فضيلة الشيخ عبد القادر السّندي
المحاضر بكلية الحديث الشريف بالجامعة
معنى الحديث
وأما معنى هذا الحديث فهو معنى واضح كما يظهر ذلك من ترجمة الباب التي عقدها الإمام النووي رحمه الله تعالى إذ قال: (باب ابتداء الخلق، وخلق آدم ﵇) أي أنه قصد رحمه الله تعالى من هذه الترجمة أن ابتداء الخلق كان يوم السبت كما في هذا الحديث لا في يوم الأحد كما زعمه من زعمه من بعض أهل التفسير والتاريخ وقد تكلم على هذا الموضوع الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تاريخه (تاريخ الأمم والملوك) وذهب إلى إن ابتداء الخلق كان يوم الأحد بناء على سياقه تلك الأسانيد الضعيفة الواهية الآتية ثم رد عليه الإمام الفقيه المحدث والمؤرخ أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن أبى الحسن الخثعمي السهيلي المولود بمدينة مالقة سنة ٥٠٨ هـ والمتوفى بمصر سنة ٥٨١ هـ في كتابه البارع النفيس الروض الأنف في تفسير ما اشتمل عليه أحاديث السيرة النبوية للإمام عبد الملك بن هشام المتوفى سنة ٢١٨هـ. وأنا أسوق تلك الأسانيد والمتون التي ساقها الإمام أبو جعفر ثم اعتمد عليها ولا يجوز الاعتماد عليها كما سوف يظهر لك جليا واضحا إن شاء الله تعالى إذ قال رحمه الله تعالى في تاريخه [١]: واختلف السلف في اليوم الذي ابتدأ الله ﷿ فيه خلق السموات والأرض، فقال بعضهم: ابتدأ في ذلك يوم الأحد ثم قال: ذكر من قال ذلك ثم ساق إسناده بقوله: حدثنا إسحاق بن شاهين، حدثنا خالد بن عبد الله، عن الشيباني، عن عون بن عبد الله بن عتبة، عن أخيه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: قال عبد الله بن سلام: أن الله ﵎ ابتدأ الخلق، فخلق الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين.
[ ٢٣ / ٢٠٨ ]
قلت: رجال هذا الإسناد كلهم ثقات ولكنه موقوف على عبد لله بن سلام رضي الله تعالى عنه وهو معروف ﵁ بروايته عن أهل الكتاب وليس في قوله هذا حجة وقد ثبت أنه روى هذا القول عن أهل الكتاب وليس هو بمرفوع كما سوف يأتي تفصيله قريبا إن شاء الله تعالى، ثم ساق أبو جعفر رحمه الله تعالى إسناده الثاني عن طريق أبا معشر السندي عن عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه بنحو ما تقدم آنفا وهذا الإسناد لا يحتج به لكونه ضعيفا ولكن المعنى قد ثبت عن طريق الإسناد المتقدم، ثم ساق إسناده الثالث عن طريق شيخه محمد بن حميد الرازي أبي حيان- وهو متهم بالكذب عن كعب الأحبار، وفيه: إن الله بدأ بخلق السماوات والأرض يوم الأحد والاثنين وهذا الإسناد لو كان صحيحا لما كان فيه حجة لما قلت بمثله في عبد الله بن سلام ﵁ وكعب الأحبار رحمه الله تعالى، أكثر رواية عن أهل الكتاب. وقد أجمع علماء التفسير على ذلك ولكن الإسناد ضعيف جدا لا يحتج بمثله.
ثم ساق الإمام أبو جعفر رحمه الله تعالى إسناده الرابع في هذا الموضع بقوله: حدثني محمد بن أبي منصور الآملي، حدثنا على بن الهيثم.- هكذا في المطبوعة- والصحيح على بن الميثم بالميم- عن المسيب بن شريك، عن أبي روق، عن الضحاك في قوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام﴾ قال من أيام الآخرة كل يوم مقداره ألف سنة ابتدأ الخلق يوم الأحد اهـ.
قلت: هذا إسناد موضوع مكذوب مختلق على الإمام الضحاك بن المزاحم الهلالي أبى القاسم الخراساني وهو من الطبقة الخامسة، وكانت وفاته بعد المائة بمدة وفي إسناد هذا المتن المقطوع على بن الميثم العوفي أحد الرافضة، قال الحافظ في لسان الميزان [٢] حكى عنه النظام قال: كنا نكلمه فيذكر ما يذهب إليه ثم ذكر الحافظ بقية الكلام وفيه أثبت أنه كان كذابا.
[ ٢٣ / ٢٠٩ ]
وفي هذا الإسناد رجل يسمى المسيب بن شريك قال الإمام الذهبي في الميزان: هو أبو سعيد التميمى الشقرى الكوفي، عن الأعمش، قال يحيى: ليس بشيء، وقال أحمد: ترك الناس حديثه، وقال البخاري سكتوا عنه، وقال مسلم وجماعة: متروك، وقال الدارقطني: ضعيف ثم ذكر بقية الجرح.
قلت: لا يصلح للاعتبار والشواهد، والمتابعات فضلا أن يكون حجة والله تعالى أعلم.
