فضيلة الشيخ عبد الله بن أحمد قادري
عميد كلية اللغة العربية
مقابة صحفية:
وكان في انتظارنا أحد الصحفيين الباكستانيين لإجراء مقابلة معنا حول رحلتنا في بريطانيا وأمريكا واليابان وهنغ كنغ، وذكر الأخ خليل الحامدي أن عددا من الصحفيين تسابقوا للقائنا ولكن صاحب هذه الصحيفة (وأظن أن اسمها: الحياة) هو الذي أعطي حق المقابلة من قبل الجماعة، والظاهر أن ذلك بسبب التزام الجريدة بالخط الإسلامي أكثر من غيرها.
كانت الأسئلة تدور حول أمرين: الأمر الأول- عن انطباعاتنا بالنسبة للمسلمين في الدول التي زرناها. والأمر الثاني- حول ما تقوم به كلية اللغة العربية في الجامعة الإسلامية في الأدب العربي وأدب الدعوة الإسلامية، وموقفها من الاتجاهات الأدبية المعاصرة.
ثم واصلنا الحديث مع الأخ خليل الحامدي فذكر أنه لابد من التعاون بين الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة والجماعة الإسلامية في باكستان، وضرب لذلك مثالا: قال: لقد كان للجماعة الإسلامية مدارس منتشرة في كل أنحاء باكستان، ولكن الحكومات المعادية لحركة الجماعة أممت تلك المدارس، والآن يوجد للجماعة طلاب في كل المناطق وفي كل المراحل، والجماعة تود لو أن الجامعة الإسلامية تنشئ لها فرعا تحت اسم كلية العلوم الإسلامية أو الدراسات الإسلامية التي ربما تتطور إلى جامعة في المستقبل حتى تضم طلبة الجماعة المؤهلين.
وذكر مجالا آخر، هو تخصيص منح دراسية في الجامعة الإسلامية في كل كلية من كليات الجامعة حتى يكون عند الجماعة علماء- متخصصون في فروع الشريعة الإسلامية المختلفة.
كما أنه يمكن أن تبعث الجامعة عددا من طلبتها للقيام بالدعوة في الباكستان؛ ليتدربوا على الدعوة وأساليبها، ويمكن أن يستفيدوا من تجارب الجماعة في ذلك.
[ ٢٣ / ١٢٧ ]
وقد سبقت إلى ذلك جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية؛ حيث بعثت أربعين طالبا من طلابها فقاموا في المدينة المنورة، ووضعت لهم برامج كان فيها فائدة لمدة أسبوعين كما أن جامعة الرياض قد حذت حذو جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
جولة في مدينة لاهور:
وبعد صلاة العصر من يوم الخميس، قمنا بجولة في مدينة لاهور، وفي طريقنا رأينا حالة البؤس، وعلامة الفقر المدقع، ورأينا حالة وسائل النقل السيئَة، إذ يتراكم الناس في عربة خشبية تجرها الخيل أو الحمير يختلط فيها الرجال والنساء.
كان يرافقنا في هذه الجولة الأخ فيض الرحمن الذي لم يفارقنا مدة بقائنا في لاهور، إلا في أوقات الراحة أو النوم، وهناك أرانا المكان الذي اعتدى فيه على المودودي، وهو يخطب في جماهير المسلمين في أول قيامه بالدعوة في باكستان، حيث أطلق عليه الرصاص، وقد طلبا منه أن يجلس خشية تكرر ذلك فرفض وبقي واقفا، وقال لهم: إذا لم أثبت أنا فكيف تثبتون أنتم؟
كما أن أعداء الدعوة قطعوا التيار الكهربائي، فكان يقول الأستاذ المودودي الجملة فينقلها القريب منه إلى من يليه، ثم يبلغها هذا إلى الآخرين حتى انتهى من خطابه.
شاهي مسجد الذي يرقد بجانبه محمد إقبال:
[ ٢٣ / ١٢٨ ]
ثم ذهبنا إلى قصور بعض الحكام السابقين، وهي أثرية، ذات بناء قوي، لازالت أسوارها قائمة، وكان وقت السماح بدخولها قد انتهى، فذهبنا لمسجد قريب منها يقع بقربه قبر الشاعر المسلم محمد إقبال، الذي يقف في كل ركن من أركان ساحته جندي مسلح، وعندما سألنا فيض الرحمن عن السبب، قال: لم يكن هذا موجودا من قبل، والظاهر أن الجنرال ضياء الحق أراد منع الناس من التبرك به، لأنهم كانوا يأتون إلى قبره، ويتبركون به. ويسمى الجامع الذي بجانبه: شاهي مسجد، ويقدر أساس المسجد بأربعة عشر قدما، وله منارة عالية تشرف على مدينة لاهور كلها، فقال الأخ فيض الرحمن، هل تريدون أن نصعد إلى أعلى هذه المنارة والناس يصعدون فعلافقلت له: نحن في هذه الليلة سوف لا نرتاح فإنا سنسافر إلى كراتشي، ثم نبقى في المطار إلى أن نسافر إلى المملكة في الصباح، فإذا صعدنا فإن ذلك سيزيدنا إرهاقا. فألح علينا، فوافقت، وأخذنا نصعد وكان فيض الرحمن أمامي وأردت أن أكافئه إلحاحه بإتعابه، فكنت أقول له أصعد، كلما أراد أن يقف وهكذا صعدنا إلى أعلى المنارة دون أن نقف، وعندما وصلنا هناك كان الأمر بالعكس، ففيض الرحمن تعب ولكنه لم يصب بما أصبت به أنا فقد أصبت بدوار شديد، وهبوط في الجسم، وتصبب العرق حتى كنت أظن أنني سأطلب الإسعاف في ذلك الوقت، قلت لقد أدبني ربي فأحسن تأدبي، أردت أن أوقع صاحبي في شيء وقعت فيه أنا، لذلك قعدت قليلا حتى عاد إلي نفسي وارتحت.
