الأقوال التي طرحت في اجتماع السقيفة، كما نقلتها الروايات الصحيحة يدرك من خلالها الموضوع الذي كان يبحثه الصحابة المجتمعون في السقيفة، وهو: المستوى الذي يقضي الإسلام أن ينتخب الخليفة منه: هل هو من المهاجرين؟ أم من الأنصار؟ أم من العرب كافة؟ أم من المسلمين عامة؟.. الخ. فإذا اتفقوا على المستوى الذي تدل عليه توجيهات الرسول ﷺ أو بعض الظواهر العامة التي لها وزنها في هذا المجال.
فقام رجل من الأنصار فحمد الله تعالى وأثنى عليه وأدلى بوجهة نظره وهي أن الإسلام يقضي بأن يكون خليفة رسول الله ﷺ من الأنصار، لوجود عدة ظواهر وإشارات من الرسول ﷺ ومن هذه الظواهر والإشارات:
كون المدينة المنورة هي بلد الأنصار وكونهم أنصار الله تعالى وكتيبة الإسلام، وأن رسول الله ﷺ هاجر إليهم، وكذلك المهاجرون هاجروا إليهم، فأصبحوا رهطا من الأنصار، ثم ألم يقل رسول الله ﷺ: "لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ولو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار والناس دثار" [١] .
لكن وجهة النظر هذه لم تكن تمثل رأي الأنصار كلهم ولا غالبيتهم بدليل وجود آراء أخرى أدلى بها الأنصار في السقيفة أو عبروا عنها بمواقفهم، فقد كان فيهم من يعتقد أن هذه الإشارات والظواهر التي تدل على فضل الأنصار لا تعني أن الخليفة يجب أن يكون منهم، فهذه فضائلهم عند الله سبحانه وأجرهم فيها على الله ﵎ ثم إن للمهاجرين - لا سيما السابقين منهم - فضائل كثيرة تربو على فضائل الأنصار - رضي الله تعالى عن المهاجرين والأنصار جميعا - ولذا فقد كان في الأنصار من يرى أن المستوى الذي يجب أن ينتخب الخليفة من هو.
(قاعدة الإسلام) وقد عبر قائلهم عن وجهة النظر هذه بقوله: منا أمير ومنكم أمير.
[ ١٢ / ٢٥٧ ]
هذا وقد رأينا آنفا أن مجموعة من الأنصار سعت إلى المهاجرين واجتمعت إليهم وهم أسيد بن حضير في بني عبد الأشهل - رضي الله تعالى عنه وعنهم - معبرا بذلك عن وجهة نظره وهي أن المستوى الذي يجب أن ينتخب الخليفة منه هو المهاجرون، بل كان منهم من يرى أن ينفرد المهاجرون باختيار الخليفة كما رأينا من قول عويم بن ساعدة، ومعن بن عدي - رضي الله تعالى عنهما -.
المهم أن هذه وجهات نظر كان يراها بعض الأنصار - رضوان الله تعالى عليهم -.
في المستوى الذي يجب أن يختار منه الخليفة لرسول الله ﷺ بناء على ما لديهم من ظواهر وإمارات ولا يقدح ذلك في إخلاصهم ولا يخدشه بدليل أنه حين تبين لهم على لسان الصديق ﵁ أن هناك نصا يقطع كل شبهة ويحدد المستوى الذي يجب أن يكون منه الخليفة وهو قريش سلموا به وأجمعوا عليه ولم يتخلف منهم أحد - رضي الله تعالى عنهم - وما أعمق فهم العلامة ابن كثير - رحمه الله تعالى - لما توخاه الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - من الأقوال التي طرحت في اجتماع السقيفة، وما أروع قوله الذي عبر به عن فهمه العميق هذا حين قال: "ووقعت شبهة لبعض الأنصار وقام في أذهان بعضهم جواز استخلاف خليفة من الأنصار". "وتوسط بعضهم بين أن يكون أميرا من المهاجرين وأميرا من الأنصار.. حتى بين لهم الصديق أن الخلافة لا تكون إلا في قريش، فرجعوا إليه وأجمعوا عليه" [٢] .
[ ١٢ / ٢٥٨ ]
بعد أن أدلى الأنصار بوجهات نظرهم هذه أراد عمر بن الخطاب ﵁ أن يتكلم وكان قد أعد كلمة في نفسه لإلقائها في هذا الاجتماع لولا أن أبا بكر سبقه بالكلام، فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم بدأ بذكر ما للأنصار من فضل ولم يترك شيئا أنزل فيهم، أو ذكره رسول الله ﷺ أو عرفه المسلمون إلا ذكره اعترافا بفضل الأنصار، ولكنه لم يكن يرى أن ذلك يفيد أن يكون الخليفة منهم، لوجود نص صريح قاطع من الرسول ﷺ يحدد المستوى الذي يجب أن يختار منه الخليفة وهو قريش.
