للدكتور إسماعيل صبحي حافظ
طبيب عام وأمراض باطنية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ، وبعد:
فقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ القمر/ ٤٩، وقال: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ لقمان/ ١١، وقال: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ الذاريات/ ٢١.
ألا تبصر أيها الإنسان في نفسك التي بين جنبيك، وتتأمل عظمة الخالق في جسدك ولحمك ودمك وأعضائك، فترى العجب العجاب، ترى خلق الله في توازن وتناسق وتكامل، كل له دور يؤديه، وعملٌ يقومُ به على أكمل وجه، ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ المؤمنون/ ١٤. وإذا تبَصَّرت وأبْصَرت، وخاصة إذا كنت من فئة الأطباء، ترى كيف صنع الخالق هذا الجسم البشري من نطفة ثم من علقةٍ ثم من مضغةٍ ثم خلق النطفة عظامًا، ثم كسا العظام لحما، وجعل أجهزة كل يؤدي وظيفته بإحكام وإتقان.
تبَصَّر أيها الإنسان في جوف صدرك، تجد جرمًا صغيرًا، آية في الخلق والإبداع، آية في التخطيط والتصميم، ترى قلبا حوى ما يخطر لك ببال، من غرف وقنوات، ووصلات اتصال، ومولد ذاتي، ومحرك كهربائي، وأسلاك كهربائية، تعمل بأمر العلي القدير، فستعجب وتقول في نفسك، يا عجبا لأمر هؤلاء الكفرة والملاحدة من بني الإنسان، لماذا هم عن الفهم مبعدون وفي أنفسهم لا يبصرون؟ وتقول في نفسك واعجبًا من أمر أولئك الأطباء الذين تعلموا الطب في بلاد الغرب والشرق، بعد هذا يكفرون وقد تبين لهم أنه الحق، وأنه من صنع عليم حكيم، وأحسن كل شيء خلقه.
عجبا للطبيب يلحد في الخا
لق من بعد درسه التشريحا
[ ٢٢ / ٢٥٩ ]
تأملْ وتبصرْ في نفسك أيها الإنسان، تجد قلبا عجيبًا، تجد فيه مولدًا، ومحركًا، ومنبهًا، وخزانًا، ومغذيًا، إذا توقف توقفت الحياة.
لذلك سأبحث هذا الموضوع على قدر جهدي البسيط، لعلي أوصل إلى قارئي بعض المعلومات المفيدة، لأن أعماقه تحتاج إلى مجلدات، تبحث وتمحص من قبل ذوي الاختصاص. وأصنف بحث الموضوع في ثلاث نقط، كما يلي:
أولا: القلب الطبيعي أو المادي.
ثانيا: العوامل المؤثرة في القلب.
ثالثا: القلب المعنوي أو الروحي.
أولا: القلب الطبيعي:
(أ) لمحة تشريحية أو بنيوية:
يتألف القلب من أربع غرف من الأذَيْنَة اليسرى والبُطَين الأيسر. والأذينة اليُمنى والبُطين الأيمن، والغرف اليسرى، تحوي الدم الأحمر القاني، واليمنى تحوي الدم الأسود القاتم.
والقلب يتركب كذلك من طبقات:
١- غشاء خارجي يغلف القلب هو التأمور.
٢- وطبقة عضلية.
٣- وغشاء باطني، هو الشفاف الذي يغطي القلب من الباطن.
٤- وحجاب يفصل القلب الأيسر ذو الدم الأحمر القاني عن القلب الأيمن ذو الدم الأسود القاتم.
٥- وأوعية تصب في الأذينة اليسرى، وهي الأوردة الرئوية تحمل الدم الأحمر القاني المملوء بالأكسجين والمواد الغذائية.
٦- وأوعية تصب في الأذينة اليمنى وهي الوريد الأجوف العلوي والسفْلي، ويحملان الدم الأسود الممتلئ بثاني أوكسيد الفحم.