[ ٢٣ / ١٢٩ ]
أما زميلي الدكتور فقد نفعته هنا أناته السودانية، التي يحبها الله ورسوله الله ﷺ، فقد كان كلّما قطع مجموعة من الدراجات، وقف على شرفة المقابلة لها في المنارة يشم الهواء، ويستجم، ثم يصعد هكذا فوصل إلى قمة دون أن يتعب. وإذا ذاك تذكرت قول الرسول الله صلى الله عليه سلم، "إن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهر أبقى" ولكنها دروس لعلي أستفد منها، وعندما نزلنا عددنا الدرجات، فكان عددها مائتين وعشرة درجات.
تقليد الأعمى:
وفي طريق رأينا المرور يوقفون سائقي الدراجات النارية، ويلزمنهم بدفع غرامة، فظننت ذلك بسبب عدم حمل الرخصة أو الاستمارة، ولكن رأينا من يلبس المغفر على رأسه لا يوقف؛ فسألت الأخ فيض الرحمن، فقال: إنهم يلزمون السائقين بوضع المغفر على رأسهم، وهو في الغرب كذلك-قلت: مع حالة الباكستانيين هذه، وحاجتهم إلى المال، ينفقون على أنفسهم، يلزمونهم بشراء المغفر البريطاني؟ ثم قلت: الظاهر أن الشركة التي تصنع المغافر لها يد في هذا الإلزام، فقال زميلي بيلو: لعل بعض ضباط المرور زار بعض البلدان الأوروبية فرجع بالفكرة. ولكن أخانا فيض الرحمن أراد أن يسلينا بقصة، وقعت لبعض أعضاء الجماعة الإسلامية؛ فقد أوقفه جندي المرور وطلب منه دفع الغرامة، فقال له: أتريد أن تأخذ مني مالا وأنا من الجماعة الإسلامية؟ أن مال الذي تأخذه الجماعة أحق به فكيف تطيب نفسك بأخذه؟ فتركه الجندي فذهب دون أن يدفع شيئا.
عدنا بعد ذلك إلى المنصورة؛ لنأخذ حقائبنا اليدوية ونذهب إلى مطار لاهور، هناك وجدنا الأخ خليل الحامدي الذي دعنا، وهو وبعض أعضاء جماعة، ونحن ودعناهم وشكرناهم على كرم الضيافة، وشكوت فيض الرحمن الذي أتعبني بصعود درج منارة المسجد إلى الأخ خليل، فابتسم وقال لعلك تعود وقد ركب في المنارة مصعد كهربائي، فلا تتعب مرة أخرى إن شاء الله.
نبذة عن الجماعة الإسلامية:
[ ٢٣ / ١٣٠ ]
وفي ختام الكلام عن الجماعة الإسلامية أحب أن أعطي القارئ بعض المعلومات عن الجماعة من الرسالة المنشورة باسم: الجماعة الإسلامية.
- تأسست الجماعة عام ١٩٤١ م ومرت بالمراحل الآتية:-
١- مرحلة النقد والتبليغ.
٢- مرحلة التربية والإعداد.
٣- مرحلة الكفاح والنضال.
ولكل مرحلة وسائلها ومنهاجها وكتبها التي ألفها الأستاذ المودودي.
* غاية الجماعة:
إن الغاية الوحيدة التي لأجلها قامت الجماعة الإسلامية، إنما هي: إقامة النظام الإسلامي؛ ابتغاء وجه الله تعالى وحده.
*الوسيلة:
ولتحقيق هذه الغاية اتخذت الجماعة برنامجا شاملا يتضمن أربعة أجزاء
الجزء الأول: هو تطهير الأفكار وتعهدها بالغرس والتنمية.
الجزء الثاني: هو استخلاص الأفراد الصالحين وجمعهم في نظام واحد وتربيتهم.
الجزء الثالث: هو السعي في الإصلاح الاجتماعي، وهو يشمل إصلاح كل طبقة في المجتمع حسب أحوالها.
الجزء الرابع: هو إصلاح الحكم والإدارة.
