(بين النحويين واللغويين واستعمالاتها في العربية)
لفضيلة الدكتور مصطفى أحمد النماس
المدرس بكلية اللغة العربية -جامعة الأزهر
(الحلقة الثانية)
آراء العلماء في فعل وأفعل بمعنى واحد:
رأى ابن درستويه في مجيء فعل وأفعل بمعنى واحد وقد أورده السيوطي في المزهر [١] قال:
قال ابن درستويه في شرح الفصيح [٢]: لا يكون فعل وأفعل بمعنى واحد كما لم يكونا على بناء واحد إلا أن تجيء ذلك في لغتين مختلفتين فأما من لغة واحدة فمحال أن يختلف اللفظان والمعنى واحد كما يظن كثير من اللغويين والنحويين، وإنما سمعوا العرب تتكلم بذلك على طباعها وما في نفوسها من معانيها المختلفة، وعلى ما جرت به عادتها وتعارفها ولن يعرف السامعون تلك العلة فيه والفروق فظنوا أنهما بمعنى واحد وأولوا على العرب هذا التأويل من ذات أنفسهم فإن كانوا قد صدقوا في رواية ذلك عن العرب فقد أخطؤوا عليهم في تأويلهم ما لا يجوز في الحكمة وليس يجيء شيء من هذا الباب إلا على لغتين متباينتين كما بينا أو يكون على معنيين مختلفين أو تشبيه شيء بشيء على ما شرحناه في كتابنا الذي ألفناه في افتراق معنى فعل وأفعل.
[ ٢٢ / ١٩٩ ]
ومن ههنا يجب أن يتعرف ذلك وأن قول ثعلب: وقفت الدابة ووقفت أنا، ووقفت وقفا للمساكين لا يجوز أن يكون الفعل اللازم من هذا النحو، والمجاوز على لفظ واحد في النظر والقياس لما في ذلك من الإلباس، وليس إدخال الإلباس في الكلام من الحكمة والصواب، وواضع اللغة ﷿ حكيم عليم، وإنما اللغة موضوعة للإبانة عن المعاني، فلو جاز وضع لفظ واحد للدلالة على معنيين مختلفين أو أحدهما ضد للآخر لما كان ذلك إبانة بل تعمية وتغطية ولكن قد يجيء النادر من هذا لعلل، كما يجيء فعل وأفعل فيتوهم من لا يعرف العلل أنهما لمعنيين مختلفين وإن اتفق اللفظان، والسماع في ذلك صحيح من العرب فالتأويل عليهم خطأ وإنما يجيء ذلك في لغتين متباينتين، أو لحذف واختصار وقع في الكلام حتى اشتبه اللفظان وخفي سبب ذلك على السامع وتأول فيه الخطأ وذلك أن الفعل الذي لا يتعدى فاعله إذا احتيج إلى تعديته لم تجز تعديته على لفظه الذي هو عليه حتى يُغير إلى لفظ آخر إما بأن يزاد في أوله همزة [٣] أو يوصل به حرف جر بعد تمامه ليستدل السامع على اختلاف المعنيين إلا أنه ربما كثر استعمال بعض هذا الباب في كلام العرب حتى يحاولوا تخفيفه فيحذفوا حرف الجر منه كقولهم: كلته -وزنته أي كلت له وزنته له فيعرف بطول العادة وكثرة الاستعمال وينوب المفعول وإعرابه فيه عن الجار والمجرور المحذوف، أو يشبه الفعل بفعل آخر متعد على غير لفظه فيجري مجراه لاتفاقهما في المعنى كقولهم حبست الدابة وحبست مالًا على المساكين.
[ ٢٢ / ٢٠٠ ]
وقد استقصينا شرح ذلك كله في كتاب فعلت وأفعلت بحججه ورواية أقاويل العلماء فيه وذكر علله والقياس فيه اهـ، وقال في موضع آخر، أهل اللغة أو عامتهم يزعمون أن فعل وأفعل بهمزة وبغير همزة قد يجيئان لمعنى واحد وإن قولهم دير بي وأدير بي من ذلك وهو قول فاسد في القياس والعقل مخالف للحكمة والصواب، ولا يجوز أن يكون لفظان مختلفان لمعنى واحد إلا أن يجيء أحدهما في لغة قوم والآخر في لغة غيرهم، كما يجيء في لغة العرب والعجم أو في لغة رومية ولغة هندية.