٧- وأوعية تنشأ في البطين الأيسر، وهو شريان الأبهر الذي يحمل الدم الأحمر القاني إلى كل جزء من الجسم، حتى القلب نفسه يأخذ منه بالأوعية الأكليلية، والشريان الرئوي الذي ينشأ من البطين الأيمن، ليذهب بالدم الأسود إلى الرئة فيتصفى هناك بالمبادلات الغازية.
[ ٢٢ / ٢٦٠ ]
ويتألف القلب من مركز تنبيه، ومولد ذاتي هي العقدة الجيبية، وتوضع في جدار الأذينة وتسمى بصانع الخطى، تصل بواسطة سلك إلى العقدة الأذينية البطينية، ومنها سلك هو حزمة هيس، تتفرع إلى الغصن الأيسر والغصن الأيمن يتفرعان إلى أغصان بوركنج التي تتوزع في عضلات البطينين.
(ب) لمحة فيزيولوجية آلية: كيف يعمل القلب ولماذا يعمل القلب؟
القلب خزانٌ يأتيه الدم النقي الأحمر الذي يحمل الأكسجين والمواد الغذائية بالأوردة الرئوية، بعد أن يكون قد أخذ الأكسجين بالمبادلات التنفسية، ثم يبقي في الأذينة اليسرى حتى ينفتح الصمام بينها وبين البطين الأيسر، أثناء راحة القلب من الانقباض، ثم ينقبض البطين الأيسر، فيخرج الدم الأحمر من الأبهر حيث يتوزع على جميع أنحاء الجسم، حاملًا الأكسجين والمواد الغذائية، الضرورية لجميع خلايا الحسم بدون استثناء، حتى خلايا القلب نفسه، فتأخذ خلايا الجسم ما تحتاجها من أوكسجين ومواد غذائية لتقوم بحياتها وتطوراتها التي قدرها الله تعالى، وتطرح الفضلات والمواد السامة في الدم العائد الأسود القاتم ضمن الأوردة، لتعود إلى الأذينة اليمنى، حيث تبقى فيها بنفس وقت خزن الأذينة اليسرى أثناء انقباض القلب، ثم يفتح الصمام الأيمن بين الأذينة اليمنى والبطين الأيمن أثناء راحة القلب من الانقباض، فيمتلئ البطين الأيمن، ثم ينقبض طارحًا الدم القاتم ضمن الشريان الرئوي ليذهب إلى الرئتين ليتصفى من المواد السامة، ويعود أحمر نقيًا.
هذا يحدث في كل نبضة من نبضات القلب، أي بمعدل (٨٠) مرة في الدقيقة.
كيف ينقبض القلب:
[ ٢٢ / ٢٦١ ]
إن في القلب عقدة صغيرة في جدار الأذينة هي العقدة الجيبية، أودعها الله سرًا ذاتيا بأن تكون مبدأ التنبيه، أو نقطة الانطلاق التي تخرج منها التنبيهات بمعدل (٨٠) مرة في الدقيقة، ولكن قد يتغير عددها حسب حالات كثيرة، ثم ينتقل التنبيه ضمن الحزمة الأذينة البطينية، ثم إلى محطة أخرى هي العقدة الأذينية البطينية، ثم إلى حزمة هيس فالغصنين، ثم أغصان بوركنج، فينقبض القلب الممتلئ بالدم إلى أماكنه المخصصة لها، ليعود بالأوردة إلى القلب من جديد. وهكذا في دوران مستمر، إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
والعبرة ليست في عملياته المتلاحقة، وإنما في هذه العقدة الصغيرة، التي أسكنها نظما ذاتيا بقدرته لتطلق هذه التنبيهات، فتحدث هذه المراحل، ولو أمرها الله بالتوقف لوقفت الحياة، فكيف تكفر بعد هذا يا أيها الإنسان الجحود؟ أفلا تبصر قلبك لترى هذا العضو الصغير الذي خلقه الله تعالى بقدرته، وقال له منذ أن ظهرت الحياة على ظهر الأرض، أطلق تنبيهاتك بأمرنا، حتى قدرك المحتوم، وعندها نقول لك كُفَّ عن التنبيه فقد حان الأجل المحتوم تباركت يا رب في عليائك وسمائك، كم أنت عظيم في خلقك ما أعظمك.
