فضيلة الشيخ/ سعد ندا المدرس بالجامعة الإسلامية
(الحلقة الرابعة)
في حلقات ثلاثٍ مَضَيْن، ذكرت تسعا وثلاثين اسما من أسماء الله الحسنى، وألقيتُ أضواء على بعض معانيها بحسب ما يسَّر الله ﷿ لي من فهم، وأشرتُ إلى أن تلك الأسماء وردت في القرآن الكريم مرات بلغ مجموعها (٢٧٥٨) ثماني وخمسين وسبعمائة وألفي مرة في مواضع مختلفة.
والذي يهمني أن أؤكده في كل حلقة من هذه الحلقات: أن تكرار أسماء الله الحسنى في القرآن الكريم -فضلا عن السنة المشرفة- بهذه الأعداد الضخمة، لم يأت عبثًا، ولم يكن أمرًا عشوائيًا، وإنما هو لَفْتٌ إلى عِظَمِ أهمية هذه الأسماء، وضرورة تعرف المسلم عليها، لأن كل اسم منها يتضمن صفة كمال لله ﵎، وصفات كماله -جلَّ وعلا- يتحتم على كل مسلم أن يعرفها، إذ لا يمكن أن يعبد إلهًا يجهله، وسبيل معرفته –سبحانه- لا تكون إلا بمعرفة أسمائه الحسنى، وصفات كماله العُلى. ومن ثمَّ تتضح الضرورة الملحَّة للمسلم التي تلزمه بمعرفة أسماء الله تعالى وصفاته، إذ هي سبيله إلى توحيده سبحانه، وتوحيده هو الوسيلة الوحيدة لتصحيح عمله وقبوله.
وإتمامًا لما بدأت في الحلقات الثلاثة السابقة، أعرض -بحول الله وقوته- بعضًا آخر من الأسماء الحسنى، محاولًا إلقاء بعض الأضواء -حسبما ييسِّر الله تعالى لي- على شيء من معانيها فيما يلي:-
المولى- الوليّ:
المولى:
هو اسم من أسماء الله تعالى الحسنى. ويطلق لفظ المولى في اللغة على: المعتِق، وعلى المعتَق، وعلى الناصر، وعلى الجار، وعلى ابن العم، وعلى الحليف، وعلى القيِّم بالأمر. والقدر المشترك في هذه الاطلاقات هو القرب.
وحين يطلق (المولى) على الله ﷿، فإن معناه: القريب من عباده [١] .
[ ٢٢ / ٣٢٣ ]
* وقد ورد اسم (المولى) سبحانه في القرآن الكريم اثنتي عشرة مرة [٢] ثلاث مرات [٣] بلفظ (المولى): في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (الأنفال آية ٤٠) (وإن تولوا) أي أعرضوا عن الإيمان ولم ينتهوا. (فاعلموا أن الله مولاكم) أي ناصركم ومعينكم، فثقوا بولايته ونصرته.
(نعم المولى) فلا يضيع من تولاه، (ونعم النصير) فلا يغلب من نصره [٤] .
ومعنى المولى هنا: سيدكم وناصركم على أعدائكم فمن والاه فاز، ومن نصره غلب [٥] .
وفي قوله تعالى: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (الحج آية ٧٨) أي وإذا خصكم بهذه الكرامة والأثرة، فاعبدوه وانفقوا مما آتاكم بالإحسان إلى الفقراء والمساكين، وثقوا به، ولا تطلبوا النصرة ولا الولاية إلا منه، فهو خير مولى وناصر [٦] .
ومعنى المولى هنا: أي حافظكم وناصركم على أعدائكم والمتولي أموركم دقيقها وجليلها، وهو سبحانه لا مماثل له في الولاية لأموركم والنصرة على أعدائكم [٧] .
أقول: لهذا أمر سبحانه تعالى المؤمنين أن يعتصموا به جل وعلا فقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ أي تمسكوا بدين الله وثقوا به تعالى، فلا رجاء ناجح إلا أن يكون رجاءه وحده سبحانه. وقد جاءت هذه الآية الكريمة عقب قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (الأنفال آية ٣٩) .