ثم ساق أبو جعفر رحمه الله تعالى إسناده الخامس بقوله: حدثنى المثنى، حدثنا الحجاج. حدثنا أبو عوانة. عن أبي بشر، عن مجاهد قال: بدأ الخلق يوم الأحد.
قلت: المثنى فما هذا الإسناد هو المثنى بن إبراهيم الآملى ولم أجد له ترجمة في المراجع التي بين يدي والغالب على الظن أنه مجهول ولو كان الإسناد صحيحا لما كان فيه حجة لأنه كلام مقطوع من قول مجاهد بن جبر المكي رحمه الله تعالى وقد خالف قوله هذا نص صحيح مرفوع عن رسول الله ﷺ كما سوف يأتي قريبا.
وأثر مجاهد السابق أخرجه الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تفسيره [٣] وهو برقم ١٤٧٧٣ وقال في تفسيره بعد سياق الإسناد عن مجاهد رحمه الله تعالى بدأ خلق العرش والماء، والهواء، وخلقت الأرض من الماء، وكان بدأ الخلق يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وجميع الخلق في يوم الجمعة وتهودت اليهود يوم السبت ويوم من الستة الأيام كألف سنة مما تعدون ثم استوى على العرش اهـ. هكذا ساق الإسناد والمتن في التفسير عن مجاهد بن جبر المكي يرحمه الله تعالى وكان من الواجب عليه رحمه الله تعالى أن يسوق الإسناد والمتن المرفوع الصحيح الذي ساقه في تاريخه وهو إسناد صحيح ومتن مرفوع عن طريق شيخيه القاسم بن بشر بن معروف، والحسين بن علي الصدائي كما سوف يأتي قريبا وقد مضى في تخريج الحديث سابقا.
[ ٢٣ / ٢١٠ ]
والجواب عن هذا الإسناد الأخير مع صحة إسناده إلى مجاهد بن جبر المكي رحمه الله تعالى بأنه متن مقطوع ولو كان موقوفا صحيح الإسناد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لم تكن فيه حجة البتة لثبوت حديث صحيح أخرجه مسلم في صحيحه والإمام أحمد في مسنده والبيهقي في الأسماء والصفات والنسائي في السنن الكبرى وابن مردويه في تفسيره وابن جرير الطبري في تاريخه وهو ينص على أن ابتداء الخلق كان في يوم السبت كما يأتي تفصيله إن شاء الله تعالى.
فأما الخبر عنه بتحقيق ما قال القائلون كان ابتدأ الخلق يوم الأحد فما حدثنا به هناد بن السري، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي سعد البقال عن عكرمة، عن ابن عباس، قال هناد: وقرأت سائر الحديث أن اليهود أتت النبي ﷺ فسألته عن خلق السماوات والأرض فقال: خلق الله الأرض يوم الأحد والاثنين أه.
قلت: الإسناد الأول الذي ساقه عن محمد بن إسحاق عن طريق محمد بن حميد الرازي أبى حيان وهو متهم بالكذب وقد مضى الكلام فيه ولا يثبت بمثل هذا الإسناد شيء الا إنما اسند إلى ابن إسحاق من قوله من ابتداء الخلق عند أهل التوراة وأهل الإنجيل، وأهل الإسلام فهو ثابت عنه رحمه الله تعالى وقد حذفه الإمام العلامة ابن هشام المعافري عند اختصاره سيرة ابن إسحاق وقد أثبته الإمام المحدث الشيخ أبو القاسم عبد الرحمن السهيلي في الروض الأنف وهو شرحه لأحاديث سيرة ابن هشام المختصرة كما يأتي ذلك مفصلا إن شاء الله تعالى في موضعه.
[ ٢٣ / ٢١١ ]
وأما سياق الإسناد الذي ساقه الإمام أبو جعفر الطبري عن طريق شيخه هناد بن السري التميمي، والذي فيه إن ابتداء الخلق كان يوم الأحد والاثنين فهو إسناد ضعيف جدا ولا يحتج بمثله- ولا يصلح للاعتبار فضلا أن يكون حجة لأن في إسناده راويين ضعيفين وهما أبو بكر بن عياش الكوفي المقرئ قال الإمام الذهبي في الميزان [٤] قال أبو نعيم: لم يكن في شيوخنا أحد أكثر غلطا منه، وكان يحيى بن سعيد لا يعبأ به إذا ذكر عنده كلح وجهه، وقال الإمام أحمد: كثير الغلط جدا وفي إسناد هذا الخبر أبو سعد البقال وهو سعيد ابن مرزبان العبسي مولاهم أبو سعد البقال الكوفي الأعور ضعيف مدلس، قال الإمام الذهبي في الميزان [٥]: كوفي مشهور تركه الفلاس، وقال ابن معين: لا يكتب حديثه، وقال أبو زرعة: صدوق مدلس، وقال البخاري منكر الحديث.
