لفضيلة الدكتور بابكر البدوي دشين
كلية الحديث الشريف بالجامعة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشراف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد بن عبد الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد، فقد غلب الوصف بالشاعرية على أبي عبادة البحتري حتى كاد يقصر عليه دون غيره من الشعراء، ومما يدل على هذا ما روى عن أبي الطيب المتنبي، أنه قال: "أنا وأبو تمام حكيمان، والشاعر البحتري".
وعسى القارئ الكريم أن يذكر حديث النحويين عن "أل"في كلمة الشاعر هنا وأمثالها، فإنها تدل عندهم على استغراق خصائص الجنس، وهذا أمر فوق الوصف بالشاعرية كما هو واضح.
هذا ونقترح أن أهم ما تتجلَّى فيه شاعرية البحتري شيئان: أنغامه المطربة، وانفعالاته الخافقة.
أما ناحية الإطراب في شعره فقد تنبه لها القدماء، وفي مقدمتهم معاصروه الذين كانوا يسمعون إنشاده، ومن هؤلاء الفتح بن خاقان وزير المتوكل، كما يفهم من هذا الخبر الذي رواه الصولي قال [١]: "وحدثني أحمد بن يزيد المهلبي عن أبيه قال: إني لعند الفتح إذ دخل البحتري فأنشده قصيدته:
وأُليفه والشيب تَزْجِيَةُ الهوى وخُفُوفُه شرخ الشباب أخو الصِّبا
فلما بلغ قوله:
يقري البدرو بها ونحن ضيوفُهً.
ملك بعالية العراق قبابه
فلما بلغ إلى قوله:
فضل إلى جدوى يديك تضيفُهُ
فهلمَّ وعدك في الإمام فإنه
رأيت الفتح قد اهتزَّ وطرب لذلك فأعاد البحتري الأبيات الخ".
كيف لا يطرب الفتح ويهتز -وهو الأديب البليغ- من سماع هذه القصيدة الفائيِّة وفيها يقول البحتري:
لجب تسير مع الجنوب زحوفُهُ
فإذا تحمَّل من تهامة بارق
ذعر الأجادل في السماء حفيفُهُ
صخب العشيِّ إذا تصوَّب مزنه
عهد اللوى أيام نرتبع اللوى ونصيغُهُ
فسقى اللَّوى لا بل سقى
[ ٢٢ / ١٧٤ ]
في ناجر برد الشام وريفُهُ
حَنَّتْ ركابي بالعراق وشاقها
في صنفتيه تلاعه وكهوفُهُ
ومدافع الساجور حيث تقابلت
بعد إنشادنا هذه الأبيات ذات الكلمات المتخيَّرة الرنَّانة، والعبرات المنسَّقة البديعة والانفعالات القوية الخافقة من القصيدة الفائية التي اهتز الفتح لها وطرب، نعود فنقول: وممن تَنَبَّه لناحية الإطراب في شعره، ممدوحه الخليفة المعتز، فقد روى البحتري قوله له [٢]: "يا وليد ما أنشدتني قطُّ إلا أطربتني"، ومن القدماء الذين تنبهوا لناحية الإطراب في شعره أبو بكر الخوارزمي، كما يفهم من قول الثعالبيّ عنه [٣]: "ومن أطرف شعره وأرقه وألطفه قوله: -وكان أبو بكر الخوارزمي يقول: لا تنشيدونيهما فأرقص طربًا
مَشَابِهُ فيك بَيِّنَةُ الشُكُولِ
يذكرنيك والذكرى عناءُ
وبرد الماء في راحٍ شمولِ
نسيم الروض في ريحٍ شمال
وهناك طريفة أرويها هنا، لما فيها من الدلالة على ما أنا بصدد تأكيده من ناحية الإطراب في شعر البحتري قال [٤]:
.. أخبرنا ابن حبيب المذكر قال: دخلت دار المَرْضَى بنيسابور فرأيت شابًّا من أبناء النعم يقال له أبو صادق السكري، مشدودًا وهو يجلب فلما بصر بي قال: أتروي من الشعر شيئًا؟ قلت: نعم، قال: من شعر مَنْ؟ قلت: من شعر من شئت، قال: من شعر البحتريّ، قلت: أيّ قصيدة تريد؟ قال:
أم ابتسامتها بالمنظر الضاحي
ألمع برق سرى أن ضوء مصباح
فأنشدته القصيدة فقال: أفأنشدك قصيدة؟ قلت: نعم، فأخذ في إنشاء قصيدته:
وأقِلاَّ لا ينفع الإكثارُ
أقصرًا إنَّ شأني الأقصارُ
أو تناءت منَّا ومنكِ الدِّيارُ
إن جرى بيننا وبينك عتْب
مقيم والدموع الذي شَهِدْتِ غِزارُ
فالغليل الذي عَهِدْتِ
فقفز وجعل يرقص في قيده ويصيح، إلى أن سقط مغشيًا عليه.