والمعنى: أي يا معشر المؤمنين قاتلوا أعدائكم المشركين حتى لا يكون شرك ولا يبعد إلا الله وحده.
[ ٢٢ / ٣٢٤ ]
قال ابن عباس: الفتنة: الشرك، أي حتى لا يبقى مشرك على وجه الأرض. وقال ابن جريج: حتى لا بفتن مؤمن عن دينه [٨] ومعنى ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُهُ لِلَّهِ﴾ أي تضمحل الأديان الباطلة ولا يبقى إلا دين الإسلام. واضمحلالها: يكون إما بهلاك أهلها جميعا، أو برجوعهم عنها خشية القتل [٩] .
أقول: ولهذا يقول رسول الله ﷺ "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإن قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله" [١٠] .
ومعنى قوله تعالى ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي فإن انتهوا عن الكفر وأسلموا فإن الله مطلع على قلوبهم، يثيبهم على توبتهم وإسلامهم، ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ﴾ أي وإن لم ينتهوا عن كفرهم وأعرضوا عن الإيمان فاعلموا يا معشر المؤمنين أن الله ناصركم ومعينكم عليهم، فثقوا بنصرته وولايته ولا تبالوا بمعاداتهم لكم. ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ أي نعم الله أن يكون مولاكم، فإنه لا يضيع من تولاه، ونعم النصير لكم، فإنه لا يغلب من نصره الله [١١] .
وفي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ (محمد آية ١١) .
ومعنى المولى هنا: أي ناصر المؤمنين [١٢] .
أقول: فبينت هذه الآية الكريمة أن المؤمنين مولاهم الله ﵎ يدافع عنهم وينصرهم على أعدائهم، وأما الكافرون فليس لهم من يدافع عنهم ولا من ينصرهم لأنهم على باطل، وأهل الباطل لا يستأهلون نصرا، ولا يظهرهم الله ﷿ على أهل الحق.
[ ٢٢ / ٣٢٥ ]
* ومنها أربع مرات بلفظ (مولاكم): وذلك في قوله تعالى ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ (آل عمران آية ١٥٠) . وذلك بعد قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ (آل عمران آية ١٤٩) .
والمعنى: أن الله تعالى يحذر عباده المؤمنين طاعة الكافرين والمنافقين، فإن طاعتهم تورث الردى في الدنيا والآخرة، وأمرهم سبحانه بطاعته وموالاته والاستعانة به والتوكل عليه لأنه هو معينهم ناصرهم ومتولي أمورهم، ومن ثم فهو خير من يحقق لهم النصر المبين [١٣] .
وكذلك في مثل قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (التحريم آية ٢) . ومعنى مولاكم هنا: أي وليكم وناصركم، والمتولي لأموركم [١٤] .
وقد ذكر القاسمي في تفسيره أن المقصود بقوله: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ أي فأطيعوه ﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ أي فينصركم خيرا ممن نصروكم لو نصروكم، وكيف لا يكون خير الناصرين، وهو ينصركم بغير قتال كما وعد بقوله ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ أي الذي يمنعهم من الهجوم عليكم والإقدام على حربكم ﴿بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ﴾ أي بكونه إلها متصفا بصفاته ومستحقا للعبادة ﴿سُلْطَانًا﴾ أي حجة قاطعة تنبني عليها الاعتقادات ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ هي المثوى والمقر، والمأوى والمقام [١٥]-والعياذ بالله-.
[ ٢٢ / ٣٢٦ ]
وقد أفادت الآية أن ذلك الرعب بسبب ما في قلوبهم من الشرك بالله، وعلى قدر الشرك يكون الرعب. وقد قال القاشانيّ: جعل إلقاء الرعب في قلوب الكفار مسببا عن شركهم، لأن الشجاعة وسائر الفضائل اعتدالات في قوى النفس لتنورها بنور التوحيد، فلا تكون تامة إلا للموحد الموقن في توحيده، وأما المشرك فلأنه محجوب عن منبع القدرة بما أشرك بالله من الوجود المشوب بالعدم الذي لم يكن له بحسب نفسه قوة، ولم ينزل الله بوجوده حجة، فليس إلا العجز والجبن، وجميع الرذائل.
