في الأشهر القليلة الماضية عقدت ندوة في الخرطوم عاصمة السودان بين علماء من المسلمين ومجموعة من القسس بلغوا اثني عشر قسيسًا شرح الله صدورهم للإسلام. وقد عولجت في هذه الندوة قضايا في منتهى الخطورة كانت تحوم عليها شبهات أزالها بفضل الله علماء المسلمين وسوف تنشر -بحول الله وقوته- ما دار في هذه الندوة على حلقات متتابعة، ونبدأ ذلك فيما يلي:
الحلقة الأولى
وبعد
إخوتي الأفاضل مستمعي الأعزاء
فإنه ليسعدني ويسعدكم أيضًا مثل هذا اللقاء الذي يتم وتم بناء على طلب مقدم من السيد (جيمس بخيت سليمان) موجه لرئيس وأعضاء هيئة النشاط الإسلامي بالسودان، وللملحق الديني بالسفارة العربية السعودية بالخرطوم أيضًا.
وإنه ليسعدنا جميعًا أن يكون مثل هذا اللقاء عن الإخاء والمحبة لنعرف الحقيقة ولنعرف الحق من الباطل، والله نسأل أن يوفقنا للحق أينما كان وحيثما كان وأن يرزقنا اتباعه، ومثل هذه اللقاءات نرجو أن تتكرر في كل مكان وفي كل زمان، كما نرجو أن تثمر ويكون لها أثر فعال إلى طريق الحق والخير والسلام.
وبعد.. ففي هذه الجلسة يفتتحها لنا أستاذي الفاضل وشيخي الأكبر الشيخ عوض الله صالح الرئيس العام لهيئة إحياء النشاط الإسلامي بالسودان ومفتي جمهورية السودان سابقًا، والعضو الحالي والمشارك في رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، فليتفضل جزاه الله خيرًا عن الإسلام والمسلمين.
فقام الشيخ عوض الله وقال: بعد أن حمد الله، وصلى على رسوله ﷺ..
أيها الإخوة من مسلمين ومسيحيين
[ ٢٢ / ٤١ ]
أنا سعيد بهذا اللقاء وأرحب بكم في هذه الدار نيابةً عن الإخوة أعضاء هيئة إحياء النشاط الإسلامي، وقد حضرت قبل خمس سنوات حوارًا يشبه هذا الحوار في طرابلس بليبيا، ولقد كان أول ما يلاحظ على تلك الندوة أنها بعدت عن كل كلمة نابية.. بل لم يذكر نبي من قبل المسلمين غير محمد صلوات الله عليه وسلامه إلا ذكر بكلمات كلها تعظيم وتبجيل ولم يذكر من المسيحيين غير عيسى ﵇ أي نبي إلاَّ وكانت تحف كل كلمة حوله مظاهر التبجيل والاحترام، ولقد كانت تلك الندوة بحق ندوة بحث عن الحقيقة، وإن في العالم أخطاء كثيرة وأنا لم أدرس المسيحية، ولكنني لا أنكر أن لنا أخطاء في الإسلام. إن بعض أفهام خاطئة عن الإسلام موجودة، ولكنها تصحح بمرور الزمان، فالإسلام شيء وخطأنا شيء آخر. ولا شك في أن المسيحية التي كانت أبعد عهد من الإسلام لابد أن تكون قد طرأت عليها أخطاء وهي قابلة للتصحيح، ولا نمس بحال من الأحوال جوهر ما في الدين سواء كان من جانب المسلمين أو من جانب المسيحيين.
أنا لا شك في أن كثيرًا من الأشياء تلتقي فيها المسيحية مع الإسلام أو الإسلام مع المسيحية. فكلنا نوحد إلهًا واحد،.. ونحن المسلمين اشترط علينا قرآننا أننا إن كفرنا بعيسى فإن إيماننا بمحمد يكون قد اعترته الشكوك.. وعلى هذا فإني لست بمشارك في هذه الندوة.. ولكني مرحب فقط عن أهل هذه الدار وقد أعجبني ما استمعت فيها إليه وأنا على يقين أني سأعجب أيضًا بما سأستمع إليه من الجانبين المسيحي والإسلامي.
[ ٢٢ / ٤٢ ]
إن أكثر ما أعجبني في تلك الندوة بعد الذي قلت: هو أن اتفاقًا قد تم ونحن جميعا نعبد إلهًا واحدًا- إن الاتفاق قد تم بألاَّ يذهب المسلمون إلى مناطق المسيحية لإدخالهم في الإسلام، ولكن الذي يدخل طائعًا مختارًا نرحب به، ونستقبله. وتم أيضًا الاتفاق على ألاَّ يدخل أهل المسيحية في مناطق المسلمين ليدخلوا مسلمين في المسيحية،.. أنا أعرف ماذا جرى من المسيحيين بعد هذا الاتفاق الذي فات عليه أكثر من ست سنوات، ولكني أؤكد وفي هذا البلد بالذات أننا التزمنا بأننا لا نعمل إلا في جو المسلمين وأطفال المسلمين لنحتفظ بإسلامهم من أن ينحرفوا انحرافًا لا يعجب الإسلام.
وإني أرجو ألاَّ تذهب المسيحية إلى مواطن المسلمين لإغرائهم. وما أكثر ما يغري الناس بسبب الفقر والضعف الفكري- فيتحولون عن عقيدة إلى عقيدة.
أخشى أن أكون قد أطلت.. أحرب بكم جميعا. أبنائي وإخواني من المسيحيين وأرحب بأساتذتي ومشايخي من المسلمين، وأتمنى أن يسير الحوار بالصورة التي ترضيكم جميعًا، وترضي المستمعين أيضًا والسلام عليكم.
ثم عاد مدير الندوة فعلق على كلمة الشيخ عوض الله بقوله:
شكرًا لهذا التوجيه الطيب من فضيلة شيخنا الأكبر الشيخ عوض الله صالح وشكرًا لكم جميعًا.. وأؤكد لكم أنه بناءً على قائمة الأسماء التي قرأتها.. بأسماء إخواننا الذين يسمون أنفسهم مسيحيين.. حينما قرأت قائمة الأسماء وجدت أنهم جميعًا من أسر مسلمة بموجب الأسماء.. فهذا اسمه مسيحي واسم أبيه (محمد) أو أحمد أو عبد الله. وأؤكد لكم جميعًا أن هؤلاء جميعًا لم يخرجوا من الإسلام إلى المسيحية إلا لظروف خاصة وقاهرة، وأرجوا لهم التوفيق والسداد في أن يعيدهم الله ﷾ إلى الحق وإلى الطريق المستقيم الذي لا عوج فيه.
وبعد: إخوتي الكرام فإن هذه الندوة سيدير فقراتها وحلقاتها فضيلة الدكتور محمد جميل غازي، فليتفضل:
[ ٢٢ / ٤٣ ]
فتقدم الدكتور محمد جميل غازي، وقال:
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا ﴾ وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
في الأول أقدم لكم الأخ (جيمس بخيت) ليتحدث إليكم. وقبل أن أقدمه إليكم، لي رجاء أن أرى الابتسامة على وجوه الكل.. لأنني ألاحظ أن الابتسامة انعدمت من هذا الاجتماع، فأرجو أن نكون جميعًا على تفاؤل كامل، لأننا مقدمون، ولله الحمد، على عمل طيب صالح، ونسأل أن يكون موفقًا، لا عداء بيننا ولا كراهية وإنما هو الحب الذي جمعنا، والحب هو الذي جعل كل واحد منا يتحدث إلى صاحبه بالحب كله، وبالتقدير كله، أقدم إليكم الأخ (جيمس بخيت) وأرجو من خلال حديثه أن يشير إلى هذه الأسئلة التي قدمها إلى فضيلة الأخ الشيخ طاهر لتكون هي مجال الحوار في هذه الندوة أو في هذا اللقاء الإسلامي، المسيحي، والذي ابتدأ انعقاده في هذه الليلة، ولا يعلم إلا الله وحده، كم يستمر من ليال أو كم يستغرق من ساعات.
أيها السادة يتحدث نيابةً عنه الأخ محمد رمضان:
السادة الأعضاء هيئة النشاط الإسلامي.
فضيلة الشيخ الملحق الديني السعودي بالخرطوم.
السلام عليكم ورحمة الله.
إنها بحق إرادة الله الذي مهد لنا هذا اللقاء الروحي لا للانتقاد أو الإدانة، وإنما للاستذكار، وتوضيح بعض المواضيع الدينية في الإسلام والمسيحية بالأدلة والبراهين، كما أنزله الله على رسله، بعيدين عن أي تعصب ديني، آملين أن يهدينا الله جميعًا لما فيه الخير لأمتنا.
السادة الكرام: نحن قادة لمجموعات من الإخوة والأخوات بالعاصمة المثلثة وجبال النوبة مسلمين بالوراثة ولكننا لم نتعمق في تعاليم الإسلام وتعلمنا أيضا شيئًا من الديانة المسيحية نتيجة للتبشير المكثف الذي تقوم به الطوائف المسيحية في السودان.
[ ٢٢ / ٤٤ ]
سادتي: لقد أحدث هذا الخلط بين العقيدتين شكوكًا في نفوسنا مما أدى بنا للجوء إلى القسيس (جيمس بخيت) بعد عودته من الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، بدعوة من إحدى الطوائف المسيحية هناك، آملين أن نجد لديه المساعدة في هذا الشأن، فإما أن نؤمن بالإسلام أو المسيحية، بعد معرفة الحقيقة، هذا والشيء الذي دعا بنا للجوء للقسيس (جيمس بخيت) ما لمسناه منه في اعتداله من الناحية الدينية، وإيمانًا منه بالحرية الدينية والعبادة، مع أنه قد رفض كل الطوائف المسيحية بالسودان، وهو الآن يقوم بتأسيس طائفة مسيحية يقوم بإدارتها إخوة سودانيون فقط، وقد كانت توجيهاته لنا كما كفلت الثورة حرية العبادة للجميع، فيجب علينا أن نساعد في تنفيذ هذا المبدأ، مسلمين كنا أو مسيحيين، ونبعد التعصب الدينين من أنفسنا، ونعطي كل فرد حريته في اختيار المذهب الذي يريده، وقد نصحنا القسيس جيمس بعدم الانضمام لأي مذهب ديني -حتى طائفته- رفض أن ننضم إليها إن لم يكن ذلك بالاقتناع وقام باختيار منازل بعض الأفراد للتجمعات الروحية، وكان من نتائج تحركه واهتمامه بهذه المشكلة مولد اجتماع اليوم. ولا يفوتنا أيضًا إلا أن نخص بالشكر الملحق الثقافي السعودي بالخرطوم لما بذله من جهود عظيمة في تحقيق رغبة الإخوة في الالتقاء بهيئة النشاط الإسلامي، كما لا يفوتنا أيضًا أن نحيطكم علمًا بأن هؤلاء الإخوة الذين ترونهم أمامكم إخوة يطلبون معرفة الحقيقة، وليس من بينهم عالم أو متفقه في أمور الدين أيًا كان.
