لفضيلة الدكتور محمد نغش
في التهنئة بفتح القدس
لم تحظ موقعة في تاريخ الدولة الأيوبية بالفرحة بالنصر مثلما حظي بذلك فتح بيت المقدس، فقد انبرى الشعراء في مختلف أنحاء الأقطار الإسلامية ينظمون القصائد الكثيرة في هذه الموقعة الشهيرة.
وكان من أوائل الذين وصلوا إلى مخيم السلطان صلاح الدين من مصر الجواني المصري، وقصيدته مطلعها:
أتُرى مناما ما بعيني أبصر
القدس يفتح والفرنجة تكسر
وأتى إلى مخيم السلطان أيضا الشاعر المصري ابن سناء الملك، وهنأه بقصيدة مطلعها:
لست أدري بأي فتح تهنا
يا منيل الإسلام ما قد تمنى
كما نظم ابن الساعاتي شاعر مصر والشام في زمانه قصيدة منها:
أعيا وقد عاينتم الآية العظمى
لأية حال ندخر النثر والنظما
وكان من شعراء مصر الذين هنئوا السلطان بيوم الفتح ابن الجويني فخر الكتاب، وقصيدته تبدأ هكذا:
جند السماء لهذا الملك أعوان
من شك فيهم فهذا الفتح برهان
ومن المصريين أيضا ابن المجاور الوزير العزيزي هنأ السلطان صلاح الدين بقصيدة جاء فيها:
بالنصر المهدي والهادي إلى
سبل الجهاد أتى المظفر يوسف
والفرق بين ما كتبه القاضي الفاضل بشأن القدس في رسالته الطويلة إلى الخليفة العباسي وبين ما كتبه هؤلاء الشعراء جميعا أن القاضي الفاضل وصف المعركة وصفا مفصلا، بينما هؤلاء الشعراء أتوا بوصفهم مجملا، فالنثر الذي تكتب به الرسائل الديوانية بطبيعته أقدر على استيعاب التفصيلات الدقيقة، لأن الكاتب يدبجه بغرض الإبلاغ بحوادث معينة، مستقصيا فيها أطراف الموضوعات، بخلاف الشعر الذي يعبر عن خلجات نفسية ولمحات فنية، فكل شاعر يركز على معنى أو أكثر من المعاني التي بهرته ويفرغ فيها طاقاته.
[ ١٢ / ٢٢٧ ]
ولنقارن بين رسالة القاضي الفاضل وما وصلنا من أبيات القصائد السالفة الذكر، فكلاهما الرسالة والقصائد قيلا في غرض واحد وهو فتح القدس.
ولنبدأ بذكر بناء كل منهما، ونثني بذكر المعاني الواردة فيهما، ثم نختم بالصور الفنية التي يشتملان عليها، فمقدمة القاضي الفاضل طويلة، وفيها تفاصيل كثيرة، وإليك نصها:
«أدام الله أيام الديوان - العزيز النبوي الناصري - ولا زال مظفر الجِد [١] بكل جاحد، غنيا بالتوفيق عن رأي كل رائد، موقوف المساعي على إقناء مطلقات المحامد، مستيقظ النصر والنصل في جفنه [٢] راقد، وارد الجود والسحاب على الأرض غير وارد، متعدد مساعي الفضل وإن كان لا يلقى بشكر واحد، ماضي حكم القول بعزم لا يمضي إلا بنسل [٣] غوى وريش [٤] راشد، ولا زالت غيوث فضله إلى الأولياء أنواء [٥] إلى المرابع [٦] وأنوارا إلى المساجد، وإلى الأعداء خيلا إلى المراقب [٧] وخيالا وإلى المراقد» .
