أبو بكر الجزائري
رئيس قسم التفسير بالجامعة الإسلامية
يقول الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (النساء: الآية ٥٨) .
مناسبة الآية لما قبلها:
كانت الآيات في التنديد بأهل الكتاب وإظهار بعض مساوئهم، والتعجيب من حالهم؛ إذ هم أهل كتاب، ثمّ هم يسفون إسفاف أهل الجهل والضلال، حتى إنهم فضلوا أهل الوثنية -كفار قريش- على أهل الدين الحق والتوحيد الخالص محمد -ﷺ- إذ قالوا لكفار قريش: أنتم أهدى من الذين آمنوا سبيلا، وذلك لما سألهم بعض زعماء قريش عن أيّ الفريقين أهدى
ولو أدى أهل الكتاب الأمانة التي اؤتمنوا عليها وهي البيان للناس، وعدم كتمان الحق، لما جحدوا نبوّة رسول الله ﷺ، ولما كفروا به وبالدين الحق الذي جاء به، ولكن خانوا أمانتهم، وجاروا في حكمهم، فكتموا نبوّة الرسول ﷺ، وحكموا بتفضيل الباطل على الحق، والكفر على الإيمان، والعياذ بالله تعالى، فناسب أن يذكر الأمر بأداء الأمانات، والحكم بالعدل، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ﴾ فكان وجه المناسبة واضحًا قويًا بين الآيات.
سبب نزول الآية:
[ ٢٣ / ٨٧ ]
ما هناك حاجة إلى ذكر سبب نزول الآية بعد بيان اتصال الآيات ببعضها واتحاد معناها. بيد أن أكثر أهل التفسير يذكرون هنا حادثة مفتاح الكعبة. وأخذ الرسول ﷺ له من عثمان بن طلحة ورده إليه بعد دخوله الكعبة وخروجه منها يوم فتح مكة المكرمة، لأن سياق القصة يقول: خرج الرسول ﷺ من البيت وهو يتلو أية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ وأعطى المفتاح لعثمان، وابن عمه شيبة وقال لهما [١]: خذاها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم. فظن أن الآية نزلت في هذه الحادثة والرسول ﷺ في البيت فخرج يتلوها. غير أنه ليس لازما أن تكون نزلت بالبيت، لأن قراءة الرسول ﷺ لها بعد خروجه من الكعبة قد تكون من باب التمثل بالآية والاستشهاد بها على رد الأمانات، وإن كانت الآية قد نزلت قبل في سياق السورة الطويلة سورة النساء التي منها هذه الآية. كما أنه لا مانع أن تكون الآية قد نزلت في هذه الحادثة أثناء وجود الرسول ﷺ في داخل الكعبة وخرج يتلوها بيانًا لحكم رد المفتاح إلى عثمان وابن عمه وقد أخذه منهما على أساس أنه أمانة مؤداة كما جاء في ألفاظ القصة، ثم وضعت الآية في الموضع الذي يناسبها من السورة.
[ ٢٣ / ٨٨ ]
ولعل القراء الكرام يودون سماع قصة المفتاح فنورد لهم بعض ألفاظها هنا فنقول: ذكر صاحب تفسير المنار رحمه الله تعالى: أن صاحب كتاب لباب النقول قال: أخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة دعا عثمان بن أبى طلحة فلما أتاه قال: أرني المفتاح! فلما بسط يده إليه، قام العباس فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي اجمعه لي مع السقاية، فكفَّ عثمانُ يدَه، فقال رسول الله ﷺ: هاتِ المفتاح يا عثمان،فقال هاك أمانة، فقام ففتح الكعبة، ثم خرج فطاف بالبيت ثم نزل عليه جبريل برد المفتاح، فدعا عثمان ابن طلحة فأعطاه المفتاح، ثم قال، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ حتى فرغ من الآية. وأخرج شعبة في تفسيره عن حجاج عن ابن جريج قال نزلت هذه الآية في عثمان بن أبي طلحة أخذ منه رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة فدخل به البيت يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذه الآية، فدعا عثمان فناوله المفتاح، قال: وقال عمر ابن الخطاب ما سمعته يتلوها قبل ذلك. قلت: ظاهر هذا أنها نزلت في جوف الكعبة اهـ.
مباحث الألفاظ:
إن: حرف توكيد ونصب، توكيد يؤكد به الخبر الذي تضمنته الجملة التي دخل هو عليها. ونَصْب أي ينصب الاسم الذي بعده. ويرفع الخبر لفظا إن كان مفردًا، أو حكمًا إن كان جملة كما هو هنا (يأمركمْ)
الله: هذا هو اسم الجلالة الأعظم، وهو عَلَمُ على ذات الربّ ﵎، فيُنادى به ويُدعى فيقال يا الله، فيجيب ﷾.