وكان مما قاله ﵁: أما بعد فما ذكرتم من خير فأنتم أهله وما تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا. وقال أيضا: لقد علمتم أن رسول الله ﷺ قال: "لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار واديا لسلكت وادي الأنصار.."
ثم وجه الكلام إلى سعد بن عبادة ﵁ يذكره بنص رسول الله ﷺ الذي يقطع كل شبهة في هذا الشأن فقال: ولقد علمت يا سعد أن رسول الله ﷺ قال وأنت قاعد: "قريش ولاة الأمر فبر الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم" [٣] .
وبناء على هذا فالمستوى الذي يجب أن ينتخب الخليفة منه هو المهاجرون لأنهم من قريش، ولكن هذا لا يعني إغفال دور الأنصار ومكانتهم، بل أن دورهم دور أساسي، فهم مساعدوا الخليفة وأعوانه ووزراؤه، وهم بطانته الخيرة.
[ ١٢ / ٢٥٩ ]
ولما كان المهاجرون والأنصار - رضي الله تعالى عنهم - يتوخون امتثال أمر الله تعالى ورسوله ﷺ في تحديد المستوى الذي يكون منه الخليفة، ولما كان الإخلاص لله تعالى والتجرد من كل شيء سوى ذلك هو الذي يسيطر عليهم ويحركهم، سرعان ما سلموا بما ذكره الصديق ﵁ من قول رسول الله ﷺ وعبر سعد بن عبادة ﵁ عن قناعة الأنصار بقوله: "صدقت نحن الوزراء وأنتم الأمراء".
ولما فرغ أبو بكر ﵁ من خطابه، وظهرت القناعة على الجميع بما أدلى به من وجهة النظر الصحيحة، وهو أن يكون الخليفة من المهاجرين، وكان أفراد هذا المستوى الجديرين بهذا المنصب الكبير متوفرا، لا سيما من السابقين منهم، وكان الأمر يقتضي البت السريع، وعدم التأجيل، وكان في جانب أبي بكر عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح - رضي الله تعالى عنهما -، أخذ أبو بكر بأيديهم ورشحهما للانتخاب وقال: لقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين أيهما شئتم [٤] .
فكره عمر ذلك، كره أن يرشح وأن يقدم على أبا بكر، وقد قال عمر معبرا عن كراهته لأن يتقدم على أبي بكر: فلم أكره مما قال أي أبي بكر غيرها والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلا أثم، أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر إلا أن تغير نفس عندي الموت. ولذلك خاطب الأنصار قائلا: يا معشر الأنصار ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس، فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟.فقال الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر [٥] .
وقال: يا معشر المسلمين، إن أولى الناس بأمر نبي الله، ثاني اثنين إذ هما في الغار، وأبو بكر السباق المسن، وقد رضيه رسول الله ﷺ لدينكم أفلا ترضونه لدنياكم.
[ ١٢ / ٢٦٠ ]
ويروي البيهقي: فقام خطيب الأنصار فقال: أتعلمون أن رسول الله ﷺ كان من المهاجرين، وخليفته من المهاجرين، ونحن كنا أنصار رسول الله ونحن أنصار خليفته كما كنا أنصاره [٦] .
ويروي البيهقي أيضا: أن زيد بن ثابت الأنصاري ﵁ أخذ بيد أبي بكر وقال: هذا صاحبكم فبايعوه.
فأراد عمر أن يبايع أبا بكر، فسبقه غليها بشير بن سعد الخروجي والد النعمان بن بشير - رضي الله تعالى عنهما - ثم بايعه عمر وأبو عبيدة، ويسابق المجتمعون من المهاجرين والأنصار وبايعوا أبا بكر بالخلافة. واضطر الصديق لقبولها خوفا من أن ينفض المجلس بدون بيعه فيفتح باب للفتنة.
روى الإمام أحمد عن رافع الطائي رفيق أبي بكر في غزوة ذات السلاسل، قال: وسألته عما قيل في بيعتهم، فقال وهو يحدثه عما تقاولت به الأنصار وما كلمهم به عمر بن الخطاب الأنصار، وما ذكرهم به من إمامتي إياهم بأمر رسول الله ﷺ في مرضه فبايعوني لذلك وقبلتها منهم وتخوفت أن تكون فتنة بعدها ردة [٧] .