وفي الختام نسأل الله العظيم أن يساعدنا ويهدينا إلى الطريق القويم ويظلنا ببركاته والسلام.
الأخ جيمس يقرأ الأسئلة التي تقدم بها الملحق الديني السعودي، وهي أسئلة ذات شقين: شق يدور حول الديانة المسيحية. وشق يدور حول الديانة الإسلامية، فيتفضل بقراءة الأسئلة:
الجانب المسيحي:
السؤال الأول: هل يؤيد القرآن المسيح والإنجيل؟
[ ٢٢ / ٤٥ ]
السؤال الثاني: النسخ والتحريف في الإنجيل، كيف تم كما يزعم المسلمون؟ وهل يحتفظ المسلمون بأصل الإنجيل؟
السؤال الثالث: الخمر محرم في القرآن ولكنه غير محرم في الإنجيل. فكيف تفسرون ذلك. وهل هناك آية في القرآن تحرم الخمر؟
السؤال الرابع: هل يؤمن المسلمون برسل المسيح الذين اختارهم وأسند إليهم مهمة التبشير كما ذكر في الإنجيل؟
السؤال الخامس: هل يؤيد القرآن الروح القدس؟
السؤال السادس: صحة ما جاء في الإنجيل أن المسيح ﵇ صلب ومات ودفن ثم قام ما بين الأموات في اليوم الثالث. فماذا جاء في القرآن فيما يختص بهذا القول؟
السؤال السابع: ورد في الإنجيل أن المسيح ابن الله فما رأي القرآن؟
السؤال الثامن: هل يؤيد القرآن الأقانيم الثلاثة (الأب والابن وروح القدس) حسب ما جاء في الإنجيل؟
السؤال التاسع: ما هي مكانة مريم العذراء لدى المسلمين كأم المسيح ﵊؟
الجانب الإسلامي:
السؤال الأول: محمد ﷺ كيف كانت حياته ونزول القرآن عليه؟ وكيف نقنع المتشككين بأنه خاتم الأنبياء كما جاء في القرآن؟
السؤال الثاني: كما يزعم بعض المسلمين والمسيحيين هل استعمل السيف في صدر الإسلام لإخضاع الكفار للدخول في الإسلام؟ وهل كان ذلك في عهد الرسول أم في عهد الخلفاء الراشدين؟
السؤال الثالث: ما رأي المسلمين في إخوتهم العلماء الذين قاموا بتفسير القرآن حسب آرائهم مما أدى ذلك إلى وجود طوائف مختلفة؟ وما حقيقة هذه الطوائف؟
السؤال الرابع: يتزوج المسلمين بأكثر من امرأة.. فهل هناك آية في القرآن توضح ذلك؟ وما هي الأسباب التي جعلت النبي ﷺ يتزوج بأكثر من أربع نساء؟
السؤال الخامس: لماذا يحرم القرآن لحم الخنزير؟ وهل هناك آية تحرم ذلك؟
[ ٢٢ / ٤٦ ]
السؤال السادس: هل يؤيد القرآن أن المسيح ﵊ جاء لبني إسرائيل فقط؟
السؤال السابع: نلاحظ في القرآن أن هناك آيات تنقض آيات مثل: ﴿يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ إلى قوله: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ . في حين أن هناك آية أخرى تقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ﴾ فما رأي المسلمين في هذا التناقض؟
السؤال الثامن: ما هي نظرة المسلم لغير المسلم فيما يختص بالمعاملات الاجتماعية المختلفة؟
السؤال التاسع: لماذا تمنع السلطات السعودية دخول المسيحيين في الأماكن المقدسة في المملكة العربية السعودية؟
وبعد: فإذا كان من المقرر أن ألقي كلمة في أول هذا الاجتماع، وفي افتتاحه، فإن كل ما يمكن أن أقول هو أن أقرأ عليكم بعض آيات من القرآن الكريم.
يقول الله ﷾ بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:
[ ٢٢ / ٤٧ ]
﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَإِنْ آمَنُوا
[ ٢٢ / ٤٨ ]
بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
وبعد ذلك تحدث مدير الندوة الدكتور محمد جميل غازي فقال:
[ ٢٢ / ٤٩ ]
أتمنى أن أدير حديثي لا مع هؤلاء الأفاضل الطيبين، ولكن معكم أنتم أيها المسلمون، بماذا تردون على هذه الكلمات الطيبة التي ألقاها في وجوهكم هذا الأخ الطيب، حينما أعلمكم بهذه الحقائق المرة؟ هل فكرتم فيها؟ هل فكرتم أنكم الجناة الحقيقيون؟ هل فكرتم أنكم ستدانون بين يدي الله؟ وأنكم قصرتم في تبليغ كلمة الله؟ لِمَ لَمْ تعلنوها ولَمْ تنطقوا بها؟ غرتكم الحياة الدنيا ورفاهيتها؟ عشتم في الدَعة والهدوء والاستقرار، وآثرتم الطريق الآمن والسهل في بلادكم، في الوقت الذي كان يأتي الأجانب في آخر الدنيا يدكون حصونكم ويدقون أبوابكم دقًا عنيفًا، ويسرقون أبنائكم وفلذات أكبادكم، هل فكرتم في هذه الكلمات الطيبة التي قالها هذا الأخ الطيب الذي مزق كبدي بكلماته، أرجو أن تفكروا.. إنها لكم، لابد أن تهز مضاجعكم، حتى لا تهنأوا بعدها بمنام.. حتى لا تستقر جنوبكم على الأرض.. فلا نامت أعين الجبناء. إنما عليكم أن تحرسوا بناء محمد ﷺ، وأن تحرسوا دعوة محمد ﷺ، ودعوة الأنبياء جميعًا..
والأسئلة التي تفضل الأخ الكريم (جيمس) فقرأها عليكم.. رأيت أن أعيد وضع خريطة لها لتكون هذه الخريطة تؤدي بنا إلى مجموعة من الدراسات لأننا لسنا في حاجة إلى مواعظ، ولسنا في حاجة إلى خطب رنانة وعلى جيوش الخطباء أن يوفروا لعابهم، إننا في حاجة إلى دراسة علمية موضوعية هادئة وهادفة، نعرف فيها الحق والطريق المستقيم، ما هو الطريق المستقيم أو أين هو حتى نسلكه جميعًا صفًا واحدًا، وليلعن الله ﷾ من يجانب الحق أو يبتعد عن طريق الحق.
[ ٢٢ / ٥٠ ]
رأيت أن أعيد تنظيم الخريطة ورأيت أن أوزعها على الإخوة الأساتذة الذين سيتولون الحديث معكم، لا أقول في هذه الليلة الواحدة -فاصبروا علينا- لأن جهالات عصور كاملة ينبغي أن تُبحث.. وهي ليست متعة قول، وإنما هي دراسة ديانات كاملة، والديانات لا تدرس في رحلة ولا تدرس في جلسة، إنما تدرس دراسات متأنية عبر النصوص المقدسة أمام الطرفين. تستخرج هذه النصوص أمام العقل ثم تبحث وتدرس.
رأيت أن أعيد تنظيم هذه الخريطة على الوجه التالي: الليلة سيحدثكم الأخ الأستاذ أحمد عبد الوهاب، حول قضية قانونية الأناجيل، ولقد جاء حولها أسئلة منها السؤال القائل: النسخ والتحريف في الإنجيل كيف تم؟ وهل يحتفظ المسلمون بأصل الإنجيل؟ يدور حديث الأستاذ أحمد حول هذا، وقبل أن أقدم الأستاذ أحمد أحب أن أشير إلى نقطتين:
النقطة الأولى: أنني حينما وضعت هذه الخريطة لمعرفتي بإخواني العلماء رأيت أن أقدم الجزء الأول: فالأخ (جيمس) كان مهذبًا حينما عرض الأسئلة الإسلامية أولًا.. ولكننا كنا أكثر موضوعية حينما قدمنا الأسئلة المسيحية أولًا، لأن الموضوعات المسيحية يجب أن تكون سابقة، حتى إذا ما فرغنا من دراسة الأسئلة الموجهة حول الديانة المسيحية ظهر لنا سؤال جديد: فإما أن نحصل من نتاج هذه المناقشات التي أرجو أن تكون واضحة وصريحة وجلية وبصدر مفتوح، وبتفكير عالي الصوت لا يخاف ولا يجبن، وإنما يناقش ويهاجم كما يشاء، وكما يحب، فالحق لا يخاف ولا يستخذى ولا يغضب، بل الحق يؤمن بالنوافذ المفتوحة على النور.
النقطة الثانية: هي ما الذي سيعرضه الأخ الأستاذ أحمد في خلال حديثه؟ أنا لا أكتفي بأن تكون الأسئلة حول هذين السؤالين.. النسخ والتحريف في الإنجيل كيف تم؟ وهل يحتفظ المسلمون بأصل الإنجيل؟ وإنما هناك أسئلة أيضًا تضاف إلى هذا السؤال وينبغي للأستاذ أحمد أن يهتم بها اهتمامًا بالغًا
من هذه الأسئلة مثلًا.
[ ٢٢ / ٥١ ]
- أين هو إنجيل المسيح؟ وهل نزل على المسيح ﵇ إنجيل واحد أو عدة أناجيل؟ والتعداد القديم للأناجيل، والذي انتهى بها إلى السبعين فما فوق السبعين، كيف تم هذا التعداد وأين هذه الأناجيل السبعون؟ وكيف انتهى مصيرها من خلال المجامع التي انعقدت مجمعًا تلو مجمع؟ وهذه الأناجيل الأربعة هل هي من كلام المسيح أم من كلام التلاميذ؟ وهل هذه الأناجيل متفقة فيما بينها أن أنها اختلفت؟ وفيم اختلفت؟ ولماذا اختلفت؟ وأرجو أن تكون إجاباته محددة وأرجو أن تكون الإجابات ذات وثائق؟ ولا أحب أن تكون الوثائق إسلامية بحال من الأحوال. إنما أريد أن تكون الوثائق نصوصًا من الكتاب المقدس أو نقولًا عن الشراح المسيحيين أنفسهم حتى يستريح العقل ويطمئن الضمير.