[ ٢٣ / ٢١٢ ]
قلت: هذا الإسناد الذي ساقه الإمام محمد بن جرير الطبري في تاريخه لا يحتج به لو كان منفردا فكيف إذا عارضه حديث صحيح أخرجه مسلم والإمام أحمد في مسنده وابن جرير الطبري في تاريخه بإسناد صحيح. ثم قال أبو جعفر: وأما الخبر عنه بتحقيق ما قاله القائلون من أن ابتداء الخلق كان يوم السبت فما حدثني به القاسم بن بشر بن معروف، والحسين بن على الصدائي قالا: حدثنا حجاح قال: ابن جريج أخبرنا إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أبى هريرة قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي ثم ذكر الحديث الذي أنا بصدد الكلام حوله، ثم قال أبو جعفر رحمه الله تعالى -في نهاية هذا الحديث الصحيح إسنادا ومتنا-: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: اليوم الذي ابتدأ الله تعالى ذكره فيه خلق السماوات والأرض يوم الأحد لإجماع السلف من أهل العلم على ذلك، فأما ما قال ابن إسحاق في ذلك فإنه إنما استدل بزعمه على أن ذلك كذلك؛ لأن الله عز ذكره فرغ من خلق جميع خلقه يوم الجمعة وذلك يوم السابع وفيه استوى على العرش وجعل ذلك اليوم عيدا للمسلمين، ودليله على ما زعم أنه استدل به على صحة قوله، فيما حكينا عنه من ذلك، هو الدليل على خطئه فيه؛ وذلك أن الله تعالى أخبر عباده في غير موضع من تنزيله أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم ذكر الإمام أبو جعفر هذه الآيات القرآنية التي نصت على أن الله تعالى خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام اه.
[ ٢٣ / ٢١٣ ]
قلت: وكان من الواجب على الإمام أبى جعفر رحمه الله تعالى أن يقارن بين هذه الأسانيد التي ساقها في ترجيح أحد القولين في ضوء صحة هذه الأسانيد، وإلا لم يكن لسياقه هذا لتلك الأسانيد الكثيرة كبير فائدة، مادام ذهب أخيرا إلى تركها كليا؛ لأن القرآن يعارضها وكان يكفي له رحمه الله تعالى في أول القول أنها معارضة بآيات القرآن الكريم كما فصل أخيرا دون أن ينظر نظرته العلمية في ترجيح هذه الأسانيد صحة وضعفا، ومن هنا قد تصدى له في الرد عليه الإمام العلامة الحافظة عبد الرحمن السهيلي في الروض الأنف [٦] إذ قال رحمه الله تعالى (قال المؤلف) أي ابن إسحاق: وكان اليهود إنما اختاروا السبت لأنهم اعتقدوه اليوم السابع ثم زادوا في كفرهم، أن الله استراح فيه -تعالى الله عن قولهم-، لأن بدأ الخلق عندهم الأحد، وآخر الستة الأيام التي خلق الله فيها الخلق الجمعة وهو أيضا مذهب النصارى، فاختاروا الأحد لأنه أول الأيام في زعمهم وقد شهد الرسول ﷺ للفريقين بإضلال اليوم وقال في صحيح مسلم: أن الله خلق التربة يوم السبت، فبين- الرسول ﷺ في هذا الحديث- أن أول الأيام التي خلق الله فيها الخلق السبت، وآخر الأيام الستة الخميس وكذلك قال ابن إسحاق فيما ذكر عنه الطبري اه.
[ ٢٣ / ٢١٤ ]
قلت: هكذا رد العلامة السهيلي على القائلين بأن الأحد هو الأول من الأيام التي وقع فيه الخلق مستدلا من هذا الحديث الذي أنا بصدد الكلام حوله، وعليه اعتمد ابن إسحاق في قوله وغيره من أصحاب الحديث والتاريخ والسير. ثم قال العلامة السهيلي في الروض [٧]: في تسمية هذه الأيام بالاثنين إلى الخميس ما يشد قول من قال أن أول الأسبوع الأحد وسابعها السبت كما قال أهل الكتاب، ليس الأمر كذلك؛ لأنها تسمية طارئة وإنما كانت أسماءها في اللغة القديمة شيار، داول، واهون، ذجبار، ددبار، ومونس، والعروبة، وأسماءها بالسريانية قبل هذا أبو جاد، هو، زحطى، إلى آخرها، ولو كان الله تعالى ذكرها في القرآن بهذه الأسماء المشتقة من العدد لقلنا هي تسمية صادقة على المسمى به، ولكنه لم يذكر فيها إلا الجمعة والسبت وليسا من المشتقة من العدد، ولم يسمها رسول الله ﷺ بالأحد والاثنين إلى سائرها إلا حاكيا للغة قومه لا مبتدئا لتسميتها، ولعل قومه إن يكونوا قد أخذوا معاني هذه الأسماء من أهل الكتاب المجاورين لهم، فالفوا عليها هذه الأسماء أتباعا لهم، وإلا فقد قدمنا ما ورد في الصحيح من قوله ﵊ إن الله خلق التربة يوم السبت، والجبال يوم الأحد الحديث. والعجب من الطبري على تبحره في العلم كيف خالف مقتضى هذا الحديث، واعنف في الرد على ابن إسحاق وغيره، ومال إلى قول اليهود في أن الأحد هو الأول ويوم الجمعة السادس لا وتر، وإنما الوتر في قولهم يوم السبت مع ما ثبت من قوله ﵊ أضلته اليهود والنصارى وهداكم الله إليه وما احتج به الطبري من حديث آخر فليس في الصحة كالذي قدمناه اهـ.