ويعقب ابن كثير على هذا الخبر بقوله: "وهذا إسناد جيد قوي، ومعنى هذا أنه ﵁ إنما قبل الإمامة تخوفا أن تقع فتنة أربى من تركه قبولها ﵁"فخوفه من وقوع الفتنة أشد عليه من قبولها.
وخطب أبو بكر مرة مبينا للناس أنه لم يكن طامعا بالخلافة ولا راغبا بها ولا حدث بها نفسه في ليل أو نهار، فقال كما يرويه عنه موسى بن عقبة في مغازيه: "ما كنت حريصا على الإمارة يوما ولا ليلة، ولا سألتها في سر ولا علانية [٨] . وتمت بذلك بيعة أبي بكر البيعة الخاصة وكان ذلك في بقية يوم سنة ١١هأي في بقية اليوم الذي توفي فيه رسول الله ﷺ وكان أهله ﵊ قد أغلقوا الباب دونه
[ ١٢ / ٢٦١ ]
أما علي بن أبي طالب ﵁ فقد سبق أن ذكرنا أنه كان مع من انضم إليه من المهاجرين في بيت فاطمة رضي الله تعالى عنها ولم يكن فيما يبدو قد علم اجتماع السقيفة، كما أن الذين حضروا اجتماع السقيفة لم يكونوا قد علوا بمكانه، وقت اجتماعهم، لأن الاجتماع إنما تم كما ذكرنا نتيجة مبادرات قام بها المجتمعون، ولم تكن نتيجة دعوة عامة أو رسمية تحدد المكان والزمان، حتى يكون هناك مجال لأعداء الإسلام من المتزندقين والمستشرقين والمتأثرين بهم من المغفلين لينفذوا منه للطعن بأصحاب السقيفة فيتهمونهم بالتآمر، أو الطعن بعلي والزبير ومن كان معهم فيتهمونهم بالتخلف أو الحرص على المنصب، فلم يكن هذا ولا ذاك، فحاشاهم جميعا من ذلك ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
البيعة العامة في المسجد، وبيعة علي والزبير لأبي بكر - رضي الله تعالى عنهم:
فلما كانت صبيحة اليوم الثاني الثلاثاء ١٣ / ٣ / ١١هاجتمع الناس عامة في المسجد، وقام عمر وتكلم قبل أبي بكر - رضي الله تعالى عنهما - فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: إني قد قلت بالأمس مقالة، ما كنت، وما وجدتها في كتاب الله، ولا كانت عهدا عهده إلي رسول الله، ولكن كنت أرى أن رسول الله ﷺ سيدبر أمرنا، أي يكون أخرنا وفاة.
وأن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي هو هدى رسول الله، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هدى هذه الأمة له، وأن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله ﷺ وثاني اثنين إذ هما في الغار، فقاموا فبايعوه [١٠] .
[ ١٢ / ٢٦٢ ]
ثم قال عمر لأبي بكر: اصعد المنبر ن ولم يزل به حتى صعد المنبر، وتقدم الناس إليه فبايعوه، وحضر كل من علي والزبير بن العوام - رضي الله تعالى عنهما - فبايعا أبا بكر الصديق ﵁ علنا أمام الملأ من الناس [١١] وتمت البيعة العامة لأبي بكر الصديق، وأصبح بذلك خليفة رسول الله ﷺ أبي بكر ﵁.
خطبة أبي بكر الصديق ﵁
بعد أن تمت البيعة، ألقى أبو بكر الخطبة التالية التي رسم فيها سياسته ومنهجه في الحكم فقال: أيها الناس فإني قد وليت عليكم، ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني. والضعيف منكم قوي عندي حتى أزيح علته إن شاء الله، والقوي منكم ضعيف عندي حتى آخذ منه الحق إن شاء الله.
لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل.
ولا يشيع قوم قط الفاحشة إلا عمهم الله بالبلاء.
أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله [١٢] .
رأي علي والزبير في الصديق وانتخابه:
أما ما روى من تأخر علي بن أبي طالب والزبير - رضي الله تعالى عنهما - من أن يكونا في مقدمة المبايعين لأبي بكر الصديق ﵁ كما هو المتوقع منهما فسبب ذلك - فيما يبدو لنا والله تعالى أعلم - ظنهما أنهما أخرا عن المشورة قصدا، ورفضا عمدا أن يؤخذ رأيهما فيمن هو جدير بخلافة رسول الله ﷺ وهذا أمر طبيعي وفطري أن يغضب الإنسان إذا كان بمكانة علي والزبير إذا رفض عمدا أن يؤخذ رأيهما في القضايا الخطيرة والهامة التي لا يستغنى فيها عن مثل رأيهما حتى يؤديا واجبهما في مثل هذه القضايا الكبرى التي لها أثرها على حاضر الأمة ومستقبلها.