كذلك فإننا نريد أن ننظر نظرات فاحصة في وجوه الأناجيل إنجيلًا إنجيلًا.. ثم ننظر هل بين الإنجيل الواحد تناقضات معينة؟ والأناجيل الجديدة كإنجيل يوحنا.. ما هو الموقف منه؟ ثم الإضافات التي أضيفت بدءً من (بولس) وهي رسائل (بولس) أو ما تسمى بأعمال الرسل وغير ذلك، ما هو الموقف منها، كل هذه الدراسات وهي كما ترون عبء ثقيل نضعه بين يدي الأستاذ أحمد عبد الوهاب.
لدي أقلام ولدي أوراق.. متاحة للكل، مسلمين وغير مسلمين.. وإن كنت أرى أن الذين يجلسون بين يدي إنما هم جميعًا مسلمون غير أن البعض قد علق بذهنه بعض الشكوك، فهو جاء مجاهدًا في سبيل تجلية هذه الشكوك والوصول إلى الحقائق.
[ ٢٢ / ٥٢ ]
بين يديكم أوراق وأقلام لمن شاء منكم أن يسجل ملاحظات على كلام الأستاذ أحمد، فكلامه ليس مقدسًا، وإنما هو كلام علمي، والكلام العلمي يخضع للمناقشة، فكلامه خاضع للمناقشة، وأرجو أن يكون الكل قادرًا على مناقشته بصراحة وبقوة حتى نصل إلى حقائق ثابتة، والله يوفقنا جميعًا لما فيه رضاه، ويهدينا إلى ما اختلف فيه من الحق بإذنه، فإنه لا يهدي إلى الحق إلا هو، وأسأل الله ﷾ أن يرينا الحق حقًا وأن يرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلًا وأن يرزقنا اجتنابه، وأترككم مع الأسناذ الفاضل، الأستاذ أحمد عبد الوهاب.
بسم الله الواحد الأحد.. أرحب بكم جميعًا، وخاصة الإخوة الذين تقدموا إلينا بأسئلة واستفسارات عما في المسيحية والإسلام من أمور يُتفق عليها وأخرى يختلف فيها، ولا تزال موضع جدل بين المسيحيين والمسلمين. والسؤال البديهي في مثل هذا اللقاء هو: "من أين يستقي الناس عقائدهم؟ ".
من المتفق عليه أن العقائد الدينية تستقى من الكتب المقدسة من أجل ذلك فإن الموقف يقضي بدراسة الكتب المقدسة. وأولًا وقبل أن نناقش العقائد المستخرجة منها، لا شك أن من أهم الدراسات لتلك الكتب هي الدراسات التي يقوم بها علماء تلك الديانة.. وهذا ما سوف أقوم به، أي أنني سأعرض خلاصة مركزة لبعض دراسات علماء المسيحية المشهورين وأغلبهم من المعاصرين حاليًا ودراسات في أسفارها المقدسة.
إن كثيرًا من دراسات علماء المسيحية للأسفار المقدسة أصبحت تجعل صورة المسيح أكثر اقترابًا مع حقيقته التي حددها القرآن الكريم، وفي هذا المقام أقتطف الآتي من كتاب هام اشترك في تأليفه سبعة من علماء المسيحية، وصدر في لندن في السبعينات (١٩٧٧) بعنوان "أسطورة الإله المتجرد"وجاء فيه:
[ ٢٢ / ٥٣ ]
"إن المعارف الإنسانية مستمرة في النمو بمعدل متزايد، كما أن الضغط على المسيحية يقوى أبدًا بما يجعلها تكيف نفسها لتصنع شيئًا يمكن الإيمان به، إيمان أهل الفكر الواعي والإخلاص، أولئك الذين جذبتهم إليها بعمق شخصية "يسوع"وما تلقيه تعاليمه من أضواء على معنى حياة الإنسان. إن المشتركين في هذا الكتاب مُقتنعون أن تطورًا لاهوتيًا آخر لا بد منه في هذا الجزء الأخير من القرن العشرين وتنبع الحاجة إليه من تطور معرفتنا لمصادر المسيحية، ويتضمن ذلك اعترافًا أن (يسوع) كان كما يقدمه لنا سفر "أعمال الرسل"الإصحاح الثاني العدد ٢١، ٢٢، وهو يقصد ما قاله بطرس: "أيها الرجال الإسرائيليون اسمعوا هذه الأقوال: يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم كما أنتم أيضًا تعملون" رجل قد تبرهن من قبل الله لأداء دور معين خلال هدف إلهي.. وأن التصور الذي لحق به أخيرًا باعتباره الإله المتجرد والأقنوم الثاني من الثالوث المقدس الذي عاش حياة البشر، إن كل ذلك إلا أسلوب أسطوري وشاعري للتعبير عما يعنيه بالنسبة لنا أن هذا الاعتراف أصبح لازمًا لصالح الحقيقة، ولنقلها الآن إن ما نأمل فيه هو تنقية الحديث عن "الله"وعن "يسوع"من الخلط وبذلك يتحرر الناس لخدمة "الله"في طريق المسيحية باستقامة وكمال".
هذه فقرة، خلاصة أو مقدمة، للكتاب الذي ألفه سبعة من كبار علماء المسيحية المعاصرين.
والآن أعرض خلاصة لبعض ما انتهى إليه علماء المسيحية في دراستهم للأسفار المقدسة تحت عنوان "حديث عن أسفار العهد الجديد" يماثل تمامًا التقرير الذي يتلقاه من يهمه الأمر من إحدى اللجان المتخصصة التي شكلت لدراسة مشكلة أو موضوع معين، وهو ما يناسب مثل هذا اللقاء الذي نعقده الآن، والذي لا يستغرق سوى فترة زمنية محدودة تقدر بالساعات أو بعدد من الأيام.
[ ٢٢ / ٥٤ ]
بعد ذلك أعرض حديثًا بعنوان "نظرة في أسفار العهد الجديد"يسمح لكل قارئ مهما كانت ثقافته أن يطلع بنفسه على حقيقة ما في هذه الأسفار، وعلى الأسباب التي جعلت كثيرًا من علماء المسيحية يقررون ما سبق أن عرضناه عند الحديث عن أسفار العهد الجديد، وبهذا تكتمل الصورة اليقينية لكل باحث عن الحقيقة، ومن حقه أن يطلب ذلك، وأن لسان حال الإنسان الصادق مع نفسه دائمًا يقول: أريد أن أعرف، وأن أتدبر، وأن أتحقق، ليطمئن قلبي.
إذن أيها السادة: النقاط المختصرة التي سأقرأها حاليًا لا تمثل كلام مسلم في المسيحية، إنما تمثل خلاصة كلام علماء المسيحية، أما حديث المسلم فيكون في النهاية حين نصل إلى تعليق أو توضيح أو رأي.
"إن المسيحيين الأوائل لم يكونوا يعتقدون أن كتبهم المقدسة تكون عهدًا جديدًا يتميز عن العهد القديم، وعندما ظهرت أولى الكتابات المسيحية فقد كان يُنظر إليها جميعًا باعتبارها إضافات أو ملحقًا لأسفار الناموس والأنبياء، وكانت تقرأ أسبوعيًا في المعبد اليهودي والكنيسة المسيحية.
إن العهد الجديد كتاب غير متجانس، ذلك أنه شتات مجمع فهو لا يمثل وجهة نظر واحدة تسوده من أوله إلى آخره، لكنه في الواقع يمثل وجهات نظر مختلفة. في فترة المائة والخمسين عامًا الأخيرة تحقق العلماء من أن الأناجيل الثلاثة الأولى تختلف عن إنجيل يوحنا أسلوبًا ومضمونًا. إن إنجيل يوحنا يختلف اختلافًا بينًا عن الثلاثة المتشابهة الأولى، فهو لا يذكر أي شيء عن رواية الميلاد، وبالنسبة للروايات الأخرى فإنه توجد اختلافات في الزمان والمكان، إذا قورنت بنظيرتها في الأناجيل المتشابهة، إن التاريخ المضبوط الذي تحددت فيه قانونية أسفار العهد الجديد غير مؤكد"، هذه فقرات من كتاب "برايتي"وهو ألماني.
[ ٢٢ / ٥٥ ]
إن هناك مشكلة هامة وصعبة، تنجم عن التناقض الذي يظهر في نواح كثيرة بين الإنجيل الرابع والثلاثة المتشابهة، إن الاختلاف عظيم لدرجة أنه لو قوبلت الأناجيل المتشابهة باعتبارها صحيحة وموثوقًا بها، فإن ما يترتب على ذلك هو عدم صحة إنجيل يوحنا.
"ليس لدينا أية معرفة مؤكدة بالنسبة للكيفية التي تشكلت بموجبها قانونية الأناجيل الأربعة، ولا بالمكان الذي تقرر فيه ذلك". وبالنسبة لموضوع التحريف وإدخال كلمات في النص، فإننا نقرأ الآتي:
"أما موقف الأناجيل فعلى العكس من رسائل (بولس) إذ أن التغييرات الهامة قد حدثت عن قصد مثل إضافة أو إدخال فقرات بأكملها" [١] .
إن نصوص جميع المخطوطات في العهد الجديد تختلف اختلافًا كبيرًا، ولا يمكننا الاعتقاد بأن أيًا منها قد نجا من الخطأ، ومهما كان الناسخ حي الضمير فإنه ارتكب أخطاءً، وهذه الأخطاء بقيت في كل النسخ التي نقلت عن نسخته الأصلية. إن أغلب النسخ الموجودة من جميع الأحجام قد تعرضت لتغييرات أخرى على أيدي المثقفين الذين لم يكن عملهم دائمًا إعادة القراءة الصحيحة.
نذهب الآن لدراسة الصورة العامة للأناجيل
وهذا الذي أقوله ليس قولي:
"إن القول بأن "متى" "ولوقا"استخدما إنجيل "مرقس"أصبح على وجه العموم مسلمًا به، ولكن بجانب إنجيل "مرقس"فلا بد أنهما استخدما وثيقة أخرى يشار إليها الآن بالحرف (u) الذي يرمز لكلمة "المصدر"كما استخرجت من الكلمة الألمانية التي تعطي هذا المعنى.