ويكفي أن أنقل تفصيلا لهذا الجزء الأخير، قال:
[ ٢٣ / ١٣١ ]
"ذلك بأنه من عقيدتنا، أنه لا يمكن أن ينجح تدبير من التدابير، في إصلاح مفاسد الحياة الحاضرة، مادامت لا تبذل المساعي لإصلاح نظام الحكم والإدارة، مع المساعي الإصلاحية الأخرى على قوة الثقافة والقانون والإدارة وتوزيع الرزق، لا يمكن أن تجدي شيئا في درئه تلك المساعي التي تبذل للإصلاح والبناء بوسائل الوعظ والتلقين والدعوة والإرشاد فقط، فان كنا نريد اليوم أن نصرف نظام الحياة في بلادنا عن طريق الضلال والفساد والفسق والعصيان إلى طريق الإسلام المستقيم، فلا مندوحة لنا من أن نبذل سعينا بطريق مباشر في إزاحة الفساد عن منصة القيادة والسلطة وإحلال الصلاح مكانه. والظاهر أنه إذا كان زمام الأمر والسلطة بأيدي الصالحين المؤمنين، فإنهم يحدثون في أعوام قلائل من التغييرات الهامة في نظم التعليم، والقانون والإدارة، مالا يمكن أن تأتي به الجهود غير السياسية في مدة قرن كامل فإن الله ليزع بالسلطان مالا يخص بالقرآن.
أما كيف يتأتى هذا التغيير فليس له من سبيل في نظام ديمقراطي، إلا السعي في الانتخابات، وذلك أن نربي الرأي العام في البلاد وننشر الوعي السياسي الصحيح فيها، ونغير مقياس الناس في انتخابهم لممثليهم في المجالس النيابية، ونصلح طرق الانتخاب، ونطهرها من اللصوصية والغش والتزوير، ثم نسلم مقاليد الحكم والسلطة إلى رجال صالحين يحبون ويقدرون أن ينهضوا بصرح نظام البلاد على أسس الإسلام وهدي الكتاب والسنة "١ هـ.
شعب الجماعة التي يقومون بنشاطهم من خلالها:
- شعبة التنظيم والإدارة، للإشراف على فروع الجماعة وتنظيمها في باكستان كلها.
- شعبة بيت المال، لتنظيم ميزانية الجماعة، والإشراف على بيوت المال الفرعية في أنحاء البلاد ومحاسبتها.
- شعبة الخدمات الاجتماعية، لجمع أموال الصدقات والتبرعات من الأغنياء ومساعدة الفقراء.
[ ٢٣ / ١٣٢ ]
- شعبة النشر والإعلام، لنشر أخبار الجماعة وإعلاناتها في مختلف الصحف والمجلات في داخل البلاد وخارجها، والإشراف على مجلات الجماعة وجرائدها.
- شعبة الشئون العمالية، لتنظيم العمال والفلاحين والموظفين القليلي الدخل في مصالح الحكومة ومساعدتهم في مشاكلهم
- شعبة التربية، لتربية أعضاء الجماعة وأنصارها تربية علمية وعملية. وإعداد رجال صالحين للقيام بمهمة الدعوة الإسلامية حسب مقتضى العصر الحاضر.
- شعبة المدارس والمعاهد ومكافحة الأمية.
- دار الترجمة الإنجليزية لنقل كتب الجماعة، والمؤلفات الإسلامية الأخرى إلى الإنجليزية.
- دار الترجمة البنغالية لنقل كتب الجماعة إلى اللغة البنغالية
- المجتمع الإسلامي، الذي أنشئ تحت إشراف الأستاذ المودودي- لمجابهة تحدي الحضارة الغربية المادية
- شعبة الشئون البرلمانية، الاتصال بنواب المجالس البرلمانية- والبرلمانات عامة، ونواب الجماعة في هذه المجالس خاصة لإشعارهم بوجهة نظر الشريعة الإسلامية في كل تشريع يناقش في المجالس.
- شعبة الانتخابات (وللجماعة نظام خاص ومنها يختلف عن منهاج الأخرى) .
- قسم الأخوات المسلمات لنشر الدعوة في المحيط النسائي.
هذا وقد سمعت نقدا شديدا يوجهه بعض علماء الباكستان إلى الأستاذ المودودي، وسمعت نقدا منهم ومن غيرهم يوجه إلى الجماعة نفسها، والنقد لا يسلم منه أحد، لاسيما إذا كان من يوجه إليه النقد عاملا متحركا؛ فان الإنسان ليس بمعصوم، قد يحصل منه الخطأ كما يحصل منه الصواب الذي يكون خطؤه أكثر من صوابه يعتبر ناجحا في عمله، وإذا كان مجتهدا فله أجران فيما أصحاب أجر فيما أخطأ.