يأمركم: الأمر: الطلب على وجه الاستعلاء، فالله تعالى هو الآمر، والعباد هم المأمورون، والله تعالى هو الغالب القاهر والعباد هم المغلوبون المقهورون.
فلذا كان طلبه تعالى منهم أداء الأمانات والحكم بالعدل أمرًا يجب أن يطاع فيه.
[ ٢٣ / ٨٩ ]
أنْ: حرف مصدر ونصب. سميّت المصدريّة لأنها تسبك مع الفعل الذي دخلت عليه بمصدر فقوله: أن تؤدوا الأمانات، يصح سبك أَنْ والفعل بمصدر فيصبح الكلام: تأدية الأمانات، أو أداء الأمانات. ونسبت إلى النصب لأنها تنصب المضارع بعدها فيُفْتَحُ إن كان مجردًا من ألف الاثنتين، أو واو الجماعة، أو نون المخاطب، وتحذف النون إن كان متصلا به ما ذكر من ألف الاثنين.. الخ.. كما هو الآية: أن تؤدوا. فحذفت نون تؤدون وهى نون الرفع المتصلة بواو الجماعة. فأصبحت تؤدوا
تؤدوا: معناه: تعطوا ما ائْتُمِنْتُم عليه وتُقْضُوهُ صاحبَه الذي أمَّنكم عليه، وائتمنكم على حفظه.
الأمانات: جمع أمانة وهي كل ما ائتمن عليه الإنسان ليحفظه ويؤديه إلى من ائتمنه عليه وقت الطلب. ويدخل في الأمانات كل ما تعهد العبد بأدائه لله تعالى من سائر التكاليف الشرعية حتى الغسل من الجنابة أمانة. وأحاديث تجرى في المجلس أمانة وفي الخبر المجالس بالأمانات.
إلى: حرف جر يجر الاسم ويخفضه نحو ذهبت إلى المسجدِ فالمسجد مجرور بمعنى مخفوض بالجرة التي هي الكسرة. ويقال فيها حرف جر وغاية لأن المجرور بها هو منتهى المطلوب وغايته.
فغاية الذهاب المسجد. وغاية أداء الأمانات أهلوها.
أهلها: أصحابها المستحقون لها استحقاقا شرعيًا لأنها لهم وهم مالكوها؛ ولذا لم يقل أصحابها بل قال: أهلها، لما في معنى (أهل) من الأهلية التي هي الاستحقاق بجدارة وتأهيل وثبوت.
وإذا: الواو حرف عطف، إذ عطفت بها جملة الحكم بالعدل على جملة أداء الأمانات. و(إذا) شرطية، وهى ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه منصوب بجوابه.
حكمتم: قضيتم بما يمنع أحد الخصمين من صاحبه ويكفه عنه، ولا يتم ذلك إلا إذا كان القضاء بالحق.
بين: ظرف بمعنى وسط منصوب على الظرفية.
[ ٢٣ / ٩٠ ]
الناس: لفظ دال على جمع كلفظ قوم ورهط. وَاحِدُهُ من غير لفظه وهو إنسان، ويجمع إنسان على أنَاسِيّ وهم البشر. خلاف الحيوان والجان والملائكة.
أن تحكموا بالعدل: أنْ: حرف تقدم معناه.
تحكموا: تقدم معناه أيضا.
بالعدل: الباء حرف جر ومعناها هنا الآلة بمعناها أن ما دخلت عليه فيه معنى الآلة التي يكون بها الشيء فقولنا ذبحت بالسكين: السكين آلة الذبح، وحكمت بالعدل: العدل آلة الحكم. والعدل ضد الميل والجور، وهو إذًا الإنصاف والمساواة بإعطاء صاحب الحق حقه، ومنع الآخرين من الجور والظلم.
إنَّ: تقدم معناها.
الله: تقدم معناه أيضا.
نِعِمَّا: أصل الكلمة نِعْمَ ما. فنعم كلمة مدح واستحسان، مشتقة من النعمة التي هي الخير وما يحسن بالإنسان ولا يسوؤه. وما نكرة بمعنى شيء. ركبّت مع بعضها بعضا فأصبحت نِعمَّا. ودخلها إعلال بتسكين الميم الأولى وإدغامها في الثانية، وكسر العين بعد تسكين الميم حتما لا يلتقي ساكنان.
يعظكم: يأمركم. أي نعم شيء يأمركم الله به: (أداء الأمانات والحكم بالعدل) .