[ ٢٢ / ٥٦ ]
بالنسبة لإنجيل "مرقس " يقول " هارجارد " حوالي عام ١٣٥: " في الواقع أن مرقس الذي كان ترجمانًا " لبطرس " قد كتب بالقدر الكافي من الدقة التي سمحت بها ذاكرته ما قيل من أعمال " يسوع " وأقواله، ولكن دون مراعاة للنظام، ولقد حدث ذلك لأن "مرقس " لم يكن قد سمع " يسوع " ولا كان تابعًا شخصيًا له، لكنه في مرحلة متأخرة قد تبع " بطرس "، ويتفق مع (قول بابياس) هذا ما اقترفه " أرمنيوس " في قوله: " بعد موت بطرس وبولس فإن مرقس تلميذ بطرس وترجمانه سلم إلينا كتابة ما صرح به بطرس، لم يوجد أحد بهذا الاسم –اسم مرقس- عرف أنه كان على صلة وثيقة وعلاقة خاصة " بيسوع " أو كانت له شهرة خاصة بالكنيسة الأولى.. ومن غير المؤكد صحة القول المأثور الذي يحدد مرقس كاتب الإنجيل بأن يوحنا هو مرقس المذكور في " أعمال الرسل " ١٢/١٢، ٢٥ أو أنه مرقس المذكور في رسالة الرسل الأولى ٥/١٣ أو أنه مرقس المذكور في رسائل بولس (في ٤/١٠) لقد كان من عادة الكنيسة الأولى أن تفترض أن جميع الأحداث التي ترتبط بما ورد ذكره في العهد الجديد إنما ترجع جميعها لشخص واحد له هذا الاسم. ولكن عندما نتذكر أن اسم "مرقس"كان أشهر الأسماء اللاتينية شيوعًا في الإمبراطورية الرمانية، عندئذ نتحقق من مقدار الشك في تحديد الشخصية في هذه الحالة.
[ ٢٢ / ٥٧ ]
بالنسبة لتاريخ كتابة الإنجيل، فإنه غالبا ما يحدد في الجزء المبكر من الفترة ٦٥-٧٥ ميلادية، وغالبا ٦٥ أو ٦٦، ويعتقد كثير من العلماء أن ما كتبه مرقس في الإصحاح ١٣ قد سطر بعد عام ٧٠م وأما عن مكان الكتابة، فإن المأثورات المسيحية الأولى لا تسعفنا، فإن كلمات السكندري، وأورجين يقولان: ربما "روما " وأحيانا يقول آخرون: " مصر "، وفي غياب أي تحديد واضح تمدنا به المأثورات بمعرفة مكان الكتابة، فقد بحث العلماء داخل الإنجيل نفسه عما يمكن أن يمدنا به، وعلى هذا الأساس طرحت بعض الأماكن المقترحة مثل " أنطاكية "، ولكن " روما " كانت الأكثر احتمالا.
تعليق:
لذلك يتضح أن أحدًا لا يعرف بالضبط من هو مرقس كاتب الإنجيل، كذلك فإن أحدًا لا يعرف بالضبط من أين جاء هذا الإنجيل.
مشاكل إنجيل مرقس:
يتخذ العلماء كلمة " مشاكل " للتعبير المهذب عن التناقضات والاختلافات التي توجد في الكتب المقدسة، فبدلًا من هذا العنوان يقولون: مشاكل الإنجيل.
من مشاكل إنجيل مرقس: اختلاف النسخ على مر السنين ولقد أدى ذلك لأن أنه –حسب النص- (ظهرت تغيرات تعذر اجتنابها، سواء بقصد أو بدون قصد، ومن بين هذه المخطوطات أو النسخ التي عملت باليد من إنجيل مرقس والتي عاشت إلى الآن فإننا لا نجد أي نسختين تتفقان تمامًا، كذلك من مشاكل إنجيل مرقس خاتمة هذا الإنجيل، تلك الأعداد من ٩ إلى ٢٠ التي تتحدث عن ظهور المسيح وعن تعليم التلاميذ، لتذكير العالم (بالأب- الابن- الروح القدس) هذه تعتبر إلحاقية أضيفت فيها بعد بحوالي مائة وعشر من السنين، لم تظهر أول مرة إلا حوالي سنة ١٨٠م.
[ ٢٢ / ٥٨ ]
ننتقل الآن إلى الحديث عن إنجيل (متَّى) لا يزال من الواضح أن كلًاّ من بولس ومتى المبشر اليهودي له وجهة نظر تخالف الآخر فيما يتعلق بأعمال يسوع، أما بالنسبة لتاريخ كتابة هذا الإنجيل فيمكن القول بأنه كتب حوالي الفترة من ٨٥-١٠٥م وعلى أية حال يمكن القول بأنه كتب في الربع الأخير من القرن الأولى أي في السنوات الأولى من القرن الثاني وفيما يتعلق بمكان تأليفه فإن الشواهد قوية تشير إلى أنطاكية ولما كان من الصعب ربط الإنجيل بمدينة فمن المناسب أن نقول إنه يأتي من مكان ما في المنطقة المحيطة بها أو في مكان ما يقع في شمال فلسطين.
مشاكل إنجيل متَّى:
[ ٢٢ / ٥٩ ]
توقع نهاية العالم سريعًا، والآن هذه الفكرة قد سيطرت على تفكير مؤلفي العهد الجديد إلا أن (مَتَّى) كان أكثرهم حرصًا على تأكيد ذلك، فقد توقع أن تأتي نهاية العالم في أيام المسيح قبل أن يكون رسله قد أكملوا التبشير في مدن إسرائيل -إصحاح عشرة عدد ثلاثة وعشرين- وقبل أن يدرك الموت بعض معاصري المسيح والذين استمعوا إلى تعاليمه، (إصحاح ستة عشر عدد ثمانية وعشرين) وقبل أن يكون ملك الجيل الذي عاصر المسيح وتلاميذه قد تم، (إصحاح أربعة وعشرون عدد ٣٤) ومن الواضح كما يقول (جون كونتن) أن شيئًا من هذا لم يحدث كما توقعه (مَتَّى) ثم تأتي خاتمة الإنجيل التي يشك فيها العلماء ويعتبرونها دخيلة وهي تنسب إلى المسيح قوله لتلاميذه اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس -إصحاح ٢٨ عدد ١٩- ويرجع هذا الشك كما يقول -آبل هارمك- وهو من أكبر علماء المسيحية إلى الآتي: لم يرد إلا في الأطوار المتأخرة من التعاليم المسيحية ما يتكلم عن المسيح وهو يلقي مواعظ ويعطي تعليمات بعد أن أبقى من الأموات، وأن بولس لا يعلم شيئًا عن هذا، إن صيحة التثليث هذه غريب ذكرها على لسان المسيح، ولم يكن لها نفوذ في عهد الرسل، وهو الشيء الذي كان حقيقة جديرة به لو أنها صدرت عن المسيح شخصيًا.
إنجيل لوقا:
نبدأ بالمقدمة التي ألقت كثيرًا من الضوء على ما كان يحدث صدر المسيحية وخاصة فيما يتعلق بتأليف الأناجيل، فهو يقول:- إذا كان الكثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا، كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخدام للكلمة، رأيت أنا أيضًا، إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بترتيب أن أكتب على التوالي إليك أيها العزيز (جافينوس) لتعرف صحة الكلام الذي علمته من هذه المقدمة تتضح جملة أمور لابد من التسليم بها.
[ ٢٢ / ٦٠ ]
إن لوقا يكتب رسالة شخصية إلى جافينوس، وإن هذه الرسالة تكتب على التوالي حسبما تتوفر له إمكانية الكتابة من وقت ومعلومات وإن هذا العمل قام به لوقا بدافع شخصي بحت بغية أن تصل المعلومات التي علم بها إلى صديقه، ولم يدع الرجل في رسالته أنه كتبها بإلهام، أو مصوغة من الروح القدس، بل يقرر صراحة أن معلوماته جاءت نتيجة لاجتهاده الشخصي، لأنه تتبع كل شيء من الأول بالتدقيق، كذلك يقرر لوقا أن كثيرين قد أخذوا في تأليف أناجيل وأخيرًا يعترف لوقا بأنه لم يرى المسيح ولم يكن في تلاميذه لكنه كتب رسالته بناء على المعلومات التي استلمها من الذين عاينوا المسيح وكانوا في خدمته، ومن المعلوم أن سفر أعمال الرسل وهو أطول أسفار العهد الجديد هو الجزء الثاني من رسالة لوقا لجافينوس، ولقد حاول العلماء معرفة جافينوس هذا، ولكن جهودهم لم تصل إلى نتيجة محددة يقول فردريك براون لم يخبر بمن يكون جافينوس هذا، قد يمكن افتراضه موظفًا رومانيًا كذلك لم يخطر بأولئك الكثيرين الذين أخذوا في تأليف قصة مماثلة، برغم أن الموضوع لا يتعدى مجرد احتمالات غير مؤكدة، فليس من المتعذر أن يكون مؤلف إنجيل لوقا قد جمع مادة في فلسطين أو سورية مبكرًا في فترة من ٧٠-٨٠م ثم ربطه بالجزء الأكبر من إنجيل مرقس في وقت ما من السبعينات، ثم أصدر إنجيله حوالي عام٨٠ أو ٨٥م وذلك بعد حوالي ٥ سنوات فإنه ذيل كتابه الأصلي برسالة ثانية نعرفها الآن باسم أعمال الرسل، ثم نشر مصنفه في حوالي ٩٥م.
من أقوال العلماء في إنجيل لوقا:
إن سفر أعمال الرسل يوجد فيه كثير من النقاط التي تتعارض تعارضًا تامًا مع التعاليم المذكورة في رسائل بولس ومن غير المعقول أن هذه قد سطرها شخص له معرفة ببولس، ورحلاته التبشيرية، من الواجب ذكر لوقا كشخصية بارزة في سجلات التاريخ في القرن الأول للمسيحية.
مشاكل إنجيل لوقا:
[ ٢٢ / ٦١ ]
يعاني نص إنجيل لوقا من التغيرات التي تعاني منها الكتب الأخرى في العهد الجديد، إلا أن النص العربي للإنجيل وسفر أعمال الرسل يعاني من اختلافات مثيرة، بالإضافة أو الحذف، ثم هناك المشكلة الحادة التي نتجت عن اختلاف نسب المسيح كما ذكره لوقا، عما جاء في نظيره إنجيل (مَتَّى) وفي أسفار العهد القديم، وهذه واحدة من مشاكل الأناجيل سوف نبحثها فيما بعد.
