لفضيلة الشيخ أبو بكر الجزائري
رئيس قسم التفسير بالجامعة
قوله تعالى:
﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ .
بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
وبعد فقد يحسن أن يقدم بين يدي شرح هذه الآيات القرآنية المباركة شرحُ مفرداتها أولا، ثم شرح جملها وتراكيبها، ليكون ذلك عونًا للقارئ على فهم مراد الله تعالى من هذه الآية الكريمة.
شرح المفردات:
١- أمنتم: حصل لكم الأمن وهو عدم الخوف من عَدْوٍّ أو مرض.
٢- تَمتّعَ بالعمرة إلى الحج: أحرم بالعمرة في أشهر الحج فلما أداها تحلل من إحرامه فتمتع بما كان محظورًا عليه بسبب الإحرام من لبس الثياب، وتغطية الرأس، ومس الطيب ومباشرة النساء.
٣- العمرة: زيارة بيت الله تعالى للطواف به والسعي بين الصفا والمروة.
٤- الحج: زيارة بيت الله تعالى لأداء أنواع من العبادات تسمى مناسك، وهي الطواف، والسعي، والوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمرات، والنحر، والحلق، والمبيت بمنى ثلاث ليال، وطواف الوداع.
٥- استيسر: تهيّأ وسهل بدون كلفة ولا مشقة.
٦- الهدي: ما يهدى إلى البيت من الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم.
٧- حاضري المسجد الحرام: مقيمين ساكنين بالمسجد الحرام، وهو الحرم كلّه بحدوده المعروفة غربا وشرقا وشمالا وجنوبا.
معنى الآية:
[ ٢٢ / ١٨٥ ]
لمَّا ذكر تعالى حكم الإحصار وهو أن يُمنَع الحاجُّ من دخول الحرم بسبب عدوٍّ حال بينه وبين دخول مكة للأداء المناسك، أو بسبب مرض كذلك، قياسًا على المنع بالعدو، فيذبح أو ينحر ما تيسر له نحره أو ذبحه، ويتحلل من إحرامه ويعود إلى أهله، ولا شيء عليه بعد ذلك.
وكذلك ذكر حكم من مرض وهو محرم فاضطرَّ إلى تغطية رأسه، أو لبس ثيابه، أو حلق شعره لأذى في رأسه، وهو أنه يفعل ما اضطر إليه، ويفدي، والفدية واحدة من ثلاث: صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاه.
لما ذكر تعالى هذين الحكمين" حكم الإحصار، وحكم المرض عقَّب على ذلك بحكم التمتع، فقال ﷿: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ الآية.
يريد تعالى أن على المسلم إذا أحرم بالعمرة في أشهر الحج: شوال أو القعدة أو العشر الليالي الأول من شهر الحجة، فأدّاها بأن طاف وسعى وحلق أو قصر، ثم تحللَّ فلبس الثياب ومسَّ الطيب وتمتع بكل ما كان محظورًا عليه وبقي في مكة ينتظر الحج، فإذا جاء يوم التروية أحرم بالحج وحج.
إن على هذا المتمتع بالعمرة إلى الحج ما تيسر له من الهدي، شاة أو بقرة أو بدَنة (بعير)، فإن لم يجد ما يهديه، إما لعدم وجود نقود زائدة على نفقته في سفره، أو لعدم وجدود الهدي نفسه، فإن الواجب عليه عندئذ أن يصوم ثلاثة أيام في الحج أي ما بين تحلله من العمرة ويوم عرفة، وإن صام السابع والثامن والتاسع من شهر الحجة، أجزأ، وإن صام السادس والسابع والثامن، كان خيرًا وأفضل..
ثم إذا عاد إلى أهله صام سبعة أيام، وبها يكون قد أتم صيام عشرة أيام كاملة، وذلك المطلوب في حق من تمتع بالعمرة إلى الحج مفردًا للعمرة عن الحج، أو قارنًا لها معه.
[ ٢٢ / ١٨٦ ]
ثم استثنى الله ﵎ ساكني المسجد الحرام، وهو الحرم كله كما قدمنا، فإنه ليس لهم أن يتمتعوا بالعمرة إلى الحج، وذلك لعدم وجدود مشقة تحصل لهم بالإحرام، فإن أحدهم يحرم على منزله يوم التروية ويخرج إلى منىً، بخلاف بعيد الدار فإنه يحرم من المواقيت فيبقى في سفره أياما وليالي محرمًا، يعاني من الشعثة والغبرة والتعب؛ فرخص الله ﵎ في أن يحرم بعمرة، فإذا قضاها تحلل منها، وتمتع بلبس الثياب ومس الطيب ومباشرة النساء إن كانت امرأته معه.
ومقابل هذا التيسير الإلهي وجب عليه هديٌ شكرًا لله تعالى على نعمة التيسير ورفع الحرج والمشقة، ولله الحمد والمنّة.