[ ٢٣ / ٢١٥ ]
قلت: هكذا رد العلامة السهيلي على الإمام أبى جعفر الطبري مع تبحره في العلم على ترجيحه بلا مرجح، وذهابه إلى قول اليهود والنصارى وتركه هذه السنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ التي ساق إسنادها عن طريق شيخيه القاسم بن بشر بن المعروف والحسين بن على بن يزيد الصدائي وكلاهما معروف بالعدالة والضبط. وأما تعارض هذا الحديث أعني حديث أبى هريرة رضي الله تعالى عنه بنص القرآن الكريم الوارد في سبع مواضع في كتاب الله تعالى فسوف يأتي الكلام حوله عند الكلام على معنى خلق آدم ﵊ الذي ورد ذكره في هذا الحديث الشريف وأن خلقه قد تأخر عن خلق السماوات والأرض وما بينهما بآلاف السنين وليس هناك تعارض البتة كما يأتي مفصلًا.
وقال العلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي رحمه الله تعالى في الأنوار الكاشفة [٨] في الرد على أبي رية:
أما الوجه الثالث فالآثار القائلة إن ابتداء الخلق يوم الأحد ما كان منها مرفوعا فهو أضعف من هذا الحديث بكثير- أي حديث أبى هريرة الذي أنا بصدد الكلام حوله والذي أخرجه مسلم وغيره- وأما غير المرفوع فعامته من قول عبد الله بن سلام، وكعب ووهب ومن يأخذ عن الاسرائيليات اهـ.
قلت: وقد بحثت هذه الأسانيد التي أشار إليها العلامة المعلمي رحمه الله تعالى، فإن الأمر كما ذكر رحمه الله تعالى بل أشد وأعظم مما ذكر ثم قال رحمه الله تعالى: وتسمية الأيام كانت قبل الإسلام تقليدا لأهل الكتاب، فجاء الإسلام وقد اشتهرت، وانتشرت فلم ير ضرورة إلى تغييرها، لأن إقرار الأسماء التي قد عرفت واشتهرت، وانتشرت لا يعد اعترافا بمناسبتها لما أخذت فيه أو بينت عليه، إذ قد أصبحت لا تدل على ذلك، وإنما تدل على مسمياتها فحسب، ولأن القضية ليست مما يجب اعتقاده أو يتعلق به نفسه حكم شرعي فلم تستحق أن يحتاط لها بتغيير ما اشتهر وانتشر من تسمية الأيام اهـ.
[ ٢٣ / ٢١٦ ]
ثم قال رحمه الله تعالى: إن هذا ذكره السهيلي في الحوض الأنف وهو كما قال رحمه الله تعالى، وكلامه كما ترى وجيه سديد. وهنا اكتفى بالكلام حول الجزء الأول على معنى الحديث وقد ثبت بهذا أن ابتداء الخلق كان يوم السبت كما في هذا الحديث الصحيح.
وأما الكلام حول الجزء الثاني من معنى هذا الحديث فهو خلق آدم ﵇ ثم عدم ورود ذكر خلق السماوات في الحديث لفظا فإني أفرد الكلام حوله مبتدءً على خلق آدم ﵊ وأنه خلق متأخر عن خلق السموات والأرض بآلاف السنين ثم جمع في هذا الحديث بين الخلقين المتقدم والمتأخر، ومن هنا ظهر التعارض الظاهري بين القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف الذي تكلم عليه تخريجا وإسنادا.
وإلى هذا المعنى الواضح البين أشار الإمام أبو عبد الله الحاكم في مستدركه.
متى كان خلق آدم
[ ٢٣ / ٢١٧ ]
أخرج الحاكم أبو عبد الله في مستدركه [٩] حديثا بإسناده الصحيح، إذ قال رحمه الله تعالى: أخبرني عبد الله بن موسى الصيدلاني، ثنا إسماعيل بن قتيبه، ثنا أبو بكر بن أبى شيبة، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن بكر، بن الأخنس، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄ قال: لقد أخرج الله آدم من الجنة قبل أن يدخلها أحد، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ وقد كان فيها قبل أن يخلق- آدم- بألفي عام الجن بنو الجان، فأفسدوا في الأرض، وسفكوا الدماء، فلما قال الله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ يعنون الجن بني الجان، فلما افسدوا في الأرض بعث عليهم جنودا من الملائكة فضربوهم حتى ألحقوهم بجزائر البحور، قال: فقالت الملائكة: أتجعل فيها من يفسد فيها كما فعل أولئك الجن بنو الجان؟ قال: فقال الله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ثم قال الحاكم -مبينا درجة إسناد هذا الحديث-: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الإمام الذهبي في التلخيص: صحيح وعزاه السيوطي في الدر المنثور [١٠] إلى الحاكم في المستدرك وصححه ثم ذكر الحديث بطوله.