إنجيل يوحنا:
حسب أقوال العلماء، لقد كان من المعتقد لفترة طويلة أن يوحنا على بينة من وجود الخلافات السابقة وأنه قد كتب ليكملها أو ليصححها في حالة أو حالتين، فقد جرى القول بأن حادثة تطوير الهيكل على سبيل المثال قد وضعها يوحنا عمدًا في بداية بعثة يسوع لأنه حسبما تذكرها يوحنا الذي تقدمت به السنون كان ذلك موضعه.
كذلك لأنه صحح تاريخ الصلب حيث وضعه عشية الفصح وهو اليوم الذي تذبح فيه خراف الفصح ومن ناحية أخرى فإن لقب (ابن الإنسان) الذي لم يستعمله بولس قط قد أبقى عليه يوحنا، من هو يوحنا؟؟
لقد كان يوحنا مسيحيًا وبجانب ذلك إنه كان أردنيًا ومن المحتمل أن لا يكون يهوديًا ولكنه شرقي أو إغريقي ومن المحتمل أن يكون إنجيل يوحنا قد كتب في أنطاكية أو الإسكندرية أو حتى روما فإن كُلًاّ من هذه المدن كان مركزًا عالميًا للدعاية العقائدية في القرنين الأول والثاني من الميلاد ويقول (جون مارك) في مقدمة ترتيبه لإنجيل يوحنا تحت عنوان (استحالة التوقيف) حينما نأتي لمناقشة المشاكل الهامة والمعقدة التي تتعلق بالإنجيل الرابع، نجد أنه من المناسب والمفيد أن نعترف مقدمًا بأنه لا توجد مشكلة بالتعريف بالإنجيل وكاتبه يمكن إيجاد حل لها، من كان هذا الـ (يوحنا) الذي قيل إنه المؤلف؟ أين عاش؟
[ ٢٢ / ٦٢ ]
من الصعب بل من المستحيل تحقيق أي شيء أكثر من الاحتمال حول مشاكل إنجيل يوحنا، ويعتقد كاتب هذه السطور أي (جون مارك) أنه ليس من المستحيل الاعتقاد أنه خلال السنوات العشرة الأخيرة من القرن الأول الميلادي قام شخص يدعى (يوحنا) من الممكن أن يكون يوحنا مرقس - وقد تجمعت لديه معلومات وفيرة عن يسوع ومن المحتمل أنه كان على دراية بواحد أو أكثر من الأناجيل المتشابهة فقام عندئذ بتسجيل شكل جديد لقصة يسوع، اختص بها طائفته الخاصة التي كانت تعتبر نفسها عالمية كما كانت متأثرة بوجود تلاميذ يوحنا المعمدان.
مشاكل إنجيل يوحنا:
تقول دائرة المعارف الأمريكية: يوجد ذلك التضارب الصارخ بينه وبين الأناجيل المتشابهة، فهذه الأخيرة تسير حسب رواية مرقس بالتسلسل التاريخي للأحداث، وتجعل منطقة الجليل هي المحل الرئيسي لرسالة يسوع، بينما يقرر إنجيل يوحنا أن ولاية اليهودية كانت المركز الرئيسي وهناك مشكلة في الإصحاح الأخير رقم ٢١ من الإنجيل، إن القارئ العادي يستطيع أن يرى أن الإنجيل ينتهي بنهاية الإصحاح العشرين الذي يقول: (وأن هذه فقد قيلت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله ولكي تكون لكم إذا أمنتم حياة بكر) .
[ ٢٢ / ٦٣ ]
إن هذا الإعلان يبين بوضوح الغرض الذي كتب من أجله هذا الكتاب، بعد ذلك يأتي الإصحاح الأخير الذي أخبرنا أن يسوع ظهر (كرب) أقيم من الأموات إلى خمسة تلاميذ وأنه قال لبطرس: ارع خرافي!! وكذلك تعليق مبهم يقول: هذا هو التلميذ الذي جاء عن طريق الجماعة التي تشير لنفسها بكلمة "نحن نعلم"وفي حقيقة الأمر فإن هؤلاء يصعب تحديدهم، وقد ظهر شيء من التآلف بين إنجيل "لوقا"وإنجيل "يوحنا"مما ساعد على ظهور نظرية تقول بأن يوحنا استخدم إنجيل لوقا كأحد مصادره، إلا أن هذه النظرية موضع معارضة بسبب الاختلاف الواضح بين الإنجيلين في المواضع المشتركة بينهما، فكلا الإنجيلين يتحدث عن بطرس وصيد السمك، لكن أحدهما "لوقا"يضع القصة مبكرًا في رسالة يسوع في الجليل أما الآخر "يوحنا"فيضعها بعد قيامته من الأموات (لوقا: إصحاح ٥ أعداد١/١١، يوحنا: إصحاح ٢١ أعداد١/١٤) .
وكلاهما يتحدث بلغة مشتركة عن كيفية مس يسوع بالطيب من امرأة، لكنها في أحدهما "لوقا"كانت زانية في بيت شريف، بينما في الآخر "يوحنا"كانت امرأة صديقة ليسوع، وأن ذلك حدث في بيتها.
تعليق:
التعليق بعد هذه الخلاصة الذي أقوله، والذي أعتقد أي مستمع يمكن أن يقوله، أتصوره كالآتي:
إن النتيجة التي لا مفر من التسليم بها كما بينتها هذه الخلاصة أن الأناجيل القانونية ما هي إلا كتب مؤلفة بكل معنى الكلمة، وهي تبعًا لذلك معرضة للصواب والخطأ، لا يمكن الادعاء ولو للحظة واحدة أنها كتبت بإلهام، كتبها أناس مجهولون في أماكن غير معلومة وفي تواريخ غير مؤكدة، والشيء المؤكد الذي يلحظه القارئ البسيط هو أن هذه الأناجيل مختلفة وغير متآلفة، بل إنها متناقضة مع نفسها ومع حقائق العالم الخارجي.
[ ٢٢ / ٦٤ ]
إن هذا القول قد يضايق المسيحي العادي بل إنه قد يصدمه، لكن العالم المسيحي المدقق أصبح هذا القول الذي يعنى بوجود أخطاء في الكتاب المقدس حقيقة مسلمًا بها، إن الكنيسة الكاثوليكية التي تتمسك بشدة بعقيدة الإلهام التي تأكد القول بها في مجمع الفاتيكان الذي عقد عام ١٨٦٩-١٨٧٠م، والذي تقرر فيه أن الكتب القانونية لكل من العهدين القديم والجديد، قد كتبت بإلهام من الروح القدس، وقد أعطيت هذا للكنيسة.. لكنها عادت الآن بعد نحو قرن من الزمان لتواجه الحقائق وتعترف بها، فلقد بحث المجمع المسكوني الثاني للفاتيكان الذي عقد في الفترة ١٩٦٢-١٩٦٥م المشكلة التي تتعلق بوجود أخطاء في بعض نصوص أسفار العهد القديم وقدمت له خمس صور مقترحة استغرق بحثها ثلاث سنوات من الجدل والمناقشة وأخيرًا تم قبول صيغة حظيت بالأغلبية الساحقة، إذ صوت إلى جانبها ٢٣٤٤ عالم ضد صفر.. وقد أدرجت الوثيقة المسكونية الرابعة عن التنزيل فقرة تختص بالعهد القديم في الفصل الرابع ص ٥٣ تقول:
" بالنظر إلى الوضع الإنساني السابق على الخلاص الذي وصفه المسيح تسمح أسفار العهد القديم للكل بمعرفة من هو (الله) ومن هو (الإنسان)، غير أن هذه الكتب تحتوي على شوائب وشيء من البطلان " انتهى هذا النص.
[ ٢٢ / ٦٥ ]
إن السؤال الذي يطرح نفسه الآن: كم من المؤمنين بقداسة هذه الأسفار واعتبارها تعليمًا إلهيًا موحًى به من الله يعلم هذا الذي قررته الكنيسة بشأنها وما تحتويه من شوائب وبطلان؟ وما لنا نذهب بعيدًا ولدينا الكتاب المقدس طبعة الكاثوليك ١٩٦٠م وهو يقدم لأسفار موسى الخمسة بقوله: " كثير من علامات التقدم تظهر في روايات هذا الكتاب وشرائعه، مما جعل المفكرين -كاثوليك وغيرهم- على التنقيب عن أصل الأسفار الخمسة الأدبي، فما من عالم كاثوليكي في عصرنا يعتقد أن موسى ذاته قد كتب الأسفار الخمسة منذ قصة الخلق إلى قصة الموت كما أنه لا يكفي أن يقال إن موسى أشرف على وضع النص الملهم الذي دونه كتبة عديدون في غضون أربعين سنة.. كما يقول الكتاب المقدس في تقديمه (القس راعون) .. " من المحتمل أن يكون الكاتب قد استعان بالبدء بذكريات تقليدية غير واضحة الظروف تمامًا ثم أضاف إليها عددًا من التفاصيل يجعل الرواية أكثر حياةً، ويعطيها قيمة أدبية.
وها هي كتب التفسير التي توزع هنا تعترف بتسرب أخطاء خطيرة إلى أسفار العهد الجديد، فقد جاء في كتاب: " هل الكتاب المقدس حقًا كلمة الله؟ " ص ١٦٠ ما يلي:
[ ٢٢ / ٦٦ ]
"بمقارنة أعداد كبيرة من المخطوطات القديمة باعتناء يتمكن العلماء من اقتلاع أية أخطأ ربما تسللت إليها.. مثال ذلك الإدخال الزائد في رسالة يوحنا الأولى، الإصحاح الخامس.. فالجزء الأخير من العدد (٧) والجزء الأول من العدد (٨) يقول حسب الترجمة البروتستاتينية العربية طيع الأمريكان في بيروت: "في السماء الأب والكلمة الروح القدس"، وهؤلاء الثلاثة هم واحد.. والذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة: (الروح والماء والدم) وهؤلاء الثلاثة هم واحد، ولكن طوال القرون الثلاثة عشر الأولى للميلاد لم تشتمل أية مخطوطات يونانية على هذه الكلمات، وترجمة مريطة العربية تحذف هذه الكلمات كليا من المتن.. والترجمة البروتستاتينية العربية ذات الشواهد تضعها بين هلالين، موضحة في المقدمة أنه ليس لها وجود في أقدم النسخ وأصحها"انتهى الاقتباس.