فكيف لا تبصر أيها الإنسان وتفكر، وتتدبر في هذا الجرم الصغير الموجود في القلب، وكيف لا تبصر هذا المولد الذاتي الذي يعمل من تلقاء نفسه بمشيئة الله، ويا أيها الملاحدة انظروا في أجسادكم، انظروا في أنفسكم، انظروا في قلوبكم، يا من لستم قادرين على أن تخلقوا ذبابة، انظروا إلى هذا الجرم الصغير وتفكروا، تجدوا أنكم لا تملكون إلا أن تطأطئوا رؤوسكم خاشعين أذلة، أمام عظمة الخالق الذي بيده مقاليد كل شيء، أتعلم أيها الإنسان أن دواءك فيك ما تبصر.
وتحسب أنك جرم صغير
وفيك انطوى العالم الأكبر
﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ الإسراء/ ٣٦.
[ ٢٢ / ٢٦٢ ]
فكل شيء يسبح بعظمة الخالق، وكل نبضة من نبضات القلب تقول: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيّ﴾ النمل/ ١٩ والأحقاف/ ١٥.
ثانيا: العوامل المؤثرة في القلب:
١- الجهد: كل جهد أو عمل لا يثير ألمًا في القلب ولا ضيق نفس في الصدر، يجب أن يشجع عليه، لأن طاقة القلب ضمن إمكانياته، فالقلب الطبيعي لا يتأثر ضمن الحدود المعينة وحتى لو كان مريضًا، تشجيع الجهد.
٢- التدخين: إن التدخين وخاصة المفرط يؤثر على تقبض الأوعية النبيلة في القلب، ومنه نقص التروية، ونقص تغذية عضلة القلب، ونقص الأكسجين فيها، وكذلك تسرع القلب عن الحد الطبيعي.
٣- الخمر (الكحول) [١]: يحدث اعتلال العضلة القلبية ويتلفها.
٤- الانفعال والغضب: يزيد سرعة القلب، ويرفع الضغط، ويشنج الأوعية المغذية للقلب.
٥- المرض: يجب وقاية القلب خاصة من مرضى الروماتيزم الحاد، وعلى الأخص مراحل الطفولة إذ أن الروماتيزم يعضُّ القلب، فيجب عدم التهاون في هذا المرض خاصة عند الأطفال، والانتباه إلى التهاب اللوزات المتكرر الذي يعزى إليه هذا الروماتيزم.
٦- الإفراط في الطعام: تمتلئ المعدة كثيرا ويحدث انتفاخ في البطن وتضغط على الصدر، ويحدث تسرع في القلب، وقد تحدث آلام انعكاسية.
ثالثا: القلب المعنوي أو الروحي:
[ ٢٢ / ٢٦٣ ]
لا أقصد به القلب المادي الذي يضخ الدم لأنحاء الجسم، بل أقصد به القلب من حيث المعاني القرآنية الروحية، التي وردت في ذكر القلب، إذ أن هناك كثيرًا من الناس لها قلوب من لحم ودم، ولكن ليس لها قلوب روحية أو معنوية، وقد أشار الله تعالى لهذا في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ ق/ ٣٧، وإن بعض الناس قلوبهم عمياء ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ الأعراف/١٧٩، فالقلب المعنوي أو الروحي قلب مطمئن بالإيمان لأنه ذاكر لله دائما ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوب﴾ الرعد/ ٢٨، وهو كذلك قلب بعيد عن النفاق والرياء والشرك، يبين الله تعالى فوز صاحبه يوم القيامة في قوله: ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ الشعراء/ ٨٩، قلب لا يخشى إلا الله، لا تجده وجلًا إلا من خالقه، بين الخوف والرجاء يرجو رحمته ويخشى عذابه، فوصف صاحبه بالإيمان في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الأنفال/ ٣ قلب فيه الرأفة والرحمة: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ الحديد/ ٢٧ قلب منيب تائب هادئ: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ ق/ ٣٣، ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ الفتح/١٨.