[ ٢٢ / ١٧٥ ]
هذه الحادثة الطريفة على الأقلِّ مما يستأنس به في الدلالة على مدى ما في شعر البحتري من قوة الإطراب، والحقُّ أنَّ البحتري نفسه كان شديد الإحساس بناحية الإطراب في شعره شديد الاحتفال لها، يدلك على صِحَّة ما نقول افتخاره بها في غير ما موضع من شعره مثل قوله:
فيكم إذا أنشدت قام امرؤ يستعيدها
وكم لي من محبوكة الوشي
أي يهز الطربُ سامعها فيقوم طالبا من الشاعر إعادتها، لقد كان شعره يَهُزُّ كلَّ السامعين، حتى الخلفاء والملوك الذين عرفوا بالهيبة والوقار، كان يطربهم ويهيجهم فيتخرقون في العطاء ويصيحون بالثناء كما يفهم من قوله:
فيحمد راويها ويُحْبَى قئولها.
يهيِّج إطراب الملوك استماعُها
وهذا مما يدلك على شدة إحساس شاعرنا بناحية الإطراب في شعره ما عرف عنه من عادة الترنم بشعره وإنشاده إياه، مع الإتيان بأشياء غريبة ساعة إنشاده تدلُّ على إعجابه بشعره وطربه به، حيث كان يتلفت يمنةً ويسرةً حين إنشاده ويتفل، ويصيح في الناس: ألا تسمعون؟
وقد روى [٥] المعرِّي أنَّ أبا عبادة "كانت قدماه قدمي طاووس" [٦] .
والواضح فيما نرى -أن يكون المقصود بهذا الوصف حركاته ومشيه زهوًا وطربًا ساعة إنشاده شعره.
أضف إلى ما مضى أن البحتري انفرد بعادة لم يشركه فيها أحد من الشعراء حسب اطلاعنا وهي أنه كان إذا فرغ من إنشاد القصيدة أعاد البيت الأول منها، كما يدل عليه ما جاء في الأغاني [٧]: " أن البحتري أنشد المتوكل وأبو العنبس الصيمريّ حاضر قصيدته:
وبأيّ طرف تحتكم
عن أيّ ثغر تبتسم
إلى آخرها، وكان إذا أنشد يختال ويعجب بما يأتي به فإذا فرغ من القصيدة ردَّ البيت الأول فلما رده بعد فراغِه منها وقال:
وبأي طرف تحتكم
عن أي ثغر تبتسم
قال أبو العنبس الخ".
[ ٢٢ / ١٧٦ ]
يهمنا من هذه الرواية أنها تثبت العادة التي ذكرنا انفراد البحتري بها وهي ردُّ مطلع القصيدة بعد الفراغ منها، وهذا كما ترى يدل على طرب واندفاع في الإنشاد يمضي به الشاعر من أول القصيدة حتى ينتهي به عند إعادة البيت الأول منها يعيده على السامعين من شدة طربه به.
والحق أن هذه العادة التي امتاز بها البحتري وهي رد البيت الأول من القصيدة لها دلالة نقدية قيِّمة تنبه لها الدكتور عبد الله الطيب حيث وضح أن فيها دلالة قوية على الوحدة الفنية في القصيدة العربية، كأنَّ الشاعر حين يقرن في إنشاده أول القصيدة بآخرها فلا يختل بهذا شيء من بناء القصيدة ينبهك على أن قصيدته بناء فني كامل تنتظمه وحدة فنية وهذا كما ترى عكس ما لهج به بعض الكتبة المحدثين من نفي الوحدة الفنية عن القصيدة العربية فشتان ما بين صنيعهم وصنيع الدكتور عبد الله إذ في صنيعه شجاعة الإحساس بقيمة اللغة العربية وآدابها.
