للشيخ محمد الراوي
رئيس قسم التفسير بكلية أصول الدين
بجامعة الإمام محمود بن سعود الإسلامية
إن تحولا هائلا قد وقع في الأرض بنزول القرآن صارت معه قافلة الحياة على هدى ونور، ونشطت مع فجره نفوس لبت نداء الله فأحياها وجعل لها نورا تمشي به بين الناس وبقي القرآن للحياة بقاء النور في الكون لا يتوقف مده إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ولم أر شيئا تفجرت به ينابيع الحكمة وامتدت أنهار المعرفة في غير انقطاع كما تم للقرآن الكريم. لقد شغل الناس جميعا من آمن به ومن أعرض عنه وأثر في هذا وذاك مطاوعة ومكابرة، تأييدا ومعارضة ونجاة وهلاكًا رفعا وخفضا وحربا وسلما وهزيمة ونصرا، وظل القرآن في جميع الأحوال وسيظل عزيزا شامخا أبيا ولو تكسرت من حوله السيوف أو ضعفت النفوس ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ .
لقد نزل القرآن وبنزوله طويت الكتب وختمت الرسالات وحفظت للناس أسباب الحياة وصان الله كتابه من التزييف والتبديل ومضى القرآن في الحياة يعلن الرسالة رسالة الأنبياء جميعا كما جاءت من عند الله وتقيم الحجة على الناس جميعا وعلى أهل الكتاب ويدعوهم إلى كلمة سواء ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لا إِلَهَ إلاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الأعراف ١٥٨) .
[ ٢٢ / ٤٤٨ ]
مضى القرآن يدعو الناس في كل زمن ويتلى عليهم في كل مكان ويحمله موجات الأثير إلى كل بيت، ومن قبل كان ينتقل مع حركة الحياة إلى كل مكان هاديا في تجارة تعبر البحار ومع قافلة تنقل الزاد والمتاع وكانت هذه الحركة في نشاطها أسبق وأقوى من وسائل عصرها هاكم ساحة الأمن أمام أعيننا.. سلوا التاريخ وسلوا أنفسكم كيف امتد القرآن في هذه الساحة الواسعة بوسائل العصر الذي نزل فيه وكيف استطاع أن يقوم الألسن مع اختلافها ويجعلها تنطق به كما نزل من عند الله. أليس من عجائب القرآن أن ترى على الفطرة رجلا يجلس في ظل شجرة تنبت بعيدا عن موطن الوحي يكتب من آيات الله ما يكتب ثم يردد بلسان عربي مبين ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ (الزخرف ٤٣) ولو جلست تخاطبه باللسان العربي في غير القرآن لاضطربت الألفاظ وذهبت الكلمات وجاءت الإشارات.
[ ٢٢ / ٤٤٩ ]
ولا أنسى ما حييت منظر بائع متجول في نيجيريا يبيع الفاكهة والثمار يأتي ويجلس في جانب الدار ليبيع ما قدر له، ولا يمل من قرب، إذا غبت عنه يؤثر البقاء في الظل ولو طال الوقت وعلى وجهه بسمة مشرقة لا تفارقه اشترى الناس منه أو أعرضوا عنه.. خرجت يوما وقد تعودنا عليه فوجدته قد بدأ التلاوة في سورة الأعراف فلم أخاطبه في بيع أو شراء وآثرت أن أسمع وهو يتلو حتى فرغ من القراءة فلم يقع في لحن ولا خطأ مع طول ما قرأ، وكنت قد تعودت عند البيع والشراء أن استعمل أصابه اليد في تحديد السعر من أخذ وعطاء. أليس دليلا على تيسير الله وهدايته أن ترى ماهرا في القرآن من وصفت حاله ولسانه فلا يتتعتع فيه ولا يكون عليه شاقا، أليس هذا دليلا على عزة القرآن وغلبته أن تتوحد الألسنة المختلفة عند تلاوته كما تتوحد القلوب المتنافرة بتوفيق من الله عند جبله. وقد تعجز جميع الوسائل من أن توحد بين اللهجات المختلفة لأصحاب اللغة الواحدة واللسان الواحد كما تعجز في إنفاق ما في الأرض جميعا أن تؤلف بين قلبين لا يجمعهما الإيمان ونفسين لا يقود سعيهما القرآن ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾
(الاسراء ٩) .