ولما بين تعالى حكم التمتع بالعمرة إلى الحج، أمر بتقواه وهي طاعته بامتثال أوامره واجتناب نواهيه فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، وحذر من معصيته بترك ما أوجب أو بفعل ما حرم، بقوله ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، فإن من كان شديد العقاب ينبغي أن يُتقى فلا يُعصى.
وكان هذا منه ﷾ رحمة بعباده ورأفة بهم، حتى لا يتعرضوا لنقمه وأليم عذابه: فله الحمد وله الشكر، لا إله غيره ولا رب سواه. هذا معنى هذه الآية المباركة الكريمة.
نعقب عليه بمسائل مهمة تتعلق بما تضمنته الآية من أحكام التمتع:
الأولى: هذه الآية نص صريح في جواز التمتع بالعمرة إلى الحج وهي عامة في كل حاج يريد أن يتحلل بعمرة انتظارًا للحج، غير أن السنة خصصتها بمن لم يسق الهدي، فإن من ساق معه هديًا من الحل لا يجوز له أن يتحلل من إحرامه حتى يقف بعرفة، ويرمي جمرة العقبة، وينحر هديه أو يذبحه، لأمر الرسول ﷺ أصحابه في حجة الوداع أن يتحللوا بعد الطواف والسعي إلا من كان معه هدي، فقد أمره بالبقاء على إحرامه، نظرًا لقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ .
[ ٢٢ / ١٨٧ ]
الثانية: في الآية دليل قطعي على جواز الإفراد فإن مفهوم قوله تعالى فمن تمتع إلخ أن من لم يتمتع بأن يحج مفردًا فلا هدي عليه. وهذه المسألة أجمع المسلمون عليها أي على جواز الإفراد والتمتع والقران، الصحابة فمن دونهم إلى هذا اليوم. وخالف فيها الروافض والظاهرية، فقالوا بوجوب التمتع، ولازمه أنه لا إفراد وهو خطأ بيّن، وخروج عن إجماع المسلمين وغرهم أمر النبي ﷺ أصحابه بالتحلل إلا من ساق الهدي، وهو أمر أراد به -فداه أبي وأميّ- التوسعة على هذه الأمة، ورفع الحرج عنها، إذ كانوا يرون عدم جواز التمتع بل كانوا يعدونه من أفجر الفجور. حتى قالوا: إذا برأ الدَبَر حلت العمرة لمن اعتمر. مع ما فيه من الحرج، فإن المرء محرم في المدينة المنورة ويقضي عشرة أيام مسافرًا أو أكثر وقد ينتظر الحج أياما أخرى فتحصل له المشقة ويتعب من ملازمته الإحرام هذه المدة الطويلة، فرأى ذلك رسول الله ﷺ في أصحابه فأمرهم بالتحلل تخفيفًا عليهم ورحمة بهم، وبين بهذه مراد الله تعالى وحققه عمليًا، وهو قوله ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ الآية. ويؤكد هذا ويقرره فهم أصحاب رسول الله ﷺ وتقريرهم له، إذ حج أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ أجمعين مفردين بالحج، بل كان عمر ينهى عن العمرة رغبة منه في أن لا يخلو البيت من زائر وطائف، ولذا أجمع الأئمة الأربعة ومعهم السواد الأعظم على جواز أيّ من الأنساك الثلاثة، وهي الإفراد والتمتع والقران. كما أجمعوا على أن من كان يعتمر في غير أشهر الحج ويحج عامه ذاك أن الإفراد أفضل له، كما أن من ساق الهدي معه من الحل أن القران أفضل له، ومن لم يعتمر في غير أشهر الحج. ولا ساق الهدي أجمعوا أن التمتع أفضل له، ذكر هذا وحققه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ رحمة واسعة وجزاه الله عن هذا هذه الأمة الإسلامية خير الجزاء أمين.
[ ٢٢ / ١٨٨ ]
الثالثة: اختلف فيمن أحرم بالعمرة متمتعا بها إلى الحج، ثم لما أداها خرج من الحرم ثم عاد محرما بالحج، هل يعتبر متمتعا يجب عليه الهدي، أو خروجه من الحرم أسقط عنه التمتع ولا هدي عليه في هذه الحال؟
وأوسط أقوال العلماء في هذه وأعدلها أن من سافر حتى تجاوز المواقيت وحصلت له بذلك مشقة السفر ذهابًا وإيابًا فإنه يسقط عنه هدي التمتع، ولم يعتبر متمتعًا بما حصل له من السفر والمشقة. أما من كان دون المواقيت فهو متمتع ولم يسقط عنه الهدي بل يجب عليه.
أما من عاد إلى بلاده وأهله فإن الإجماع على أنه غير متمتع ولا هدي عليه. وهذه مفهوم قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾
الرابعة: من لم يصم قبل العيد جاز له أن يصوم أيام التشريق الثلاثة رخص في ذبك غير واحدة من الصحابة والأئمة، إذا كان تأخيره للصوم لعذر مرض ونحوه..
هذا والله أسأل أن يعلمنا وينفعنا بما يعلمنا ويزيدنا من العلم والعمل الذي يرضيه عنا آمين.
[ ٢٢ / ١٨٩ ]