[ ١٢ / ٢٦٣ ]
فلما تبين لهما أن الأمر لم يكن مقصودا، وأن الاجتماع إنما تم بناء على مبادرات أسرع إليها المجتمعون، ولم يكن نتيجة تنادي بعضهم بعضا حتى يقدم البعض ويؤخر البعض، ذهب ما شعر به من الغضب، لا سيما وهما يعلمان ضرورة البت السريع في مثل هذا الأمر الخطير، وقد انتخب من كان يريان، أنه أولى الناس بالانتخاب ولذلك جاءا إلى المسجد وبايعا علنا أمام الملأ من الناس. وصرحا بسبب غضبهما وأكد هذا المعنى فقال: ماغضبنا إلا لأنا أخرنا عن المشورة، وإنا نرى أن أبا بكر أحق الناس بها، وأنه لصاحب الغار، وإنا لنعرف شرفه وخيره، ولقد أمره رسول الله ﷺ أن يصلي بالناس وهو حي.
ويعقب ابن كثير على هذا الخبر فيقول: إسناد جيد ولله الحمد والمنة [١٣] .
ويروي ابن كثير عن سفيان الثوري عن عمرو بن قيس عن عمرو بن سفيان قال: لما ظهر علي على الناس قال: يا أيها الناس إن رسول الله ﷺ لم يعهد إلينا في هذه الإمارة شيئا، حتى رأينا من الرأي أن نستخلف أبا بكر فأقام واستقام حتى مضى لسبيله [١٤] .
وروى البيهقي عن أبي وائل، قال: قبل لعلي أبي طالب، ألا تستخلف علينا؟ فقال: ما استخلف رسول الله ﷺ فاستخلف ولكن إن يرد الله بالناس خيرا فسيجمعهم بعدي على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم.
ويعقب عليه ابن كثير فيقول: إسناد جيد ولم يخرجوه [١٥] .
وهكذا نجد أن انتخاب الصديق قد تم بإجماع الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم- ولم يتخلف عنه أحد. ويقول العلامة ابن كثير رحمه الله تعالى: "ومن تأمل ما ذكرناه ظهر إجماع الصحابة والأنصار على تقديم أبي بكر ".
وظهر له برهان قوله ﵊:"يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر ".
[ ١٢ / ٢٦٤ ]
وظهر أن رسول الله ﷺ لم ينص على الخلافة عينا لأحد من الناس لا لأبي بكر كما قد زعمه طائفة من أهل السنة، ولا لعلي كما تقوله طائفة من الرافضة، ولكن أشار إشارة قوية ليفهمها كل ذي لب وعقل إلى الصديق [١٦] .
تحديد علي للبيعة لأبي بكر مرة ثانية ﵄:
حدثت بعض الملابسات، دفعت علي بن أبي طالب ﵁ لأن يرى أن الحكمة ومصلحة الأمة تقضي بأن يجدد بيعته لأبي بكر الصديق ﵁ مرة ثانية وذلك بعد وفاة وزوجته فاطمة بنت رسول الله ﷺ ورضي الله وأرضاها.
وقد أشار ابن كثير - ﵀ - إلى هذه الملابسات فقال: ولكن لما حصل من فاطمة﵂- عتب على الصديق، بسبب ما كانت متوهمة من أنها تستحق ميراث رسول الله ﷺ ولم تعلم بما أخبرها به أبو بكر الصديق ﵁ أنه قال: "لا نورث ما تركناه صدقة "فحجبها وغيرها من أزواجه ومنهم عائشة بنت أبي بكر - ﵂ - وكذلك عمه عن الميراث بهذا النص الصريح فسألته أن ينظر علي في صدقة الأرض التي بخيبر وفدك، فلم يجبها إلى ذلك لأنه رأى أن حقا عليه أن يقوم في جميع ما كان يتولاه رسول الله ﷺ وهو الصادق البار الراشد التابع للحق ﵁ فحصل لها وهي امرأة من البشر ليست براجية العصمة عتب وتغضب، ولم يتكلم الصديق حتى ماتت، واحتاج علي أن يراعي خاطرها بعض الشيء فلما ماتت بعد ستة أشهر من وفاة أبيها ﷺ رأي علي أن يجدد البيعة مع أبي بكر ﷺ مع ما تقدم له من البيعة قبل دفن رسول الله ﷺ [١٧] .