وقد ذكر ثعلب أن أدير بي لغة فأصاب في ذلك وخالف من يزعم أن فعلت وأفعلت بمعنى واحد، والأصل في هذا قد درت وهو الفعل اللازم ثم ينقل إما بالباء وإما بالألف فيقال: قد دير بي أو أدرت فهذا القياس.
ثم جيء بالباء مع الألف فقيل: قد أدير بي كما قيل قد أسرى بي على لغة من قال أسرى في معنى سرى لأن إدخال الألف في أول الفعل والباء في آخره للنقل خَطأ إلا أن يكون قد نقل مرتين إحداهما بالألف والأخرى بالباء [٤] اهـ.
رأي ابن قتيبة:
وقال ابن ابن قتيبة [٥] باب فعلت وأفعلت بإتقان معنى.
جد فلان في أمره وأجد، ويقال فلان جاد ومجد، لاق الدواة وألاقها "الفراء"أضاء القمر وضاء وأنشد غيره للعباس بن عبد المطلب عم الرسول يمدح النبي ﷺ.
ض وضاءت بنورك الأفق
أنت لما ظهرت أشرقت الأر
وقال الفراء أوحى ووحى وأومأ وومأ وقال غيره محصته السوء وأمحصته، وسلكته وأسلكته. قال الله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ .
وقال الهذلي:
شَلاَّ كما تطرد الجَمَّالة الشُرُدا
حتى إذا أسلكوهم في قتائدة
[ ٢٢ / ٢٠١ ]
عمَّر الله بك دارك وأعمرها، أمر الله ما له وأمر، نضر الله وجهك وأنضره، مددت الدواة وأمددتها وأمددته بالرجال لا غير، خلف الله عليك بخير وأخلف، نهج الثوب وأنهج إذا بلى، سكت القوم وأسكتو، وصمتوا وأصمتوا، خلق الثوب وأخلق، سمح الرجل وأسمح محَّ الكتاب وأمحَّ إذا درس، ينعت الثمرة وأينعت، نسل الوبر وأنسل إذا وقع، سندت في الجبل وأسندت، قطرت عليه الماء وأقطرت، خلد إلى الأرض وأخلد، نزفت البئر وأنزفتها، جلب الجرح وأجلب إذا صارت عليه جلبة، قدعته وأقدعته، فتنته وأفتنته، ساس الطعام وأساس إذا سوس، وداد وأدادا إذا دود، سريت وأسريت، كنبت يداه وأكنبت إذا اشتدت وغلظت، سوءت به ظنا وأسأت الظن، قتر الرجل وأقتر إذا قل ماله، خفقت الأمر وأخفقته وهرقت الماء وأهرقته، زها البسر وأزهى، شنقت القربه وأشنقتها إذا شددت رأسها، قصر عنه وأقصر عنه، زكا الزرع وأزكى الزرع، جمَّت الدابة وأجمت، قتله البيع وأقتله، سار الدابة وأسارها، مُطرنا وأُمطرنا، وأبو عبيدة يفرق بينهما، غسا الليل يغسو وأغسى إذا أظلم، حشمته وأحشمته، أغضبته. زننت به خيرًا وأزننت، جهده السير وأجهده، جرمت وأجرمت من الجرم، خلا المكان وأخلى، عسرت الرجل وأعسرته إذا طلبت الدين منه على عسرة خفق الطائر بجناحيه وأخفق، سقفت الباب وأسقفته، ثاب جسمه وأثاب، أجرت الغلام وآجرته، ذرت الريح وأذرت، لغطوا وألغطوا، وضجوا وأضجوا.