وقال القفال: كأنه قيل: أنه وإن وقعت لكم هذه الواقعة في يوم أُحُد، إلا أن الله تعالى سيلقى الرعب منكم بعد ذلك في قلوب الكافرين حتى يقهر الكفار، ويظهر دينكم على سائر الأديان، وقد فعل الله ذلك حتى صار دين الإسلام قاهرًا لجميع الأديان والملل.. وفي حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "أعطيتُ خمسًا لم يعطهنَّ أحدٌ من الأنبياء قبلي: نُصرتُ بالرعب مسيرة شهر، وجُعلتْ لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأيما رجلٍ من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ، وأُحِلَّتْ لي الغنائم، وكان النبيُّ يُبعثُ إلى قومه خاصةً وبُعثتُ إلى الناس كافةً، وأعطيتُ الشفاعة" [١٦] .
ثم أخبر أنه صدقهم وعده في النصر على عدوه، وهو الصادق الوعد، وأنهم لو استمروا على الطاعة، ولزموا أمر الرسول ﷺ، لاستمرت نصرتهم، ولكن انخلعوا عن الطاعة، وفارقوا مركزهم، ففارقهم النصر على عدوهم عقوبةً وابتلاءً، وتعريفًا لهم بسوء عواقب المعصية، وحسن عاقبة الطاعة، بقوله ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [١٧] .
وفي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ (محمد آية ١١) .
ومعنى مولاهم: أن هو سبحانه الذي يتولاهم فيدافع عنهم وينصرهم على أعدائهم.
[ ٢٢ / ٣٢٧ ]
وقد جاءت الآية المذكورة بعد قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ (محمد آية ١٠) .
والآيتان مرتبطتان، ومعناهما: أفلم يَسِرْ المشركون بالله المكذبون لرسوله فينظروا كيف عاقب الله الذين من قبلهم بتكذيبهم وكفرهم ونجى المؤمنين من بين أظهرهم، ولذلك أمر رسول الله ﷺ المسلمين يوم فرغوا من وقفة أحد أن يجيبوا أبا سفيان لما قال لهم: لنا العزى ولا عزى لكم فيقولون: "الله مولانا ولا مولى لكم" [١٨] . وقال الإمام الشوكاني في معنى الآيتين: أي ألم يسيروا في أرض عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ليعتبروا، فينظروا كيف كان آخر أمر الكافرين قبلهم، فإن آثار العذاب في ديارهم باقية، إذ أهلكهم الله واستأصلهم، ثم توعد سبحانه مشركي مكة بأن لهؤلاء الكافرين أمثال عاقبة من قبلهم من الأمم الكافرين، وذلك سببه أنه تعالى ناصر المؤمنين، وأن الكافرين لا ناصر يدفع عنهم.
ثم بين ﷾ مظهر ولايته للمؤمنين يوم القيامة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَار﴾ (محمد آية/١٢) وبين في مقابلة ذلك عدم ولايته للكافرين ومظهر ذلك في الدنيا والآخرة في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ (محمد آية ١٢) أي أن الكفار ليس لهم همٌ في دنياهم إلا الانكباب على الأكل والتمتع في الدنيا، لا هم لهم إلا ذلك، ولهذا ثبت في الصحيح قول الرسول ﷺ: "المؤمن يأكل في معًى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء"أي كأن له سبعة أمعاء كناية على كثرة أكله. ويوم القيامة النار تكون جزاء لهم [١٩] .
[ ٢٢ / ٣٢٨ ]
وذكر الإمام الشوكاني في معنى الجزء الأول من الآية الخاصة بالمؤمنين أنه مسوق لبيان ولاية الله تعالى لهم: وذلك بإدخالهم جنات تجري من تحتها الأنهار، وفي بيان معنى الجزء الخاص بالكافرين أنهم يتمتعون بمتاع الدنيا وينتفعون به كأنهم أنعام ليس لهم همٌ إلا بطونهم وفروجهم، ساهون عن العاقبة، لاهون بما هم فيه، والنار مقام لهم يقيمون به، ومنزل ينزلونه ويستقرون فيه [٢٠] .