[ ٢٣ / ٢١٨ ]
والشاهد في هذا الحديث هو أن آدم ﵊ لم يكن خلقه داخلا في الأيام الستة المذكورة في القرآن الكريم وإن خلقه قد تأخر عن خلق السماوات والأرض مدة طويلة، كما في هذا الحديث الصحيح الذي أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه، وابن أبى حاتم في تفسيره ونقله ابن كثير في تفسيره [١١] بإسناد ابن أبى حاتم، وفيه خطأ في إسناده في النسخة المطبوعة، وهو بعد ذكر الإسناد يقول عن مجاهد عن عبد الله بن عمر وهذا خطأ مطبعي وقع في جميع نسخ ابن كثير المطبوعة والصحيح عن مجاهد عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما وإن كان قد ثبت سماع مجاهد عن العبادلة الأربعة إلا أن هذا الإسناد الذي ساقه ابن كثير عن تفسير ابن أبى حاتم وهو مخطوط لا يصح السماع عن طريقه عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما والله أعلم بالصواب. ولهذا يقول العلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في "الأنوار الكاشفة" [١٢]: ويجاب عن الوجه الثاني بأنه ليس في هذا الحديث أنه خلق في اليوم السابع غير آدم، وليس في القرآن ما يدل أن خلق آدم كان في الأيام الستة ولا في القرآن ولا السنة ولا المعقول أن خالقية الله ﷿ وقفت بعد الأيام الستة، بل هذا معلوم البطلان، وفي آيات خلق أدم في أوائل البقرة وبعض الآثار ما يؤخذ منه أنه قد كان في الأرض عمار قبل آدم عاشوا فيها دهرا، فهذا يساعد القول بأن خلق آدم متأخر بمدة عن خلق السماوات والأرض. فتدّبر الآيات والحديث على ضوء هذا البيان يتضح لك إن شاء الله تعالى أن دعوة مخالفة هذا الحديث لظاهر القرآن قد اندفعت ولله الحمد اهـ.
[ ٢٣ / ٢١٩ ]
قلت: وقد نص القرآن الكريم على تأخير خلق آدم ﵊ كما في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ والشاهد في هذه الآية الكريمة أن الله تعالى أخر خلق آدم ﵊ عن خلق الملائكة كما في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المتقدم والذي أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه، وابن أبى حاتم في تفسيره كما نقله الإمام ابن كثير وإلى هذا المعنى يشير قوله جل وعلا في سورة الرحمن ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .
قال العلامة الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره [١٣] حدثنا أبو كريب قال ثنا عبيد الله بن موسى، عن أبى حمزة الثمالي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن الله خلق لوحا محفوظا من درة بيضاء، دفتاه ياقوتة حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، عرضه ما بين السماء والأرض، ينظر فيه كل يوم ثلاث مائة وستين نظرة يخلق بكل نطرة، ويحيا ويميت، ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء.
وقد أورده الإمام ابن كثير في تفسيره [١٤] وسكت عن بيان درجة إسناده.
[ ٢٣ / ٢٢٠ ]
قلت: وفي إسناده أبو حمزة الثمالي واسمه ثابت بن أبى صفية الثمالي بضم المثلثة، قال الحافظ في التقريب [١٥]: كوفي ضعيف رافضي من الخامسة، مات في خلافة أبي جعفر ورمز له بأنه من رجال أبى داود في السنن وابن ماجة، والشاهد في هذه الرواية الضعيفة التي هي تصلح للاستشهاد هو معنى كل يوم هو في شأن أي: يخلق، ولهذه الهواية الموقوفة التي لها حكم الرفع لو صح إسنادها شاهد قوي أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره وذلك من مرسل قتادة بن دعامة السدوسي إذ قال ابن جرير الطبري حدثنا ابن بشار قال: ثنا مروان، قال ثنا أبو العوام، عن قتادة ﴿يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن﴾ قال: يخلق خلقا، ويميت ميتا، ويحدث أمرا.. هذا الإسناد رجاله كلهم ثقات يحتج بهم وقد ثبت بذلك هذا المعنى أي أنه يخلق كل يوم ويميت ويحدث الأمر، ويوم السبت داخل في الأيام التي يخلق فيها الرب ﷾ خلقه فلو كان الأحد هو أول الأيام التي ابتدأ الله فيها الخلق لكان قول اليهود والنصارى صادقا كما سبق الرد عليه من قبل العلامة السهيلي على الطبري. ومع أن تلك الأسانيد التي ساقها الإمام أبو جعفر وفيها أن الأحد هو أول الأيام الستة هي موضوعة ومنكرة كما مضى تحقيقه وبيانه في الكلام على إسناد حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
وأما قول الشيخ عبد القادر القرشي في الجواهر المضية في طبقات الحنفية [١٦] وقد روى مسلم أيضا خلق الله التربة يوم السبت، واتفق الناس على أن يوم السبت لم يقع فيه خلق وأن ابتداء الخلق يوم الأحد.
[ ٢٣ / ٢٢١ ]
فقلت: لم أقف على هذا الاتفاق الذي أشار إليه العلامة القرشي رحمه الله تعالى وإنما هو قول للعلامة أبي جعفر الطبري في تاريخه ولم ينقل الاتفاق وكان يرد بذلك على الإمام محمد بن إسحاق صاحب السيرة القائل بأن ابتداء الخلق كان في يوم السبت وقد أيده العلامة السهيلي في الروض الأنف كما مضى، ورد على ابن جرير الطبري ردا علميا ونقله العلامة المعلمي في الأنوار الكاشفة وأيده بالأدلة العقلية والنقلية كما مضى أنفا. وخالفهم الإمام العلامة الحافظ ابن القيم في المنار المنيف [١٧] إذ قال رحمه الله تعالى: ويشبه هذا ما وقع فيه الغلط من حديث أبي هريرة، ثم ذكر الحديث، ثم قال وهو في صحيح مسلم ولكن وقع الغلطة في رفعه، وإنما هو من قول كعب الأحبار كذلك قال إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري في تاريخه الكبير. وقال غيره من علماء المسلمين أيضا وهو كما قالوا لأن الله أخبر أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وهذا الحديث يقتضي أن مدة التخليق سبعة أيام والله تعالى أعلم. اهـ.