نبت البقل وأنبت، رجنت الشاة وأرجنت، ثرى الرجل وأثرى إذا أيسر، رجف وأرجف إذا أعيا، سحته الله وأسحته إذا استأصله، وقرىء فيسحتكم وفيسحتكم، (بفتح الياء وضمها)، جاح الله ماله وأجاحه، هديت العروس وأهديتها، عرض لك الخير وأعرض حدت المرأة وأحدت، فرزت الشيء وأفرزته.
[ ٢٢ / ٢٠٢ ]
عقم الله رحمها وأعقمها، حدق القوم به وأحدقوا، أوخفت الخطمى ووخفته، دجنت السماء وأدجنت، جلبوا عليهم وأجلبوا إذا صاحوا، لاذوا به وألاذوا وجرته الدواء وأوجرته، صلَّ اللحم وأصلَّ، وخمَّ وأخمَّ، سعرني شرا وأسعرني، مهرت المرأة وأمهرت، شار العسل وأشار، عذر الغلام وأعذره، ضب الرجل وأضب إذا سكت، صددت الرجل وأصددته، صردت السهم وأصردته إذا أنفذته، وعيت العلم وأوعيته، وأوعيت الطعام لا غير، وفيت بالعهد وأوفيت به، وأوفيت الكيل لا غير، غللت وأغللت من الغلول، لحدت القبر وألحدته، ولحد الرجل في الدين وألحد، وقرئ يَلحدون يُلحدون (بفتح الياء وضمها) بدأ الله الخلق وأبدأ وقال ﷿ ﴿يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾، بشرت الرجل وأبشرته وبشرت الأديم وأبشرته إذا قشرت ما عليه.
[ ٢٢ / ٢٠٣ ]
قبل وأقبل، ودبر وأدبر، وقح الحافر وأوقح، جهشت في البكاء وأجهشت، جمع القوم رأيهم وأجمعوا رأيهم، سمل الثوب وأسمل، عصفت القارورة وأعصفتها، حل من إحرامه وأحل، بل من مرضه وأبل أي نجا، ثويت عنده وأثويت، منيت وأمنيت من المني، مذيت وأمذيت، من المذي، طافوا به وأطافوا، حال في متن فرسه وأحال، صرَّ الفرس أذنه وأصرَّ، مر الطعام وأمر، وقعت بالقوم في القتال وأوقعت، نويت النوى وأنويته، إذا أكلت التمر ورميت بالنوى، غمي عليه وأغمي، مطيت عنده وأمطيت تنحيت، وكذلك مطت غيري وأمطيته، هذا قول أبي زيد وقال الأصمعي مطت أنا وأمطيت غيري لا غير، قمعت الرجل وأقمعته، صعقتهم السماء وأصعقتهم، ألقت عليهم صاعقة، قمسته في الماء وأقمسته إذا غططته، مضَّني وأمضَّني، قال الأصمعي أمضَّني بالألف ولم يعرف غيره، صليت الشيء في النار وأصليته نجوت الجلد عن اللحم، وأنجيته إذا قشرته، جننته في القبر وأجننته، ربعت عليه الحمى وأربعت، وغبت عليه وأغبت، رميت على الخمسين وأرميت زدت، كلأت الناقة وأكلأت، إذا أكلت الكلأ، حكمت الفرس وأحكمته، ورسنته وأرسنته، رحبت الدار وأرحبت إذا اتعست، جهرت بالقول وأجهرت، خسرت الميزان وأخسرته نقصته، حصُر الرجل من الغائط وأحصر، صقعت الأرض وأصقعت من الصقيع، عَنَدَ العِرْقُ وأعند إذا سال أكثر، لخيت الغلام وألخيته إذا أوجرته الدواء، فرشته فراشًا وأفرشته، صرَّت إليَّ رأسه وأصرته إذا أملته ضنأت المرأة وأضنأت إذا كثر ولدها، هلكت الشيء وأهلكته. قال العجاج: ومهمه هالكٍ مَنَ تَعَرَّجا بمعنى مهلك، هذا قول أبو عبيد وقال غيره أي هالك المتعرجين أي من عرج فيه واحتبس هلك.