- أعتقد أن أبسط تعليق أن هذا النص الخطير الذي دخل ابتداء من القرن الثالث عشر والذي يُقتبس منه فكرة التثليث لم يكن له وجود طوال القرون السابقة، وهذا التحريف خطير لأنه أساس العقيدة، وهكذا نجد أن نصوصًا وأفكارًا تتسرب إلى الكتابات التي اعتبرت مقدسة عبر القرون، فكل ما يتعلق بتثليث أو ثالوث ما من شك أنه دخيل على مسيحية المسيح الحقة، التي لا تزال لها جذور ثابتة في الأناجيل الموجودة الحالية، ويكفي عندما يأتي العلماء لتفسير حالات المسيح الأخيرة التي يقول فيها: " وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته " يقولون إن هذا توحيد صرف.
[ ٢٢ / ٦٧ ]
وهذا الكلام معناه باللغة العربية المتداولة: " لا إله إلا الله المسيح رسول الله ". ومن هذه النقاط يمكن أن تلتقي المسيحية مع الإسلام وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنك أنت الإله وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته " وفي فقرات أخرى في نقاش آخر مع الإسرائليين كان قوله: " اسمع يا إسرائيل.. الرب إلهنا رب واحد " وهذه فقرة تشير إلى ما في أسفار العهد القديم.
وعندما تقدم إليه إسرائيلي يسأله: " أيها المعلم الصالح.. ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟ ماذا قال المسيح.. لم يقل له افعل كذا أو كذا. ولكنه أولًا نفى الصلاح عن نفسه.. وقال الآتي: كيف تدعوني صالحًا؟ ليس أحد صالح إلا واحد وهو الله. بعد ذلك بدأ المسيح يعلمه، ما جاء في أسفار العهد القديم وما دعا إليه وهو التوحيد في العقيدة والتمسك بشريعة موسى.
بهذا انتهى من الكلام عن أسفار العهد القديم.
بعد ذلك ندخل في الحديث عن أسفار العهد الجديد حيث يستطيع كل واحد، مهما أوتي حظًا من الثقافة والعلم أن يتأكد من صحة هذا الكلام.
الدكتور محمد جميل غازي: بعد هذا الجزء النظري.. نريد جزءً تطبيقيا بمعنى أن نستخرج بعض وجوه التناقض في روايات الأناجيل وبعض وجوه التناقض في الرواية الإنجيلية الواحدة.. يعني مثلًا هل هناك تناقض في روايات إنجيل متى مع بعضها؟ وهل هناك تناقض في روايات الأناجيل بعضها مع بعض؟ نرجو نماذج تطبيقية تكون واضحة.
بعد هذا العرض نعرف أن هناك تناقضات فيما بينها، وأنها غير موثوقة وأن رواتها مجاهيل وأنها تفقد السند.. كل هذا الكلام قاله.. وقد نقلها عن الرواة الأجانب.. وختم كلامه في الرواية بما اتفق عليه المجمع المسكوني برئاسة البابا وقرروا بالإجماع أن هذه الأناجيل دخلت عليها أشياء دخيلة.
[ ٢٢ / ٦٨ ]
نريد أن نعرف النصوص التطبيقية ونحكم فيها عقولنا.. ونحكم فيها المراجعات بين نسخ الأناجيل المختلفة ومعنا والحمد لله نسخ من الأناجيل مختلفة فنرى ما الذي تقوله الأناجيل وتتناقض فيه وتتضارب فيه أو تلتقي عنده ونرى الإنجيل الواحد كإنجيل متى أو لوقا أو يوحنا.. نرى ما هي وجوه الخلاف بينها هذه ستوضح في الأسلوب التطبيقي الذي سيوضحه الآن:
الأستاذ أحمد عبد الوهاب:
نبدأ بالمشكلة الأولى التي أسميتها " الاختلاف الكثير " حيث يوجد اختلاف كثير بين الأناجيل الواحد والآخر.. واختلاف داخل الإنجيل نفسه وطبعًا في أي دراسة تحكمنا القاعدة الأساسية التي لابد أن يقبلها الكل ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ .
النقطة الأولى:
اختلف متى ولوقا في نسب المسيح فجعله متى يأتي من نسل سليمان بن داود حيث جاء يوسف خطيب مريم في الجيل رقم ٢٧ باعتبار داود الجيل رقم ١. لكن لوقا جعله يأتي من نسل "ناسان"بن داود ابن أخ لداود حيث جاء يوسف في الجيل رقم (٤٢) باعتبار أن داود في الجيل رقم ١.
كيف عرف العلماء ذلك؟ وضعوا جدولًا ووضعوا فيه أقوال كل من (متى) و(لوقا) .. وقارنوا المجموعتين مع بعض..
أقترح أخذ فكرة عن الجدول لعمل مثله في البيت.. ويستطيع كل واحد أن يعمل مثله في البيت نعمل عمود في الوسط وهو أهم عمود ونكتب قوله سفر أخبار الأيام وعن يمينه إنجيل متى وعن يساره إنجيل لوقا ونبدأ من (داود) طبعًا الإخوة المسلمين ربما يستغربوا من فكرة نسب المسيح.. فقد جرت العادة في التعاليم المسيحية أن يوسف النجار كان خطيب مريم وبعد أن حملت من الروح القدس فكر أن يتركها وبعد ذلك عرف أن الحمل مبارك من الروح القدس فبقي معها.. المهم أن كلا الإنجيليين ينسب المسيح كبنوة ليوسف.. يقول هو ابن يوسف.. ابن كذا.. إلخ.
[ ٢٢ / ٦٩ ]
نجد الآتي.. أن الخلاف الرئيسي أن متى جعل نسب المسيح من نسل سليمان بن داود.. ولكن لوقا نسبه إلى ناسان بن داود
نمرة ٢: في تسلسل هذه الأنساب.. نجد أن بالاعتماد على الأخبار الأيام الأول نجد أن (متى) أسقط مجموعة من الناس في الطريق.
نمرة ٣: أن متى أخطأ مع نفسه عندما قال جميع الأجيال من إبراهيم إلى داود (١٤) جيلًا، ومن داود إلى (١٤) جيلًا ومن إلى يوسف (١٤) وجدنا أن الأخيرين ١٣ وليس ١٤ جيلًا.
فيمكن تلخيص هذا الاختلاف بناء هذه المسلسلات نص ذكره نور ترتون في تفسيره لإنجيل متى أن يشير متى إلى أنه في كل من العقود الثلاثة يوجد أربعة عشر جيلًا رغم انه في الحقيقة لم يذكر سوى ثلاثة عشر اسمًا في الجيل الأخير ابتداءً من الأصحاح الأول عدد ١٢-١٦.
وفي منتصف قائمة لوقا نجد هذه الأسماء يوحنا بن ريسا بن برمبال لكن يوحنا هي صيغة أخرى لاسم حنانيا أن هذا الشخص ريسا لم يذكر البتة في سفر أخبار الأيام الأول، لكن ريسا هي كلمة آرامية تعني أمير.
أن الخطأ الذي لحق بقائمة لوقا يمكن إرجاعه إلى أن القائمة الأصلية التي نقل عنها كانت مصنفة بترتيب عكس هذا (برمبال الأمير ولد يوحنا) هذا كلام نورترثون في ترتيب الإنجيل " متى " وخلاصة القول في نسب المسيح أننا إذا اعتبرنا سفر أخبار الأيام الأول هو المرجع الرئيسي لأنساب الآباء وقد أخطأ " متى " في سلسة نسب المسيح حين أسقط منها في الواقع خمسة أسماء المسلسلات ٩ و١٠ و١١ و١٨ و٢١. وأخطأ لوقا حين أضاف ريسا المسلسل رقم ٢٤ بين برمبال ويوحنا -اختلف " لوقا " مع (متى) اختلافًا جوهريًا حين جعل يوسف خطيب مريم ينحدر من نسل (ناسان بن داود) بينما جعله (متى) ينحدر من نسل (سليمان بن داود) .
نتيجة لهذا الاختلاف صارت الأجيال ١٤٠ جيلًا حسب إنجيل لوقا، ٢٣ جيل حسب إنجيل متَّى.
[ ٢٢ / ٧٠ ]
وقد قدم مدير الندوة الأستاذ إبراهيم خليل أحمد ليحدث عن هذه القضية حيث حققها وهي ما تتعلق بالنداءات الموجهة في الإنجيل أو نسب المسيح إلى داود أساسًا، ويثبت بطلان نسب المسيح إلى داود أساسًا وأن نسبه إلى هارون لا إلى داود وأنه من سبط اللاويين ولا علاقة له بداود على الإطلاق.
الأستاذ إبراهيم خليل أحمد:
قال إن الحقيقة أن المعلومات التي سأقولها هي من الكتاب المقدس ومن القرآن الكريم فقد جاء في الكتاب المقدس في نصوص الأناجيل (متى) (ولوقا) عندما دخل المسيح إلى أورشليم بدخول ابن قصارم هلل الأولاد وقالوا: وصلنا المبارك الآتي باسم الرب مبارك بن داود.
المقصود هنا بكلمة ابن داود أن يرجعوا بنسب المسيح إلى سبط يهوذا الذي منه داود الملك، لكن في الحقيقة أريد أن أقول:- أن مرقس يختلف في هذه المسألة وإليكم النص في إنجيل مرقس: " ثم أجاب يسوع وقال: وهو يعلم في الهيكل كيف يقول الكتبة أن المسيح ابن داود لأن داود نفسه قال: يا ابن الروح القدس قال الرب لربي أجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطأ لقدميك " الإصحاح ١٢ عدد ٣٥-٣٧.
فداود نفسه يدعوه ربًا فمن أين هو ابنه؟ وكان الجمع الكثير يسمعه. وفي مرقس هنا تيقن أن المسيح بن داود.
عندما نأتي لنحقق ذلك في القرآن الكريم في سورة مريم.
﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ معنى ذلك أن القرآن ينسبها إلى سيدنا هارون أخو موسى، وموسى وهارون من سبط اللاوي.. وسبط لاوي هذا هم سدنة الهيكل. ومريم العذراء كانت المريم البتول التي عاشت في قدس الأقداس مع زكريا وهي أيضًا من سبط لاوي. فالمسيح نسب إلى أمه لأنه من سبط لاوي ولم يكن على الإطلاق من سبط داود الذي منه يوسف خطيب مريم.
[ ٢٢ / ٧١ ]
الفكرة من محاولة نسب المسيح لداود أن يلبسوا المسيح ثوب داود الملك على اعتبار أنه جاء ملك مخلص لبني إسرائيل ويعيد مملكة إسرائيل التي هي مملكة داود.