هذا ومما لا ريب فيه أن ناحية الإطراب والنغم التي كاد البحتري يكون فيها الشاعر المجلى من أهم مقومات الشعر العربي بل إنها الركيزة الثابتة له التي عرفها أعداء اللغة العربية فحاولوا هدمها فكانوا كما قال الأعشى:
فلم يَضِرْها وأوهى قَرنه الوَعِلُ
كناطح صخرة يومًا ليُوهِنَهَا
عَدِّ عن هؤلاء وأنشد الناس قول حسان بن ثابت الأنصاري ﵁:
إنَّ الغناء لهذا الشعر مِضْمَارُ
تَغَنَ في كل شعر أنتَ قائله
وفي هذه الدلالة الواضحة على مكان الوزن والعروض والقافية والنغم في الشعر العربي وهي الناحية التي فاز شاعرنا البحتري منها بأكثر نصيب. هذا ما كان من أمر الحديث عن ناحية الإطراب في شعره.
أما ناحية الانفعال الخافق في شعره، فإنها أوضح من أن يدل عليها وهو معروف بالإجادة فيها كما ذكر هذا الدكتور عبد الله الطيب فقال [٨]:
"والبحتري ﵀ كان يحسن تصوير الانفعالة الخافقة".
[ ٢٢ / ١٧٧ ]
هذا ونود هنا أن نوضح بعض مظاهرها وآثارها في شعره، فمن هذا وصفه لتكشف الأشياء وانجلائها فقد كان معنيًا بهذا مثل قوله:
وكَشِفَتْ سجوف الدجى عن مائه ونخيله
إلى أن بدا صحن العراق
حيث سجل فيه حركة تكشف الظلمات والتماعة الماء والنخيل من ورائها ووصفُ التماع الماء من المعاني التي تكررت في شعره كما سيمر بنا.
ومن أمثله انجلاء الأشياء قوله يتحدث عن شبابه الذي ولّى:
ماضي شباب أغذذت في طلبهْ
كيف به والزمان يهرب بِهْ
مسافة النجم دون مقتربهْ
مقترب العهد إن أَرُمْهُ أجدْ
كما أرفضَّ دخان الظرام عن لهبهْ
يَرْفُضُّ عن ساطع المشيب
في القاموس المحيط: ارفضاض الدموع ترششها ومن الشيء تفرقه وذهابه، وقد اختار الشاعر هذا الفعل وكرره ليستعين به على تسجيل حركة تكشف الدخان عن اللهب المتضرم، لقد غدا الشيب لهيبًا ظراما وسواد الشباب دخانه المتبدد، وعسى أن نقارن هذا بقول الفرزدق [٩]:
والشيب ينهض في الشباب كأنه ليل يصيح بجانبيه نهار
فنحن -عند الشاعرين- أمام معنى ظلام يقشعه ضياء في حديثهما عن الشيب لكننا نحسُّ في بيت الفرزدق حيوية الحركة والجلبة والصياح، بينما نحس في بيت البحتري حيوية الحركة وخفقة الالتماع من وراء الدخان ومن آثار هذا في مدحه كثرة وصفه للحظات ظهور الممدوح كأنَّه البدر أو الصبح لحظة تجليه من وراء الحب كما ورد هذا في مثل قوله:
فانجلت تلك الدجى وإنجاب ذلك العِثْيَرِ
حتى طلعت بضوء وجهك
وفي مثل قوله:
بدا طالعاَ من تحت ظلمتها البدر
وكان ذاك الهول إلا غَيابة
وقوله:
على قمر تنجاب عنه سدولها
وتعطف أثناء السرادق حوله
وقوله:
تبدو بُدُّو الهلال من حجبه
يصون منه الحجاب منظرة
وقوله:
إلى القمر من الإيوان بادي [١٠]
يؤدُّون التحية من بعيد
[ ٢٢ / ١٧٨ ]
تشترك هذه المثل في اشتمال كل منها على تشبيه الممدوح بالبدر منجابة عنه الظلمات وقد سجَّل فيها الشاعر انفعال نفسه بالخفقة التي تكون أول ظهور الشيء وبدوُّه وبخاصة الضوء اللامع ساعة انبثاقه لينبه بهذا على قوة تعلق أنظار الناس بالخليفة أو الممدوح، بحيث لا يكاد يشغل إنسان عن أول لحظة يطل عليهم فيها بوجهه.
