بقلم: الدكتور نايف الدعيس
نشر في جريدة «عكاظ» مقال بعنوان: (اليهودية وصوم عاشوراء) للأستاذ أحمد عبد الغفور عطار، يشكك في تحديد يوم عاشوراء. فتصدى للرد عليه الدكتور نايف الدعيس بما يجلي الحق بأدلته. وفيما يلي نص المقال المذكور والرد عليه.
نص المقال:
كانت ديانة موسى ﵇ تحوي أركانها الصوم؛ لأنه ركن في ديانات التوحيد، وديانة موسى توحيد خالص. فلما حرفها اليهود وقلبوها ديانة وثنية غيروا صيام التوحيد. وإن كانت أسفار اليهود المقدسة خالية من نص على الصوم في وقت معين إلا صيام الكفارة الذي لم ينص عليه بلفظ الصوم أو الصيام وإنما فسره الشراح به.
والنص الذي ورد هو ما جاء في سفر اللاويين- وهو أحد خمسة الأسفار التي، تعرف بالتوراة- ٦/ ١٩: (ويكون لكم فريضة دهرية أنكم في الشهر السابع عاشر الشهر تذللون نفوسكم.. لأن في هذا اليوم يكفر عنكم لتطهيركم. الخ) .
وتكرر هذا المعنى في سفر العدد- دهر من أسفار التوراة- ٢٩/٧:
«وفي عاشر هذا الشهر السابع يكون لكم محفل مقدس وتذللون أنفسكم» .
ولا يصرح السفران المقدسان لدى اليهود بلفظ الصوم، وإنما فسر الشراح تذليل النفوس بالصوم، فصام اليهود هذا اليوم الذي هو اليوم العاشر من الشهر السابع من السنة الهجرية.
ويعرف هذا اليوم الذي يصومه اليهود بيوم الكفارة وهو- حسب تعريفهم- يوم صوم وتكفير عن خطايا شعب إسرائيل ويقوم رئيس الكهنة في هذا اليوم بتقديم ذبائح التكفير. ويمتنع اليهود في هذا اليوم عن العمل، ويجتمعون في احتفال مقدس يصومون في أثنائه تكفيرًا من الشعب كله عن خطاياه.
وهذا هو الصوم الوحيد المطلوب منهم حسب الناموس
[ ٢٣ / ١٤٥ ]
ويصف «قاموس الكتاب المقدس» ذلك الاحتفال بقوله: «كان رئيس الكهنة ينزع في ذلك اليوم زينته الرسمية، وبعد أن يستحم ويرتدى ثيابا بسيطة مقدسة مصنوعة من كتان أبيض.. الخ» .
ثم يصف تقدمة الذبائح، ومراسيم الاحتفال الذي ينتهي بخلع رئيس الكهنة ثيابه الكتان ويعود إلى زينته الرسمية.
ويبدأ الصوم من غروب الشمس إلى غروبها من اليوم التالي، وكانوا خلال هذه الفترة يمتنعون عن الطعام فإذا انتهت أفطروا.
ويعرف هذا اليوم عند المسلمين بيوم عاشوراء؛ وفي صحيح البخاري [٢]، عن ابن عباس ﵄ قال: "قدم النبي ﷺ المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال «ما هذا»؟ قالوا:
هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم؛ فصامه موسى، قال: فأنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه"
وفي صحيح الإمام مسلم، عن ابن عباس ﵄ قال: "قدم رسول الله ﷺ المدينة فوجد اليهود يصومون عاشوراء فسئلوا عن ذلك فقالوا: هذا اليوم الذي أظهر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون؛ فنحن نصومه تعظيما له. فقال النبي ﷺ: نحن أولى بموسى منكم، فأمر بصومه".
وفي مسلم أيضا: عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله صلى ولله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء فقال لهم رسول الله ﷺ: "ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ فقالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرا فنحن نصومه، فقال رسول الله ﷺ: فنحن أحق وأولى بموسى منكم فصامه رسول الله ﷺ، وأمر بصيامه".
وفي «النهاية» لابن الأثير مادة عشرة (عاشوراء)، هو اليوم العاشر من المحرم وهو اسم إسلامي وليس في كلامهم فاعولاء بالمد [٣] .