[ ٢٣ / ١٣٣ ]
وقد يسلم من النقد الشخص الخامل الذي لا يعمل ولا يدرى عنه الناس أين يقع؟ وهذا ذكرني ببعض طلبة الجامعة الإسلامية عندما كنت مسئولا عن شئون الطلاب، وكنا نقوم برحلات يخدم فيها الطلب أنفسهم، بل ويتحملون هم نفقاتها. فكان، بعضهم نشيطًا في العمل، فانتقد النشطون. وفي مرحلة أخرى تواطأ هؤلاء النشطون ألا يعملوا، فلم يوجه إليهم نقد، وإنما وجه إلى غيرهم ممن قام بالعمل. والمثل يقول: وويل للشجي من الخلي.
* من لاهور إلى كراتشي:
أقلعت بنا الطائرة من مطار لاهور الحادية عشرة وخمسة عشرة دقيقة، من مساء يوم الخميس الموافق ٢٩/٨/١٣٩٨هـ.
هبطت في مطار كراتشي في الساعة الثانية عشرة والدقيقة الخمسين، وفور نزولنا وجدنا الأخ خليق أحمد ومعه صديق له ينتظراننا، ومعهما حقائبنا التي كنا تركنها عند الأخ خليق عندما سافرنا إلى لاهور. فشكرنهما على ذلك، وكنا نفكر فيما نفعل، أنذهب إلى أحد الفنادق لننام إلى وقت المقرر في حضوره في آخر الليل أم نبقى في المطار إلى الصباح؟
وكان الأخ خليق يفضل الأولى، أما زميلي الدكتور فإنه فضل الثانية، وعلل ذلك بأن الوقت ضيقة وأعصابنا مشدودة للسفر فإما أن نبقى في الفندق بدون نوم، أو ننام ويخشى أن تفوتنا الرحلة ونحن متعبون، فوافقت الزميل حتى لا نختلف، وللقناعة بتعليله وطلبنا من الأخ خليق أن يعود إلى بيته لينام، لأنه مقيم، ونحن مسافرون، ففعل بعد تردد؛ لأنه يريد أن يبقى معنا إلى أن نغادر المطار.
ويسر الله لنا مقعدين فارغين في لحظة من اللحظات، وهذه اللحظة أنذر من الكبريت الأحمر، لقلة المقاعد وكثرة من يريد القعود وجاء الزميل بعربة نقل الأثاث، فرصصنا حقائبنا عليها، وقربناها منا وقعدنا متلذذين بالقعود؛ لأن الناس واقفون، ومنهم القاعد في الأرض، بل ومنهم النائم.
[ ٢٣ / ١٣٤ ]
وكان بعض النائمين على المقاعد المجاورة لنا ينام فيشخر حتى يكاد يقفز، فيقع رأسه علي، ثم يقوم قليل ثم يعود، وكان زميلي يقوم ليستفسر عن وقت وزن العفش والإجراءات اللازمة ثم يعود.
* الكرتون أم الحقائب:
ورأيت أربعة من الشباب يقف كل منهم وراء الآخر، والخامس جلس بجانبي وأخذ يكلمني بلغته، وكنت قد سمعت من الهنود والباكستانيين كلمة نفعتني مع هذا الشباب، قلت له معلوم ني، أي لا أفهم ما تقول، ولكنه كان مصمما على مخاطبتي، وكأنه عين للجلوس معي لكونه يتكلف النطق ببعض الكلمات العربية يلهيني بها، وجماعته يفعلون ما يريدون فقال: أنا شويه كلام عربي: قلت له كيف تعلمت ذلك؟ وأنا أنظر إلى زملائه وهم يقتربون الواحد تلو الآخر، فإذا رأوني التفت نحوهم وقفوا.
قال: أنا في الرياض كنت هناك.
قلت: ماذا تعمل؟ قال: كنت بقالة هناك، أحمل كرتون، ثم سكت عنه، ولم أتكلم معه، ولم التفت إليه، لأني خشيت أن يحمل زملاؤه حقائب بدل الكرتون، وعندما يئسوا مني قام هو إليهم، وأخذوا يتهامسون وهم منصرفون عني، وجاء الزميل وأخبرته بالأمر، وكان هناك أيضا غير هؤلاء يحاول الاقتراب بحجة أنه يريد العربة ولكني صرفته بقوة.
وهكذا بتنا في مطار كراتشي إلى الساعة الخامسة والنصف صباحا وبدأ الناس يتحركون لإجراء اللازم، وزن العفش، وختم الجواز. فدخلنا إلى القاعة التي فيها إجراء تلك المعاملات، ووزن العفش ولأول مرة في رحلتنا يوزن العفش، لأن الشركات الأخرى تقرر للراكب ثلاث حقائب، فإذا زادت عن الثلاث بعد ذلك تزن عفشه. وقال الموظف لزميلي زاد عن الوزن المقرر خمسة كيلو فقال الزميل مشيها فمشاها، وكانت مخالفة للنظام ولكنها مشت.