وقريب من هذا قوله:
والليل يكشف غيهبًا عن غيهب
ورأيت بِشْرك والتنائف دونه
إذ فيه انفعال نفس البحتري بحركة انقشاع الظلام؛ هذا وبشر الممدوح الذي رآه البحتري هنا من وراء التنائف هو الصبح الذي يتجلى له دائما من وراء الحجب والظلمات واستمع إليه يقول:
هو في حلوكته وإن لم ينعب
والليل في لون الغرب كأنه
صبغ الشباب عن القذال الأشيب
والعيس تنصل من دجاه كما انجلى
كالماء يلمع من وراء الطحلب
حتى تجلَّى الصبح في جنابته
فإن فيه انفعال نفسه بحركة تجلي الأشياء البيض المضيئة والتماعها من وراء حجبها تحس هذا في حركة نصول العيس البيض من الدجى وفي انجلاء صبغ الشباب عن بياض المشيب وفي تجلي الصبح في جنبات الليل وأخيرًا تحسه في التماعة الماء من وراء الطحلب وهي اللمعة التي تعلق بها البحتري كما ذكرنا قبلًا.
هذا وكأنَّ البحتري هنا ينظر إلى شاعرين الأول ذي الرمة في قوله يصف ورود الحمر الوحشية الماء:
منصدع عنها وسائره بالليل محتجب
فغلست وبياض الصبح
فيها الضفادع والحيتان تصطحب
عينًا مطحلبة الأرجاء طاميةً
[ ٢٢ / ١٧٩ ]
هذا منظر الحمر الوحشية وقد ظهر أول نور الفجر فأظهرها ولا يزال الظلام يحجب باقي نور الفجر ومنظر العين تلمع من وراء طحلبها، وقد قصدتها هذا الحمر للشرب في هذا الوقت لا تسمع إلا صخب ضفادعها وحيتانها، والفرق بين الوصفين أنك تحس في وصف ذي الرمة بمشهد كامل وشخص كأنه واقف يتأمل هذا المشهد بينما لا تحس في وصف البحتري بهذا الانفصال لأن البحتري قدر على أن ينقل لك المشهد وانفعال نفسه به، لقد ولَّد معنى ذي الرمة، وجعل عيسه متحركة تنصل به من دجى الليل، وهذه الحركة كافية في أن تنقل لنا انفعاله.
هذا والشاعر الثاني الذي نظر إليه البحتري هنا هو الراعي النميري في قوله يصف العيس:
قلق الفؤوس إذا أردن نصولاَ
في مهمه قلقت به هاماتها
حيث شبه حركة هامات الإبل حين ترقل بحركة الفؤوس التي توشك أن تنصل فولَّد البحتري معنى الراعي وجعل النصول للعيس نفسها والله تعالى أعلم.
هذا ومن مظاهر انفعاله الخافق، كثرة وصفه لالتماع الأشياء حين تنعكس في شيء آخر كقوله يصف الطيف:
والشمس تلمع في جناح الطائر
أهوى فأسعف بالتحية خلسة
فهو هنا يسجل انفعاله بانعكاس ضوء الشمس في جناح الطائر، وهذا كما ترى وقت الشروق قبل أن تظهر الشمس لعينيك فأنت لا ترى الشمس وتظنها لم تشرق بعد، ولكنك إذا نظرت وقد مرَّ طائر محلق في السماء فإنك سترى التماع الشمس في جناحه وهذا من معاني البحتري المبتكرة التي تدل على دقة ملاحظته؛ ومن الأمثلة أيضا قوله:
وشيًا يكاد على الألحاظ يلتهب
هذا الربيع يُسدي من زخارفه
نلاحظ هنا أنه يعبر عن انعكاس الأشياء المضيئة في الألحاظ بالالتهاب، وهو يفعل هذا في غير ما موضع، كقوله يصف ياقوتة حمراء في يد الخليفة:
جبينك عند الجواد إذ يتألَّق
إذا التهبت في اللحظ ضاهى ضياؤها
[ ٢٢ / ١٨٠ ]
ففي هذين المثالين يقرن بين شيئين يوحيان بالخفقة السريعة، وهما اللحظ والالتهاب.