وهو يمدح بها الخليفة بأنه رجل موفق دائما، منصور دائما، جواد يعم بجوده جميع الناس، ذو عزم قوي ينفع نفعا محققا إذا أراد، ويضر ضررا محققا إذا كانت الحكمة في ذلك، ذو هيبة في قلوب أعدائه، تفزعهم في اليقظة، وتقض مضاجعهم في النوم، والقاضي الفاضل يحرص في مقدمته على الالتزام بالسجع والطباق والجناس، بينما نرى الشعراء المصريين في تهنئتهم للسلطان صلاح الدين يتركون التقديم لقصائدهم بمقدمات غزلية، وينهجون نهج القاضي الفاضل في رسالته هذه وفي غيرها من الرسائل، فهم يقدمون لقصائدهم بديباجة تعد بمثابة المقدمة الموسيقية فهي تدور مباشرة في جو القصيدة، وهو التهنئة بهذا الفتح العظيم.
وإليك ما قاله ابن سناء الملك في هذه المناسبة:
لست أدري بأي فتح تهنا
يا منيل الإسلام ما قد تمنى
أنهنيك إذ تملكت شاما
أم نهنيك إذ تملكت عدنا
قد ملكت الجنان قطرا فقطرا
إذ فتحت الشام حصنا فحصنا
[ ١٢ / ٢٢٨ ]
إن دين الإسلام منّ على الخلق (م)
وأنت الذي على الدين منا
مقدمة رائعة وإن كانت قصيرة بالنسبة لمقدمة القاضي الفاضل، كما أنها لا تحمل من المعاني ما حملته مقدمة القاضي الفاضل، وفيها نرى الشاعر في حيرة جميلة أمام بطل إسلامي فاز بالفخار في الدنيا بانتصاراته الرائعة، وفاز بثواب الله في الآخرة.
وهذه المقدمة رغم روعتها في التصوير إلا أن المحسنات البديعية قليلة فيها، فهي لا تعدو الجناس الناقص الذي يأتي عرضا دون تكلف.
وتختم رسالة فتح بيت المقدس بخاتمة ديوانية ليست فيها صور بلاغية ولا محسنات بديعية، وهي: «والله الموفق إلى الصواب، والحمد لله رب العالمين، وعليه توكلت وإليه أنيب» .
بينما إحدى القصائد التي وصلتنا كاملة وهي قصيدة ابن سناء الملك تختم ببيتين بليغين من الشعر، وهما:
قد ملكت البلاد شرقا وغربا
وحويت الآفاق سهلا وحزنا
واغتدى الوصف في علاله حسيرا
أي لفظ يقال بل أي معنى؟
فالشاعر هنا أمام هذا الملك العظيم أصبح لا تسعفه الألفاظ ولا المعاني ليصف أمجاده التي يجل عنها الوصف، وتشخيص ابن سناء الملك للوصف بأنه أصبح حسيرا يعطي لهذه الخاتمة حسنا وبهاء.
ولما كانت التهاني التي أنشدها الشعراء للسلطان صلاح الدين وليست للخليفة العباسي فسنترك مدح القاضي الفاضل للخليفة وكذلك تبشيره بالفتح جانبا، لننتقل إلى الفقرة التي جاءت في رسالة القاضي الفاضل في الإشادة بالسلطان صلاح الدين وهي:
[ ١٢ / ٢٢٩ ]
"وكان الخادم لا يسعى سعيه إلا لهذه العظمى، ولا يقاسي تلك البؤسى إلا رجاء هذه النعمى، ولا يناجز من استمطله في حرية، ولا يعاتب بأطراف القنا من تمادى في عتبه، إلا لتكون الكلمة مجموعة، والدعوة إلى سامعها مرفوعة فتكون كلمة الله هي العليا، وليفوز بجوهر الآخرة لا بالعرض الأدنى من الدنيا، وكانت الألسنة ربما سلقته [٨] فأنضج قلوبها [٩] بالاحتقار، وكانت الخواطر ربما غلت عليه مراجلها فأطفأها بالاحتمال والاصطبار، ومن طلب خطيرا خاطر، ومن رام صفقة رابحة تجاسر، ومن سما لأن يجلى [١٠] غمرة [١١] غامر، وإلا فإن القعود يلين تحت نيوب الأعداء المعاجم [١٢] فتقضها، ويضعف في أيديها مهر [١٣] القوائم فتقضها [١٤]، هذا إلى كون القعود لا يقضى فرض الله في الجهاد، ولا يرعى به حق الله في العباد، ولا يوفى به واجب [١٥] التقليد الذي تطوقه الخادم من أئمة قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون".