وقلوب المؤمنين مؤلفة مؤتلفة متجانسة ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ الأنفال/ ٦٣، واطمئنان القلب، واعتقاده بالله، والإيمان به، والثقة به، لا تتغير مهما كانت الظروف والأحوال، لو تغير اللسان، بالأقوال والجوارح بالإكراه: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ النحل/١٠٦.
[ ٢٢ / ٢٦٤ ]
وهذه الصفات المعنوية للقلب المؤمن، نجد أنها أحيانًا يعبر عنها بصفات جسدية، فتجد القلب هادئًا في مكانه آمنًا مطمئنًا ينبض باتزان وتؤدة، يأخذ الوقت الكافي للانقباض، والوقت الكافي للاسترخاء والامتلاء من الدم، ينبض ضمن الحدود الطبيعية، غير هياب ولا خائف من الناس، غير مسرع السرعة التي تفوق الحد الطبيعي عند تعرضه للشدة والانفعال والغضب والمصائب والأهوال وذلك للاطمئنان والسكينة بذكر الله.
﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ الأنفال/ ١٠، بينما نجد قلب الكافر أو المنافق في التعبير القرآني، قلبًا مريضًا: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ البقرة/ ١٠، قلبًا خائفًا إلى حد اضطراب التوازن النفسي، إلى حد اليأس والقنوط: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ الأحزاب/ ٢٦، ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ آل عمران/ ١٥١، قلبًا أسود مليئًا بالفسوق والعصيان: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ المطففون/ ١٤، قلبًا قاسيًا: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ البقرة/ ٧٤ ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ المائدة/ ١٣، ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الأنعام/ ٤٣، ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الزمر/٢٢، ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الحديد/ ١٦.
[ ٢٢ / ٢٦٥ ]
وقلوب الكافرين أو المنافقين قلوب جاهلة: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ الروم/ ٥٩ قلوب مشمئزة من ذكر الله: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ الزمر/ ٤٥، قلوب مقفلة لا يخترقها التدبر ولا التفهم: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ محمد/ ٢٤ ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ البقرة/ ٨٨، ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ النساء/ ١٥٥، ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْر﴾ فصلت/ ٥.
[ ٢٢ / ٢٦٦ ]
وهي قلوب زائغة منحرفة يتبعون ما تشابه من الكتاب ابتغاء الفتنة وابتغاء الانحراف والأهواء، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ آل عمران/ ٢٧، وهي قلوب نجسة ملوثة: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ المائدة/٤١، وهي قلوب مترددة، شاكة، ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ التوبة/ ٤٥، وقلوبهم تبطن شيئًا وتظهر ألسنتهم غير ذلك: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ الفتح/ ١١، وقلوبهن محل للارتكاس والثأر وحمية الجاهلية: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ الفتح/ ٢٦، وهي قولب متفرقة: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ الحشر/ ١٤، وهي قلوب ملئت بالكبر والخيلاء والجبروت: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ غافر/ ٣٥، وهي قلوب غافلة عن ذكر الله منشغلة بأهواء الدنيا وشهواتها: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ الكهف/٢٨.
وهي قلوب عمياء ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ الحج/٤٦.