[ ١٢ / ٢٦٥ ]
ولعلنا لا نبتعد في التعليل إذا أضفنا إلى هذا: أن رسول الله ﷺ أخبر فاطمة ﵂ أنها أول أهل بيته لحاقا به، ومعنى هذا أن وفاتها ستكون قبل وفاة زوجها علي بن أبي طالب ﵁ يقينا فاحتاج علي أن يكثر من ملازمتها في بيتها دون أن يمنعه ذلك من حضور الصلاة خلف أبي بكر ﵁ في وقت من أوقاتها أو يتغيب عنه في مشهد من المشاهد، ويشهد لذلك خروجه معه إلى ذي القصة، حين خرج الصديق شاهرا سيفه يريد قتال أهل الردة، وما كان من إصرار علي أن يرجع الصديق إلى المدينة المنورة ليدير شؤون المسلمين وقول علي لأبي بكر: لا تفجعنا بنفسك يا أبا بكر.. الخ وأن ينيب مكانه القادة لقتال المسلمين، ففعل أبو بكر ذلك وأخذ بنصيحة علي رضي الله تعالى عنهما.
فلعل هذه الظاهرة وهي كثرة ملازمة علي لفاطمة﵄في بيتها وما يستلزمه من غياب علي من مجلس أبي بكر في المسجد، دفع بعض الناس لأن يتوهم أو يظن بسبب عدم رضا علي بن أبي طالب على انتخاب الصديق خليفة أو شيئا من هذا القبيل، فلما توفيت فاطمة - ﵂ - زالت تلك الأسباب ولازم علي مجلس أبي بكر ولكي يقطع تلك الظنون والأوهام جدد البيعة لأبي بكر - رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما- وقطع بذلك الطريق على كل وهم أو ظن خاطئ، وسد كل منفذ لكل متقول أفاك.
بيعة أبي بكر الصديق كانت إلهاما من الله تعالى للصحابة:
لقد كان واضحا إلهام الله تعالى وتوفيقه للمهاجرين والأنصار في اختيارهم للصديق ﵁ خليفة لرسول الله ﷺ.
لقد كان واضحا في السرعة التي تمت فيها، وروح الإخلاص والتجرد التي سادت المناقشة في اجتماع السقيفة والتي قادت إلى سرعة الاقتناع والتسليم للحق لمل تبين على لسان الصديق.
[ ١٢ / ٢٦٦ ]
وتجاوز بعض الاعتبارات المعهودة في مثل هذه الاجتماعات والمناقشات التي تنشأ عن وهم أو غير ذلك مما لا تنزل بصاحبها عن مستوى العدالة، إلا أنها ليست في ذاك المستوى الساحق الذي تسامى عليه المهاجرون والأنصار - رضي الله تعالى عنهم - في اجتماعهم التاريخي الذي عقد في السقيفة، والذي جاء بالخير الكثير بعد نبيهم - ﵊ -.
ولقد أدرك الصحابة هذا الخير العميم الذي نشأ عن ذلك الاجتماع التاريخي، والذي جاء به اختيار أبي بكر خليفة لرسول الله ﷺ. فقال أبو هريرة ﵁ معبرا عن ذلك: والله الذي لا إله غيره، لولا أن أبا بكر استخلف ما عبد الله! ثم قال في الثانية، ثم قال في الثالثة.
فقيل له: مه يا أبا هريرة. فقال أبو هريرة: إن رسول الله ﷺ وجه أسامة بن زيد في سبعمائة إلى الشام فلما نزل بذي خُشب قبض رسول الله ﷺ وارتدت العرب حول المدينة، فاجتمع إليه أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: يا أبا بكر رد هؤلاء، توجه هؤلاء إلى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة؟ فقال: والذي لا إله غيره، لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله ﷺ ما رددت جيشا وجههه رسول الله ولا حللت لواء عقده رسول الله.
فوجه أسامة، فجعل لا يمر بقبيلة يريدون الارتداد إلا قالوا: لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم. فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم ورجعوا سالمين، فثبتوا على الإسلام [١٨] .
وقال عمر بن الخطاب ﵁ وكأنه يرد على وسوسة منافق أو مشكك أراد نشرها، قال:.. فلا يغترن امرؤ أن يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة، ألا وإنها كانت كذلك، ألا وإن الله ﷿ وقي شرها، وليس فيكم اليوم من يقطع الأعناق مثل أبي بكر.