أقول: أن لا شك أن ولاية الله تعالى لعباده المؤمنين تسعدهم بالحياة الطيبة في الدنيا، وبدار الكرامة جنات عدن في الآخرة. فهنيئًا لمن بلغ هذه الدرجة الرفيعة فكان الله مولاه.
* ومنها مرتان بلفظ (مولانا): وذلك في قوله تعالى: ﴿أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة آية ٢٨٦) . أي أنت وليُّنا وناصرنا، وعليك توكلنا وأنت المستعان وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك، فانصرنا على القوم الكافرين الذين جحدوا دينك، وأنكروا وحدانيتك، ورسالة نبيك، وعبدوا غيرك، فانصرنا عليهم، واجعل لنا العاقبة عليهم في الدنيا والآخرة. قال الله: "نعم". وفي الحديث الذي رواه مسلم عن ابن عباس: قال الله: "قد فعلت" [٢١] . وقال الإمام الشوكاني في معنى قوله تعالى: (أنت مولانا): أي ولينا وناصرنا، وخرج هذا مخرج التعليم كيف يدعون. وقيل معناه: أنت سيدنا ونحن عبيدك. وذكر في معنى قوله: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: أي من حق المولى أن ينصر عبيده، وأن المراد عامة الكفرة، وأن في هذا إشارة إلى إعلاء كلمة الله في الجهاد في سبيله [٢٢] .
[ ٢٢ / ٣٢٩ ]
أقول: وبمناسبة ذكر آخر آية من سورة البقرة، أود أن أذكر بأن هناك عددا من الأحاديث نصت على الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة، منها ما أخرجه الإمامان مسلم. والنسائي واللفظ له عن ابن عباس قال: "بينا رسول الله ﵌ وعنده جبريل، إذ سمع نقيضا، فرفع جبريل بصره فقال: هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط، قال: فنزل منه ملك فأتى النبي ﷺ فقال: أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك. فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفًا منهما إلا أوتيته".
وأخرج الحاكم وصححه البيهقي في الشعب عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله ختم سورة البقرة بآيتين أعطانيهما من كنزه تحت العرش. فتعلموهما، وعلموهما نسائكم وأبنائكم، فإنهما صلاة وقرآن ودعاء". وروى الشيخان وأهل السنن وغيرهم عن ابن مسعود عن النبي ﵌ قال: "من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه" [٢٣] .
وكذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة آية ٥١) . وذلك بعد قوله تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ (التوبة ٥٠) .
[ ٢٢ / ٣٣٠ ]
ومعنى الآيتين: أن الله تعالى يُعْلِمُ رسوله محمدا صلى الله عليم وآله وسلم بعداوة هؤلاء له لأن أيَّ حسنة تصيبه هو وأصحابه تسوؤهم، وأن أيَّ مصيبة تصيبه يقولون لقد احترزنا من متابعته من قبل هذا، ويتولون وهم فرحون بما أصابه. فأرشد الله تعالى رسوله ﷺ إلى جوابهم بأن يقول لهم: إننا تحت مشيئة الله تعالى وقدره، فما يصبنا كله مقدر علينا، فهو سبحانه مولانا أي سيدنا وملجؤنا، ونحن متوكلون عليه وهو حسبنا ونعم الوكيل [٢٤] .
