أساليب الدعوة إلى الله تعالى في القرآن الكريم
لفضيلة الدكتور أبو المجد سيد نوفل
أستاذ بالدراسات العليا بالجامعة
(الحلقة الثانية)
٥- منهج القرآن في الاستدلال على صدق العقيدة الإسلامية.
ولقد ساق القرآن الكريم الأدلة الكثير على صحة العقيدة الإسلامية وفساد غيرها من العقائد الأخرى.
فالله ﷿ يوجه الأنظار إلى الآثار الناطقة بوجوده؛ وهو استدلال بالصنعة على الصانع وبالأثر على مؤثر، وهو دليل واضح لا يحتاج إلى كبير عناء.
ومن هنا فلقد كان الكون كله أرضه وسماؤه، وما فيهما.. حقلا واسعا لصياغة هذه الأدلة فجاءت آيات القرآن تحمل الدعوة إلى النظر في السماء، والنجوم، والشمس، والقمر، والأرض، والجبال، والبحار، والأنهار، والإنسان، والحيوان، والنبات، والجماد داعية إلى التأمل الصحيح والنظر الدقيق في هذه الآيات البينات. وليس بعد ذلك سوى الإيمان بوجود الصانع جل وعلا، الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا. ويوجه القرآن العقول إلى ملاحظة الواقع المشاهد والتزام المنطق السليم في الحكم على الأشياء؛ وذلك في استدلاله على صحة الإيمان بالبعث والإعادة، فإن المنكر للإعادة يقول: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾؟ فيقول الله. ﷿: ﴿.. يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (يس أية ٧٩) .
[ ٢٣ / ١٢ ]
ويعني هذا: أنك أيها المنكر للبعث تسلم ولاشك بوجود العظام.. وهو يستلزم الإقرار بأنها مصنوعة ولا يمكن أن تصنع من عدم؛ لأن العدم لا يصنع وجودا. فإذا انتهيت من ذلك وجب عليك التسليم بأن العظام إذا رمت وبليت فليس هناك أي مانع من إعادتها إلى ما كانت عليه قبل أن تبلى؛ لأن من قدر على صنعها ابتداءً، فهو أقدر على إعادة صنعها؛ لأن الإعادة أَسهل من البدء.. ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيم قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ . والقرآن الكريم يستدل بالظاهرة الكونية على صدق ما يقول، بإيراد الظاهرة مجملة ثم يأخذ في بيان ما تشتمل علَيه من آيات، وفي بيان أنوع كل آية، وما تحمله من دليل وبيان آثارها وجمال صنعتها.. فالسماء مثلا أصلها كذا، وهي مؤلفة من كذا، ووظائفها كذا.. ثم يفصل هذه الآية (السماء) ويبين ما اشتملت عليه، ففيها النجوم والشمس والقمر.. وكل من هذه له خصائصه وآثاره في الكون.
والماء مثلا. له أنواعه، ووظائفه، وأثاره، وكذلك الإنسان خلق من كذا وركب من كذا وهكذا يستخدم القرآن الكريم المظاهر الكونية أدلة على صحة ما يقول، وينهج في هذا الاستدلال منهج الإجمال والتفصيل، والتنويع.. ليزيد من تقرير العقيدة وتثبيتها.
٦- نماذج من هذا الاستدلال
[ ٢٣ / ١٣ ]
فعندما صدع الرسول صلى والله عليه وسلم بأمر ربه معلنا كلمة التوحيد، وأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، رب العالمين. وأَن رب العالمين ليس وَدَّا، ولا سواعا،. ولا يغوث، ويعوق، ونسرا، وليس وثنا، ولا ملكا، ولا زعيما، ولا حاكما.. ولا شمسا ولا قمرا، ولا ماء ولا نارا، إنه الله وحده رب العالمين استدل على صحة ما يقول بوجود الأرض والسماوات. فهما الآيتان الناطقتان بوجوده تعالى ووحدانيته، فهو وحده خالقهما، وهو الذي خلق الأرض، وجعل فيها الرواسي، وأودع فيها البركة والأقوات، وقسم فيها الأرزاق، وهو صاحب السموات السبع، لا يعجزه شيء فيها ولا في الأرض وكل من السماوات والأرض وما فيهما طوع يمينه. فالإيمان به جلّ وعلا واجب، ولا ينبغي الإيمان بغيره؛ لأنه كفر وانحراف عن الطريق المستقيم.
﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ فصلت-١٢.
وفي سوق هذا الدليل على هذا النحو الكفاية لذوي العقول والألباب.. لكنه تعالى، وهو الأعلم بخلقه، وما يصلح لهم من أدلة الإقناع والتأكيد يأخذ في بيان بعض صفات كل من السماء والأرض ثم يبين بعض ما اشتملت عليه كل منهما.
