لفضيلة الشيخ عبد الغفار حسن
المدرس بكلية الشريعة بالجامعة
(٤) قال المبشر القادياني: "إن كلمة خاتم قد تستعمل في معنى الأفضل والأشرف، كما يقال خاتم الشعراء وخاتم المهاجرين، مثلا أن النبي ﷺ قال: "يا عباس أنت خاتم المهاجرين كما أنا خاتم النبيين".. لم نجد هذه الرواية في الدر المنثور ولا في تكملة مجمع البحار كما جزم بذلك هذا القادياني، ولكن وجدناه في ميزان الاعتدال للذهبي وفي كنز العمال لعلي المتقى الهندي.
في إسناد هذا الحديث راويان أحدهما الحارث بن الزبير، قال فيه الأزدي: "ذهب علمه" [١] . والثاني إسماعيل بن قيس بن سعد، قال فيه البخاري والدارقطني: "منكر الحديث". وقال النسائي وغيره: "ضعيف". ونقل بن القطان أن البخاري قال: "كل من قلت فيه منكر الحديث فلا تحل الرواية عنه" [٢] . وقال ابن عدي [٣]: حدثنا أحمد بن الحسين الصوفي حدثنا سعيد بن سلمة الأنصاري حدثنا إسماعيل بن قيس حدثنا أبو حازم عن سهل عن سعد قال: "استأذن العباس النبي ﷺ في الهجرة فكتب إليه: يا عم، أقم مكانك فإن الله يختم بك الهجرة كما ختم بي النبوة". ثم قال بن عدي: "عامة ما يرويه منكر" [٤] . وفي كنز العمال: "اطمأن يا عم فإنك خاتم المهاجرين في الهجرة كما أنا خاتم النبيين في النبوة" [٥] . الشاشي وابن عساكر عن سهل بن سعد والروياني وابن عساكر عن ابن شهاب مرسلا، هذه الرواية رواها ابن عساكر بإسنادين، أحدهما عن سهل بن سعد وفيه إسماعيل بن قيس وهو ضعيف جدا والثاني عن ابن شهاب مرسلا والمرسل لا يحتج به عند كثير من أهل العلم ومع ذلك لم نقف على رواة بين ابن شهاب الزهري المتوفى سنة ١٢٤هـ وبين ابن عساكر المتوفى سنة ٥٧١هـ بينهما مفاوز لا يعلمها إلا الله، فإسناده مظلم لا يعبأ به.
[ ١١ / ١٠٥ ]
وعلى سبيل التنزل يمكن أن يجاب عن ذلك أن العباس بن عبد المطلب هاجر قبيل [٦] فتح مكة إلى المدينة فصار خاتم المهاجرين الذين هاجروا من مكة إلى المدينة لأنه لا هجرة بعد فتح مكة من مكة كما ورد في الحديث الصحيح "لا هجرة بعد الفتح"أي بعد فتح مكة [٧] وإلى هذا المعنى يشير حديث سهل بن سعد: "يا عم أقم مكانك فإن الله يختم بك الهجرة كما ختم بي النبوة"فالمراد بخاتم المهاجرين آخر المهاجرين فلا يثبت دعوى المبشر القادياني أن المراد بخاتم النبيين أفضل النبيين، فهذا الاستدلال في غاية الوهن والفساد، والله يهدي من يشاء إلى سبيل الرشاد.
(٥) "لو عاش إبراهيم لكان صديقا نبيا"ابن ماجه.
قال المبشر القادياني: "في هذا الحديث دلالة على إمكان النبوة بعد وفاة النبي ﷺ، والجواب عن ذلك من وجوه:
أ- في هذا الحديث حسب الإسناد في غاية الوهن والفساد، فيه أبو شيبة بن إبراهيم بن عثمان، قال السندي [٨] في تعليقه على سنن لابن ماجه: "وفي الزوائد في إسناده إبراهيم بن عثمان أبو شيبة قاضي واسط. قال فيه البخاري: "سكتوا عنه". وقال ابن المبارك: "ارم به". وقال بن معي: "ليس بثقة". وقال أحمد: "منكر الحديث". وقال النسائي: "متروك الحديث" [٩] . قال الذهبي: "كذبه شعبة" [١٠] . هذا الراوي متفق على ضعفه فكيف يحتج بروايته.
[ ١١ / ١٠٦ ]
ب- قد رويت آثار عن الصحابة تدل على خلاف ما استدل به هذا القادياني، منها ما روى عبد الله بن أبي أوفى، قيل له: "رأيت إبراهيم ابن رسول الله ﷺ قال: "مات وهو صغير ولو قضي أن يكون بعد محمد ﷺ نبي لعاش ابنه ولكن لا نبي بعده". رواه البخاري [١١] في صحيحه وابن ماجه وأحمد في مسنده ولفظه: "ولو كان بعد النبي ﷺ نبي ما مات ابنه إبراهيم". منها عن أنس قال: "رحمة الله على إبراهيم لو عاش لكان صديقا نبيا". أخرجه أحمد بسند صحيح على شرط مسلم ورواه ابن ماجه في مسنده وزاد في روايته: "ولكن لم يكن ليبقى، لأن نبيكم آخر الأنبياء". ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري وصححه [١٢] وهذه الروايات وإن كانت موقوفة فلها حكم الرفع إذ هي من الأمور الغيبية التي لا مجال للرأي فيها.