[ ٢٢ / ٣٣١ ]
* ومنها مرة بلفظ (مولاه) وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ (التحريم آية ٤) والخطاب في هذه الآية الكريمة موجه إلى أميّ المؤمنين عائشة وحفصة ﵄، أي إن تتوبا إلى الله تعالى مما تظاهرتما به على رسول الله ﷺ، فقد مالت قلوبكما إلى الحق. وقد روى الإمام مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "لما اعتزل نبي الله ﷺ نساءه دخلتُ المسجدَ فإذا الناس ينكتون بالحصى، ويقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه، وذلك قبل أن يأمر بالحجاب، فقلت: لأعلمنَّ ذلك اليوم، فذكر الحديث في دخوله على عائشة وحفصة ووعظه إياهما إلى أن قال: فدخلت فإذا أنا برباح غلام رسول الله ﷺ على أسكفة المشربة، فناديت، فقلت: يا رباح استأذن على رسول الله ﷺ، إلى أن قال: فقلت: يا رسول الله ما يشق عليك من أمر النساء، فإن كنت طلقتهن فإن الله معك، وملائكته، وجبريل، وميكال، وأنا، وأبو بكر، والمؤمنون معك. وقلما تكلمت –وأحمدُ الله- بكلام إلا رجوتُ أن يكون الله يُصدقُ قولي، فنزلت هذه الآية: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنّ﴾ ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ فقلت: أطلقتهن؟ قال: "لا"، فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق نساءه، ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُم﴾
[ ٢٢ / ٣٣٢ ]
النساء/١٤ [٢٥] . فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر.
وقال الإمام الشوكاني في معنى قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ ﴾ الآية: أي إن تتوبا إلى الله فقد وجد منكما ما يوجب التوبة، ومعنى "صَغَتْ"عدلت ومالت عن الحق أو زاغت وأثمت، وهو أنهما أحبتا ما كره رسول الله ﷺ وهو إفشاء الحديث، وقيل المعنى: إن تتوبا إلى الله فقد مالت قلوبكما إلى التوبة، ومعنى ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ وإن تظاهرا بمعنى تتعاضدا وتتعاونا، والمعنى: وإن تتعاضدا وتعاونا في الغيرة عليه منكما وإفشاء سره، فإن الله يتولى نصره، وكذلك جبريل، ومن صلح من عباده المؤمنين والمقصود أبو بكر وعمر، فلن يعدم ناصرا ينصره، إذ بعد نصر الله له، وجبريل، وصالح المؤمنين، فإن الملائكة أعوان يظاهرونه [٢٦] .
* ومنها مرتان بلفظ (مولاهم): ذلك في قوله تعالى ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ (الأنعام آية ٦٢) .
وقد جاءت هذه الآية بعد قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ (الأنعام آية ٦١) .
ومعنى الآيتين الكريمتين: أن الله تعالى فوق عرشه الذي قهر كل شيء وخضع لجلاله وعظمته وكبريائه كل شيء يرسل ملائكته يحفظون عباده، حتى إذا حان أجل أحدهم توفته الملائكة الموكلون بذلك، ولا يجاوزون الحد فيما أمروا به من الإكرام والإهانة، فإن كان من الأبرار ففي عليين، وإن كان من الفجار ففي سجين. ثم بعد الحشر ترد الخلائق إلى الله مولاهم الحق أي مالكهم الذي يلي أمورهم فيحكم فيهم بعدله، وهو أسرع الحاسبين لكونه لا يحتاج إلى ما يحتاجون إليه من الفكر الروية والتدبر [٢٧] .
[ ٢٢ / ٣٣٣ ]
وفي قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (يونس آية ٣٠) .
ومعنى هذه الآية الكريمة أنه في موقف الحساب يوم القيامة تخبر كل نفس وتعلم ما سلف من عملها خيرا كان أو شرا، ورجعوا في جميع أمورهم إلى الله مولاهم الحكم العدل ففصلها، وأدخل أهل الجنةِ الجنةَ، وأهل النارِ النارَ، وتخلى عن المشركين ما كانوا يعبدون من دون الله افتراء عليه، سبحانه عما يشركون [٢٨] .
وقال الإمام الشوكاني في معنى هذه الآية الكريمة: أنه في ذلك المكان وفي ذلك الموقف تبلو أي تذوق وتختبر كل نفس جزاء ما أسلفت من العمل، وعلى قراءة (نبلو) بالنون، أن الله تعالى يبتلي كل نفس ويختبرها، بمعنى أنه يعاملها معاملة من يختبرها ويتفقد أحوالها، ورد المشركين بعد ذلك إلى الله مولاهم الحق أي إلى ربهم الصادق الربوبية دون ما اتخذوه من المعبودات الباطلة، وضاع وبطل ما كانوا يفترون، من أن الآلهة التي لهم حقيقة بالعبادة لتشفع لهم إلى الله وتقربهم إليه.