ومن آثار هذا في معاني مدحه أنك تجده يخلع على الممدوحين بعض صفات نفسه المنفعلة بالخفقات السريعة كقوله:
هديا وإن خمدوا في رأي تلتهب
رآك إن وقفوا في الأمر تسبقهم
كأنه يصف نفسه فهو الذي يكره الخمود ويولع بالالتهاب حتى يكاد يلتهب في الرأي، وكقوله:
يلاحظ أعجاز الأمور تعقبا
فتى لم يضيّع وجه حزم ولم يبت
وكقوله:
تسبقها قبل وقتها عدده
مأخوذة للأمور أهبته
يمدحه هنا بالتيقظ للأمور ومهاجمتها قبل وقتها، وهو هنا كأنَّه يتحدث عن نفسه فهو الذي ينفعل بالأشياء قبل اكتمال ظهورها، كلمعة الماء من وراء الطحلب ولمعة الضياء من وراء الحجب، بل إن نفسه لتنفعل بجذوة الثورة وهي في نفوس أصحابها ويكاد يسمع جلبتها في خفوتها، استمع إليه ﵀ إذ يقول:
إلى إرمٍ إذ ما نعت وعمادِها
تشوَّف أهل الغرب فارم بعزمة
فلسطون عن عصيانها وعنادها
لتسكن ضوصاء العَريش وتنتهي
ومن جمرة مخبوءة في رمادها
فكم ثَمَّ من إجلابة تحت خفتة
إنه هنا ينبه على الفتنة وهي تزال في نفوس أصحابها، سبحان الله كأنَّ أبا عبادة في بعض كلامه يتكلم على فلسطين اليوم، إن في كلامه حيوية لا يحسنها ذوو الكلام الركيك ممن يزعمون أنفسهم مجددين في الشعر. نعم يا أبا عبادة قل، فلن تسكن ضوضاء العريش ولن تنتهي فلسطين عن عصيانها وعنادها حتى يعود القدس الشريف إلينا وحتى تنتصر الثورة الفلسطية، يا قومنا الفلسطية أفصح من قولك الفلسطنية فلا تتركوا الأفصح إلى غيره نصركم الله نعود هذا الاستطراد إلى وصف أبي عبادة لنورد مثالًا آخر بديع كلامه في هذا المضمار إذ يصف فيه انعكاس المعاني والمحسوسات وذلك حين يقول:
على العرنين والخدِّ الأسيلِ
ووجه رق ماء السجود فيه
[ ٢٢ / ١٨١ ]
شعاع الشمس في السيف الصقيلِ
يريك تألُّقُ المعروف فيه
لقد أرانا أبو عبادة الجود وهو المعاني التي لا تحس متألقا يشع من وجه الممدوح المضيئ، وما قوله شعاع الشمس في السيف الصقيل فإنه عَوْذَةُ كلامه كما كان يقول الثعالبيُّ وفيه كما ترى وصف التماع شعاع الشمس الخافق منعكسًا في التماع السيف الصقيل وهذا تشبيه رائع أُعْجب به الشاعر الشامي المشهور السري الرفَّاء فأخذه من بيت البحتريِّ وذلك في قوله:
مجال الماء في السيف الصقيل
أتتك يجول ماء الطبع فيها
لقد رام السريّ مرامًا صعبًا فأخذ الماء والسيف الصقيل ولكنَّه لم يستطع أن يأخذ من بيت البحتري تألقه ولا التماع الشعاع فيه؛ مسكين أنت أيها السريُّ فقد أتعبك شعر البحتري وصدق عليك قوله:
تعلقن من قبلي وأتعبن من بعدي.