[ ٢٣ / ١٤٦ ]
ومعروف على التحقيق أن هجرة النبي ﷺ كانت في شهر ربيع الأول وفي «فتع الباري»: «ولاشك أن قدومه كان في ربيع الأول فحينئذ كان الأمر بذلك في أوّل السنة الثانية، وفي السنة الثانية فرض شهر رمضان؛ فعلى هذا لم يقع الأمر بصيام عاشوراء إلاّ سنة واحدة، ثم فوض الأمر في صومه إلى رأي المتطوع» .
ويظن كثير من الناس أن صيام اليهود يوافق يوم العاشر من المحرم وهو وَهْم. فما كان اليهود يصومون عاشوراء: العاشر من المحرم، بل هو يوم عاشوراء آخر. ولا يسمونه عاشوراء. ولكنه يقع في اليوم العاشر من الشهر السابع من السنة العبرية، ولذلك التبس الأمر على شراح الحديث؛ فظنوا أن صيام اليهود وقع يوم العاشوراء ولم يقع ذلك.
ومعروف أن الرسول ﷺ وصل المدينة ودخلها يوم الاثنين المصادف يوم صيام اليهود، وهذا اليوم العاشر من شهر تشرين الذي قابل- في تلك السنة- يوم العشرين من سبتمبر سنة ٦٢٢ م وهو اليوم العاشر من شهر تشرين سنة ٤٣٨٣ عبرية [٤]
وقد جاء في مؤلفنا «حجة النبي ﷺ» [٥] صفحة ٤٥٢ أن العلامة الكبير محمود حمدي باشا الفلكي، قد حقق يوم مغادرة الرسول ﷺ مكة مهاجرا إلى المدينة، وبصحبته أبو بكر الصديق؛ وقال: إنه يوم الاثنين التاسع من شهر ربيع الأول الموافق ١٣ سبتمبر سنة ٦٢٣ م. ودخل قباء يوم الاثنين الثامن من شهر ربيع الأول الموافق ٣٠ سبتمبر سنة ٦٣٣ ميلادية.
وإذا كان شراح الحديث وقعوا في وهم، حملهم على اضطراب أقوالهم في تحديد يوم عاشوراء، يوم صيام اليهود؛ فإن محمود باشا الفلكي قد انتهى إلا وضع حد لما كان قد نجم من الوهم والاضطراب، وقد أزالهما بتحقيقه الذي ذكرناه، وكان قوله فيصل الأقوال فيما شجر من خلاف في هذا السبيل.
[ ٢٣ / ١٤٧ ]
وإذا كان موسى قد صام يوم عاشوراء حسب تقويمهم؛ شكرا لله ﷾ لإنجائه، فقد جاء في الآثار أن نوحًا ﵇ قد سَبَقَ إلى صيامه؛ لأنه كان يوم رسو سفينته على الجودي، فصامه محمد ﷺ شكرا؛ لأنه أحق وأولا بنوح وموسى.
الرد على المقال المذكور:
كان بعنوان (عاشوراء صحيحة صريحة وصيام اليوم العاشر مشروع) وكان نص هذا الرد ما يأتي:
تحدث الأستاذ (أحمد عبد الغفور عطار) في أحد أعداد عكاظ عن صيام يوم عاشوراء، وكان له رأي في تحديد ذلك اليوم، ولم يوفق للصواب فيما ذهب إليه، وانتظرت طويلا لأرى من ينبهه على مسلكه من العلماء أو المفتين في هذه البلاد أو غيرها، فلم أر، فأردت أن أدلي بما أراه الحق والصواب، لاسيما وأن ما ذهب إليه الأستاذ فيه مخالفة واضحة وجرأة عظيمة على ما كان عليه السلف والخلف أجمع في معتقدهم حول صيام هذا اليوم الذي لم يختلف اثنان في تحديده وأنه العاشر من شهر المحرم.
وإنما وقع الخلاف في صيامه أو صيام اليوم التاسع من الشهر المذكور. والذي عليه جماهير العلماء من المحدثين والفقهاء هو صيام اليوم العاشر، وهو اليوم الذي صامه النبي ﷺ، وعزم إن عاش إلى عامه المقبل أن يصوم اليوم التاسع قبل صيام اليوم العاشر إمعانا في مخالفة اليهود، عليهم لعنة الله.
وعاشوراء عربية فصحى على وزن فاعولاء نطق بها النبي العربي ﵊ فقال: (هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه) .
وكانوا في الجاهلية يصومون هذا اليوم دون منازع، بل صامه الرسول محمد ﵊ في الجاهلية قبل البعثة.
وكلمة عاشوراء اشتقاقها يدل على فصاحتها كما يدل على معناها، وتحديد اليوم الذي رغب في صيامه.