ولما كان الكتاب مرسلا إلى الخليفة، فقد رأى القاضي الفاضل برأيه الحصيف أن ينسب فضل الجهاد إلى الخلفاء العباسيين ولكنه لم ينس الإشادة بصلاح الدين الذي جاهد في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا، رعاية لحق الرعية، وحق التقليد الذي في عنقه للخلافة العباسية التي تقضي بالحق والعدل.
وهو يقرر في هذه الفقرة سعي صلاح الدين لهذه الغاية، ومقاساته الأهوال من أجلها، وهو يعلم أن من الناس من ربما سلقوه بألسنتهم من أجل نهوضه بالجهاد، فما لهؤلاء عنده من جواب غير الاحتقار، وأن منهم من يتغيظون تغيظا كبيرا، فلا يقابل ذلك منهم إلا بالحلم والاصطبار.
والفن الفاضلي يتجلى في هذه العبارة "وكانت الألسنة ربما سلقته، فأنضج قلوبها بالاحتقار"فالمراد بقلوبها هنا هو قلوب أصحاب الألسنة، فهنا مجاز لطيف من إبداع القاضي الفاضل.
[ ١٢ / ٢٣٠ ]
ولما كانت هذه الرسالة مرسلة إلى الخليفة العباسي والمدح معظمه له، فنستعين بكتاب آخر صادر عن القاضي الفاضل إلى السلطان صلاح الدين في التهنئة بفتح القدس وهذه الفقرة التي نوردها منه في مدح السلطان صلاح الدين، وهي:
"نحن أصدق أفئدة، وأقصر ألسنة أن نتولى شكر مولانا والأولى به الأنبياء الذين أظهر آثارهم، والملائكة الذين روح من سماع الكفر أسرارهم، والإسلام الذي رفع غمامته، وثبت دعامته، ورد إلى داره زعامته، والبيت الحرام الذي فك أخاه من الأسر، ومكان المسرى النبوي الذي كان ينتظر من مولانا مطلع الفجر، وأبواب الرحمة التي فتحها، وكان دونها غلق التاج، والمسجد الأقصى وكان عنه التصريح وإن كان منه المعراج.
فليهن مولانا أنه قد أصبح مولاي ومولى كل مسلم، وأنه قائم بوعد الله للدين القيم، وأنه نور الله الذي أضاء به كل فجر للكفر مظلم، وأن الله أنهضه بما أقعد عنه ملوك الأمم، وحرس به الإسلام في أصلاب رجال العرب والعجم".
فالقاضي الفاضل يقف موقف الشعراء في حيرتهم اللطيفة، التي يبغون من ورائها التعبير عن قصورهم في تأدية الشكر لممدوحهم، والكاتب هنا يقول:
إن السلطان أحق بشكر الأنبياء والملائكة والإسلام والبيت الحرام والمسجد الأقصى، فكل هؤلاء مدينون له بتطهير بيت المقدس من رجس الكافرين والمعتدين. ولهذا فليهنأ السلطان بمكانته كزعيم للمسلمين وبنصره للدين، فهو النور الذي أضاء كل فجر للكفر مظلم، وأنه أتى بما عجز عنه ملوك الأمم، فبه حفظ الله الإسلام في أصلاب رجال العرب والعجم.
والفن الفاضلي يتجلى في أنه جعل للإسلام غمامة يكنى بها عن الاحتلال لأرضه ثم رد السلطان صلاح الدين له زعامته، والبيت الحرام يفك أخاه المسجد الأقصى من الأسر، وما إلى ذلك.
فهذه صور من التشخيص للجمادات والتجسيم للمعنويات التي ذاع صيت القاضي الفاضل في الإتيان بها متلاحقة في هذه الرسالة وفي غيرها من رسائله.