[ ١٢ / ٢٦٧ ]
ثم قال: "أما والله ما وجدنا فيما حضرنا أمرا هو أقوى من مباعة أبي بكر " [١٩]
هذا وقد دلت الأحداث وتصرفات أبي بكر الحكيمة المحكمة، ومواقفه الموفقة، على فضل اجتماع السقيفة وانتخاب الصديق، وأن ذلك كان بإلهام وتوفيق من الله تعالى للمهاجرين والأنصار - رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم - وذلك برهان قوله ﵊: " يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر ".
عبد الله بن سبأ اليهودي هو أول من وضع عقيدة: وصي رسول الله ﷺ:
إن من تمام هذه الحلقة، من هذا البحث، أن نشير إلى ما يذكره التاريخ عن عقيدة "الوصي لرسول الله ﷺ " كيف نشأت ومن وضعها، ومن أول من اعتنقها وصدقها.
[ ١٢ / ٢٦٨ ]
يذكر المحققون من مؤرخينا الأفذاذ كابن جرير الطبري - رحمه اله تعالى- أن أول من وضع عقيدة "الوصي لرسول الله ﷺ " هو الماكر اليهودي الخبيث عبد الله بن سبأ اليهودي، وذلك كجزء من مخطط اليهود، حينذاك لبذر بذور الفتنة بين المسلمين، وهذا ما عرفا به منذ القدم حين يعجزون عن مواجهة أعدائهم ومجابهتهم مجابهة مكشوفة صريحة، فيستديرون من الخلف بين أعدائهم ليفرقوا صفهم بالاستحواذ على الجملة منهم والسذج ذوي التفكير السطحي ممن يسهل خداعهم وتضليلهم. وهذا ما فعلوه بالمسيحيين والمسيحية التي جاء بها عيسى ﵊ وفي عهدها الباكر على يد الماكر اليهودي الخبيث شاؤول، الذي دخل بالمسيحية "أو تظاهر بالدخول فيها "واتخذ اسم (بولس) فحرفها ووضع للنصارى عقيدة التثليث وسواها من الخرافات والشركيات والضلال.. فضاع بذلك التوحيد الذي جاء به عيسى ﵊ وما زال النصارى حتى اليوم على الشرك الذي وضعه لهم اليهودي شاؤول. وهذا ما يعترف به كتاب النصارى أنفسهم، فيقول: "إن العقيدة والنظام الديني الذي جاء في الإنجيل ليس الذي دعى إليه السيد المسيح بقوله وعمله، إن مرد النزاع القائم بين المسيحيين اليوم بين اليهود والمسلمين ليس إلى المسيح بل إلى دهاء بولس ذلك المارق اليهودي والمسيحي ".
[ ١٢ / ٢٦٩ ]
ثم يقول: "إن بولس في تقليده لاسطفانوس داعي المذهب الإيساني قد ألصق بالمسيح التقاليد البوذية، إنه واضع ذلك المزيج من الأحاديث والقصص المتعارضة التي يحتوي عليها الإنجيل اليوم والتي تعرض المسيح في صورة لا تتفق مع التاريخ أصلا ليس المسيح بل بولس، والذين جاءوا بعده من الأحبار والرهبان هم الذين وضعوا تلك العقيدة والنظام الديني الذي تلقاه العالم المسيحي كأساس للعقيدة المسيحية [٢٠] . الخ. ومن ثم فهو أو غيره يقول: إنه من الأولى أن تسمى المسيحية اليوم بالديانة البوليسية (نسبة إلى بولس) وليس المسيحية!
لقد حاول اليهود أن يعيدوا نفس التجربة مع الإسلام والمسلمين، فأوعزوا لهذا الماكر الخبيث الذي خرج من اليمن والذي عرف في كتب التاريخ باسم عبد الله بن سبأ اليهودي وبابن السوداء. فتظاهر بالإسلام وجعل يتنقل بين أمصار المسلمين، يبحث عن فلول المرتدين الذين قهرتهم قوة الإسلام ولم يتمكن الإيمان في قلوبهم ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ وكذلك جعل يصطاد السفهاء والحمقى، والجهلة والبسطاء والسذج ذوي التفكير السطحي المحدود ممن يسهل خداعهم، وأيضا جعل يتصل بمن عرفوا بالانحراف في السلوك فأوقفهم عثمان بن عفان ﵁ عند حدهم وباتوا ينتظرون الفرصة كي ينتقموا لأنفسهم، فجاءتهم بفتنة عبد الله بن سبأ اليهودي.