ج- إن كلمة لولا تدل على الوقوع والثبوت كما ورد في القرآن الحكيم: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ .
(٦) "أنا آخر الأنبياء ومسجدي آخر المساجد". (مسلم)
قال المبشر القادياني: "قد بنيت مساجد كثيرة بعد مسجد النبي ﷺ فكيف يكون مسجده آخر المساجد على الإطلاق، بل معناه إن مسجده ﷺ آخر المساجد بحيث لا يبنى مسجد بعده إلا وهو يوافق في طريق العبادة مسجد النبي ﷺ ولا يخالفه كذلك من يأتي بعده من نبي؛ لا يخالفه بل يتبع هديه ويحكم بشريعته". انتهى ملخصا ومنقولا عن كلامه باللغة الأردية.
الرد على هذا الاستدلال من وجوه:
أ- لا بد من النظر في سباق هذا الحديث وسياقه وبذلك يتبين معنى قوله ﷺ: "ومسجدي آخر المساجد".
[ ١١ / ١٠٧ ]
عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي عبد الله الأغر - وكانا من أصحاب أبي هريرة - أنهما سمعا أبا هريرة يقول: "صلاة في مسجد رسول الله ﷺ أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام فإن رسول الله ﷺ آخر الأنبياء وأن مسجده آخر المساجد". وفي رواية: قال لنا عبد الرحمن بن إبراهيم أشهد أني سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى عليه وسلم: "فإني آخر الأنبياء ومسجدي آخر المساجد " [١٣] .
في هذا الحديث مقارنة بين المسجد الحرام ومسجد النبي ﷺ في الثواب كما ورد في هذا الباب حديث آخر يدل على فضل المساجد الثلاثة أي المسجد الحرام ومسجد النبي ﷺ ومسجد الأقصى. فهذا السياق يدل على أن المراد بقوله ﷺ: "مسجدي آخر المساجد"، آخر مساجد الأنبياء ولا شك أن هذه المساجد الثالثة أسست بأيدي الأنبياء وتحت إشرافهم فتكون كلمة "أل"في المساجد عوضا عن المضاف إليه فصار المعنى مسجدي آخر مساجد الأنبياء وهذا التأويل يوافق ما ذكرناه في الحلقة الأولى من النصوص الصريحة الصحيحة التي تدل على انقطاع النبوة لجميع أنواعها، فلا بد من تقديم المنطوق الصريح على المفهوم المشكوك فيه كما صرح به علماء الأصول:
ويؤيد هذا المعنى ما أخرجه البزار في مسنده من زيادة في هذا الحديث هو قوله ﷺ: "ومسجدي هذا آخر مسجد الأنبياء". ذكره المنذري في الترغيب والترهيب وسكت عنه [١٤] وهذه الزيادة أخرجها ابن النجار في الدرة الثمينة [١٥] والديلمي في الفردوس كما أشار إلى ذلك المتقى الهندي في كتابه "كنز العمال" في باب فضل الحرمين [١٦] . وأخرج الهيشمي هذا الحديث في كتابه مجمع الزوائد ونسبه إلى البزار، وقال: "فيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف" [١٧] . ولكن مع ضعف هذه الزيادة يستأنس بها لأن سياق الحديث الصحيح يوافق هذه الزيادة.
[ ١١ / ١٠٨ ]
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين خاتم النبيين وعلى آله وصحبه الغر الميامين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] ميزان الاعتدال ج ص٤٣٣
[٢] ميزان الاعتدال ج ص ٦
[٣] الكامل لابن عدي مخطوطة ق٢ ج١ ص١٢
[٤] ميزان الاعتدال للذهبي ج١ ص٢٤٥
[٥] كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال ج١٢ ص٢٧٨ طبعة الهند الثانية
[٦] الإصابة لابن حجر مع الاستيعاب ج٢ ص٢٦٣
[٧] صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ج٦ ص ٣٧.
[٨] السنن لابن ماجه ج١ ص٤٦٠.
[٩] ميزان الاعتدال ج١ ص٤٧.
ج ١ ص٤٧.
[١٠]
[١١] مسند أحمد ج ٣ ص٢٨٢.
[١٢] صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ج١٠ ص ٥٧٧ كتاب الأدب.
[١٣] صحيح مسلم مع شرح للنووي ج٩ ص١٦٤ الطبعة المصرية. كتاب الحج.
[١٤] الترغيب لترهيب للمنذري ج٢ ص ٢١٤.
ج٢ ص ٣٥٧ الملحق بشفاء الغرام.
[١٥]
ج٥ ص٣٦١ على هامش المسند لأحمد بن حنبل.
[١٦]
[١٧] مجمع الزوائد ج ٤ وميزان الاعتدال ج٤ ص٢١٣.
[ ١١ / ١٠٩ ]