[ ١٢ / ٢٣١ ]
ونعرض الآن المعاني والصور التي وردت في قصائد هؤلاء الشعراء السابق الإشارة إليهم، لنرى أنهم لا يخرجون عن كونهم تلاميذ للقاضي الفاضل، يدورون في فلكه ويعجزون عن اللحاق به، فهذا الجواني المصري يقول:
قد جاء نصر الله والفتح الذي
وعد الرسول فسبحوا واستغفروا
يا يوسف الصديق أنت لفتحها
فاروقها عمر الإمام الأطهر
ملك غدا الإسلام من عجب به
يختال والدنيا به تتبختر
فهذه الأبيات في مدح السلطان صلاح الدين فيها الحيرة التي رأيناها عند القاضي الفاضل، عن أي معنى يقال ويذكر لهذا البطل الإسلامي، ونعته السلطان بأنه كالنبي يوسف ﵇، وكالقائد المظفر عمر بن الخطاب، وأن الإسلام به يفخر ويتبختر من الفرحة بهذا النصر الكبير، لا يساوي كل هذا ما أضفاه القاضي الفاضل على هذا القائد المظفر من التمجيد والتقدير.
وانظر إلى حل الجواني لآيتين من القرآن الكريم في بيت واحد من الشعر، وهما:
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ و﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْه﴾، ثم انظر إلى هذه الاستعارة اللطيفة في قوله:
ملك غدا الإسلام من عجب به
يختال والدنيا به تتبختر
وهذا ابن سناء الملك يمدح السلطان صلاح الدين بقوله:
لست أدري بأي فتح تهنا
يا منيل الإسلام ما قد تمنى
أنهنيك إذ تملكت شاما
أم نهنيك إذ تملكت عدنا
قد ملكت الجنان قطرا فقطرا
إذ فتحت الشام حصنا فحصنا
إن دين الإسلام منّ على الخلق
وأنت الذي على الدين منّا
لك مدح على السموات ينشا
ومحل فوق الأسنة يبنى
تخرج الساكنين منه ورب البيت (م)
في بيته أحق بسكنى
كم تأنى النصر العزيز على الشا (م)
م ولما نهضت لم يتأنى
قمت في ظلمة الكريهة كالبدر سنا (م)
ءً والبدر يطلع وهنا
[ ١٢ / ٢٣٢ ]
لم تقف قط في المعارك إلا
كنت يا يوسف كيوسف حسنا
يجتنى النصر من ظباك كأن الـ (م)
عضب قد صحفوه فصار غصنا
قصدت نحوك الأعادي فرد الله (م)
ما أملوه عنك وعنّا
وكما احتار القاضي الفاضل والجواني المصري، فكذلك يحتار ابن سناء الملك، ووصف الشاعر فضل السلطان على الإسلام وعلى المسلمين وإتيانه بالنصر الذي عجز عنه ملوك الشام من قبل، وما النصر إلا من عند الله الذي ينصر عباده المؤمنين.
كل هذه المعاني كما ترى جزء مما جاء في تهنئة القاضي الفاضل للسلطان صلاح الدين.
أما الصور الفنية فتتمثل في التشخيص، فالدين يمنّ على الخلق، والنصر يتأنى عن الشام وعن السلطان صلاح الدين لم يتأن، واجتناء النصر من ظباه، ثم استخدامه للمصطلحات اللغوية في قوله: "كأن العضب قد صحفوه فصار غصنا"وهذا بخلاف إتيانه بالجناس التام والناقص ليتخذ منه جرسا موسيقيا في شعره.
وابن الساعاتي يقول:
أعيا وقد عاينتم الآية العظمى
لأية حال ندخر النثر والنظما
وقد شاع فتح القدس في كل منطق
وشاع إلى أن أسمع الأسل الصما
فليت فتى الخطاب شاهد فتحها
فيشهد أن السيف من يوسف أصمى
وما كان إلا الداء أعيا داؤه
وغير الحسام العضب لا يحسن الحسما
وأصبح الثغر للدين جزلان باسما
وألسنة الأغماد توسعه لثما
سلوا الساحل المخشى عن سطواته
فما كان إلا سلاحا صادف اليما
[ ١٢ / ٢٣٣ ]
فهي حيرة أيضا بنفس الطريقة السابقة، ونفس المعاني مشتقة من تهاني القاضي الفاضل، فهذا الفتح الذي ذاع صيته حتى أسمع الجماد، ويذكر الشاعر اسم البطل الإسلامي عمر بن الخطاب، ويتمنى أن يكون حاضرا ليشهد مقدرة القائد المظفر صلاح الدين، وهكذا يبتسم الدين من الفرحة الكبرى، وكما ترى يغلب على هذه القصيدة التشخيص كذلك، واللجوء إلى الجناس في مثل قوله «الصما» و«أصمى» كل واحدة قافية لبيت.