ثم قال الإمام الشوكاني: وأخرج أبو الشيخ عن السدّي في قوله: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ قال: نسخها قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ محمد/ ١١ [٢٩] .
[ ٢٢ / ٣٣٤ ]
أقول: وقد اعتز رسول الله ﷺ بمولاه ﷾ في أعصب المواقف، وعلم ذلك أصحابه ﵃، ليكون لنا في ذلك أعظم قدوة. وبيانا لذلك أسوق من الحديث الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه: بسنده. عن البراء ﵁ قوله في شأن غزوة أحد: "فأصيب سبعون قتيلا، وأشرف أبو سفيان، فقال أفي القوم محمد؟ فقال: "لا تجيبوه"فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ قال: "لا تجيبوه"، فقال: أفي القوم ابن الخطاب: فقال إن هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياءً لأجابوا. فلم يملك عمر نفسه، فقال: كذبت يا عدو الله، أبقى الله عليك ما يخزيك. قال أبو سفيان: أعْلُ هُبَلْ، فقال النبي ﷺ: "أجيبوه" قالوا: ما نقول؟ قال: "قولوا: الله أعلى وأجل"، قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عُزَّى لكم. فقال النبي ﷺ: "أجيبوه" قالوا: ما نقول؟ قال: "قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم". وهذه إجابة تحمل عظيم الاعتزاز بالله تعالى مولى المؤمنين الذي يتولى أمرهم، ويدبر شؤونهم، ويظهرهم بالنصر على أعدائهم، في مقابلة أن أولئك الأعداء لا مولى لهم يدبر أمرهم، وينصرهم إلا ما يعبدون من العزى الساقطة التي لا تملك لهم -فضلا عن نفسها- نفعا ولا ضرا.
الولي:
هو اسم من أسماء الله تعالى الحسنى.
ومعنى الولي الناصر، وهو على وزن فعيل على صيغة المبالغة بمعنى فاعل، أي إنه عظيم النصر لعباده المؤمنين.
* وقد ورد هذا الاسم الكريم في القرآن الكريم أربع عشرة مرة [٣٠] .
* منها خمس مرات بلفظ "وليِّ"بالرفع، وذلك في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة آية ٢٥٧) .
[ ٢٢ / ٣٣٥ ]
والوليّ هنا هو الناصر لمن وليهم وهم المؤمنون ومعنى الآية الكريمة أنه سبحانه يهدي المؤمنين الذين اتبعوا رضوانه سبل السلام، ويخرجهم من ظلمات الكفر والشك والريب إلى نور الحق الواضح الجلي السهل، وأما الكافرون فوليهم الشيطان يزين لهم ما هم فيه من الجهالات والضلالات، ويخرجهم ويحيد بهم عن طريق الحق إلى الكفر والإفك، فكانوا من أصحاب النار هم فيها خالدون. ولهذا وحَّدَ الله تعالى لفظ "النور"لأن الحق واحد، وجمع "الظلمات"لأن الكفر أجناس كثيرة وكلها باطلة [٣١] .
وقال الإمام الشوكاني في معنى قوله تعالى ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أن الوليّ فعيل بمعنى الفاعل وهو الناصر، وأن قوله ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾ تفسير للولاية.
أقول: أي أنه سبحانه لما ولي أمر المؤمنين كان من مظاهر ولايته لهم أنه يتولى إخراجهم من الظلمات إلى النور.
ويقول الإمام الشوكاني: أن المراد بقوله ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي أرادوا الإيمان، لأن من وقع منه الإيمان قد خرج من الظلمات إلى النور، إلا أن يراد بإخراج المؤمنين من الظلمات إخراجهم من الشُبه التي تعرض لهم، فلا يحتاج إلى تقدير الإرادة.