خلاصة الكلام أن المسيح نادى بغير ما كان يتصور بني إسرائيل نادى بملكوت الله. وهم كانوا ينتظرون مسيحًا ملكًا يحررهم ويخلصهم من نير الرومانيين.
مدير الندوة:
من غير المعقول أن ننسب المسيح إلى شخص لا علاقة له به بالمرة وهو يوسف -النجار فيوسف النجار عبارة عن خطيب لأمه. فإذا نسبنا المسيح في سلسلة نسب يوسف فهذا لا يقره عقل ولا خلق مع المسيح ﵇. إنما ينسب إلى أمه ثم إلى نسبه الذي ينتهي كما رأيتم إلى سبط اللاويين وليس إلى سبط يهوذا كما ينادى دائمًا يا بن داود لأنه ليس ابن داود، وإنما هو من سبط اللاويين.
الأستاذ أحمد عبد الوهاب:
قال: نأتي بعد ذلك إلى اختلاف كتبة الأناجيل في أسماء التلاميذ من المعروف أن المسيح كان له اثنا عشر تلميذًا. فاختلف (متى) (ومرقس) من جانب مع (لوقا) و(يوحنا) من جانب آخر في أسماء التلاميذ. فقد أورد الأخيران اثنين (يهوذا): يهوذا الاسخريوطي، ويهوذا بن يعقوب ولم يظهر (ويهوذا بن يعقوب) في قائمة كل من (متى) (ولوقا) .
وهنا يعلق (جون كيك) في تفسيره لإنجيل (لوقا) عندما كتب الإنجيل لم يكن هناك حتى مجرد التحقق الكامل من شخصية التلاميذ.
إن (يهوذا بن يعقوب) لا يظهر في القائمة المذكورة في إنجيل كل من (متى) (ومرقس) . بينما شغل مكانه ميثاوس.
تعليق: محمد (ﷺ) ظهر تحت شمس التاريخ والصحابة كانوا بين مائةَ ألفٍ ومائةً وأربعةَ عشرَ ألفًا وعرضت وعرفت أسماؤهم وأنسابهم. فهل يعقل أن نجهل اثني عشر تلميذًا؟ هذا هو الواقع.
مدير الندوة:
قال: نريد أن نعرف الأسلوب الذي يمكن أن يتكلم به إله مع شجرة. فالإنجيل يقول:- إن المسيح ذهب إلى شجرة.
الأستاذ أحمد عبد الوهاب:
[ ٢٢ / ٧٢ ]
قال هناك نص آخر: في الإصحاح رقم ١٢ قبل متى: " ودخل يسوع إلى هيكل الله وأخرج الذين كانوا يبيعون ويشترون في الهيكل وقلب موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام وقال لهم: مكتوب بيتي. بيت الصلاة وأنتم جعلتموه مغارة لصوص.
وتقدم إليه عميٌّ وعرج في الهيكل فسقاهم. فلما رأى رؤساء الكهنة والكتبة العجائب التي صنع والأولاد يصرخون في الهيكل ويقولون:- أوصلنا بابن داود.. " وقالوا له: تسمع ما يقول له هؤلاء فقال له يسوع نعم. أما قرأتم قط من أفواه الأطفال والرضع إياك تسبيحًا قم تركهم وخرج خارج المدينة إلى بيت عمه وبات هناك وفي الصبح إذ كان راجعًا إلى المدينة جاع فنظر شجرة تين على الطريق وجاء إليها فلم يجد فيها شيئًا إلا ورقًا فقط فقال لها: لا يكن منك ثمر بعد إلى الأبد فيبست التينة إلى الأب " حادثة شجرة التينة حدثت بعد عودته من تطهير الهيكل.
وفي إنجيل (مرقس) إصحاح ١١ عدد ١٢.
" وفي الغد لما خرج من بيت عمه جاع فنظر شجرة تين من بعيد عليها ورق وجاء لعله يجد فيها شيئًا فلما جاء إليها لم يجد شيئًا إلا ورقًا لأنه لم يكن وقت التين فذهب يسوع وقال لها لا يأكل أحد منك ثمرًا بعد إلى الأبد. وكان تلاميذه يسمعون وجاءوا إلى أورشليم ولما دخل يسوع الهيكل ابتدأ يخرج الذين كانوا يبيعون ويشترون في الهيكل وقلَّب موائد الصيارفة والكراسي وباعة الحمام ولم يدع أحدًا يجتاز الهيكل بالمساء وكان يعلم قائلًا بيتي بيت للصلاة والدعاء لجميع الأمم وأنتم جعلتوه مغارة اللصوص، وسمع الكتبة ورؤساء الكهنة فطلبوا كيف يهلكونه لأنهم خافوه إذ بُهت الجمع كله من تعليمه ولما صار المساء خرج إلى خارج المدينة.
تعليق مدير الندوة:
[ ٢٢ / ٧٣ ]
فالروايتان مختلفتان. وقد صور يسوع وهو ما يسمى الرب بأنه جائع -وهل الرب يجوع؟ ويجهل أن الوقت وقت تين- فكيف يكون خالق الشجرة جاهلًا متى تثمر فيكون علمه أقل من علم الفلاح العادي -ثم يلعن الشجرة- وكان منطق الشجرة أن تقول له لم تلعنني وقد خلقتني دون ثمر؟
الأستاذ أحمد عبد الوهاب قال:
نأتي بعد ذلك إلى موضوع (يوحنا المعمدان) و(المسيح) والمعروف في الإسلام يحيى بن زكريا.
(من المعلوم في المسيحية والإسلام أن يحيى بن زكريا (المعمدان) والمسيح بن مريم أقرباء تربوا مع بعضهم فرق السن بينهم ستة شهور فعاشوا فترتهم مع بعض ثم تلقى يحيى الرسالة أولًا وجاء ليقدم المسيح لبني إسرائيل ومعروف في خطبة التقديم أن الناس كانوا يعتمدون منه كيف يعرفون أن يتطهروا ويتوضؤوا في ماء الأردن فجاء المسيح يعتمد منه فقال يوحنا للمسيح أنت أعظم مني فقال له المسيح أنني لابد أن أكمل كل بر فأعتمد منه ومنذ ذلك الوقت بعد هذا الغسيل الذي غسله يوحنا للمسيح حل عليه الروح القدس أو أنزل معه الملك الذي يؤيده -هذا ملخص القصة بتمامها-.
إذن من الثابت أن يوحنا المعمدان كان يعرف المسيح تمامًا ويعرف أنه يعرف جميع بني إسرائيل وهو الذي سلمه هذه الرسالة.
بعد ذلك لأسباب سياسية في ذلك الوقت يوحنا حصل منه مقاومة لطغيان حاكم الولاية فوضعه في السجن نجد أن إنجيل (متى) الذي كتب هذا الكلام يقول: ما ملخصه " أن يوحنا وهو في السجن بعد أن سمع بأعمال يوسع بعث يسأله هل أنت هو الآتي أم تنتظر آخر؟ ".
نأتي بعد ذلك لموضوع هام جدا بالنسبة لكلمة نبي:
[ ٢٢ / ٧٤ ]
متفق بين علماء الديانات وخصوصا ديانات الكتب المقدسة أن أحد تعاريف النبي (هو الذي ينبئ عن الله) أو يتكلم بوحي من خالقه فالمفروض أن يكون عنده شيء يأخذه بحذر بالنسبة للغيب أو المستقبل. ومن المؤكد أن الذي يصدقه فيما حدث في الحياة الدنيا لابد أن يصدقه فيما وعد به في الحياة الآخرة لكن عندما تنسب نبوة لنبي ما ويشهر النبوءة ثم تثبت الحياة الدنيا أنها لم تتحقق يبقى ماذا يكون المصير بالنسبة لهواة الحياة الآخرة -هذه قاعدة أعتقد أننا متفقين عليها- فبالنسبة لموضوع النبوءات نجد الآتي:
أن السيد المسيح مع تلاميذه تنبأ لهم بأن نهاية العالم سوف تأتي لهم في القرن الأول الميلادي وهذا يفرض في نفوس كثيرة من ضمنها ومن الأفضل أن نقرأ النص: " دعا تلاميذه الاثني عشر وأعطاهم سلطانًا على أرواح نجسة وأوصاهم قائلًا: أنا أرسلكم كغنم وسط ذئاب فكونوا حكماء كالحيات وبسطاء كالحمائم ومتى طردوكم من المدينة فاهربوا إلى الأخرى، فإن الحق أقول لكم. لتكملون مدن إسرائيل حتى ابن الإنسان " - (متى) إصحاح عشرة الأعداد ١ و٢٣، أي أن عودة المسيح ثانية إلى الأرض تحدث قبل أن يكمل تلاميذه التبشير في مدن إسرائيل وهي كذلك تحدث قبل أن يكون معاصري المسيح الذين عاشوا في القرن الأول من الميلاد قد ماتوا. والنص يقول: " إن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله. الحق لكم إن من القيام ههنا قوم لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتيا في ملكوته " (متى) إصحاح ١٦ عدد ٢٧ و٢٨. وبصورة أخرى تؤكد ما سبق فإن نهاية العالم وعودة المسيح ثانية إلى الأرض لابد أن تحدث قبل أن يفنى ذلك الجيل في القرن الأول من الميلاد. والنص يقول:
[ ٢٢ / ٧٥ ]
"بعد ضيق تلك الأيام تظلم الشمس والقمر لا يعطى ضوء والنجوم تسقط من السماء وقوة الأرض تتزعزع وحينئذ تظهر علامة ابن الإنسان في السماء ويبصرون ابن الإنسان آتيا على سحاب السماء بقوة ومجد كثير. الحق أقول لكم لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله".
قال العلماء أن هذه التنبوءات خاطئة ولا يمكن الدفاع عنها.
تعليق:
نلاحظ أن العبارة التي تقول إن ابن الإنسان يأتي على السحاب، فإنهم طبعًا لم يروا المسيح يأتي على السحاب بل رأوه على الصليب فكونهم يشبهونه أنه يأتي على السحاب فهذا ما لم يره أحد إطلاقًا.
- ومن النبوءات التي اتفق العلماء على أنها لم تحقق ولن تتحقق يلخصها هذا النص: "أن المسيح جالس مع تلاميذه فقالوا له قد تركنا الدنيا وتبعناك فماذا يكون لنا -وتلاميذه فيهم يهوذا الخائن- لأنه خان في آخر لحظة- قال لهم إنكم الاثني عشر ستجلسون معي على كراسي تدينون أسباط إسرائيل".