موظف ثقيل:
[ ٢٣ / ١٣٥ ]
وبدأ طابور المسافرين يتزاحم، كل واحد يريد أن يسبق من قبله، والعدد كبير، والإجراءات يقوم بها اثنان فقط، وكان أحدهما ثقيلا في إجراءاته فوضويا في تنظيمه، فكان من مدّ له جوازه أخذه ويتأمل الجواز ثم البطاقة المرفقة سطرا سطرا، وإذا ختم الجواز، سمعت صوت الختم كأنه مطرقة نجار يدق بها وتدا، فتزاحم الناس عندها، وكان زميلي في الصف المتجه إليه، فنصحته أن يخرج من هذا الصف القصير الذي سيكون أقصر منه الصف الطويل الآخر، فخرج الزميل ودخل في الصف الآخر، وكان فعلا هذا الصف أسرع من ذاك على رغم طوله.
يوم الجمعة ٣٠/ ٨ وبعد انتهاء الإجراءات دخلنا إلى قاعة الانتظار وهناك صلينا الفجر، وفي الساعة السابعة والدقيقة الثلاثين أقلعت بنا الطائرة من مطار كراتشي إلى مطار الظهران فوق المحيط الهندي ثم الخليج العربي وكانت مدة الطيران ساعتين.
* في مطار الظهران:
ونزلنا في مطار الظهران، ودخلنا إلى قاعة الإجراءات، وكنت متعبا أكاد أسقط من شدة التعب والإعياء، وتزاحم الناس فلم نزاحمهم فكنا في آخر الناس، وعند الدخول كان مندوب الصحة واقفا يفتش البطاقات الصحية، وكانت بطاقتي معي وبطاقة زميلي نسيها في الحقيبة التي في الطائرة. وكان قبلي، قال له المندوب: أين البطاقة؟ فأجابه: نسيتها في الحقيبة التي في الطائرة، فقال له أدخل فدخل، أما أنا فكانت بطاقتي واضحة مع الجواز، ولكنه نظر إلي فوجدني أنفخ من شدة التعب فقال: كأنك مريض، قلت: متعب ولست مريضا خشيت أن يؤخرنا للكشف على اشتباها في حالتي.
واختلط الناس وصار المتأخر يتقدم والمتقدم يتأخر والموظف واحد فقط، فجلست أنا وزميلي ننتظر انتهاء الناس، ولكن بعد فترة جاء ركاب رحلة أخرى واختلطوا بركابنا حتى لم يجد الواقف مكانا لرجليه في الأرض إلا أن يدوس على أقدام غيره ويدوس غيره على أقدامه.
[ ٢٣ / ١٣٦ ]
وهنا وثب زميلي وأخذ جوازي وجوازه وأراد أن يفعل ما يفعل الناس وإلا فسوف تقلع الطائرة قبل أن ننتهي، وفعلا كان بعض أمواج الناس تقدمه وبعضها تؤخره، حتى يسر الله له الأمر فانطلقنا إلى الطائرة التي لم تقلع إلا بعد ساعتين من هبوطها.
إن النظام في الغرب يجبر صاحب الفوضى أن يحترمه، والفوضى في بلاد الشرق تجبر المتمسك بالنظام أن يتلبس بالفوضى اضطرارا؛ كأكل الميتة، ومن أولى بالنظام المسلم الذي نظم له الإسلام كل حياته أم الكافر الذي كفره كله فوضى.
وفي تمام الساعة الحادية عشرة والدقيقة الخامسة، نزلنا في مطار جدة ودخلنا في قاعة الجمرك فانتظرنا أثاثنا الذي تأخر ما يقارب ساعتين أو أكثر واتصلنا بالخطوط السعودية، إن كان قد تم الحجز لنا عن طريق مكتب السعودية في كراتشي، الذي وعدنا موظفوه بالحجز على الرحلة ٩١٣ التي غير موعدها في جدة إلى ٩١٤ فلم نجد أسماءنا عندهم. واتصلنا ببعض إخواننا في جدة فجاء إلينا ونقلنا إلي بيته لنستريح قليلا، ثم ذهبنا إلى المطار ويسر الله لنا السفر وقد كدنا نيأس.
وكان موعد إقلاع الطائرة الساعة الثالثة والنصف مساء، ولكنه غير كما غير رقمها أقلعت في الساعة الخامسة والدقيقة الخامسة والأربعين.
وكان هبوطها في الساعة السادسة والدقيقة العشرين، وكانت آخر محطة لسفرنا، كما كانت أول محطة لسفرنا قبل أربعين يوما والحمد لله رب العالمين.
* نتائج الرحلة:
لقد استغرقت رحلتنا أربعين يوما زرنا خلالها، لندن ونيويورك، وأندينا، وديترويت وشيكاغو، وطوكيو، وهنغ كنغ، وكراتشي، ولاهور وخرجنا بالنتائج الآتية:-
أ- عامة العالم الغربي لا يعرف عن الإسلام شيئا، اللهم إلا تشويهه من قبل أعدائه من اليهود وأتباعهم من أهل المذاهب الهدامة، وسوء سلوك المنتسبين إليه الذين يرى فيهم أهل الغرب أحط الأخلاق، ويفسرون الإسلام بسلوكهم؛ وذلك دون شك ينفر الناس منه.