ثم قال الشوكاني أن المراد بالنور في قوله ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ ما جاء به أنبياء الله من الدعوة إلى الدين، فإن ذلك نور للكفار أخرجهم أولياؤهم عنه إلى ظلمة الكفر: أي قررهم أولياؤهم على ما هم عليه من الكفر بسبب صرفهم عن إجابة الداعي إلى الله من الأنبياء، ثم قال: وقيل: المراد بالذين كفروا هنا: الذين ثبت في علمه تعالى كفرهم يخرجهم أولياؤهم من الشياطين ورؤوس الظلال من النور الذي هو فطرة الله تعالى التي فطر الناس عليها إلى ظلمات الكفر التي وقعوا فيها بسبب ذلك الإخراج [٣٢] .
[ ٢٢ / ٣٣٦ ]
ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران آية ٦٨) .
ومعنى أن الله ولي المؤمنين، أي أنه يتولى أمر المؤمنين جميعا بما فيهم أنبياؤه ورسله [٣٣] .
أقول: ومن ثم فكل مؤمن لا ولي له إلا الله ﷻ، يفوض له كل أمره، ليصرفه سبحانه بما يصلح لعبده المؤمن.
ومعنى هذه الآية الكريمة: أن أحق الناس بإبراهيم ﵇ أولئك الذين اتبعوه على دينه في حينه. وكذلك النبي محمد ﷺ، وصحابته الذين تبعوهم بإحسان. وقد روى سعيد بن منصور -بسنده- عن ابن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لكل نبي ولاة من النبيين، وإن ولي منهم أبي وخليل ربي ﷿ إبراهيم ﵇". ثم قرأ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ﴾ [٣٤] .
ومثل قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الشورى آية ٩) .
والوليّ هنا معناه: أنه متولي شؤون خلقه، فهو وحده القادر على إحياء الموتى: وهو كذلك القادر على كل شيء، فإذا أراد شيئا كان قوله له: كن، فيكون، ولا يملك ذلك إلا هو ﷾.
ومعنى هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى ينكر على المشركين اتخاذهم آلهة من دون الله، ويخبر أنه هو الولي الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده، فإنه القادر على إحياء الموتى، وهو على كل شيء قدير [٣٥] .
[ ٢٢ / ٣٣٧ ]
ويقول الإمام الشوكاني في معنى قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أي بل اتخذ الكافرون من دون الله أولياء من الأصنام يعبدونها؟ وذلك تقدير لانتفاء كون للظالمين وليًا ونصيرًا. وفي قوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ أي هو الحقيق بأن يتخذوه وليًا، فإنه الخالق، الرّازق، الضار، النافع. وقال: وقبل: الفاء جواب شرط محذوف: أي إن أرادوا أن يتخذوا وليا في الحقيقة فالله هو الوليّ، وفي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي ومن شأنه تعالى أنه يحي الموتى، ويقدر على كل مقدور، فهو الحقيق بتخصيصه بالألوهية، وإفراده بالعبادة [٣٦] .
ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في معنى الآية ذاتها: أن الظالمين لأنهم لا يصلحون لصالح، فقد حرموا من الرحمة، فما لهم من دون الله من ولي يتولاهم فيحصل لهم المحبوب، ولا نصير يدفع عنهم المكروه. وأن الذين اتخذوا من دونه أولياء يتولونهم بعبادتهم إياهم فقد غلطوا أقبح غلط، فالله هو الولي الذي يتولاه عبده بعبادته وطاعته والتقرب إليه بما أمكن من أنواع التقربات، ويتولى عباده عموما بتدبيره ونفوذ القدر فيهم، ويتولى عباده المؤمنين خصوصًا بإخراجهم من الظلمات إلى النور، وتربيتهم بلطفه، وإعانتهم في جميع أمورهم [٣٧] .
ومثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (الشورى آية ٢٨) . ومعنى الولي الحميد هنا: المتصرف وحده بخلقه بما ينفعهم في دنياهم وأخراهم، وهو المحمود العاقبة في جميع ما يقدر ويفعله.