أما قصيدة ابن المجاور فما بين أيدينا منها كله في مدح السلطان صلاح الدين البطل المغوار والرجل المتدين، فمما قاله عن صفات السلطان الكريمة:
ملك إذا ملك الملوك جنابه
لاذوا بأكرم من يؤم وأشرف
وإذا أتوا أسرى إلى أبوابه
وقفوا بأعظم من يصول وأردف
مولى غدا للدين أكرم والد
حدب على أبنائه مترفرف
ثم يمدح الأتراك الذين ينتسب إليهم السلطان صلاح الدين، فيقول:
هم فتية الأتراك كل مجفجف
يغشى الكريهة فوق كل مجنجف
قوم يخوضون الحمام شجاعة
لا ينظرون إليه من طرف خفي
إن صبحوا الأعداء في أوطانهم
تركوا ديارهم كقاع صفصف
أنت اصطفيتهم لنصرة ديننا
لله در المصطفى والمصطفي
والشاعر هنا يأتي بالجناس التام بين كلمتي «مجفجف» أي فارسي، و«مجنجف» أي حصان أصيل، وبين كلمتي «المصطفى» أي النبي محمدا و«المصطفي» أي المختار، وتظهر الثقافة الدينية لديه في حله للقرآن الكريم، من مثل «ينظرون من طرف خفي» و«قاع صفصف» .
ثم نأتي إلى وصف الحرب التي انتهت بظفر المسلمين ببيت المقدس، ولنبدأ بما قاله الشعراء في هذا الصدد، فالجواني المصري يقول:
وقمامة قمت من الرجس الذي
بزواله وزوالها يتطهر
ومليكهم في القيد مصفود ولم
ير قبل ذاك لهم مليك يؤسر
نثر ونظم طعنه وضرابه
فالرمح ينظم والمهند ينثر
[ ١٢ / ٢٣٤ ]
حيث الرقاب خواضع حيث العيو (م)
ن خواشع حيث الجباه تعفر
غاراته جمع فإن خطبت له
فيها السيوف فكل هام منبر
إذ لا ترى إلا طلى بسنابك
تحذى نعالا أو دماء تهدر
وصوائنا تختار أن تطأ الثرى
فبصدها عنه طلى وسنور
تمشي على جثث العدا عرجا ولا
عرج بها لكنها تتعثر
والشاعر يعبر في قصيدته عن فرحة المسلمين بالنصر وبتطهير بيت المقدس، ووقوع ملك الصلبيين في الأسر، والفرحة بالانتقام بقتل العدو الذي لا حصر له، حتى غدت الجياد تتعثر في جثثهم، وكأنها تعرج وما بها من عرج.
وأهم ما في هذه الأبيات من الصور الفنية هو تشخيص الشاعر للمعركة، حيث الرمح كالشاعر ينظم، والسيف كالكاتب ينثر، ووصفه الغارات بأنها كأيام الجمع، وأن السيوف تخطب فيها على المنابر ويعني بها الرؤوس الخ.
هذا بخلاف حرص الشاعر على أن يتوافر الجناس في أبياته.
