بقلم الدكتور: محفوظ إبراهيم فرج
المدرس بكلية الشريعة بالجامعة
إن شريعة الإسلام الخالدة خصها الله تعالى لأفضل نبي وأكرم رسول سيدنا محمد ﷺ وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، حمل تلك الشريعة الخالدة المسلمون السابقون قوية نقية في إطار جميل من المعاملة الطيبة والاحترام الصادق للحقوق والأموال والأعراض، وساعد على ذلك ما أدركوه وفقهوه في الإسلام من أن الدين المعاملة لأنها وجه الدين وظاهره الذي يتجلى أمام الناس.
ولقد أشبعت الشريعة الإسلامية حاجة الناس الشديدة إلى القواعد العادلة المعتدلة للعلاقات الاجتماعية ولجميع المعاملات، فأيقظت بذلك الضمائر وخوفتها من رقابة الله تعالى، وعلقت الامتياز والخيرية بأمر هو في إمكان الناس جميعًا وهو التقوى قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ .
تمتع المسلمون السابقون بتعاليم الإسلام عقيدة وسلوكا فبددت العقيدة ما في القلب من ظلمات ومتاهات، وأشعرته بعظمة الله ﷻ، وبأن الله معه في سره وعلانيته ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ .
وكان سلوك الواحد منهم في حياته الخاصة والعامة انعكاسًا لما يقوم به من طاعة وما يؤديه من عبادة مرتفعًا عن الأغراض والأهواء لا تتحكم فيه الغرائز والميول، وإذا ما قدر له أنه استجاب لداعي شهوة أو غريزة ذكر الله فاستغفره كي تظل حياته عامرة بنور الإيمان، ولا يجد حرجًا أن يعلن عن مخالفته ليرجع إلى الله بالتطهير مما اقترف.
[ ١١ / ٣٧٥ ]
فنجد ماعزا ﵁ يأتي إلى رسول الله ﷺ قائلًا: يا رسول الله زنيت فأقم علي الحد فيراجعه الرسول ﷺ مرة ومرة ويظل على رأيه لا يحيد عنه فيأمر الرسول ﷺ بإقامة الحد عليه.
وتجيء العامرية إلى رسول ﷺ وتقول له: زنيت، هذا الحمل من سفاح، وتصر على الاعتراف لأنها تريد أن تتطهر مما حلّ بها فيؤخر الرسول ﷺ إقامة الحدّ عليها حتى تضع حملها وتلد ويستغني الولد عن اللبن بالفطام، وتأتي بعد ذلك ليقام عليها الحد وهي راضية كي تزيل الدنس الذي علق بها فتلقى الله وهي طاهرة.
ويروي البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذا جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت، فقال: "ما لك"، قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ:"هل تجد رقبة فتعتقها"؟ قال: لا، قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين"؟ قال: لا، قال: "فهل تجد إطعام ستين مسكينا"؟ قال: لا، فمكث عند النبي ﷺ فبينما نحن على ذلك أتى النبي ﷺ بعرق فيه تمر - العرق المكتل - قال: "أين السائل"؟ فقال: أنا، قال: "خذ هذا فتصدق به"، فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله، فو الله ما بين لابتها - يريد الحرثين - أهل بيت أفقر مني، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال: "أطعمه أهلك".
فهذا الصحابي تحت تأثير الشهوة يجامع امرأته في نهار رمضان، ولما أفاق من غمرته تحرك فيه الوازع الديني فجاء إلى رسول ﷺ معترفًا بذنبه نادمًا على أهله قائلا يا رسول الله هلكت، ليجد عند الرسول ﷺ منقذا لنجاته.
[ ١١ / ٣٧٦ ]
هذه أمثلة - وغيرها كثير - توضح كيف أن المسلمين حققوا المعاني الإسلامية في تفكيرهم، وأحسنوا تنفيذها في معاملاتهم ورجعوا إليها إذا انحرفوا عنها تحت تأثير شهوة أو غفلة أو ميل لإيمانهم بتلك التعاليم التي اعتنقوها مبدأ وسلوكا، فلا عجب أن يعترف الواحد منهم بجرمه كي يطهر نفسه ولو كان في ذلك قضاء على حياته، لأن مراقبة الله ﷾ تمكنت في قلبه ويعلم أن دنياه فانية وأن الدار الآخرة هي الباقية، ويؤمن بقوله تعالى ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ .
تمتع المسلمون وهم على هذا النهج القويم بالقوة والمنعة، ودانت لهم الدنيا وملكوا العالم وسادوا الشعوب، ومكن الله لهم في الأرض وتحقق وعد الله القائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ .
ودار الفلك دورته وعاد الإسلام غريبا كما بدا.
وهذه الفرية نعيشها اليوم في عصر العلم وغزو الفضاء!!!
فمع التفوق العلمي في جميع ميادين الحياة نشاهد طغيان المادة على القيم والمبادئ، كما أننا نلمس أن الغرائز كانت سببا في إضلال عقول الناس لبعدهم عن غذاء النفس وتقويتها، فكان التصدع بين الأفراد والجماعات وبين الدول والشعوب نتيجة ظلم الإنسان للإنسان، وتعدي الجماعة على الجماعة.
في هذا الجو المكفهر المشحون بالمخالفات يتحقق فينا ذلك الحديث الصحيح الذي يرويه مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "بدأ الإسلام غريبًا ثم يعود غريبا كما بدا فطوبى للغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس ".
[ ١١ / ٣٧٧ ]
فنجد تعاليم الإسلام غير مألوفة لما عليه الناس في حياتهم الخاصة والعامة، ولم يدركوا تشريعها، ولم يتذوقوا حلاوتها، ولم يتجاوبوا معها، حيث ظهرت الأنانية ووهنت روابط المجتمع وكادت تنعدم الإنسانية في الإنسان وأوشكت الصلات أن تنهار في محيط الأسرة وفي دائرة المجتمع وعاش الناس في أزمة ضمير وقال قائلهم: الدين تخلف وجمود ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ .
من هذه المقارنة بين الماضي والحاضر نجد أن تفاعل المسلمين مع دينهم يرجع إلى الجانب الروحي في الإنسان قوة وضعفا.
ولم يشهد التاريخ قوة للإسلام ولا عزة للمسلمين إلا حينما كانوا يتخلقون بما في مبادئ الإسلام من أخلاق ويتعاملون بما فيها من مبادئ.
والقوة في هذه المبادئ أنها تنظم جميع الأفراد وأنها عامة يتساوى فيها الكبير والصغير والغني والفقير، فليس هناك تفاضل بالأموال والأنساب أو الجاه وإنما التفاضل بالعمل الصالح والتنافس فيه.
ولما بدأ التفاعل بين المسلمين وتعاليم الإسلام يضعف أخذ الإسلام مع الأسف المحض يتحول في نفوس أهله من حياة قوية متوثبة إلى تقاليد وشكليات فكان أن دب الضعف في الصف الإسلامي، ولعب الاستعمار دوره معهم فصرفهم عن دينهم، وقتل فيهم حيويته فتشتتوا بعد تكتل وتمزقوا بعد تجمع، وقلّ الوازع الديني الذي يجمع الصف ويوحد الكلمة، وليس من علاج لعودة المسلمين إلى وضعهم الأول من القوة والثقة إلا كما قال إمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵁: "لا صلاح لهذه الأمة إلا بما صلح به أولها".
رجوع إلى الله ﷾ في كل الأمور وتمسك بكتاب الله ﷻ واعتصام بسنة رسول الله ﷺ - وما ذلك على الله بعزيز _.
والسعد لا شك تارات وهبات
الناس بالناس ما دام الحياة بهم
تقضى على يده للناس حاجات
وأفضل الناس ما بين الورى رجل
[ ١١ / ٣٧٨ ]
ما دمت مقتدرا فالسعد تارات
لا تمنعن يد المعروف عن أحد
إليك لا لك عند الناس حاجات
واشكر فضائل صنع الله إذ جعلت
وعاش قوم وهم في الناس أموات
قد مات قوم وما ماتت مكارمهم
الإمام الشافعي
[ ١١ / ٣٧٩ ]