وهكذا نقل الإمام ابن كثير في تفسيره ثم ذهب إلى تضعيف الحديث، وأمانة العلم تقتضي نقل كلام أهل العلم هنا في هذا الموضع، وإني مع ضعف إدراكي وقلة بصيرتي وحيلتي أطمئن إلى ما قاله الإمام البيهقي في الأسماء والصفات والعلامة ابن إسحاق صاحب السيرة والسهيلي في الحوض الأنف وأخيرا العلامة عبد الرحيم بن يحي المعلمي في الأنوار الكاشفة، وأزال التعارض الظاهري الواقع بين الحديث ونص القرآن الكريم. وما ذكره الشيخ عبد القادر القرشي من الاتفاق فغير موجود، بل نصُّ القرآن الكريم يخالف هذا الاتفاق إن وجد ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ كما سبق تفسيره عن ابن عباس وقتادة رضي الله تعالى عنهما. وأما ما نقله الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى عن الإمام البخاري رحمه الله تعالى- عن أبو هريرة عن كعب وهو أصح.
[ ٢٣ / ٢٢٢ ]
قلت: وقد ثبت عن كعب الأحبار أن ابتداء الخلق كان يوم الأحد كما سبق بيانه وفي هذا الحديث الذي أخرجه مسلم لو كان ما ذكره الإمام البخاري في تاريخه صحيحا لكان التعارض واقعا بين قولي كعب الأحبار كما لا يخفى فما هو الراجح.
وقال الشيخ أحمد عبد الرحمن الساعاتي في الفتح الرباني [١٨] بعد إيراده حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: وقوله يوم السبت فيه رد زعم اليهود أنه ابتدأ في خلق العالم يوم الأحد وفرغ يوم الجمعة، واستراح السبت، قالوا: ونحن نستريح فيه كما استراح الرب. وهذا من جملة غباوتهم، وجهلهم، إذ التعب لا يتصور إلا على حادث. قال تعالى ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ثم ذكر تخريج الحديث. وأورد في الحديث الساعاتي في نفس المجلد [١٩] وأحال على الصفحة الثامنة من هذا المجلد.
والمقصود من هذا النقل هو بيان ما وقعت فيه شبهة التعارض بين نص القرآن الكريم وبين حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه الذي صححه الحفاظ والنقاد، كمسلم، ويحيى ابن معين، والدولابي، والبيهقي، والثقفي وابن مندة، كما نقل هذا التصحيح فضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في صحيح الجامع الصغير [٢٠] ويقول أنه تكلم على هذا الحديث في الأحاديث الصحيحة برقم ١٨٣٣ وهذا الجزء لم يطبع حتى الآن، ولما جمع حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في متنه التخليقين في وقتين متغايرين ظهر التعارض الظاهر وإلاّ فليس هناك تعارض البتة كما قيل ونقل أنفا.
لماذا لم يرد ذكر خلق السماوات في الحديث؟
[ ٢٣ / ٢٢٣ ]
ولما لم يرد ذكر خلق السماوات في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أثار الإشكال في بعض الأذهان مع بقية التعارض الظاهري. قال الإمام المناوي في فيض القدير [٢١] وقال بعضهم: هذا الحديث في متنه غرابة شديدة، فمن ذلك أنه ليس فيه ذكر خلق السماوات، ثم ذكر بقية الكلام، وهكذا نقل عنه الشيخ أَحمد الساعاتي في الفتح الرباني [٢٢] أجاب عن هذا الإشكال العلامة المعلمي في الأنوار الكاشفة [٢٣]، إذ قال رحمه الله تعالى أما الوجه الأول فيجاب عنه بأن الحديث وإن لم ينص على خلق السماء فقد أشار إليه بذكره في اليوم الخامس النور، وفي السادس الدواب، وحياة الدواب محتاجة إلى الحرارة، والنور والحرارة مصدرهما الإجرام السماوية. والذي فيه أن خلق الأرض نفسها كان في أربعة أيام كما في القرآن، والقرآن إذ ذكر خلق الأرض في أربعة أيام، لم يذكر ما يدل أن من جملة ذلك خلق النور والدواب، وإذ ذكر خلق السماء في يومين لم يذكر ما يدل أنه في أثناء ذلك لم يحدث في الأرض شيئا، والمعقول أنها بعد تمام خلقها أخذت في الخطور بما أودعه الله تعالى فيها، والله ﷾ لا يشغله شأن عن شأن اهـ.