مخطط ابن سبأ اليهودي لبذر بذور الفتنة بين المسلمين:
إن الذي يبدو لنا مما يرويه المؤرخون المسلمون عن تحركات ابن سبأ اليهودي واتصالاته ودعوته أنه كان يهدف لأمرين اثنين كهدفين أوليين مرحلتين وهما
١-إثارة الناس على الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁
[ ١٢ / ٢٧٠ ]
٢-تمزيق صف المسلمين بالدعوة لأكثر من واحد من أبرز الصحابة وهم علي بن طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله - رضي الله تعالى عنهم - حتى إذا نجحت دعوته بإثارة الغوغاء على خليفة المسلمين عثمان ﵁ لا يتمكن المسلمون بعده من الاجتماع على شخص واحد، وإنما ينقسمون إلى ثلاثة أحزاب.
ومن ثم بث الدعوة في البصرة لطلحة بن عبيد الله، واتصل لهذا الغرض برجل لص قهره عثمان بن عفان ﵁ وهو: حكيم بن جبله [٢١]، فنزل عليه ابت سبأ اليهودي، واجتمع إليه نفر من أمثال حكيم وممن أشرت إلى نوعهم آنفا "فطرح لهم ابن سبأ اليهودي ولم يصرح فقبلوا منه، واستعظموه". [٢٢]
لكن عبد الله بن عامر، والي البصرة أخرجه منها، فخرج إلى الكوفة، والتقى بأمثال من التقى بهم في البصرة، وبث فيهم الدعوة للزير بن العوام ﵁ لكن مالي الكوفة أخرجه منها.. فخرج حتى جاء الشام فلم يجد فيها من يستجيب له، فتابع الطريق إلى مصر فوجد فيها تربة خصبة لفتنته فاستقر فيها، والتقى بأمثال من التقى بهم في البصرة والكوفة ولكنه جعل الدعوة فيها لعلي بن أبي طالب ﵁ وصار يكاتب من استحوذ علهم في البصرة والكوفة ويكاتبونه.. وفي مصر وضع عقيدة الوصاية أي الوصي لرسول الله ﷺ ولعله مثل ذلك في البصرة والكوفة، إلا أنه جعل الوصي لرسول الله ﷺ في البصرة هو طلحة بن عبيد الله، وفي الكوفة هو الزبير بن العوام وفي مصر هو علي أبي طالب ﵁ بغرض تفريق صف المسلمين كما قدمنا وأكتفي في هذه الحلقة بما ذكره ابن جرير الطبري في هذا الخصوص بما يلقي الضوء على ما نحن بصدده وهو الإشارة إلى أن أول من وضع عقيدة الوصي لرسول الله ﷺ - من بعده – فيما نعلم - هو اليهودي الماكر عبد الله بن سبأ اليهودي.
[ ١٢ / ٢٧١ ]
يقول ابن جرير: "فيما كتب به إلى السري عن شعيب، عن سيف [٢٣] عن عطية، عن يزيد الفقعسي قال: "كان عبد الله بن سبأ يهوديا من أهل صنعاء أمه سوداء، فأسلم زمان عثمان، ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم، فبدأ بالحجاز، ثم البصرة، ثم الكوفة، ثم الشام، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام فأخرجوه حتى أتى مصر فاعتمر فيهم، فقال لهم فيما يقول: لعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب أن محمدا يرجع، وقد قال الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ فمحمد أحق بالرجوع من عيسى."قال:: فقبل ذلك منه. ووضع لهم الرجعة، فتكلموا فيها.. "ثم قال لهم بعد ذلك: إنه كان ألف نبي، ولكل نبي وصي، وكان علي وصي محمد. "ثم قال لهم: محمد خاتم الأنبياء، وعلي خاتم الأوصياء. "ثم قال لهم بعد ذلك: من أظلم لم يجز وصية رسول الله ﷺ ووثب على وصي رسول الله ﷺ وتناول أمر الأمة.
"ثم قال لهم بعد ذلك: إن عثمان أخذها بغير حق، وهذا وصي رسول الله ﷺ فانهضوا في هذا الأمر فحركوه، وابدءوا بالطعن على أمرائكم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس، وادعوهم إلى هذا الأمر
[ ١٢ / ٢٧٢ ]
وهكذا نجد أن الذي وضع عقيدة الوصي لرسول الله ﷺ هو عبد الله بن سبأ اليهودي بقصد تفريق كلمة المسلمين، وإفساد اعتقادهم.. وقد تابع عمله بغاية المكر والدهاء بحيث استطاع أن يستحوذ على عدد غير قليل من البسطاء والسذج ووجد الذين قهرتهم قوة الإسلام من فلول المرتدين، وكذلك من قهرهم حزم خليفة المسلمين عثمان بن عفان ﵁ في إقامة العدل وحدود الله تعالى.. وجد هؤلاء وأولئك في دعوته متنفسا لحقدهم ومجالا لانحرافهم، فقاموا بفتنة كبيرة وجريمة نكراء أدت إلى استشهاد ذي النورين عثمان بن عفان ﵁ وخروج طوائف من الإسلام مرقوا منه مروق السهم من قوسه.