[ ٢٢ / ٢٠٤ ]
جذا الشيء وأجذى إذا ثبت قائما، زلت الشيء وأزلته، رفل من مشيته وأرفل، وضعت في مالي وأوضعت، ووكست وأوكست، زحفت في المشي وأزحفت أعييت، أويته وآويته، وأويت إلى فلان مقصور لا غير، حلت في ظهر دابتي وأحلت إذا وثبت عليه، حشت عليه الصيد وأوحشت، قصرنا وأقصرنا في قصر العشىِّ.
وكف البيت وأوكف، خطل في كلامه وأخطل، حاك فيه القول وأحاك أي نجح، غمدت سيفي وأغمدته، رشَّت السماء وأرشَّت، وطشَّت وأطشَّت، هلت عليه التراب وأهلت، نار الشيء وأنار، خذ ما طف لك وأطف، شمس يومًا وأشمس، حالت الدار وأحالت من الحول، وبان وأبان، حضرت حتى عنت وأعينت أي بلغت العيون، طلق يده بالخير وأطلق رملت الحصير وأرملته، وسفقته وأسفقته نسجته، برا الله حجك وأبره، وسعده الله وأسعده ونعشه الله وأنعشه، قطبت الشراب وأقطبته فرجته، شظظت الوعاء وأشظظته من الشظاظ، رجعت يدي وأرجعتها، لمحته وألمحته، تبله الحب وأتبله، جلا القوم عن الموضع وأجلوا تنحوا عنه، وأجلوتهم.
قال أبو ذؤيب:
ثبات عليها ذُلُّها واكتئابها
فلما جلاها بالأيام تحيرت
يعني مشتار العسل جلاها عن موضعها بالدخان ليشتاره.
لاح الرجل وألح أي أشفق، سقت إليها الصداق وأسقته، جفلت الريح وأجفلت، خوت النجوم وأخوت إذا سقطت ولم تمطر، غبش الليل وأغبش أظلم، ذرق الطير وأذرق، صم الرجل وأصم، غامت السماء وأغامت، خلف فوه وأخلف، زففت العروس وأزففتها، وعزت إليك في الأمر وأوعزت، شنقت الناقة وأشنقتها، إذا كففتها بزمامها، وسنفتها وأسفنتها من السناف، بقَّت المرأة وأبقَّت كثر ولدها، وقد بقفت يا رجل وأبقفت إذا كثر كلامه.
حرست الناقة وأحرستها إذا سرت عليها حتى تهزل، قحدت الناقة وأقحدت إذا صار مقحادا وهي العظيمة السنام، وهنه الله وأوهنه قال طرفة أنني لست بموهون فقر.
فقال الآخر:
إلا لتوهن آمن العظْم
أقتلت سادتنا بغير دم
[ ٢٢ / ٢٠٥ ]
صغوت إلى الرجل وأصغيت، ذروت الحب وأذريته الفراء، وجملت الشحم وأجملته أذبته، نجزت الحاجة وأنجزتها قضيتها، ركست الشيء وأركسته إذا رددته قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ يروى في التفسير ردهم إلى كفرهم ابن العربي، مرأني الطعام وأمرأني، وروى لطَّ دون الحق بالباطل وألطَّ، وقول الناس الإلطاط وهو ملط من هذا، ويروى كفأت الإناء وأكفيته، ألفت المكان وآلفته، نكرت القوم وأنكرتهم، نعم الله بك عينًا وأنعم، جدب الوادي وأجدب، وخصب وأخصب، وبأت الأرض وأوبأت، وحطبت وأحطبت، وعشبت وأعشبت، وبقلت وأبقلت، وضبعت الناقة وأضبعت اشتهت الفحل، لحقته وألحقته ومنه إن عذاب بالكفار ملحق أي لاحق، قويت الدار وأقوت، زكنت الأمر وأزكنته، خطئت وأخطأت.