به: الباء حرف جر: الضمير يعود على الشيء المأمور به وهو أداء الأمانات والعدل في الحكم بين الناس.
إنَّ: حرف تقدم معناه.
الله: تقدم معناه أيضا.
كان سميعًا بصيرًا: كان فعل ماض ناقص يُخبر به عن الماضي المنقطع، والمستمر إلى زمن التكلم وما بعده. يرفع الاسم وينصب الخبر، واسم كان هنا ضمير مقدر فيها تقديره هو، يعود إلى الله تعالى، وسميعا بصيرًا خبران عن اسم كان. ومعنى السميع ذو السمع الكثير، والبصير ذو الأبصار الكثير أيضا، لأن صيغة فعيل المعدولة عن فاعل تكون للمبالغة في الكثرة فهي أعظم من سامع، ومبصر.
معنى الآية الإجمالي:
[ ٢٣ / ٩١ ]
يخبر تعالى أنه يأمر عباده المؤمنين بأداء الأمانات إلى أهلها الذين ائتمنوهم عليها، وبالعدل في أحكامهم إذا هم حكموا بين الناس في كل شيء حكموا فيه. كما يخبرهم أن ما أمرهم به من أداء الأمانات، والحكم بالعدل هو أمر حسن، لهم فيه خير عظيم إذ عليه تتوقف سعادتهم وهناؤهم في دنياهم وأخراهم. وحفزًا لهم على قبول أمره وامتثاله لما فيه من الخير الكثير أخبرهم أنه ﷾ سميع لما يقولون بصير بما يعملون، يعلم منهم أماناتهم، وخياناتهم، وعدلهم، وجورهم. وسيترتب جزاءهم على كسبهم، ويجزيهم به إن خيرًا فخير وإن شرَّا فشر.
خَطَر هذه الآية:
إن هذه الآية الكريمة: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات الخ ذات خطر عظيم على الهيئة البَشرية كلها: لأن قوام الحياة كلها على أداء الأمانة، والحكم بالعدل، ولذا قال بعضهم: هذه الآية والآية التي بعدها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ عليهما قيام الدولة الإسلامية، ولو لم ينزل في القرآن غيرهما لكفتا، ولما احتيج في نظام الدولة إلى غيرهما.
[ ٢٣ / ٩٢ ]
وبيان ذلك: أن الأمانة لفظها يشمل كل ما ائتمن الله تعالى عليه عباده المؤمنين من سائر التكاليف؛ وهى أعمال القلوب والألسن والجوارح، فإذا أدى كل فرد ما التزم به مما ائتمنه الله تعالى عليه استقامت الحياة للناس كلهم وسعدوا أجمعون. وبما أن الضعف فطرى في الإنسان ﴿وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ فإن وجود ظلم أو حيف من بعض الأفراد من أهل الأمانات ضروري حسب طبيعة الحياة الإنسانية، فإذا وجد الحكم العادل وكان خلقا لكل مؤمن، فما يحكم أحدٌ في شيء إلا تحرى العدل وحكم به، تلافى المؤمنون ذلك الضعف في حياتهم الإيمانية، فكملوا وسعدوا. والكمال والسعادة في الدنيا آية الكمال في الآخرة والسعادة فيها. كما أن النقص والشقاء في الدنيا علامة الشقاء والنقص في الحياة الآخرة.
عنايَة الشارع برعاية الأمانة والعدل:
لما كانت الحياة السعيدة وهي الآمنة المطمئنة لا تتوفر إلا في أجواء الأمن والعدل الكاملين، كانت عناية الشارع بهذين الخُلُقين كبيرةً جدًا، ففي القرآن الكريم، تذكر الأمانة في موضع منه،وأنها عامة في سائر التكاليف الشرعية، فكل شيء في حياة المؤمن أمانة يجب رعايتها "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"فالمؤمن مسئول عن قلبه لا يسمح للشيطان أن يحتله عليه فيفسده عليه ولا يخرج منه، مسئول عن بدنه بكل حواسه لأنه الآلة التي بها يعبد ربه، فإذا فرَّط في جزء منه تعطلت المهمة التي خلق لها وهى العبادة. وموضع هذه الآية المفيدة لعموم الأمانة هي قوله تعالى من سورة الأحزاب: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ .
[ ٢٣ / ٩٣ ]
كما تذكر الأمانة في موضع آخر من القرآن وأنها أحد الأسباب القوية في تطهير الروح وتزكية النفس من داء الشح ومرض الهلع. وذلك من سورة المعارج. كما ذكرت في سورة المؤمنون وأنها أحد موجبات الجنة ومقتضيات دخولها والأسباب المورثة لها. وفى السنة النبوية تصريحات خطيرة في شأن الأمانة، من ذلك قوله ﷺ. "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له" رواه أحمد وابن حبان وغيرهما وعلم عليه بالصحة في الجامع الصغير. ومعناه ظاهر، فإن الذي لا يحفل بالأمانة ولا يهتم برعايتها حتمًا سيؤدى به ذلك شيئًا فشيئًا حتى يسلب الإيمان. والعياذ بالله تعالى، لأن المعاصي بريد الكفر كما يقولون، وهو الواقع.. وكمضيع الأمانة ناكث العهد فإن نكث العهود والاستمرار على ذلك لم يبق للعبد دينًا يدين به الله تعالى، وذلك لعدم احترامه لالتزاماته مع الله ومع الناس. وما دام لم يلتزم لله بطاعة، ولا لعباده بحق، فماذا بقى له من الدين؟ وصدق رسول الله ﷺ: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له".
ومن ذلك قوله ﷺ: "أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تَخُنْ من خانك" [٢] . فإنه ﷺ لم يأذن للمؤمن أن يعاقب من خانه بخيانة مثل خيانته، وذلك خشية أن يؤدي استعمال الخيانة ولو مرة واحدة وقصاصا أيضا لا ابتداء، خشية أن يؤدي إلى أن تصبح الخيانة خلقا للمؤمن فيسلب إيمانه ويهلك.
[ ٢٣ / ٩٤ ]
هذا في الأمانة. أما ما جاء في العدل. فهو أعظم. فمن سورة الأنعام يقول تعالى في الوصايا العشر: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ فهو تعالى يأمر بالعدل في القول، وهو يتناول الأخبار، فيلتزم المؤمن في أخباره بالصدق المنافي للكذب، ويتناول الشهادات، فيلتزم المؤمن فيها بالعدل فيؤديها كما تحملها فلا يحرفها ولا ينقص فيها ولا يزيد، كما لا يخفى شيئا ولا يكتم آخر منها. ويتناول الأحكام إذ من شأنها تصدر بالقول فيلتزم الحاكم العدل في حكمه ولو حكم على نفسه أو أقرب الناس إليه.
ومن سورة (ص) ينادى تعالى عبده داود ويذكره بما مَنّ عليه به من نعمة الدولة والسلطان ويأمره بالعدل في الحكم فيقول: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .
ومن سورة الحجرات يأمر الله تعالى المؤمنين بالعدل في الصلح إذا أصلحوا بين المختصمين ويأمرهم بالعدل في الحكم ويرغبهم فيه بذكر حبه لأهله فيقول: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ .
ومن أجلَّ ما ورد في السنة في شأن العدل وفضله وفضل أهله- جعلني الله وإياكم من أهله- قوله ﷺ: "إن المقسطين عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين، هم الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا". رواه مسلم وأحمد والنسائي.
[ ٢٣ / ٩٥ ]
فأي ترغيب أعظم، وأي شرف أجل وأكبر كما هو في العدل وأهله. إن أهل الإقساط والعدل على منابر من نور، وأين؟ إنهم على يمين الرحمن، فأي كرامة أكبر من هذه الكرامة؟!
وهذا وحده كاف في الدلالة على أهمية العدل وشرفه وشرف أهله. ومن هنا قدمنا القول بأن جماع صلاح الدنيا والآخرة والسعادة فيهما، هو في أداء الأمانات، والعدل في الأحكام.
وأخيرا، من الأحكام العملية في هذا الباب أن من ائتمن على شيء ولم يفرط فيه بأيّ وجه من أوجه التفريط، ثم ضاع منه بدون رضاه. فلا يلزمُهُ أداؤه شرعًا ولا أدبًا. كما أن من أجتهد في إصابة العدل والحق وكان من أهل الاجتهاد فعلا، ثم لم يصب الحق والعدل في قوله أو حكمه أو فعله بأن أخطأ فلا إثم عليه، إذ لا يؤاخذ الله العبد إلا بفعله أو قوله الإرادي الاختياري. وفي الحديث "من اجتهد فأخطأ فله أجر اجتهاده"
--------------------------------------------------------------------------------
[١] عثمان وشيبة أبناء عم، إذ عثمان هو عثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري أسلم في الهدنة مع خالد بن الوليد وعمرو بن العاص، وأما شيبة فهو ابن عثمان بن أبي طلحة، مات عثمان بن أبي طلحة في غزوة أحد مشركا إذ كان حامل لواء المشركين فيها. وبقيت السدانة في أولاد شيبة إلى يومنا هذا
[٢] رواه أحمد وأهل السنن وهو صالح للاحتجاج.
[ ٢٣ / ٩٦ ]