[ ٢٣ / ١٣٧ ]
٣- المسلمون في الغرب أصناف: صنف يفهم الإسلام فهما جيدا، ويحاول تطبيقه في نفسه، والدعوة إليه، ولكنهم قليلو الإمكانات. وهؤلاء يجب دعمهم بكل ما هو متاح من مال ومرشدين وأساتذة ومدارس ومساجد وفي وغير ذلك.
صنف متحمس للإسلام، ويود تطبيقه بكل ما أوتى من قوة، ولكنه يجهل الإسلام جهلا فاحشا،ويطبقه تطبيقا مبنيا على هذا الجهل، وهذا الصنف يجب أن يمد بالدعاة العلماء الحكماء والكتاب السليم والمنح الدراسية.
صنف يظهر تحمسا للإسلام والدعوة إليه في نطاق خاص من البشر، ويظهر قبول تصحيح مفاهيمه ولكنه لازالت أفكاره الخاطئة تنشر في كتب ومجلات، ولهم اتصال ببعض أعداء الإسلام، كاليهود والقاديانية. وهذا الصنف كسابقه ينبغي أن يمد بالدعاة والمنح الدراسية والكتاب.
صنف واضح الخطورة، وهم الذين ينضمون إلى الماسونية، أو غيرها من الأحزاب الهدامة. وهذا الصنف الأخير يجب التحذير منه، وعدم مدّ يد العون له مطلقا.
٣- جامعات الغرب مفتوحة للنشاط الإسلامي، وكثير منها بها أقسام عربية، وأديان مقارنة، بما فيها الدين الإسلامي وفيها من الحرية ما يسمى بالنقاش والمناظرة، حتى من قبل الطلبة المسلمين. فلو كان طلبتها على مستوى جيد من الثقافة الإسلامية لكان لهم تأثير عظيم في شباب الجامعات الغربية، بل وأساتذتها الذين يعطون الطالب الحرية الكاملة في النقاش والأخذ والرد. ولكن المؤسف أن أغلب الطلبة على العكس من ذلك يقبلون ما يقال عن دينهم من تشويه؛ لعدم ثبات عقيدتهم وقلة ثقافتهم الإسلامية إن لم يكن انعدامها وبعض الجامعات يودّ لو كان بها أساتذة مسلمون حقا في الشريعة الإسلامية يبثون حقائق الدين الإسلامي، بأساليب علمية وإن كان في نفس تلك الجامعات من لا يرضى بذلك ولا يطيقه.
[ ٢٣ / ١٣٨ ]
وقد أخبرنا بعض أعضاء المركز الإسلامي في طوكيو أنه قد تمت الموافقة في جامعة تشوا على إنشاء كرسي للدراسات الإسلامية، وأنهم طلبوا-لعله من الرابطة ومن بعض الجامعات العربية- أساتذة مسلمين ينتدبون لتدريس أساتذة الجامعة المذكورة الشريعة الإسلامية في السنة الأولى، وفي السنة الثانية يشترك الأساتذة المسلمون واليابانيون في تدريس الطلبة، وفي السنة الثالثة يفتح قسم لتدريس الشريعة الإسلامية. والجامعة المذكورة مختصة لتدريس القانون المقارن وأهلها راغبون في دراسة الشريعة الإسلامية فأين المؤسسات الإسلامية التي تغزو هذه الجامعة وأمثالها؟
٤- أحسن عمل نافع للدعوة الإسلامية: هي المنح الدراسية، وفتح المدارس والكليات في العالم على أن تكون مدارس عملية، يلحق بها مسجد وقاعة محاضرات، وقسم داخلي ومستوصف صغير، وهذا تفعله الكنائس في العالم ولا نجاح لها إلا بذلك. أما الكنائس التي تخصص للعبادة فقط بدون خدمات فإنها أخفقت. والناس يريدون عملا قبل الكلام، والمدارس أثبت وأنجح من مرشدين يمرون كسحابة صيف تنقشع بسرعة، وإن كان هذا أمرا لابد منه لإقامة الحجة.
وفتح المدارس في العالم ليس متعذرا، فبعض الدول فيها من الحرية ما يسمح بذلك مثل أمريكا، ومنها ما يمكن فيه مساعدة الأهالي المسلمين، وهم الذين يفتحون المدارس ويعانون بالمال والمدرس والكتاب.
٥- نرى أن من أنفع الأمور للدعوة ونشرها أن يكون للجامعة إدارة مختصة بترجمة الكتب القديمة والحديثة باللغات المختلفة لنشرها في البلدان الأجنبية.