وقال الله تعالى: ﴿لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخَاطِئُونَ﴾ .
وقال الشاعر:
رب بِكَفَّيْكَ المنايا لا تموت
عبادك يخطئون وأنت
ردفته وأردفته، ملح الماء وأملح، ونتن الشيء وأنتن، أعورت عينه وعرتها، دير بالرجل وأدير من دوار الرأس، مرع الوادي وأمرع انتهى كلام ابن قتيبة.
قال في لحن العامة [٦] فعل وأفعل: يخلطون بين هذين الوزنين ففي العربية أفعال جاءت على وزن أفعل ينطقونها ثلاثية على فعل فيقولون: ضج القوم، وحكّني رأسي وأحس كذا وشرعت الرمح، وعييت، وحسن الشيء ومسكت كذا وصح الله بدنك، وعازني الشيء وباده الله وخزاه.
وشبه فلان أباه وصحت السماء فهي صاحية، وجبرت فلانا على كذا، وفلان يأوي اللصوص، وكل هذه الأفعال رباعية في اللغة العربية على أفعل.
[ ٢٢ / ٢٠٦ ]
وحدث عكس ما سبق أيضًا قالوا: أرفدت فلانا وأرسنت الدابة، وأردمت الباب وأسعرهم شرًا، وأشملت الريح، وأشغلت فلانا، وأشفاك الله وأصرفته عما أراد، وأعناني الشيء، وأقلينا الماء، وأقست الشيء وأكريت النهر، وأكببت فلانا على وجهه، وأنعشه الله وأنجع الدواء، وأنبذت، وأوقفت دابتي، وأهديت العروس، وصواب كله على وزن فعل لا فعل وهذا الباب أعني الخلط بين فعل وأفعل قد شاع من القرن الثالث الهجري فعالجه ابن السكيت في إصلاح المنطق [٧]، وابن قتيبة في أدب الكاتب [٨]، وثعلب في الفصيح.
وقد صنفت في باب (فعل وأفعل) كتب خاصة للأصمعي وأبي عبيد القاسم بن سلام وأبي إسحاق الزجاج [٩] .
أفعال ينطقها العامة بالهمزة والفصيح بدونه
وقد عقد لها ابن السكيت في كتابه إصلاح المنطق [١٠] .
تقول نعشه الله يَنْعَشَه أي رفعه الله ومنه سمى النعش نعشًا لارتفاعه ولا يقال أنعشه: وتقول: نجع فيه الدواء، وقد نجع في الدابة العلف ينجع ولا يقال قد أنجع فيه.
ويقال قد نبذت نبيذًا وقد نبذت الشيء من يدي إذا ألقيته فقال: أبو محمد أنشدني غير واحد:
كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا
نظرت على عنوانه فنبذته
ومنه قوله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ ولا يقال أنبذت نبيذًا. وقد شغلته ولا يقال سعرهم شرًا ولا يقال أسعرهم، وقد رعبته إذا أفزعته وكذلك رعبت الحوض إذا ملأته وهو مرعوب.
قال الهذلي أبو خراش:
من الفُرنّى يرعبها الجميل
نقاتل جوعهم بمكلاّت
ويقال جملت الشحم إذا أذبته وكذلك أجتملت وقال مليح بن الحكم الهذلي:
ودقة فتروى وأيما كل واد فيرعب
بذي هيدب أيما الربا تحت
أيما في معنى أما.
وقد هزلت دابتي وكذلك هزل في منطقه يهزل ويقال قد أهزل الناس إذا وقع في أموالهم الهزال.
وقد كفأت الإناء فهو مكفوء إذا قلبته.
[ ٢٢ / ٢٠٧ ]
ويقال قد قلبت الشيء وأقلبته قلبًا، وقد قلبت الصبيان وصرفتهم بغير ألف.
وقالوا أقلبت الخبزة إذا نضجت وأنى لها أن تقلب. وقد وقفت دابتي وقد وقفت وقفًا للمساكين، ووقفته على ذنب كله بغير ألف.
