القلب
سعد ندا
انفد من ساحة الصدر إلى مشاهدة القلب تجد ملكًا عظيمًا، جالس على سرير مملكته، يأمر، وينهى، ويولى، ويعزل، وقد حف به الأمراء والوزراء والجند، كلهم في خدمته، إن استقام استقاموا، يكن زاغ زاغوا، وإن صح صرحوا، وإن فسد فسدوا. فعليه المعول، وهو محل نظر الرب تعالى: ومحل معرفته، ومحبته، وخشيته، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والرضى به وعنه، والعبودية عليه أولا، وعلى رعايته وجنده تبعًا.
فأشرف ما في الإنسان قلبه، فهو العالم بالله، الساعي إليه، المحبّ له، وهو محل الإيمان والعرفان، وهو المخاطب المبعوث إليه الرسل، المخصوص بأشرف العطايا من الإيمان والعقل. وإنما الجوارح أتباع للقلب يستخدمها استخدام الملوك للعبيد، والراعي للرعية، والذي يسرى إلى الجوارح من الطاعات والمعاصي إنما هي أثاره، فإن أظلم أظلمت الجوارح، إن استنار استنارت، ومع هذا فهو بين أصبعين من أصابع الرحمن ﷿.
فسبحان مقلب القلوب ومودعها ما يشاء من أسرار الغيوب، الذي يحول بين المرء وقلبه، ويعلم ما ينطوي عليه من طاعته ودينه، مصرف القلوب كيف أراد وحيث أراد. أوحى إلى قلوب الأولياء أن أقبلي إليّ فبادرت، وقامت بين يدي رب العالمين، وكره ﷿ انبعاث آخرين فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين.
كانت أكثر يمين رسول الله ﷺ: "لا ومقلب القلوب"، وكان من دعائه: "اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك". قال بعض السلف: (القلب أشد تقلبا من القِدْر إذا استجمعت غليانها) . وقال آخر: (القلب أشد تقلبا من الريشة بأرض فلاة يوم ريح عاصف) . ويطلق القلب على معنيين: أحدهما: أمر حسيّ، وهو العضو اللحمي الصنوبري الشكل المودع يهب الجانب الأيسر من الصدر، وفي باطنه تجويف، وفي التجويف دم أسود، وهو منبع الروح.
[ ٢٣ / ١٥٤ ]
والثاني: أمر معنوي: وهو لطيفة ربانية رحمانية روحانية لها بهذا العضو تعلق واختصاص. وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان.
وإذا تأملت حال القلب مع الملك والشيطان، رأيت أعجب العجائب، فهذا يلمّ به مرة، وهذا يلم به مرة، فإذا ألمّ به الملك، حدثت من لمّته الانفساح، والانشراح، والنور، والرحمة، والإخلاص، والإنابة، ومحبة الله، وإيثار محبته على ما سواه، وقصر الأمل، والتجافي عن دار البلاء والامتحان والغرور، فلو دامت له تلك الحالة لكان في أهنأ عيش وألذه وأطيبه، ولكن تأتيه لمة الشيطان، فتحدث له من الضيق، والظلمة، والهم، والغم، والخوف، والسخط على المقدور، والشك في الحق، والحرص على الدنيا وعاجلها، والغفلة عن الله، ما هو من أعظم عذاب القلب.
ثم للناس في هذه المحنة مراتب لا يحصيها إلا الله، فمنهم من تكون لَمَّة الملك أغلب من لمَّة الشيطان وأقوى، فإذا ألمَّ به الشيطان وجد من الألم، والضيق. والحصر، وسوء الحال بحسب ما عنده من حياة القلب، فيبادر إلى طرد تلك اللمَّة ولا يدعها تستحكم فيصعب تداركها، فهو دائما في حرب بين اللَّمتين، يُدَالُ له مرةً، ويدالُ عليه مرة أخرى، والعاقبة للتقوى.
ومنهم من تكون لمَّة الشيطان أغلب عليه وأقوى، فلا تزال تغلب لمَّة الملك حتى تستحكم ويصير الحكم لها، فيموت القلب، ولا يحس ما ناله الشيطان به، مع أنه في غاية العذاب، والضيق، والحصر، ولكن سكر الشهوة والغفلة حجب عنه الإحساس بذلك الألم. فإن كشف أمكنه تداركه بالدواء وحسمه، وإن عاد الغطاء عاد الأمر كما كان، حتى ينكشف عنه وقت المفارقة للدنيا، فتظهر حينئذ تلك الآلام، والهموم، والغموم، والأحزان، وهي لم تتجدد له، وإنما كانت كامنة تواريها الشواغل، فلما زالت الشواغل ظهر ما كان كامنًا وتجدد له أضعافه.
[ ٢٣ / ١٥٥ ]
هذا بعض ما كتبه الإمام العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر (المعروف بابن قيم الجوزية) غفر الله له، عن قلب الإنسان في كتابه (التبيان في أقسام القرآن) وهو إن دل على شيء فإنما يدل على علم، وفقه خلفه، ودقة تحليل، وغوص إلى معانٍ دقيقة لا يبلغ التعرف عليها كل أحد، إلا من أتاه الله ﷿ البصيرة، والحكمة، ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا.
والإمام ابن القيم إمام جليل له من الكتب النفيسة- غير كتاب التبيان الآنف ذكره- كتب كثيرة، لا ينبغي أن تخلو مكتبة المسلم منها جميعا إن لم يكن أغلبها.
ومن هذه الكتب: أعلام الموقعين، والطرق الحكيمة في السياسة الشرعية، ومدرج السالكين، وعدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، زاد المعاد، والجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، روضة المحبين ونزهة المشتاقين، وشفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل وغير ذلك من الكتب الرائعة.
﵀ رحمة واسعة، وأفسح له الدرجات العالية في جنات النعيم،،،،،
[ ٢٣ / ١٥٦ ]