[ ٢٣ / ١٣٩ ]
وفي إمكان الجامعة أن تختار من طلبتها المتخرجين من يجيدون تلك اللغات مثل الإنجليزية والفرنسية والسواحلية والأردية واليابانية والتركية والصينية. وإذا لم يوجد بعض الطلبة في بعض اللغات فيمكن التماس من يجيدون ذلك من خارج الجامعة. فكتاب صحيح البخاري المترجم نفع نفعا عظيما في الغرب، والناس يطلبونه بإلحاح، ويشترونه بأموالهم. وبالمناسبة فإن أحد الباكستانيين طبع الكتاب المذكور بإذن من مترجمه، وحقوق الطبع أصبحت له، والناس مما يشكون منه بأنه استغله استغلالا فاحشا؛ فيجب تنبيه المترجم. كما أن الناس في الغرب يعتمدون على أي كتاب تقع عليه أيديهم يترجم معاني القرآن الكريم وأكثر الترجمات غير سليمة؛ لذلك نوصي بطبع كميات ضخمة من ترجمة الدكتور محمد محسن خان لتوزيعها في العالم.
٦- لقد لمسنا نفع المتخرجين من الجامعة الإسلامية أينما حللنا لما يتمتعون به من فهم مباشر لكتاب الله وسنة رسوله عن طريق اللغة الأصلية لهما، ولكونهم أحسن سلوكا من غيرهم في الغالب. ولكن وجدنا أنهم في حاجة ماسة إلى التدريب العملي على أساليب الدعوة وعلى الانفتاح على الثقافات العالمية، والشبهات التي تثار سواء كانت في العقيدة أم في العبادة أم في الشريعة. وقد سبق أن قدمت بعض الاقتراحات لمجلس شئون الدعوة، وصورة لفضيلة نائب رئيس الجامعة تتضمن ما قد يساعد في هذا الباب.
فإن طلبة الجامعة يبقون عندنا على الأقل أربع سنوات، وتنفق على تعليمهم الأموال الطائلة؛ فيجب أن نكمل المشوار بتدريبهم عمليا على الدعوة. وإن حرص الجامعة على السلوك الحسن لطالب الجامعة من أعظم ما يميز طالب الجامعة عن غيرها. ولكن يجب أن يكون ذلك عن طريق الإقناع، والتربية العملية أولا ومن لم ينفع معه الإقناع والتربية، فليجبر على السلوك الحسن تنفيذا لقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولقد رأينا فرقا واضحا بين النوعين في بلاد المغريات.
[ ٢٣ / ١٤٠ ]
المتخرجون الذين يعملون مع الرابطة أو إدارة الدعوة لا تكفيهم رواتبهم في الغرب؛ لأن الراتب ثمانمائة دولار تقريبا والأسعار، هناك مرتفعة جدا وأجور المنازل كذلك وما من أحد منهم وجدناه إلا وهو يشكو من الدين، وقلة ذات اليد. والمفروض أن الداعية يزود بما يكفيه؛ فإنفاق المال على الدعاة إلى الله وكفايتهم أمر لابد منه، ولا يليق بالمسلمين أن يسبقهم إلى البذل أعداء الإسلام- كالمسيحيين وأشباههم؛ لذلك نرى ضرورة تنبيه الجهات المختصة إلى ذلك.
٧- العالم الغربي لا يعرف عن العالم الإسلامي -ومنه العالم العربي ومشاكله- إلا ما ينشره أعداء الإسلام في الغرب، لأن أجهزة الإعلام كلها في أيدي شركات وأغلب الشركات يسيطر عليها اليهود. ومن السهل على المسلمين أن تكون لهم هناك أجهزة إعلام: محطات إذاعية قنوات تليفزيونية جرائد ومجلات تبين فيها للغربيين محاسن الإسلام، وترد على خصومه، وتشرح كذلك للناس مشاكل المسلمين السياسية والاجتماعية. فان شركات صغيرة لها ذلك في الغرب، بل أفراد، فكيف بمؤسسات إسلامية ودول، ألا ليت قومي يعلمون فيعملون.
ويمكن أن تساعد الجمعيات والاتحادات الإسلامية الصالحة لتقوم بالمهمة هناك. وإذا كان الإسلام دين البشرية كلها ولها حق على المسلمين أن يبلغوها ذلك الدين وطرق التبليغ ميسرة والإمكانات المادية موجودة والمتعاونون من المسلمين في تلك البلاد موجودون ويمكن أن يتعاقد مع الصالحين من المسلمين من جميع البلدان الإسلامية باللغات المختلفة للقيام بنشر الدعوة عن طريق أجهزة الإعلام والمدارس فهل بقي عذر للمسلمين القادرين؟.