[ ٢٢ / ٣٣٨ ]
ومعنى هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى ينزل المطر من بعد يأس الناس من نزوله، وينزل عليهم وقت حاجتهم كقول ﷿: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ (الروم/ ٤٩) وإنزاله سبحانه المطر رحمة يعم بها من ينزل عليهم، ذلك بأنه جل وعلا هو وحده المتصرف بخلقه بكل ما ينفعهم في دنياهم وأخراهم وهو المستحق الحمد في كل أقداره وأفعاله [٣٨] .
(يتبع)
قَالَ اْللهُ تَعَالى:
﴿وَِللهِ اْلأَسْمَاءُ اْلحُسْنَى فَاْدْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ اْلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (١٨٠) . "من سورة الأعراف"
--------------------------------------------------------------------------------
[١] شرح أسماء الله الحسنى للرازي ص ٢٩٨.
[٢] المعجم المفهرس.
[٣] المرجع السابق.
[٤] محاسن التأويل للقاسمي الجزء الثامن ص ٢٢٩٧.
[٥] تيسير العلى القدير المجلد الثاني ص ١٨٦، وفتح القدير الجزء الثاني ص ٣٠٨.
[٦] المرجع السابق الجزء الثاني عشر ص ٤٢٨٢.
[٧] تيسر العلى القدير المجلد الثالث ص ١٠٣، وفتح القدير الجزء الثالث ص ٤٧١.
[٨] الطبري جزء ١٣ ص ٥٣٨.
[٩] روح المعاني للألوسي جزء ٩ ص ٢٠٧.
[١٠] صحيح مسلم الجزء الأول ص.
[١١] صفوة التفاسير الجزء الأول ص ٥٠٤.
[١٢] المرجع السابق –الجزء الخامس ص ٣٢.
[١٣] تيسير العلى القدير المجلد الأول ص ٣١٨.
[١٤] فتح القدير الجزء الخامس ص ٢٥٠.
[١٥] محاسن التأويل الجزء الرابع ص ٩٩٣.
[١٦] صحيح البخاري الجزء الثامن كتاب الصلاة ص ٥٦.
[١٧] المرجع السابق ص ٩٩٤.
[١٨] تيسير العلى القدير المجلد الأول ص ٥٨، ٥٩.
[١٩] تيسير العلى القدير المجلد الأول ص ٥٩.
[ ٢٢ / ٣٣٩ ]
[٢٠] فتح القدير الجزء الخامس ص ٣٢.
[٢١] تيسير العلى القدير المجلد الأول ص ٢٤٩.
[٢٢] فتح القدير الجزء الأول ص ٣٠٨.
[٢٣] فتح القدير الجزء الأول ص ٣٠٩، ٣١٠.
[٢٤] تيسير العلى القدير المجلد الثاني ص ٢٣٧، ٢٣٨.
[٢٥] تيسير العلى القدير المجلد الرابع ص ٢٦٥، ٢٦٦.
[٢٦] فح القدير الجزء الخامس ص ٢٥٠، ٢٥١، ٢٥٣.
[٢٧] تيسير العلي القدير المجلد الثاني ص ٢٠، ٢١، وفتح القدير الجزء الثاني ص ١٢٤، ١٢٥.
[٢٨] تيسير العلي القدير المجلد الثاني ص ٢٩٧، ٢٩٨.
[٢٩] فتح القدير الجزء الثاني ص ٤٤٠.
[٣٠] المعجم المفهرس.
[٣١] تيسر العلي القدير المجلد الأول ص ٢٢٢.
[٣٢] فتح القدير الجزء الأول ص ٢٧٦.
[٣٣] تيسر العلي القدير المجلد الأول ص ٢٨١.
[٣٤] المرجع السابق المجلد الثالث ص ٥٧٣.
[٣٥] تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص ٥٦٥.
[٣٦] فتح القدير -الجزء الرابع ص ٥٢٧.
[٣٧] تيسير الكريم الرحمن الجزء السابع ص ٩٤.
[٣٨] المرجع السابق المجلد الثالث ص ٥٧٣.
[ ٢٢ / ٣٤٠ ]