[ ٢٣ / ١٤ ]
فالسماء: خلقها الله بغير عمد ﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ لقمان/١٠. كما خلقها بقدرته تعالى ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ الذاريات/٤٧ وهي سبع سموات مطبقة بعضها فوق بعض ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ نوح/١٥ وهي عظام شداد ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ النبأ/١٢.. وهي لا شقوق فيها ولا تصدع ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ الملك/٣. وهى السقف المحفوظ ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ الأنبياء/٣٢ وهي الممسوكة بقدرته حتى لا تقع على الأرض ﴿.. وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ..﴾ الحج/٦٥.
والأرض: جعلها الله تعالى ذلولا صالحة للمشي والإعاشة ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ الملك/١٥ وهي مدحوة ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ النازعات/٣٠ ممدودة غير مطوية ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا﴾ الرعد/٣. مبسوطة غير مقبوضة. ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا. لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ نوح ١٩- ٢٠ وهي مهاد وسكن للإنسان ولغيره ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا﴾ النبأ/٦. وهي الميتة بالجدب والحية بالخصب والري ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ يس/٣٣. وهي التي خلق منها وعاش فيها الإنسان، وهي التي يعاد إليها ميتا، ويبعث منها يوم القيامة ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ طه هـ/٥٥.
[ ٢٣ / ١٥ ]
والماء: هو أصل كل حي ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ..﴾ الأنبياء/٣٠، وهو سبب إحياء الأرض بعد موتها. ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ النحل/٦٥. وهو سبب إخراج الثمر، ورزق للعباد ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ..﴾ البقرة/٢٢. ومنه العذب ومنه الملح ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ. أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ. لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ الواقعة/ ٦٨- ٧٠. ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ﴾ الرحمن/١٩-٢٠ وهو يكون البحار والأنهار التي يستخرج منها اللؤلؤ والسمك وتسير فيها الفلك ﴿ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيه ﴾ النحل/١٤.
[ ٢٣ / ١٦ ]
والإنسان: مخلوق من تراب ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ﴾ فاطر/١١. ومن نطفة ﴿.. مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ عبس/١٩ ومن علقة ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ العلق/١٩ ومن طين ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ الأنعام/٢ ومن نفس واحدة ﴿.. خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ النساء/١. ومن ماء دافق ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ الطارق/٦. ومن صلصال من حمأ مسنون ﴿.. مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ﴾ الحجر/٢٦. وجعل خليفة لله في الأرض ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً..﴾ البقرة/٣٠ وخلقه سويا ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ..﴾ الانفطار/٧. وجعل له عينين ولسانا وشفتين، وهداه النجدين ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ البلد/ ٨-١٠. وفضَّله على سائر المخلوقات بعقله ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ الفجر/٥، وعلمه البيان ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ الرحمن/٤. وخلقه على ألوان ولغات متعددة ﴿.. وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ..﴾ الروم/٢٢. ويسر له أمره.. ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ عبس/٢٠ وسخر له ما في السموات وما في الأرض ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ﴾ الجاثية/١٧.
وهكذا في سائر الآيات يبين أصلها، وخصائصها، وأثارها كآيات الشمس، والقمر والنجوم، والظلمات، والنشر، والليل، والنهار، والرياح، والسحاب، والشجر، والجبال، والحيوان، والطير، والنبات، والزرع، والثمر جاء بها على هذا النحو السابق لبيان عظمة الصنع الإلهي، وروعة الخلق الرباني وبهذا يتأكد الإيمان بالذي خلق فسوى والذي قدر فهدى. كما سلك القرآن الكريم هذا المسلك في تقرير سائر مبادئه ومطالبه
[ ٢٣ / ١٧ ]
٧- العقيدة في الأساليب الخبرية والإنشائية:
ولا يمكننا عرض كلّ الأساليب التي صيغت فيها العقيدة في القرآن الكريم في هذا البحث القصير؛ إذ أن هذا أمر يصعب تحققه. ولهذا سنكتفي بإيراد نماذج من هذه الأساليب موضحين كل نموذج بمثال أو أكثر، وفيه الكفاية لبيان المراد.
الأساليب الخبرية:
يقول أهل اللغة والبيان: إن الكلام ينحصر في نوعين هما الخبر والإنشاء، فالكلام الذي يحتمل التصديق والتكذيب هو الخبر، والكلام الذي يقترن معناه بلفظه هو الإنشاء [١] .
ولقد أورد على تعريف الخبر السابق خبره تعالى، فإنه لا يكون إلا صادقا. وأجيب بأنه يصح دخوله إذا نظرنا إليه من حيث اللغة بقطع النظر عن محتواه. أما من حيث معناه ونسبته إلى قائله فأخبار الله تعالى لصدورها عنه جل وعلا لا تحتمل إلا الصدق فقط سواء كانت إيجابا أو سلبًا ﴿.. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ النساء/١٢٢. فإذا قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ. وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ. وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ الذاريات ٤٧- ٤٩ فهو إخبار عن أنه هو الخالق للأرض والسماء، وكل شيء، وهو إخبار صادق؛ لأنه من الله ﷿. والقصد من هذا الخبر أن ينظر المخلوق في هذه الآيات ويتأمل صنعها ليؤمن بوجود صانعها.
ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ الأعراف/٥٤.
[ ٢٣ / ١٨ ]
كما أخبر تعالى بأنه واحد لا شريك له. والدليل على ذلك يظهر فيما يراه الإنسان أمامه من صنع السماء والأرض، واختلاف الليل والنهار، وخلق البحار والماء، والرياح والسحاب، ولولا وجود هذه الأمور لتوقفت الحياة. وهذه الآيات توجد بنظام وأحكام، وكلّ منها دائب في عمله على أبدع ما يكون، وهو مسخر لإيجاد الحياة الطيبة للإنسان، وهو ما ينطق بوحدة الصنع الدالة على وحدة الصائغ جل وعلا ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ. إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ البقرة ١٦٣- ١٦٤.
[ ٢٣ / ١٩ ]
وتأكيدًا لتفرده ﷾ بالخلق والصنع، وتقرير لوحدانيته، فلقد نفى إيجاد أي شيء في هذا العالم عن غيره، ونفى وجود إله أو آلهة أخرى، ونفى أن يكون له شريك، وأخبر أن المتخذين من دونه آلهة لا يستطيعون ضرا ولا نفعا، وأنهم سيكفرون بمن عبدوهم يوم القيامة. إنه تعالى الواحد الأحد المنفرد بالخلق، والمحيطة علمه بجميع مخلوقاته في حركاتهم وسكناتهم، وفي شتى أمورهم وأحوالهم، يعلم أعمارهم وبيده رقابهم.. وهو وحده القادر. ومن قدرته أنه خلق البحرين العذب والملح، لا يطغى أحدهما على الآخر، ومنها يأكل الإنسان لحوم الأسماك، ويستخرج اللؤلؤ وغيره مما يتحلى به الإنسان، وفيهما تسير الجواري المنشآت في البحر كالإعلام، وسائل نقل بحرية للإنسان وغيره.. وهو وحده الذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، وهو وحده مسخِّر الشمس والقصر للإنسان، كل يجرى إلى أجل مسمى عنده ﷾.. وهو وحده مالك الملك وهو على كل شيء قدير، أما الذين يدعون من دونه فلا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ولا لغيرهم من باب أولى..
[ ٢٣ / ٢٠ ]
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ. وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمّىً ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ. إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ فاطر/١١-١٤.
في الأساليب الإنشائية:
والإنشاء كما تقدم، هو ما يحصل مدلوله في الخارج بالكلام فإذا قلت (لا تقم) فإن عدم القيام يحصل بعد تلفظك ب (لا تقم) .
وأقسام الإنشاء كثيرة منها (الأمر) وهو: طلب فعل غير كف ومثاله قوله تعالى لنبي أمرا إياه بالشهادة ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ..﴾ محمد/١٩ والأمر للنبي ﵇ أمر لأمته ومنها (النهي) . وهو: طلب الكف عن الفعل؛ ومثاله: قوله تعالى لنبيه ناهيا إياه عن الشرك: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ..﴾ الإسراء/٢٢ وهو نهي له ﵇ ولأمته.
[ ٢٣ / ٢١ ]
ومنها الاستفهام وهو طلب الفهم مثل قوله تعالى ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا..﴾ النازعات/٢٧ -٢٨.
ومنها (الشرط) مثل قوله تعالى الذي أقام به الدليل على فساد عقيدة الشرك، واستقامة عقيدة الوحدانية ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا..﴾ الأنبياء/٢٢.
ومنها (النداء) مثل قوله تعالى الذي بين فيه فساد عقيدة الشرك، وأن المدعوين من دون الله ضعفاء لا يستطيعون خلق أقل الأشياء، وأَنهم إذا ضاع منهم شيء لا يملكون إرجاعه ومن كان هذا شأنه لا يستحق التأليه ولا العبودية.. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ الحج/٧٣.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] وقيل: إن الخبر كلام يفيد بنفسه نسبة أمر من الأمور نفيا أو إثباتا. فإذا قلنا القرآن كلام الله تعالى فإننا نفيد نسبة القرآن إلى الله تعالى. وإذا قلنا الأناجيل الموجودة الآن ليست كلام الله فإننا ننفي هذه النسبة.. أما الإنشاء فهو الذي يحصل مدلوله في الخارج بالكلام أي إذا قلت (قم) فإن القيام يحصل بعد تلفظك بلفظ (قم) لا قبله. والخبر خلافه. والقصد بالخبر هو: إفادة المخاطب أمرا من الأمور كإخبار الله تعالى بأنه خلق كذا وكذا.. ومن أقسامه النفي مثل ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم﴾ .
[ ٢٣ / ٢٢ ]