[ ٢٣ / ١٤١ ]
ولقد تجسمت لي عاطفة الأستاذ الندوي وكل في عنوان كتابه المشهور (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) في هذه الرحلة أكثر من أي وقت مضى -على الرغم من أنّي قرأت الكتاب مرات- ولكني تخيلت الأستاذ الندوي تدمع عيناه مع قلمه وهو يكتب العنوان. وحقا لقد كانت خسارة العالم فادحة: فإن الغرب قطع أشواطا بعيدة في الصناعة والتجارة والإدارة وغيرها من النظام التي تحقق له الرفاهية المادية في ظاهر الأمر، ولكنه يلهث لما يحقق له الراحة الحقيقية راحة القلب وطمأنينته. وهذه لا توجد إلا عند المسلمين: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ والمسلمون يأكلون ويشربون وينامون متناسين أن لهم في رسول الله ﷺ أسوة حسنة والله تعالى قد قال لنبيه ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، ومتناسين أنهم خير أمة أخرجت للناس. يجب عليهم أن يقودا البشرية الضائعة إلى الله مع وجود الإمكانات الهائلة في جميع المجالات. وعلى الجامعة الإسلامية بالذات أن تحمل عبئها وأن تنفذ كل ما تقدر عليه من توصيات مؤتمر الدعوة، وتوجيه الدعاة الذي دعت إليه وعلى مجلس شئون الدعوة أن يصل ليله بنهاره لدراسة شئون الدعوة فعلا والتخطيط لمستقبلها في الدنيا دون نظر لشيء غير الواجب الملقى على عاتقه ولا يكون كبقية المجالس التي تجتمع وتنفض بالتألم والتأوه دون نتائج تذكر. ولقد بدا لي أن كثيرا من المراكز الإسلامية الرسمية في العالم ماهي إلا فقاقيع تحب أن تحمد بما لا تفعل. فلا يجوز الركون إليها ولا الثقة بتقاريرها.
[ ٢٣ / ١٤٢ ]
وأين نحن من مراكز الصليبية التي غزت كل العالم بكل ما عندها من قوة مادية ومعنوية. والله لو كان دين الصليبية المحرف فيه شيء يوافق الفطرة ويقربه إلى العقل لكان الناس قد دخلوا في الدين المذكور. ولكنه يخالف الفطرة والعقل؛ ولذلك تذهب جهودهم سدى إذا استثنينا إخراج المسلمين الجهال بدينهم من إسلامهم.
ولقد رأيت بأم عيني في لندن مجموعة من البشر، أرخت شعورها وأطلقت لحاها وشواربها ومعها أدوات الموسيقى ومعهم بعض النساء وهم يضربون الدفوف ويرقصون ويغنون فسألت ماذا يقول هؤلاء: فقالوا يقولون أين الطريق أو كيف السبيل إلى البيت من جديد وذكروا أن هؤلاء من أغنياء الناس خرجوا من منازلهم المترفة وتركوا أموال آبائهم الطائلة وسياراتهم الفخمة يبحثون عن راحة القلب وطمأنينته فلم يجدوها، ويريدون أن يعودوا إلى البيت فعلا ولكنهم لا يطيقون أيضا؛ لأنهم قد جربوه فقلت لزميلي يطلب منهم أن يتفاهموا معي فإن عندي ما يريحهم وحقا كنت في غاية الحسرة عليهم ولقد دمعت عيناي وإن كان الحاضرون يضحكون منهم فقال أحد المرافقين لنا إنهم لا يثقون في أحد يدلهم على سبيل الراحة ولا يتفاهمون بل ربما يضربون الذي يقول لهم إن عنده سبيلا إلى راحة قلوبهم؛ لأنهم قد يئسوا من المجتمع. وقد كنت أظن أن ما يسمونه بالهيبز أمثال هؤلاء فقراء لم يحصلوا على من يعنهم أو على أعمال تدر عليهم الرزق ففعلوا ما فعلوا. ولكن الأمر انعكس فأين المسلمون الذين يدلون، هؤلاء على راحة قلب واستقرار الضمير و(ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين)
[ ٢٣ / ١٤٣ ]
٨- هذا. وقد حاولت جهدي أن يكون وصفي لأخلاق الغربيين وعاداتهم عادلًا غير جائز، وقد يغضب غاضبون ما لذكري بعض أوصافهم المحمودة، كالتقيد ببعض الأنظمة المفيدة، والنظافة والجدّ في الأعمال المادية النافعة، غير أني أنطق في تحليلي لتلك الأخلاق الإيجابية، وغيرها من أخلاقهم الذميمة السلبية من منطلقي العقدي الذي أدين الله تعالى به، وهو الإسلام فأزنها كلها بميزانه، وأشير إلى أن أخلاقهم المحمودة مبنية على غير أساس، ولذلك شبهت حضارتهم المادية ببالون الأطفال الذي يعجبهم منظره ولكنه سرعان ما ينفجر فيصبح مزقا ترمى في القمامة، وقد يغضب أيضا لهذا غاضبون، وليس غضب هؤلاء ولا أولئك بضائر؛ لأن الله قد أمرنا بالعدل في كتابه ولو كان الذي يستحقه مبغوضا عندنا شرعا، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ .
إذا وجدت في الإنسان صفتان: إحداهما محمودة، والأخرى مذمومة، فالحق أن يحمد على ما يحسن ويذم على ما يقبح ولا يجوز الثناء عليه مطلقا، ولا ذمه مطلقا ولقد أحسن، الشاعر إذ قال:
الشيب كره وكره أن أفارقه
فاعجب لشيء على البغضاء محمود
وصلى الله وسلم على سيدنا وحبيبنا ونبينا ورسولنا محمد وعلى آله وأصحابه
[ ٢٣ / ١٤٤ ]