ويصف ابن سناء الملك المعركة بهذه الأبيات:
حملوا كالجبال عظما ولكن
جعلتها حملات خيلك عهنا
جمعوا كيدهم وجاءوك أركا (م)
نا فمن قد فارسا هد ركنا
لم تلاق الجيوش منهم ولك (م)
نك لاقيتهم جبالا ومدنا
كل من يجعل الحديد له ثو (م)
با وتاجا وطيلسانا وردنا
خافهم ذلك السلام فلا الرو (م)
ح يغني ولا المهند طنا
وتولت تلك الخيول فكم يث (م)
ني عليها بأنها ليس تثني
وتصيدتهم بحلقة صيد
تجمع الليث والغزال الأغنا
وجرت منهم الدماء بحارا
فجرت فوقها الجزائر سفنا
صنعت فيهم وليمة عرس
رقص المشرفي فيها وغنى
ظل معبودهم [١٦] لديك أسيرا
مستشافا فاجعل النار سجنا
واللعين الإبرنس أصبح مذبو (م)
حا بيمني لم يعدم الدين يمنا
[ ١٢ / ٢٣٥ ]
وابن سناء الملك يزيد في الصورة السالفة بأن يصف بلاء المسلمين في مقاتلة الصلبيين الذين جمعوا الأعداد الهائلة، والعدد المدمرة القاتلة، ولكن جيش المسلمين أسال دماءهم بحارا، واستحالة الموقعة إلى وليمة عرس، يرقص فيها السيف، ويغني فيها الرمح، وأسر صليب الصلبوت المقدس لديهم.
وأخيرا يبر السلطان صلاح الدين بيمينه فيقتل البرنس أرناط الذي كان يسخر من الدين الإسلامي الحنيف.
والصور الفنية نراها في تشبيه الشاعر جيش العدو بالجبال في ضخامته، وأن حملات السلطان صلاح جعلتها كالعهن، وهي صورة مقتبسة من القرآن الكريم في وصفه ليوم القيامة، حيث قوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ .
وهنا يخونهم سلاحهم، وفي هذا المجاز عن غلبتهم، وتفر خيولهم، ويتصيدهم السلطان ورجاله، وهنا تجري دماؤهم بحارا، وتستحيل الموقعة كما قلنا إلى وليمة عرس، يرقص فيها السيف ويغني الرمح..
وبعد أن استعرضنا ما قاله الشعراء في وصف المعركة نستطيع أن نقول بالرغم مما حملته هذه القصائد من معان مما أبدعه الشعراء من صور فنية، إن هذا كله لا يصل إلى مرتبة القاضي الفاضل الذي أعطى بوصفه لهذه المعركة لوحة فنية رائعة، مليئة بالزخارف والصور البديعية، بالإضافة إلى ما تحتويه الصور الدقيقة من تفاصيل المعركة، وقد رأيت هنا أن أعرض لفقرة من هذا الوصف لنستشف منه الصور الفنية لدى القاضي الفاضل، وهو: «وكتاب الخادم هذا وقد أظفر الله بالعدو الذي تشظت [١٧] قناته [١٨] شفقا [١٩]، وطارت فرقة فرقا، وفل سيفه فصار عصا، وصدعت حصاته [٢٠] وكان الأكثر عددا وحصى، فكلت حملاته، وكانت قدرة الله تصرف فيه العنان بالعيان [٢١] عقوبة من الله ليس لصاحب يديها يدان.
[ ١٢ / ٢٣٦ ]
وعثرت قدمه وكانت الأرض يقظة تريق [٢٢] نطف [٢٣] الكرى من الجفون، وجدعت أنوف رماحه، وطالما كانت شامخة بالمنى أو راعفة [٢٤] بالمنون، وأضحت الأرض المقدسة الطاهرة وكانت الطامث، والرب المعبود الواحد وكان عندهم الثالث.
فبيوت الشرك مهدومة، ونيوب الكفر مهتومة [٢٥]، وطوائفه المحامية مجتمعة على تسليم البلاد الحامية وشجعانه المتوافية، مذعنة ببذل المطامع الواقية لا يرون في ماء الحديد لهم عصرة [٢٦]، ولا في فناء الأفنية لهم نصرة، وقد ضربت عليهم الذلة والمسكنة، وبدل الله مكان السيئة الحسنة، ونقل بيت عبادته من أيدي أصحاب المشأمة إلى أيدي أصحاب الميمنة.