سوائر شعر جامع بدد العلى
إن الشعر أبي عبادة فرس أرَّن لا يتعب ولا يلغب وبعض الشعر يتعب ويلغب، كما قال هو عن قصائده:
وبعض الشعر يدركه اللغوب
بلغن الأرض لم يلغبن فيها
وهذا قريب مما تقدم قول البحتريّ:
يضيئ على العيون ويستنير
يجلِّي سدفة الهيجا بوجه
رأيت الماء يلبسه الصبير
إذا لمعت بوادي البشر فيه
ولا نغالى إذا قلنا إن شعر البحتري كله بريق ولمح ولمع ومن هنا كان الشعر عنده لمحًا كما قال:
وليس بالهذر طُوِّلَت خطبه
والشعر لمح تكفي إشاراته
هذا وكان البحتري يجيد وصف آثار الذعر كقوله يصف السحاب:
ذَعَرَ الأجدالَ في السماء حفيفه
صخب العشيِّ إذا تألق برقه
سجل هنا رعشات الذعر التي تصيب قلوب الأجدال من حفيف هذا السحاب الذي جعله كأنَّه أجدل كبير أو رُخٌّ أخافها وكأنَّ هذا من قول علقمة الفحل:
سحابة صواعقها لطيرهن دبيب
كأنهم صابت عليهم
[ ٢٢ / ١٨٢ ]
كما كان البحتري يجيد وصف التلفت وفي التلفت حركات وخفقات، مثل قوله:
فلم يبق إلا لفتة المتذكر
ولما خطونا دجلة انصرم الهوى
إذ تحس فيه خفقة اللفتة التي يبعثها التذكر وحسبك في هذا قوله:
وما التفت المشتاق إلا لينْظُر
نظرت وضمَّت جانبيَّ التفاتة
هذه خفقة انتظمت الجسم كله ومن هذا أيضا قوله:
رأيت الهوى نفس بطيئ نزوعها
إذا انصرفت يوما بعطفيه لفتةٌ
ونُنَبِه هنا على موضع التاء في لفتة وفي التفاتة، إذ أن البحتري مولع بهذا الخاصة في المصادر، كما رأينا فما سبق في قوله: إجلابة، وكما في قوله:
لم أنصرف عنه انصرافة عاتب
إِمَّا تعذَّرَ نائل من منعم
حيث ذكر الهاء في المصدر وهو انصراف فقال انصرافة وكقوله:
وأسرعهم إمضاءة حين يعزم
أمدَّ الرجال لبثه حين يرتئ
وقوله:
بأحمد بن عليٍّ ثم تنقلب
فما تزيد على إلمامة خُلْسُ
وقد لاحظ المعري هذا وجعله من خصائص شاعرنا حيث يقول [١١]: "أبو عبادة يدخل الهاء على المصادر كثيرًا وقلما يوجد ذلك في أشعار المحدثين وإدخال الهاء على المصادر عريق فصيح"اهـ.
ونحن نميل إلى تفسير هذه الظاهرة بما يدخلها في حاقِّ عناية البحتري بوصف الانفعالات الخافقة السريعة، إذ في المصدر ذي الهاء ما يوحي بالسرعة كأنه أخذ جزء منه وهو دلالته على المرَّة وسيتضح لك هذا إذا رجعت إلى الأمثلة السابقة، أو إلى غيرها من كلامه، وارجع على سبيل المثال إلى قوله:
نظرت وضحت جانبيَّ التفاتة الخ.
لترى أثر التاء في سرعة الالتفاتة بخلاف ما لو جاء المصدر بغير تاء فقيل: التفات، وبعد.
أيها القارئ الكريم، هذه هي شاعرية البحتري تجلت في أنغامه المطربة وانفعالاته الخافقة، فكان حقًا كما قال ابن الأثير عنه [١٢]: "وأما أبو عبادة فإنَّه أحسن سبك اللفظ على المعنى وأراد أن يشعر فغنَّى".
[ ٢٢ / ١٨٣ ]
هذا وآمل أن أوفق لإكمال هذا الموضوع في مقالة أخرى أتحدث فيها عن طيفه، وحسن سبكه ورصفه، والله الموفق.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] أخبار البحتري (للصولي تحقيق الدكتور صالح الأشتر (ط) . الثانية م. دار الفكر بدمشق ص ٧٩.
[٢] نفسه ص ١٠٧.
[٣] خاص الخاصّ لابن منصور الثعالبي منشورات دار مكتبة الحياة ببيروت.
[٤] مصارع العشاق لأبي محمد القارئ ط بيروت مجلد أول ص ٣٨.
[٥] رسائل المعري ص ٨٩.
[٦] في الترجمة العربية لدائرة المعارف الإسلامية مجلد ٣ ص ٣٦٨: "قدما ديك" بدل "طاووس"بينما النص الإنجليزي “Peacocks Feet” ومعناها "قدما طاووس"ونحسب ما في الترجمة العربية وهمًا من الأساتذة الفضلاء المترجمين أوقعهم فيه ورود النص الإنجليزي مقطعًا هكذا: Pea آخر السطر ثم cocks Feet. أول السطر التالي فحسبها المترجمون قدمي ديك وانظر الطبعة الإنجليزية ٧٧٤. V.I.P.
[٧] جـ ١٨ ص ١٧٤ مطبعة التقدم بمصر.
[٨] انظر كتابه مع أبي الطيب.
[٩] ديوانه ط دار صادر بيروت جـ ١ ص ٣٧٢.
[١٠] الياء في الكلمة بادي وأمثالها في القافية ليست بلام الكلمة بل هي وصل.
[١١] عبث الوليد.
[١٢] المثل السائر.
[ ٢٢ / ١٨٤ ]