ومثالها في الوزن. خابوراء، ساوراء، ضاروراء، دالولاء.
[ ٢٣ / ١٤٨ ]
وليعلم الأستاذ (العطار) أن أحدا من السلف، أو الخلف من العلماء، أو العامة لم يقل بمشروعية صيام اليوم الذي قدم فيه النبي ﷺ المدينة أصلا، حتى يقول بأن النبي ﵊ قد صامه وأمر بصيامه.
ولا أعرف كيف راق له أن يخالف جماعة المسلمين بإبداء رأيه حول تحديد ذلك اليوم، زاعما أن المحدثين اختلفوا في تحديده، وليس كذلك، بل يجزم خلافهم على النحو الذي ذكره، وإنما الخلاف وقع بينهم في صيامه أو صيام اليوم التاسع من شهر محرم.
واللغة لا تساعد على ما ذهب إليه الأستاذ الباحث، ولا العقل؛ لمخالفة ذلك ما عليه المسلمون جميعا دون استثناء.
وأحسب أن ما وقع فيه كان بسبب الفاء في حديث "قدم النبي ﷺ المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء.. فصامه وأمر بصيامه" وأمثاله من الأحاديث. وباعتماده على ما حققه الفلكي المصري، بتحديد اليوم الذي نجى الله فيه بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى ﵇.
فالأمر في ذلك واضح، فإما أن يكون الصحابي راوي الحديث حكى حال اليهود وفعلهم في ذلك اليوم، عند مقدمه ﵊، وإمّا أن يحمل التعقيب الذي أفادته الفاء على التعقيب النسبي؛ كقولهم بعث الله موسى فعيسى فمحمد ﵈، وشتان ما بينهم من الزمن.
ولعل صيام اليهود تلك السنة وافق يوم عاشوراء من أوّل السنة التي تلت مقدم النبي ﵊ المدينة، وهو ما يؤيد الاحتمال الأول، ولذلك قال الحافظ ابن حجر ﵀ (فحينئذ كان الأمر بذلك- يعنى صيام عاشوراء- في أوّل السنة الثانية) يعني من الهجرة، ولا يخفى على الأستاذ أن الله تعالى قد تعبدنا- معشر المسلمين- بالأشهر القمرية، وليس لحساب الأيام أي اعتبار عندنا، اللهم إلا إذا خفي الهلال فعدة الشهر ثلاثون يوما.
[ ٢٣ / ١٤٩ ]
وعلى هذا فإننا نصوم ونفطر ونقوم بمناسك الحج في الأيام التي كتب الله علينا فعل تلك المناسك فيها، وكذلك الأمر في صيام يوم عاشوراء الذي هو العاشر من شهر الله المحرم، فإن من أراد صيامه فليصمه في هذا اليوم الذي أطبق المسلمون على تحديده جملة وليتبعه بصيام يوم أو يسبقه به.
وليعلم الأستاذ العطار وغيره أن الرسول ﵊ لم يصم هذا اليوم مجاراة لليهود بل إنه قال: "أنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه" متابعة لصيامه له في الجاهلية، وصيامه له قبل فرض صوم رمضان.
ومعروف أن الرسول ﵊ كان في آخر حياته يتعمد مخالفة اليهود والنصارى، ويأمر المسلمين بذلك وشواهده كثيرة. والله الهادي إلى سواء الصراط..
--------------------------------------------------------------------------------
[١] قاموس الكتاب المقدس.
[٢] طبعة بولاق الجزء الثالث صفحة ٤٤.
[٣] يقصد أنه ليس في كلام العرب كلمة على هذا الوزن عاشوراء وعن ابن دريد أنه اسم لا يعرف إسلامي وأنه لا يعرف في الجاهلية ورد ذلك عليه ابن ماجة بأن الأعرابي حكى أنه سمع في كلامهم خابوراء، ويقول ابن حجر وهذا الأخير لا دلالة قيه على رد ما قال ابن دريد وذكر الجوالقي، ضاروراء وساروراء ودالولاء من الضار والسار والدال (فتح الباري ٤/٢٤٥ المطبعة السلفية)
[٤] هذا حساب العلامة المصري الكبير محمود باشا الفلكي (راجع من الإسلام دعوة علمية للأستاذ العقاد في البحث لذي عنوانه «ألوان الصيام»
[٥] الطبعة الثانية سنة ١٣٩٦هـ (١٩٧٦ م) .
[ ٢٣ / ١٥٠ ]