فهذه الصفات القرآنية لقلوب الكافرين والمنافقين والفاسقين، قد يعبر عنها أحيانًا بصفات جسدية، فتجد قلوبهم غير مطمئنة، إن أصابتهم مصيبةٌ تثور ثائرتهم وتنتفخ أوداجهم ويتسرع قلبهم إلى حد الرجفان، لأنها قلوب غير مكبوحة الجماح بالإيمان، أو الذكر أو العلم، فترتعش الأعضاء ويهتز الصدر كجناحي الطائر، وآخر دعوانا: أن الحمد لله رب العالمين.
التدخين والانتحار البطيء
[ ٢٢ / ٢٦٧ ]
ليس أغرب من (التحذير الرسمي) الملصق على كل علبة سجائر في الأسواق، والذي يقول إن (التدخين يضر بصحتك ننصحك بالامتناع عنه) .. بينما السم داخل العلبة، وتحت هذا التحذير مباشرة..
أقول ليس أغرب من ذلك.. إلا الطبيب الذي يلح على مريضه بالإقلاع عن عادة التدخين، ثم يرسل في وجه المريض سحابة من سيجارته، أو يمص غليونه أمامه على مهل.. وبأناقة.. إن هذين التصرفين، أو المظهرين بعيدان عن المسئولية التي يتطلبها منع السم عن المريض، أو إقناع المدخن بالإقلاع عن التدخين.. الذي أصبح محورًا للعديد من البحوث العلمية في الآونة الأخيرة وكلها تجمع على أن التدخين سبب العديد من الأمراض القاتلة، وفي مقدمتها السرطان.
أمامي نتائج دراسات عديدة، وبحوث عليمة استغرقت سنوات طويلة، في أكثر من بلد، وإلى المدخنين أسوق بعض النتائج المذهلة كما وردت في (المختار):
* خلال ٦ ثوان يصل النيكوتين من دخان السيجارة إلى الدماغ، ومن يدخن علبة سيجارة واحدة في اليوم يتعرض كمية تتراوح بين ٥٠ و٧٠ ألف جرعة نيكوتين سنويًا.
* تحتوي علبة السجاير اليوم على أقل من ستين مللغراما من النيكوتين، وهذه الكمية كافية لو تناولها الإنسان جرعة واحدة أن تقتله.
* يسبب النيكوتين تسارعًا عنيفًا في دقات القلب، وبسببه تضيق الأوعية الدموية ويرتفع الضغط، وتندفق الأحماض الدهنية في الدم.. ثم يشعر المدخن بالارتخاء والتعب، فتخف سرعة القلب وينخفض الضغط، ويفقد العقل فطنته الحادة.
* عندما يبلغ النيكوتين الدماغ، يثير الوصلات العصبية ثم يهمدها، كما ينشط إفراز (الادرينالين) ثم يهمده، وهو ينبه الأعصاب في العضلات، ولكن سرعان ما ينتهي هذا التنبيه بنوع من الشلل، وهو إذا أعطي بكميات صغيرة يؤدي إلى الرجفة وبكميات كبيرة يؤدي إلى التشنجات.
[ ٢٢ / ٢٦٨ ]
* والنيكوتين يهيج التقيؤ اللاإرادي في الدماغ في أعصاب المعدة وله تأثير مقاوم لإدرار البول.. وعلى الرغم من أنه ينشط الأمعاء في البداية إلا أن الجرعات اللاحقة منه (خلال التدخين) تبطئ حركة الجهاز الهضمي بأسره.. وكذلك الحال بالنسبة للفم والمجاري الهوائية.
هذه بعض النتائج فقط وهي كافية لوصف التدخين بأنه (انتحار بطيء) .. وعسى أن يتعظ المدخنون عندما يتصور الواحد منهم كل تلك التفاعلات داخل جسمه وعقله مع كل سيجارة.. أو حتى كل (جرعة) ..
--------------------------------------------------------------------------------
[١] الكحول تحريف للأصل العربي الذي هو الغول. وقد ورد ذكره في الكتاب الحكيم في قوله تعالى: ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ الصافات/٤٧.
[ ٢٢ / ٢٦٩ ]
"من أعماق الكتب"