وحكى الكسائي: ما أوقفك هاهنا؟ أي شيء أوقفك هاهنا؟ صيرك إلى الوقوف.
قال الأصمعي: جنبت الريح وشملت وقبلت وصبت ودبرت كله بغير ألف.
ويقال قد برقت السماء وأرعدت وقد برق ورعد إذا تهدد وأوعد، قال ولم يكن يرى بيت الكميت حجة لأنه عنده مولد وهو قوله.
فما وعيدك لي بضائر.
أبرق وأرعد يا يزيد
وحكى أبو عبيدة وأبو عمرو: برق ورعد، وأبرق وأرعد إذا تهدد وأوعد، الفراء يقال: وعدته خيرا ووعدته شرا بإسقاط الألف فإذا أسقطوا الخير والشر قالوا في الخير وعدته وفي الشر أوعدته، وفي الخير الوعد والعدة وفي الشر الإيعاد والوعيد وإذا قالوا أوعدته بالشر أو بكذا أثبتوا الألف مع الياء وأنشد.
رجلي ورجلي شثنة المناسم
أوعدني بالسجن والأداهم
ويقال قد كببته لوجهه وكب الله الأبعد لوجهه ولا يقال أكب الله، ويقال قد علفت الدابة وقد رسنتها بغير الألف.
وقد حششت بعيري، وقد حميت المريض وأحمية حمْيَة وقد حميت أَنَفًا أن أفعل كذا وكذا حمية ومحمية إذا أنفت أن تفعله.
ويقال: عبته ولا يقال أعبته، وحدرت السفينة ولا يقال أحدرتها، وعن غير يعقوب حميت المكان وأَحْميته أي جعلته حمى لا يقرب، ومنعت الناس منه وكذلك المسمار وأحميته أنشدنا أبو الحسن ويعقوب وغيره.
وأحمى ما يليه من الإجام
حمى أحماته فَتُركن قفرا
وقد رفدته ولا يقال أرفدته.
وقد عقد لها الزجاج في كتاب فعلت وأفعلت باب ما تكلم فيه بفعلت دون أفعلت وما اختير فيه فعلت [١١] على أفعلت.
[ ٢٢ / ٢٠٨ ]
يقال بهأت به وبهئت به إذا أنست به وبردت عيني أبردها وبرد الماء حرارة جوفي بردا وبحرت أذن الناقة شققتها وبترت الشيء قطعته من أصله.
تنح بالمكان وتنأ به أقسام به وتمك السنام إذا ارتفع.
ثنيت الشيء عطفته، وثلمت الشيء فهم مثلوم، وثبر الله العدو أهلكه فهو مبثور، وثروت الرجل إذا كنت أكثر منه مالًا وثلجت صدر الرجل إذا أتيته بما يسره وهو حق. وثمأت رأسه بالحجر شدخته.
يقال دمعت العين تدمع ودرأته عن الشيء أدراه دفعته ودهنت الناقة ودهنت إذا قل لبنها، ودنأ يدنأ دناءه ودنوء إذا كان دنيا لا خير فيه.
يقال رعف الرجل من الرعاف، ورعبت الرجل أرعبُه ورزأته أرزؤه رزءً أي أصبت منه خيرا وربأت القوم أربؤهم إذا كنت لهم طليعة ورفأت السفينة رفءً إذا قربتها من الشط ورقأت العين إذا جفت دمعها ورأيت الشيء إذا أصلحته ورأفت الرجل أرأف به إذا رحمته ورأس الرجل القوم صار رئيسهم.
يقال زريت على الرجل أزري عليه إذا أعبته، وزرى الرجل وجهه عني، وزرى الميراث عن الورثة وزعيت له من المال زعية أعطيته منه قطعة، وزيده زيدا أعطاه وزأدت الرجل دعوته وزنأ في الجبل صعد وزبرت الكتاب كتبته.
سحوت القرطاس وسحيته قشرته وسبيت العدو سبيا وسبأت الخمر شربتها وسأبت الرجل ختنته وسرأت المرأة كثر ولدها وسلأت السمن أَسْلَؤُهُ إذا خلصته.