زهير إبراهيم الخالد
مدرس التاريخ الإسلامي بالجامعة الإسلامية
--------------------------------------------------------------------------------
١ سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٦٥٦ (القسم الثاني) تحقيق القازوميلية الطبعة الثانية ١٣٧٥هـ- ١٩٥٥م.
[١] السيرة النبوية لابن كثير تحقيق مصطفى عبد الواحد ج ٣ ص ٦٧٨. ط ١.
[٢] السيرة النبوية لابن كثير تحقيق مصطفى عبد الواحد ج ٤ ص ٤٨٥ ط ١ ١٣٨٥هـ- ١٩٦٦م.
[٣] السيرة النبوية لابن كثير ج ١ ص ٣٩١.
[٤] المصدر السابق ص ٤٨٨
[٥] المصدر السابق ص ٤٩٠.
[٦] المصدر السابق ٤٩٤ – ٤٩٥.
[٧] المصدر السابق ص ٤٩١.
[٨] المصدر السابق ص ٤٩٦.
[٩] سيرة ابن هشام تحقيق محي الدين عبد الحميد ج ٤ ص ٣٣٦.
[١٠] السيرة النبوية لابن كثير ج ١ ص ٤٩٢ – ٤٩٣.
[١١] المصدر السابق ص ٤٩٤. ويعلق ابن كثير على ذلك فيقول: وفيه فائدة جليلة، وهي مبايعة علي بن أبي طالب، وأما في أول يوم أو في اليوم الثاني من الوفاة وهذا حق، فإن علي بن أبي طالب لم يفارق الصديق في وقت من الأوقات ولم ينقطع في صلاة من الصلوات خلفه.
[ ١٢ / ٢٧٣ ]
[١٢] المصدر السابق ص ٤٩٣ ويعقب ابن كثير على قول الصديق «وليتكم ولست بخيركم» فيقول من باب الهضم والتواضع فإنهم مجمعون على أنه أفضلهم وخيرهم ﵃.
[١٣] السيرة النبوية لابن كثير ج ١ ص ٤٩٦.
[١٤] المصدر السابق ص ٤٩٧.
[١٥] المصدر السابق ص ٤٩٣ – ٤٩٨.
[١٦] المصدر السابق ص ٤٩٦.
[١٧] المصدر السابق ص ٤٩٥ – ٤٩٦.
[١٨] البداية والنهاية لابن كثير ج ٦ ص ٣٠٥. ط: ١ مصدره.
[١٩] مسند الإمام أحمد – رحمه الله تعالى - ج ١ ص ٣٢٣ – ٣٢٧ رقم ٣٩١. ط: ٤.
[٢٠] كتاب رجال الفكر والدعوة في الإسلام للشيخ أبي الحسن علي الحسيني الندوي ص ١٩ – ٢٠ ط ٣ ١٣٨٩ هـ- ١٩٦٩م طبع بدار القلم.
[٢١] ورد في تاريخ الطبري برواية السري ما يلي: وكان حكيم بن جبلة لصا، إذا قفل الجيوش خفس عنهم، فسعى في أرض فارس، فيغير على أهل الذمة ويتنكر لهم، ويفسد في الأرض، ويصيب ما شاء ثم يرجع، فشكاه أهل الذمة وأهل القبلة إلى عثمان ن فكتب إلى البصرة حتى تأنسوا منه رشدا، فحبسه فكان لا يستطيع أن يخرج منها فلما قدم ابن السوداء نزل عليه "ج ٤ ص ٣٢٦ طبع دار المعارف ١٩٦٣م تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.
[٢٢] المصدر السابق ص ٣٢٦
[٢٣] لقد اعتمدت رواية سيف فيما رواه عن الفتنة التي أوقعها استشهاد عثمان بن عفان t لأنها فيما يبدو لي حتى الآن أنها أصح الروايات.
[٢٤] تاريخ ابن جرير الطبري ج ٤ ص ٣٤٠ – ٣٤١ طبع دار المعارف بمصر ١٩٦٣م. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.
[ ١٢ / ٢٧٤ ]