قلت: هذا الذي ذكره لم يعزه إلى النقل الصحيح من الكتاب والسنة أو إجماع الأمة أو إلى مصادر أخرى ينبغي الاعتماد عليها. وأنا قد سألت عن هذا الموضوع بعض من يدرس العلوم الكيماوية والجيولوجية فقال: أن الأمر لصحيح مائة في المائة وقد تكلم على هذا الموضوع كلاما طويلا، ولكن البحث في حاجة إلى التدقيق والتحقيق العلمي والله تعالى أعلم بالصواب.
خلق آدم في يوم الجمعة
[ ٢٣ / ٢٢٤ ]
ثم تعرض حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في آخر ألفاظه لخلق آدم ﵊، كما قال الإمام النووي عند عقده الباب على هذا الحديث في شرحه على مسلم إذ قال رحمه الله تعالى: "باب ابتداء الخلق"، وخلق آدم ﵇، وجاء في هذا الحديث أن آدم خلقه الله تعالى يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل. وفي هذا اللفظ إشارة واضحة إلى تأخير خلق آدم ﵊ عن خلق السماوات والأرض- في أخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة، كما في حديث ابن عباس الذي أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه، وكذا ابن أبي حاتم في تفسيره وأشار إلى هذا المعنى الواضح، نص القرآن الكريم في سورة البقرة كما مضى بيانه وإيضاحه وتحقيقه، ولهذا المعنى الوارد في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه شواهد كثيرة وهي صحيحة. وإني أحب إيرادها في هذا المقام لكي يتضح المعنى ويرفع الغبار وينجلي الشك.
[ ٢٣ / ٢٢٥ ]
فقد أخرج مسلم في الصحيح وأبو داود في السنن، وابن أبي حاتم وابن مردويه في تفسيريهما وكذا بن المنذر -كلهم- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة؛ فيه خلق الله آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أهبط عنها، وفيه مات، وفيه تيب عليه، وفيه تقوم الساعة" وقد تعرض لهذا الموضوع الحافظ في الفتح [٢٤]: واثبت خلق آدم ﵊ يوم الجمعة بروايات عديدة، وآثار كثيرة وأخرجه ابن جرير الطبري في تاريخه [٢٥] بإسناد صحيح، وقد أخرج الإمام أحمد في مسنده هذا المعنى بإسناد صحيح في مواضع عديدة [٢٦]؛ وذلك في مسند أبي ريبة رضي الله تعالى عنه، وقد أخرج هذا المعنى أيضا الإمام أحمد في مسنده [٢٧] بإسناد حسن، وذلك في مسند أبي لبابة بن المنذر البدري رضي الله تعالى عنه إذ قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، قال: ثنا زهير يعني ابن محمد، عن عبد الله ابن محمد بن عقيل، عن عبد الرحمن بن يزيد الأنصاري، عن أبى لبابة البدري بن المنذر، إن رسول الله ﷺ قال: "سيد الأيام يوم الجمعة، وأعظمها عنده، وأعظم عند الله ﷿ من يوم الفطر، ويوم الأضحى، وفيه خمس خلال، خلق الله فيه آدم وأهبط الله فيه آدم إلى الأرض "، ثم ذكر الحديث بطوله، وأخرجه ابن جرير الطبري في تاريخه من هذا الوجه [٢٨]، وأخرج أيضا هذا المعنى بإسناد صحيح [٢٩] وذلك في مسند أوس ابن أبي أوس الثقفي وهو أوس بن حذيفة رضي الله تعالى عنه، وفيه: "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة فأكثروا علّي من الصلاة"، وقد عزا الإمام السيوطي في الدر المنثور [٣٠] هذا الحديث إلى ابن أبي شيبة، وأحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة والدارمي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم في المستدرك.
[ ٢٣ / ٢٢٦ ]
قلت: وأخرجه أيضا القاضي الإمام إسماعيل بن إسحاق المتوفى سنة ٢٨٢ هـ في رسالته فضل الصلاة على النبي ﷺ [٣١] حديث رقم ٢٢ وهذه هي الشواهد الكثيرة التي فيها أن الله خلق آدم ﵊ يوم الجمعة، وهي تؤيد معنى حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه الذي أنا بصدد الكلام حوله، والدفاع عن صحة إسناده، والرد على الشيخ أبي رية وغيره من أهل العصر الذين يتكلمون في مثل هذه المواضيع بدون علم ولا فقه، ثم يطعنون في السنة النبوية كلها، مع بعدهم عن حقائق هذه الدراسة الإسنادية والتخريجية؛ ومن هنا كان كلامه واتهامه لأبي هريرة رضي الله تعالى عنه في وضع هذا الحديث من تلقاء نفسه دون أن يكون هناك صدق مما أخبر به الله تعالى عنه في زعم أبي هريرة، ولذا يقول العلامة المعلمي رادًّا عليه في هذا الاتهام: أقول: لم يقع شيخنا رضي الله تعالى عنه في هوة ولا قال أحد من أهل العلم أنه وقع فيها، أما إذا بنينا على صحة الحديث عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ وهو الحق -إن شاء الله تعالى- فواضح. وأما على ما زعمه ابن المديني فلم يصح عن أبي هريرة ولا عمن روي عنه ولا عن الثالث شيء من هذا، قوله أخذ رسول الله بيدي فقال: "خلق الله التربة"، وأما على حدس البخاري، فحاصله أن أيوب غلط، وقع له عن أبي هريرة خبران أحدهما أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: فذكر حديثا صحيحا غير هذا والثاني قال كعب: خلق الله التربة يوم السبت فالتبس المقولان على أيوب فجعل مقول كعب موضع مقول رسول الله ﷺ وقد تقدم اهـ.