[ ٢٢ / ٤٥٠ ]
أي والله للتي هي أقوم في كل شيء وإني أقسم بمواقع النجوم وإنه قسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ إن فيه غنى لطالب الحق والراغب فيه، ومن قبل كانت المعجزات لزمن محدود لا يتأثر بها إلا من رآها أو عاش في عصرها فهي لا تدوم ولا تكون حجة إلا لمن رآها ولمن شاهدها من جيل أو قبيل. أما القرآن فآية لا تزول وهو حجة على كل من بلغه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. آيات تتلى على جميع الناس في كل زمان ومكان ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إلاّ الْكَافِرُونَ﴾ ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلا الظَّالِمُونَ﴾ ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ومن لم يكفه القرآن فالنار أولى به فإن الجبال الصم لو خوطبت به لكان حالها كما ذكر الله ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
[ ٢٢ / ٤٥١ ]
القرآن يتلى على الناس فهو حجة لهم أو حجة عليهم ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا﴾ وكما قال السلف: ما جالس أحد القرآن وقام عنه سالما إما أن يربح أو يخسر، وقال ابن مسعود ﵁ القرآن شافع مشفع وحاصل مصدق، ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره قاده إلى النار. وعنه قال يجيء القرآن يوم القيامة فيشفع لصاحبه فيكون قائدا إلى الجنة أو شاهدا عليه فيكون سائقا إلى النار. وقال أبو موسى الأشعري ﵁ إن هذا القرآن كائن لكم أجرًا وكائن عليكم وزرًا فاتبعوا القرآن ولا يتبعكم القرآن فإن من أتبع القرآن هبط به على رياض الجنة ومن أتبعه القرآن زج في قفاه فقذفه في النار فقد ورد في السنة الصحيحة ما يؤكد أن موقف الإنسان يتحدد بموقف القرآن شهادة له أو عليه. روى مسلم عن أبي أمامة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه"، وروى مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع آخرين" وروى مسلم عن النواس بن سمعان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يؤتى بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا يقدمهم سورة البقرة وآل عمران يحاجان عن صاحبهما".
[ ٢٢ / ٤٥٢ ]
إن القرآن يتلى وبتلاوته تقوم الحجة وتنقطع المعذرة ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ .
[ ٢٢ / ٤٥٣ ]
آيات تتلى على جميع الناس وترى في الآفاق والأنفس وفي كل زمان. والناس غاديان فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها؛ قال أبو بكر بن عباس: قال لي رجل مرة وأنا شاب: خلص رقبتك ما استطعت في الدنيا من ربق الآخرة فإن أسير الآخرة غير مفكوك أبدًا قال فو الله ما نسيتها بعد. وكان بعض السلف يبكي ويقول: ليس لي نفسان إنما لي نفس واحدة إذا ذهبت لم أجد أخرى. القرآن يتلى ولذا تستطيع أن تقول إن جانب الدراسة لم ينقطع أبدا منذ نزول القرآن وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فإن الدراسة لا تحتاج لفلسفة متعمقة إنما تحتاج لتلاوة متدبرة، وقلوب حاضرة، تعرف مقاصد القرآن وهدايته، وتستمسك به في نزاهة لا يخالطها هوى أو رغبة، ولا تقعدها حظوظ عاجلة، أو يأسرها منفعة باطلة وعندئذ تقترن الدراسة بالتطبيق وينتصر الحق في نفس الإنسان ويتغلب على هواه ويستطيع الإنسان أن يعرف ذلك من نفسه حين يصادم مطلب الحق مقاصد النفس من مطالب وشهوات، فإما أن يؤثر الحق ويرضى به وإما أن يركن إلى النفس ويخلد للأرض. ولا تمر الحياة على إنسان دون تجربة أو امتحان ﴿ألم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ العنكبوت آية ١- ٣، ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ محمد آية ٣١.