- في حوار دار بين المسيح وتلاميذه عن من تكون له النجاة في العالم الآخر، سأل بطرس معلمه عن أجر المؤمنين فقال: "ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك فماذا يكون لنا؟ فأجابه المسيح: متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده تجلسون أنتم أيضًا على اثني عشر كرسيًا تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر"إصحاح ١٩، ٢٧، ٢٩.
تعليق:
لقد كان يهوذا الإسخريوطي أحد التلاميذ الاثني عشر وبعد خيانته أصبح يعرف بالهالك لأنه طرد من صحبة المسيح في الدنيا والآخرة وبهذا استحال تحقيق هذه النبوءة وإذا رجعنا إلى نظير هذه الفقرة من إنجيل لوقا لوجدنا الآتي: (وهو كلام من تفسير فمتون): "إنه حذف العدد الاثني عشر ولعل ذلك يرجع كما يقول (فمتون) إلى أنه كان يفكر في يهوذا الإسخريوطي".
تعليق:
إذن استحال تحقيق هذه النبوءة.
[ ٢٢ / ٧٦ ]
- هناك نبوءة أخرى -ونكتفي بها في موضوع النبوءات- أن المسيح يدفن في الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال، حاول قاضي من اليهود تعجيز المسيح فقال له، "نريد منك يا معلم أن نسمع منك آية فأجاب وقال جيل شرير وفاسق يطلب آية؟ ولا تعطى له آية إلا آية يونان النبي، لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال يكون هكذا ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال" (متى) الإصحاح ١٢ العدد ٣٨.
تعليق:
هذا القول جاء في الأناجيل وذكر في إنجيل (لوقا) مع اختلاف هام يلحظه القارئ وذلك في قوله: "هذا الجيل شرير يطلب آية ولا تعطى له إلا آية يونان النبي لأنه كما كان يونان آية لأهل نينوى كذلك يكون ابن الإنسان أيضًا لهذا الجيل.." (لوقا) إذن تخلص من تحديد ثلاثة أيام وثلاثة ليال.
نقرأ في سفر (يونان) من أسفار العهد القديم "أعد الرب حوتا عظيمًا ليبتلع يونان فكان يونان في جوف الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال فصلى يونان إلى رب إله في جوف الحوت وأمر رب الحوت فقذف يونان إلى البر"إذن من الواضح لتتحقق هذه النبوءة في المسيح حسب قولهم يجب أن ينتظر ثلاثة أيام وثلاث ليال حتى يظهر ثانية ويقوم.
لكن إذا رجعنا إلى ما تذكره الأناجيل من أحداث الصلب والخيانة لوجدنا أن المصلوب أنزل من على الصليب مساء الجمعة، "ولما كان المساء إذ كان الاستعداد -أي ما قبل السبت- جاء يوسف ودخل إلى بلاط الحاكم وطلب جسد يسوع، فدعا قائد المائة وسأله هل له زمان قد مات؟ ولما عرف من قائد المائة.. اشترى كتانًا وأنزله وكفنه بالكتان ووضعه في قبر كان منحوتًا في صخرة ودحرج حجرًا على باب القبر" (مرقس) إصحاح ١٥ عدد ٤٢.
وقد اكتشف تلاميذ المسيح وتابعوه أن ذلك القبر كان خاليًا من الميت في الساعات الأولى من فجر يوم الأحد.
[ ٢٢ / ٧٧ ]
وبهذا يقول إنجيل (متى) "وبعد السبت عند فجر أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية ومريم الأخرى لتنظر القبر فأجاب الملاك وقال للمرأتين ليس هو ههنا لأنه قام كما قام"٢٨ العدد ١.
كذلك يقول إنجيل (يوحنا) "وفي أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر باكرًا والظلام باق فنظرت الحجر مرفوعًا عن القبر".
تعليق:
بعملية حسابية بسيطة نجد أن الأيام التي قضاها الميت في بطن القبر يوم وليلتان أي يوم السبت وليلة السبت والأحد، إذن لا تصح دعوة ثلاثة أيام وثلاث ليال ولذلك فقد تخلص منها (لوقا) .
مدير الندوة:
نريد أن ننظر في الذين زاروا القبر لأنه أحيانًا تكون مريم المجدلية وأحيانًا تكون معها مريم أم يعقوب، وأحيانًا تكون الأسماء مختلفة. ثم لماذا يذهبون إلى القبر. لماذا تذهب مريم المجدلية إلى القبر؟ الإنجيل يقول أنها أخذت (حانوت) لتحنط المسيح مع أنه من المعروف أن المسيح حنط بخمسين كيلو حلبة. فإذا كان المسيح قد حنط بخمسين كيلو فلماذا تذهب مريم المجدلية في اليوم الثاني وماذا تعمل؟ ولماذا تحنطه بعد أن حنط بأكثر من نصف وزنه؟ كيف يمكن أن يعقل هذا؟ أرجو أن توضح لي الأسماء التي اختلفت فيها الأناجيل.
الأستاذ أحمد عبد الوهاب:
سيأتي ذلك عند دراستنا لموضوع القيامة.
مدير الندوة:
لا مانع لأن عندنا موضوعات عن الصلب والفداء والقيامة ستُفصل، لأن في موضوع الصلب والفداء والقيامة أربعة وثلاثين تناقضًا سنوردها ونرى هذه التناقضات ولنرى كيف قال الله ﷾ ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ﴾ .
[ ٢٢ / ٧٨ ]
قضية الصلب:
من أكبر معجزات القرآن الكريم أنه قال أن المسيح لم يصلب الآية ١٥٧ من سورة النساء.
لكن موضوع (ابن الله)، وهو الله ذكر في القرآن أكثر من مرة ونفي أكثر من مرة كذلك. ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن. هذه قمة المعجزات. ثم موضوع الصلب ما كان ممكنًا لو أن القرآن ليس من لدن حكيم خبير وأن الله لم ينزله واخترعه أحد على الأرض ما كانت هذه القصة سالفة ومعروفة في المسيحية معناها الصليب وهذه قصة مفروغ منها ما كان -ليش صلبوه مش دي مشكلة- إنما يركز على موضوع ابن الله وهو الله وعنده ما يؤيده، اليهودية تؤيد التوحيد وفلاسفة الإغريق يؤيدون التوحيد ؟ والقرآن دائمًا يضع الحقيقة مهما كان عدد المؤمنين بها كثيرٌ أو قليل وبما أنها قضية وما تناقشه عبارة عن قضايا ففي قاعدة بسيطة متفق عليها سواء كانت الجلسة في البيت أو المحكمة أو مجلس الشعب أو الكونجرس. القاعدة تقول ما تسرب إليه الاحتمال سقط به الاستدلال.
مدير الندوة:
قال: إن الأخ (جيمس) يرفض الرد الآن، على أساس أن يأخذ " الأشرطة " في البيت ويدرسها مع إخوانه، وتكون ردوده في جلسة قادمة، لماذا؟ لأننا نقول معلومات مدروسة بالنسبة لنا ولعلها تكون جديدة الآن. فلا أن تتاح له فرصة كما أتيحت لنا فرصة.. وذلك ليدرس ويراجع ثم لينظر هل هذه المراجعات صحيحة أو ربما كان فيها شيء من وجهة نظره.
كما أنه (الأخ جيمس) يعتذر عن حضور جلسة الغد. ونؤجل الجلسة إلى الأربعاء. وقد سألت الأخ جيمس فتبين أن تعليقاته ستكون بعد كل جلسة، على أساس أن نتكلم في جلسة ثم يرد هو في جلسة أخرى وهذا حقه.. وهذا مشروعه وهذا هو المعقول.
الأستاذ أحمد عبد الوهاب:
قال: بالنسبة لقضية الصلب.. والأحداث التي ابتدأت بها عملية محاولة الصلب حتى انتهت بتعليق واحد على الصليب.. ترى من يكون هذا؟ وماذا قال؟ وماذا عمل؟ وكيف شهدوا عليه؟ .. إلخ.
[ ٢٢ / ٧٩ ]
يمكن تقسيم ذلك إلى عدد من العناصر:
١- معروف من الأناجيل (مسح جسد المسيح بالطيب) .
اختلف في هذه الأناجيل تمامًا.
فلو بحثنا عن مكان الحادث.. متى جاءت المرأة لتمسح جسده بالطيب؟ نجد في (مرقس) و(متى) نجد أن هذا الحادث بدأ في بيت (سمعان الأبرص) إنجيل مرقس إصحاح ١٤ عدد ١-٨.
مدير الندوة:
قال: نرجو مراجعة النصوص الآن للتأكد من صحتها.
الأستاذ إبراهيم يقرأ في الإنجيل:
إنجيل (مرقس) إصحاح ١٤ من عدد ١ إلى عدد ٨.
وإنجيل (يوحنا) إصحاح ١٢ من عدد ١ إلى ٢.
نقرأ من إنجيل (مرقس) إصحاح ١٤ من عدد ١ إلى عدد ٨: "وكان الفصح وأيام الفطر بعد يومين. وكان رؤساء الكهنة والكنيسة يطلبون كيف يمسكون بمقرن، يمسكونه بمقرن، ويقتلونه، ولكنهم قالوا ليس في العيد لئلا يكون شغب في الشعب، وفيما هو في بيت عمها في بيت "سمعان الأبرص"وهو متكئ جاءت امرأة معها قارورة طيب وأدين خالص كثير الثمن.. فكسرت القارورة وسكبته على رأسه وكان قوم محتاجين في أنفسهم فقالوا لماذا كان تلف الطيب هذا، لأنه كان يمكن أن يباع هذا بأكثر من ثلاثمائة دينار ويعطى للفقراء".
(يتبع)
قرية كاملة تعتنق الإسلام
اعتنق سكان قرية (ميناكشي) الإسلام بأجمعهم وأصبحت اليوم تسمى (رحمة نجر) .
وقد احتفل هؤلاء المسلمون الجدد بتاريخهم الجديد، وحضر الحفل ممثلو جمعية إشاعة الإسلام ورئيس العصبة الإسلامية بالهند السيد سليمان سيته والسيد عبد الصمد عضو البرلمان والأستاذ عبد الكريم باريكه من زعماء (رسالة الإنسانية) وآخرون من أساتذة الجامعة، وفي مقدمتهم سماحة الداعية الإسلامي الكبير الشيخ أبي الحسن الندوي.
الرائد الهندية
--------------------------------------------------------------------------------
[١] دائرة المعارف البريطانية.
[ ٢٢ / ٨٠ ]