[ ٢٣ / ٢٢٧ ]
قلت: هكذا العلم والتحقيق، وأما اتهامكم أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بالكذب قبل دراسة أحوال الرواة وظروفهم فهذا الشيء ينبئ عن عداوة شنيعة قبيحة في القلب، والله تعالى أعلم بها، وأما الجهل بحقيقة الحال أو وجود كلا الأمرين في الرجل، فالله تعالى أعلم به، وإني مع هذه النقول الكثيرة وقلة الإطلاع على ما قاله السلف في هذا الموضوع لا ادعي الصواب فيما نقلته واعتقدته من صحة هذا الحديث إسنادا ومتنا، وواقعة ولي حق أن أطمئن إلى أحد الطرفين في ضوء الحجة، فإني أدين الله تعالى بما ذهب إليه جملة كبيرة من أهل التحقيق والعلم من صحة هذا الإسناد والله تعالى أعلم بالصواب وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى أله وصحبه أجمعين.
العلم.. والمثل العليا
إن الفصل بين الواقع الإنساني والمثل العليا، مهد للعلم المنشق عن الدين أن يزعم أنه يتعامل مع الموجود المادي الملموس، أي أنه لا يتعامل مع غايات الحياة وأهدافها ومقاصدها الرفيعة، وهكذا نجد أن كلّ نقد يوجه للدين الجزئي يمكن أن يوجه للعلم الجزئي كذلك، فالدين الذي يتجاهل الواقع البشري ويتعامى عن مشكلاته يتطابق مع العلم الذي يتعامى عن العقائد والمثل العليا ويفصلها عن الحياة. فإذا كان الأول يتجاهل الحياة الواقعية القائمة ويتجاهل خبرات الإنسان نفسها، فإن العلم القاصر عن المثل العليا يهبط إلى المادي الملموس والمسموع والمنظور، مجردًا من القيم الإنسانية، ويصبح سلعة تكنولوجيا يمكن لأي شخص أن يشتريها لأي غرض، ويصبح العلماء مرتزقة يتكسبون بالعلم في أي مكان، كما حدث لعلماء الإيمان الذي عملوا للأهداف النازية والشيوعية والأمريكية.
[ ٢٣ / ٢٢٨ ]
لقد علمتنا العقود الأخيرة القليلة بأن العلم قد يصبح خطرًا يهدد مقاصد الإنسان العليا، وأن العلماء قد يصبحون وحوشا طالما أن العلم أصبح كلعبة الشطرنج، متعسفًا لا هدف له، غايته الوحيدة اكتشاف الوجود المحسوس. وبذلك ارتكب العلم الخطأ الفادح المصيري الذي يقصي أسمىَ الخبرات الذاتية من ميدان الوجود القابل للاكتشاف.
المجلة الإسلامية المغربية
--------------------------------------------------------------------------------
[١] تاريخ الطبري ١/٢٢-٢٤
[٢] لسان الميزان ١/٢٦٥
[٣] تفسير الطبري: ١٢/٤٨٢
[٤] الميزان،٤/ ٤٩٩-٥٠٣
[٥] الميزان، ٢/١٥٧-١٥٨.
[٦] الروض الأنف، ٢/٢٧٠.
[٧] الروض الأنف، ٢/٢٧١.
[٨] الأنوار الكاشفة، ص١٩١
[٩] المستدرك، ٢/٢٦١.
[١٠] الدر المنثور،١/٤٤-٤٥.
[١١] تفسير ابن كثير، ١/١٢٣.
[١٢] الأنوار الكاشفة،١٩٠.
[١٣] تفسير الطبري، ٢٧/ ١٣٥.
[١٤] تفسير ابن كثير،٦/ ٤٩١.
[١٥] التقريب،١/١١٦.
[١٦] جواهر المنية في طبقات الحنفية، ٢/٤٢٩.
[١٧] المنار المنيف، ص٨٤.فصل١٩.
[١٨] الفتح الرباني،٨/٢٠.
[١٩] الفتح الرباني،٢٨/٢٠.
[٢٠] صحيح الجامع الصغير،٣/ ١١٣.
[٢١] فيض القدير، ٣/٤٤٨.
[٢٢] الفتح الرباني،٨/٣٠.
[٢٣] الأنوار الكاشفة، ١٩٠.
[٢٤] فتح الباري، ٣/٣٥٦.
[٢٥] تاريخ الطبري، ١/٥٨.
[٢٦] مسند الإمام أحمد بن حنبل، ٢/٤١٨. ٢/٤٨٦. ٢/٥٠٤. ٢/٥١٢. ٢/٥٤٠.
[٢٧] مسند الإمام أحمد بن حنبل، ٣/٤٣٠.
[٢٨] تاريخ الطبري، ١/٥٦.
[٢٩] تاريخ الطبري، ٤/٨٥.
[٣٠] الدر المنثور، ٦/٢٢٦.
[٣١] فضل الصلاة على النبي، ص ١١.
[ ٢٣ / ٢٢٩ ]