شريت الشيء أشريته وشريته بعته، وشملت الريح وشأوت القوم سبقتهم وشفأ الناب طلع.
صرف الله عنك الأذى وصرفت القوم عن الشيء وصرف عن الأمر أعرض عنه وصمدت للشيء أصمد له وصبت الريح من الصبا وصبأت عن الشيء رجعت عنه وصبا الرجل في دينه صار صابئًا وصبأ الناب طلع وصال الطيب وغيره يصيل بالشيء إذا لزق به.
[ ٢٢ / ٢٠٩ ]
ضفا الشيء إذا كثر يضفو وضمر الشيء فهو ضامر وضفرت الشعر وضربت إليه لجأت إليه وضامه يضميه إذا ظلمه وضبأ الرجل بالمكان إذا اختبأ ضبوءا وضلعت مع فلان مِلْتُ معه.
طما الشيء يطمو إذا علا وطمأت الشيء واريته وطم الشعر جزه وطان الكتاب يطينه ختمه بالطين وطبأه إلى الشيء يطبؤه دعاه إليه وطبن له فطن له وطببت له صرت طبيبًا وطببت الطب صرت رفيقًا بالشيء فهمًا به.
عبأت الطيب وغيره خلطته وعبأت بالشيء باليت به وما عبأت بفلان ما باليت وعابني فلان وعبته بغير ألف وعرضت الجيش وعلفت الدابة وعناني الأمر يعينيني بغير ألف وعززت فلان بالشر وعدا فلان على فلان يعدو إذا ظلمه.
غارهم إذا أتاهم بالميره وغار على الشيء غيرة وغبنته في البيع غبنًا، وغلت القدر تغلي وغثت نفسه تغثي وغبطته أغبطه إذا أحببت أن يكون لك مثل ما له من غير أن يُسلبه.
فتأت الرجل عن رأيه أفتوه صرفته عنه وكل شيء رددته عنك فقد فتأْته عنك.
قال الشاعر:
وتفتؤها عنا إذا حميتها غلى
تغور علينا قدرهم فنديمها
وفأوت رأسه شققته وفأيته أيضًا وفأدت الرجل أصبت فؤاده وفرق الرجل بين الشيئين وهو فارق بينهما فرقًا وفقأت عينه.
قاس الرجل الشيء يقيسه وقلمت ظفري وقنا للون إذا احمر وقلبت الشيء وقلبت القوم إلى منازلهم وقريت الضيف أطعمته، وقنط الرجل قنوطًا إذا استحكم يأسه.
كسبت مالًا بغير ألف أكسبه وكتفت الرجل أكِفُه توليت حياطته وكرف الحمار إذا شم البول ورفع رأسه وكبا الزند يكبو إذا لم يخرج ناره وكفلت الرجل صرت كفيله، وكعَّ الرجل عن قرنه كبن عنه وكلمت الرجل إذا جرحته وكسأت وسطه قطعته بالسيف.
[ ٢٢ / ٢١٠ ]
لبأت القوم أطعمتهم اللبأ ولطأ الرجل بالأرض لزق بها ولمَّ الشَّعث أصلحته ولبأت اللحم من العظم قشرته ولززت الشيء بالشيء ألزقته ولددت الصبي صببت الدواء عن جانب فيه ولبقت الطعام خلطته ومثله لكته ولهف الرجل ولهث.
مجن الرجل صار ماجنا ومأوت بين القوم أفسدت بينهم ومأست بينهم مثله ومأنت الرجل احتملت مؤنته ومريت الشيء مسحته ومقرت السمك مقرًا جعلته في الخل.
نفيت الرجل بغير ألف أنفيه ونبذت النبيذ اتخذته ونبذت الشيء ألقيته ونقل الرجل بين القوم سعى بالفساد بينهم وناء الرجل بالحمل ينوء إذا نهض به وناء اللحم ينئ إذا لم ينضج في الطبخ ونسأت الإبل في مشيها إذا تأخرت ونبأت من بلد إلى بلد خرجت ونكأت الجرح ونكيت في العدو وما نبس فلان بكلمة أي ما نطق ونوى البعير سمن.