نرى القاضي الفاضل يقابل بين السيف والعصا وبين المنى والمنون، وبين ذلة الكافرين وعزة المسلمين، ويجانس بين «فرقه» بمعنى جموعه و«فرقا» بمعنى خوفا، وبين العنان بمعنى اللجام، والعيان بمعنى الرؤية.
انظر إلى التشخيص لدى القاضي الفاضل، فقد جعل للسيوف والرماح عيونا تكسف بالهزيمة، وجعل لهذه العيون جفونا نامت وكانت تذود النوم من عيون المسلمين.
وانظر كيف جعل للسيوف أنوفا جدعت، وكانت تشمخ بالأمل وترعف بالدماء التي تقطر من أجساد المسلمين المجاهدين، ثم كيف جعل من الكفر شخصا له أنياب أصبحت مهتومة بعد الهزيمة.
ويبلغ القاضي الفاضل بتشخيصه الذروة في وصفه للمنجنيقات التي تتولى عقوبات الحصون، ومعاول النقابين التي تمضغ بأنيابها الصخور، ووصفه لحال الصخور والخراب الذي حل بها في فقرة أخرى من رسالته، كما استغل الكاتب فيها القرآن الكريم لنفسه استغلالا فنيا صرفا، فاتخذ منه صبغا من أجل الصياغة الفنية التي ألف بينها بطريقة فنية فاتنة.
[ ١٢ / ٢٣٧ ]
أرأيت إذن إلى أسلوب القاضي كيف يمتاز بالسجع والطباق والجناس، وهي أمور يشترك فيها مع غيره من أصحاب الأساليب الأدبية، ثم يمتاز بتجسيم المعاني وتشخيص الجماد ونثره للقرآن الكريم، وهي أمور أربى فيها على من شاركه فيها من الأدباء، كما امتاز بتلك المعادلات اللفظية التي توحي إلى القارئ بأن ذهن القاضي الفاضل كان ذهنا رياضيا أو به استعداد للتفوق في الرياضة.
ويشهد المؤرخون للقاضي الفاضل بأنه امتاز في النثر والشعر معا، فهذا ابن حجة الحموي يقول: "نظمه ونثره رضيعا لبان وفرسا رهان".
ويقول السبكي: "إنه كتب من الإنشاء الفائق الرائق ما يربو على مائة مجلد".
والقاضي الفاضل كما نعرف صاحب مدرسة، ورائد فن الترسل في عصره وبعد عصره.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] الجد: الحظ.
[٢] جفن السيف غلافه.
[٣] مأخوذ من نسل الريش والشعر: سقط.
[٤] راش الصديق: أطعمه وسقاه وكساه.
[٥] أنواء: جمع نوء، وهو المطر.
[٦] المرابع: جمع مربع، منزل القوم في الربيع.
[٧] المراقب: جمع مرقب، المكان المشرف يقف عليه الرقيب.
[٨] سلقه بالكلام: أذاه.
[٩] يقال أنضج قلبه: كأنما الاحتقار كوى القلب بالنار حتى نضج.
[١٠] جلى الأمر: أذهبه.
[١١] الغمرة: الشدة.
[١٢] المعاجم: مفعول به ليلين، جمع معجم اسم مكان من عجمه لاكه.
[١٣] المهر: الغضاريف.
[١٤] قض الشيء: دقه.
[١٥] واجب: أي ما يوجبه التقليد.
[١٦] معبودهم: يعني صليب الصكلبوت.
[١٧] تشظت: تطايرت شظايا.
[١٨] القناة: الرمح.
[١٩] الشفق: الخوف.
[٢٠] الحصاة: الحجر الصغير والجمع حصاة.
[٢١] عنان الدابة: بكسر العين، لجامها، وعيان بكسر العين رؤية.
[٢٢] تريق: تصب.
[ ١٢ / ٢٣٨ ]
[٢٣] نطف: قطرات ماء العين.
[٢٤] الرعاف: الدم يخرج من الأنف.
[٢٥] مهتومة: مكسورة.
[٢٦] العصرة بالضم: المنجاة.
[ ١٢ / ٢٣٩ ]