[ ٢٢ / ٤٥٤ ]
وكل جيل من الأجيال يمر بالتجربة، ويأتي الجزاء من جنس العمل، جزاء المحسن على إحسانه وجزاء المسيء على إساءته ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ والقرآن الكريم يسجل لنا نتائج كل شيء وبين سمات الهالكين وصفات الناجين لكي نعي ونتدبر ونحذر ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ ومع القرآن الكريم لنعرف سنن الله في خلقه، ونبصر عواقب الأمور ونتائجها، ونرى من تأسوا بنبيهم. وكان القرآن لهم خلقًا كيف صدعوا به وارتقوا؟ والقرآن يوضع لنا مواطن الفوز والنجاة ويبين خصائص من يرفعهم الله ومن يخفضهم، تقرأ القرآن ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ والدراسة تعي الدلالة وتعرف المقصود والتطبيق والعمل، يبين أن من الناس ناسًا يتعلقون بالرغائب وينسون العواقب، وربما فقدوا صفاتهم من أجل أن ينالهم عرض من زخرف الدنيا وزينتها، وقد يختلط عليهم إكرام العبد في دار الجزاء وتفاوت الحظوظ في دار الابتلاء فتلهيهم العاجلة عن الآجلة، والقرآن الكريم يوضع ذلك في مواطن كثيرة ليأخذ الناس بأسباب الرفعة وأسباب الحياة ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً فأصحاب فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ وبين القرآن من هم السابقون، ومن هم أصحاب الميمنة وأصحاب المشئمة، ويذكر جزاء كل فريق، ثم يبين في نهاية السورة أن هذا الجزاء مرهون بالأجل، فإذا جاء الأجل - وما أسرع أن يجيء - لقي كل فريق جزاءه ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ
[ ٢٢ / ٤٥٥ ]
إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ .
[ ٢٢ / ٤٥٦ ]
إن هذا البيان لا يعزل الناس عن الحياة الدنيا أو يزهدهم فيها إنما يصحح أمرها بالآخرة، والعاجلة لو قصدت وحدها لقادت أصحابها إلى النار والدمار ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ . وكل حسبان أن الخير في عاجل يعطاه الإنسان من مال وبنين رده القرآن وبين أنها زينة، والزينة يخدع بها من غفل عن العاقبة ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحَارِ﴾ .
[ ٢٢ / ٤٥٧ ]
فواضح أن الآخرة تُطلب بصفات وهذه الصفات لا يتوفر للناس الأمن والسلام إلا بها، فهي لدنيا الناس أمن وسلام، ولآخرتهم نور ورضوان، وواضح أن حسبان الأمر غير هذه الصورة دليل على عدم الشعور بحقائق الأمور ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ وإذا أصيب الناس بعدم الشعور رغبوا في الزينة والمتاع وغفلوا عما ينتظرهم من حساب وجزاء، ولم يستطيعوا أن يفرقوا بين ما يعطى للإنسان استدراجا وإملاءً وبين ما يعطى تعليمًا وجزاءً، إن فقدان الشعور وتبلد الحواس يلحق الإنسان بالأنعام، بل ينزله به دونها، وعندما تختلط الأمور فلا يفرق الناس بين العاجلة والآخرة وبين ما هو فانٍ وما هو باق ويؤثرون ما يفنى على ما يبقى ويحبون العاجلة ويذرون الآخرة. عندئذ تتحول الأمة إلى غثاء كغثاء السيل ولا يغني عنها شيئا من وفرة عددها وكثرة ما بيدها. وهذا ما حذر منه الرسول ﷺ: "ما الفقرا أخشى عليكم ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت عليكلم من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم" وفي الحديث المتفق عليه عن عقبة بن عامر ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه خرج إلى قتلى أحد فصلى عليهم بعد ثمان سنوات كالمودع للأحياء والأموات ثم طلع المنبر فقال: "إني بين أيديكم فرد وأنا شهيد عليكم فإن موعدكم الحوض وإنما أنظر إليه من مكاني هذا وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها"، قال فكانت آخر نظرة نظرتها إلى الرسول ﷺ وفي رواية: "ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم" فقال عقبة: فكانت آخر ما رأيت رسول الله ﷺ على المنبر. من القرآن الكريم ومن بيان الرسول ﷺ نرى نتائج الأعمال وآثارها في نجاة الأمم
[ ٢٢ / ٤٥٨ ]
أو هلاكها. وبالعمل كما أمر الله ورسوله يكون القرآن حجة لنا وبالدراسة وحدها يكون حجة علينا لأن الدراسة فهم وعلم، وبالعلم تقوم الحجة والتطبيق تنفيذ وعمل وعليه يكون الجزاء وبه تقع قيمة الدراسة ويعلو شأنها ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ .
[ ٢٢ / ٤٥٩ ]
الدراسة هنا تفهم الدلالة والتطبيق يقتضي ألا نستعين إلا بالله وأن نأخذ بالأسباب والاستعانة بغير تفريط أو استهانة، بأن تخلص القصد لله وتستقيم كما أمرنا وأن تكون جميع أقوالنا وأعمالنا لإعلاء كلمة الله ولنصرة دينه عندئذ نصدق في حسن التوكل عليه. وطلب النصرة والنجاة منه -وإن فعلنا- ذلك فلأنفسنا إن فرطنا فعليها وما ربك بظلام للعبيد ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ الدراسة هنا تفهم الدلالة والتطبيق يقتضي استقرار النفس بما أعطيت، وهذا الاستقرار دلالة صدق الإيمان؛ لأن الآيات إذا لم يظهر أثرها في الحياة تكون قد وقفنا بها عند الدراسة فحسب، وهذا قدر قد يزيد من حسابنا ويقيم الحجة علينا، ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ .
[ ٢٢ / ٤٦٠ ]
هذا بيان لنتائج العمل الجاحد الخاسر؛ إذ العمل المقبول عند الله لا يكون إلا بصدق الولاء له وحسن الاستقامة على دينه. وكل شيء يناصب الإنسان العداء إذا عادى الإنسان ربه حتى جوارحه التي ينالها من العذاب ما ناله تخضع وتخشع لإرادة الخالق لا إرادة المخلوق ولا يملك الإنسان في فترة الحساب إلا أن يجعلها طوع إرادته كما طوعها في فترة الامتحان في الحياة الدنيا والتطبيق العملي لفهم هذه الآيات أن يتجنب الإنسان ما من شأنه أن يقع فيما وقع فيه الجاحدون ويتقى الله في السر والعلن "قل آمنت بالله ثم استقم" إذ لا فائدة من الدراسة إذا عرفنا مصير الجاحدين وفعلنا فعلهم ويا ويل من أضله الله على عدم والقرآن الكريم بين مصير هؤلاء ويذكر جزاء من آمن واستقام في آيات متباينة بلا فصل ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ . ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلانَا مِنَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ﴾ بعد هذا نقرأ ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ .
[ ٢٢ / ٤٦١ ]
وتلك طريقة القرآن في إعطاء النتائج متقابلة ومتجاورة فمن ضاقت أنفاسه من عقاب أولئك- فليأخذوا طريق النجاة ليكون ممن أنعم الله عليهم ورضي عنهم ومن رأى كيف تكون العداوة هناك بين الجاحدين فليأخذوا طريق أخوة المؤمنين وصداقة المتقين ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ. الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلاّ الْمُتَّقِينَ. يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ الزخرف.
[ ٢٢ / ٤٦٢ ]
وهكذا نجد القرآن الكريم يقدم لنا بيانَ كلِّ شيء ويوضع النتائج التي تترتب على الأعمال، وكثيرًا ما يقدمها في أسلوب الشرط والجزاء أو الأمر وجوابه وهي أشد انضباطا في المعادلات الرياضية التي لا يختلف الناس على أمرها ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ . ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ . ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ . ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُه﴾ ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ .
[ ٢٢ / ٤٦٣ ]
وربط الجزاء والنتيجة بالمقدمة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُون﴾ . ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ . ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ . ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ . ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ . ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأذَلِّينَ﴾ . ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُون وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ .
[ ٢٢ / ٤٦٤ ]
إن القرآن الكريم يتلى على الناس جميعا وقد يسمعه المتقون والفجار ولكن مواقف الناس لا تتحدد بالسماع والدراسة وحدها؛ فإن العلم بالشيء قد يستوي فيه بار وفاجر وإنما تتحدد مواقف الناس بالعمل وما يشفع إليه بالبيان وفرق بين الاتباع والأعراض، والجهاد والقعود والطاعة والمعصية واتباع سبيل المؤمنين أو اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين وكل ذلك سيوزن بميزان دقيق ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ . ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ . ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ .
[ ٢٢ / ٤٦٥ ]
ولذا فإن النفر من الجن لما سمعوا القرآن علموا أن السماع يتبعه الإجابة والتنفيذ وإلا لزمت الحجة ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قاموا بتبليغ ما سمعوا وكانوا أمناء صادقين طلبوا من قومهم أن يجيبوا داعي الله وأن يؤمنوا به وبينوا الجزاء ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وحذرهم من عدم الإجابة تحذيرا بالغًا ﴿وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ لقد فهم هؤلاء النفر من الجن دلالة ما يتلى من الكتاب فلم يقفوا عند حدّ السماع وحده أو الدراسة وحدها، بل قاموا بواجب التبليغ على خير وجه وحددوا موقفهم على أساس من هذا الدين ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا﴾ عرفوا النتائج وبلغوها إلى قومهم وعلموا ألا نجاة إلا بالصدق مع الله ولا ملجأ من الله إلا إليه ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ يقول الله تعالى ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ . ويقول ﷾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا
[ ٢٢ / ٤٦٦ ]
تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
إن القرآن الكريم لحركة الحياة ولشرفها وطهارتها، بل هو الحياة نفسها لأنه روح ولا حياة بلا روح ونور، وهل يستوي من أحياه الله وجعل له نورًا يمشى به في الناس كمن مثله من الظلمات ليس بخارج منها ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ﴾ ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ .
والذكر يطلق على الشرف ويطلق على البيان والتذكرة فإذا أعرض من شرفهم الله به فقد رضوا لأنفسهم أن يعيشوا بلا شرف وأن يسيروا على غير هدى وفي ذلك من الإساءة لأنفسهم في عاجل أمرهم وأجله ما فيه.
[ ٢٢ / ٤٦٧ ]
إن جيل القرآن الأول لم ير لنفسه شرفًا في غير ما شرفه الله به ولم يبتغ العزة في غير ما أعزهم الله به ولذا كانت دراستهم للقرآن دراسة علم وعمل وكان مواقفهم معبرة عن مدى تأثير القرآن في نفوسهم وكان بيان الرسول ﷺ أمام أعينهم تطبيقًا عمليًا للقرآن يتبعونه ولا يخافون وما كان لهم الخيرة من أمرهم إذا قضى الله ورسوله أمرا ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ كانوا لا يتباطئون ما فيما أمروا به ولا يلتفتون لما نهوا عنه أن سمعوا من رسولهم: "قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض" قاموا إليها مسرعين يقول قائلهم: "والله لئن بقيت حتى آكل تمراتي تلك إنها لحياة طويلة"وإن أرسلهم الرسول ﷺ دعاة إلا الله فواجهوا الخطر استقبلوه راضين مستبشرين وإن طعنوا في سبيل الله حمدوا الله أن جعلهم من الفائزين، وإن خرجوا إلى أعدائهم لم يخرجوا بطرًا ورئاء الناس بل دعاة إلى الله يعلون كلمة الله بأنفسهم وأموالهم ولا يرون لأنفسهم حظًا إلا فيما عند الله ولا ينشدون إلا رضاه.
[ ٢٢ / ٤٦٨ ]
في الحديث المتفق عليه عن أنس ﵁ جاء ناس للنبي ﷺ وقالوا: "ابعث معنا رجالًا يعلموننا القرآن والسنة"فبعث معهم سبعين رجلًا من الأنصار فيهم خالي حرام يقرأون القرآن ويدرسونه بالليل ليتعلموه وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد ويحتطبون فيبيعونه ويشترون به الطعام لأهل الصفة والفقراء فبعثهم النبي ﷺ فعرضوا لهم فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان فقالوا اللهم بلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا أو أتى رجل حراما خالد أنس من خلفه فطعنه برمح حتى أنفذه قال حرام "فزت ورب الكعبة"فقال الرسول ﷺ: "إن إخوانكم قد قتلوا وإنهم قالوا اللهم بلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا.." تلك دراستهم وهذه مواقفهم دراسة تعتني بتدبر القرآن وتنفيذ أمره ويأتي الامتحان بعد الدراسة في مواطن كثيرة فلا يتعثرون في إجابتهم ولا يجيبا أحد منهم إجابة خاطئة بل تكون إجابتهم درسًا للإنسانية كلها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها لقد أرسلهم الرسول ﷺ ليكونوا دعاة لفريق من الناس في زمنهم فكانوا بإجابتهم دعاة للزمن كله وللناس جميعا بعدهم.
[ ٢٢ / ٤٦٩ ]
كانوا يقرؤون القرآن ويتدارسونه بالليل ليتعلموا فأعدت نفوسهم بالقرآن إعدادًا يواجه الحياة بسرائها وضرائها بيسرها وعسرها، في ثبات لم تتبدل نفوسهم بتبدل الأحوال ولم تتغير بتغير العوارض، يقول عتبة بن غوان وهو يخطب الناس في البصرة وكان أميرًا عليها لقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله ﷺ مالنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا فأخذت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك فأتزرت بنصفها وسعد بنصفها فلم يصبح منا أحد إلا وأصبح أميرًا على مصر من الأمصار، وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيما وعند الله صغيرا. هذا حالهم في العسر وهم رجال في جميع الأحوال لا تتغير نفوسهم بتغير الأحوال.