وقفت الدابة والضيعة بغير ألف ووصلت بين الشيئين جمعت بين طرفيهما ووديت الرجل أعطيته ديته ووراه الداءُ يريه أفسد جوفه ووسمت الدابة وسما ووألت من الشيء نجوت منه ووسقت المرأة حملت ووسق الإبل حملها ووشيت الثوب من الوشى وولب الرجل الكلام سلقه وأسرع فيه ووقمت العدو قمعته وقهرته ووأد الموؤدة دفنها وهي في الحياة ووترت الرجل من التِّرة وهي العداوة ووصل السيب كثر واتصل ووشيت الشيء إذا خرزته.
هنأته النعمة وهنأني الأمر وهرف القوم بالرجل أفرطوا في مدحه وهرقت الماء صببته وهتيت بالرجل إذا دعوته رافعًا صوتك وهمدت النار طفئت، وهمد الثوب أخلق وهزأت بالرجل وهرئت به سواء وهال التراب صبه وهالني الأمر بغير ألف وهجأني الطعام أشبعني.
يمن الرجل القوم بيِمنهُم إذا صار ميمونا عليهم مباركًا ويعر الجدي يتعر يعارا إذا صاح ويسرت بالقداح إذا ضربت بها.
[ ٢٢ / ٢١١ ]
أجر العظم إذا جبر على فساد وأفل النجم إذا غار وغاب وأبر النخل يأبرها إذا لقحها وأدمت الخبز أكلته بإدام وأممت القوم صرت لهم إماما وأجن الماء يأجن ويأجن وأسن يأسن ويأسُن إذا تغيرت رائحته، وأطر الرجل الشيء على الشيء إذا ثناه عليه وأصر الشيء يأصره إذا عطفه وأشر الرجل الشيء بالحديد يأشره ويأشره بالمنشار.
(يتبع)
--------------------------------------------------------------------------------
[١] انظر المزهر ج ١ ص ٣٨٤-٣٨٦. وانظر تصحيح الفصيح ج ١ ص ١٦٥ تحقيق عبد الله جبوري طبعة بغداد. وقد ذكر هذا الكلام تعقيبًا على الإمام ثعلب تصحيح الباب الثالث وهو باب فعلت بغير ألف، عند قوله، وأما قوله في رعد وبرق في باب فعلت إنه يقال فيه أرعد وأبرق فإن لكل واحد من هذين معنى يخصه الخ.
[٢] في تصحيح الفصيح إتمام للكلام هو: الهمزة التي تدخل لنقل الفعل الذي على فعل فيجعل على أفعل نحو كرم وأكرم وحس وحسن.
[٣] هناك وإما بان يوصل الخ مثل ذهب بغيره، وقام وقام بأخره.
[٤] قال في لسان: أسريت بالألف لغة أهل الحجاز وجاء القرآن العزيز بهما جميعا.
[٥] انظر أدب الكاتب لابن قتيبة ص ٣٦٠ دار صادر بيروت.
[٦] انظر لحن العامة للدكتور مطر طبع وزارة الثقافة المصرية ص ٩٤.
[٧] من ص ٢٢٥ إلى ص ٢٢٨. من ٣٣٣-٣٥٣.
[٨] أبواب فعلت بغير ألف، فعلت وأفعلت، أفعل.
[٩] انظر تاريخ الأدب العربي لبروكلمان ج ٢ ص ١٤٩.
[١٠] انظر إصلاح المنطق ص ٢٥١ باب يتكلم فيه بفعلت مما تغلط فيه العامة فيتكلمون بأفعلت.
[١١] انظر الأفعال لابن القطاع، وإصلاح المنطق لابن السكيت وتصحيح الفصيح ج ١ ص ١٦٣ طبعة بغداد.
[ ٢٢ / ٢١٢ ]