وبعد مرة أخرى فإن المسلمين لا يستطيعون في كل زمان ومكان أن يواجهوا قضايا عصرهم وزمانهم إلا بالقرآن، يعتصمون به في روابطهم ويقيمون أحكامه في حياتهم ويجاهدون به أعداءهم ويصلحون به دنياهم، ويستقبلون به آخرتهم ولقد اقتضت سنة الله في خلقه أن تكون هداية الله سببًا لنجاتهم ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ . ولقد أدرك جيل القرآن الأول منذ اللحظة الأولى أن أقوى العدة والعتاد في مواجهة أعدائهم أن ينتصر دين الله في نفوسهم، وأن يكونوا أهلا لنصر الله فإذا تخلف عنهم بحثوا في عيوب أنفسهم، وهم يعلمون أن الذنوب أخطر على المسلمين من العدو وعلى أنفسهم، ولقد كتب عمر بن الخطاب ﵁ كتابا إلى سعد بن أبى وقاص لما أرسله إلى فتح فارس جاء فيه:
[ ٢٢ / ٤٧٠ ]
أما بعد: فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال؛ فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو وأقوى المكيدة على الحرب. آمرك ومن معك من الأجناد أن تكونوا أشد احتراسًا من المعاصي منكم من عدوكم؛ فإن ذنوب الجند أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينتصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولم تكن لنا بهم قوة؛ لأن عدونا ليس كعدوهم ولا عدتنا كعدتهم. فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة وإن لم ننتصر عليهم بفعلنا لم نغلبهم بقوتنا، واعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون فاستحيوا منه، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله. ولا تقولوا إن عدونا شر منا فلن يسلط علينا فرب قوم سلط عليهم شر منهم، كما سلط على بنى إسرائيل لما عملوا بمعاصي الله كفار المجوس فجاسوا خلال الديار وكان وعدًا مفعولا واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألوه النصر على عدوكم. (الله أكبر الله أكبر) .
[ ٢٢ / ٤٧١ ]
تستطيع أن ترى في كل كلمة من هذه الكلمات قبسًا من نظر القرآن أو هدي النبوة. إن ناسا شغلوا أنفسهم فأصلحوها، وفروا إلى الله موحدين جديرون أن يخاطبوا من قبل الله ﷿ إكراما لهم ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ . إن العالم كله في حاجة إلى نور القرآن لتصان كرامة الإنسان الذي صار في عصرنا هذا أرخص شيء في دنيا الناس. العالم في حاجة إلى القرآن ليكون الحق والعدل أساسًا في معاملة الإنسان للإنسان، ودراسة القرآن لم تتوقف ولن تتوقف أبدًا بإذن الله لأنه يتلى ويكفي أن يتلى، ولكن الذي يتوقف أحيانًا هو التطبيق وبه يتباين جيل عن جيل ويعز ناس ويذل آخرون، وجيلنا هذا قد انحسر عنه التطبيق في كثير من دياره إلى درجة لم يسبق لها نظير فانحدر المسلمون إلى درجة لم يسبق لها مثيل ولكن من رحمة الله بخلقه أن حفظ لهم الذكر كما حفظ لهم بفضله بيانه فجمع الأسباب التي صعدت بأسلافنا ورفعهم الله بها قائمة أمام الأجيال كلها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها كتاب وسنة، فهل نستطيع أن نجعل دراستنا عملًا وتطبيقًا كما كان أسلافنا من قبل، أم نطمع من الدراسة بالشهادة والألقاب، وإن فعلنا ذلك كان القرآن حجة علينا فإن عملنا به مقتدين بالرسول ﷺ كان القرآن حجة لنا.
نسأل الله أن يجعله حجة لنا لا علينا وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم،،،
نكون أسعد الخلق لو وصلنا إليه بعد ألفى عام
إن البشرية لتفخر بانتساب رجل كحمدﷺ- إليها. إنه رغم أميته استطاع قبل بضعة عشر قرنًا أن يأتي بتشريع سنكون نحن الأوروبيين أسعد الخلق لو وصلنا إلى قمته بعد ألفي عام.
شبرل
عميد كلية الحقوق بجامعة فيينا
[ ٢٢ / ٤٧٢ ]