للدكتور أحمد عطية الغامدي
عميد كلية الدعوة وأصول الدين
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على رسوله الأمين نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحابته أجمعين؛ أما بعد:
فإن نعم الله علينا كثيرة لا تحصى، إلا أن أجلها نعمة الإسلام الذي ختم الله ﵎ به الأديان، ولذلك كان رسوله ﷺ مبعوثًا إلى الناس كافة، وكان غيره من الرسل يبعث إلى قومه خاصة. وإذا كان الإسلام للبشرية كلها إذ لا دين يقبل من أهله بعده سواه، فإن عمومه يقتضي صلاحه لجميع البشر في جميع الأماكن والأزمان، وقد أودع الله فيه من الخصائص العظيمة التي انفرد بها عما سواه من الأديان الأخرى ما جعل الفطر السليمة ترتاح إليه فتعتنقه عن قناعة تامة لأنه هو الدين الحق الذي تجد فيه النفوس ما تنشده من الهدى، إذ كتابه ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ وقد وعد الله ﷾ بحفظه فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ .وإذا كان الله تعالى قد رضي الإسلام لنا دينا، فإنه- سبحانه- قد أوضح أركانه التي لا يقوم بغيرها، وأصبحت معرفة هذه الأركان من الأمور البديهية التي لا تخفى على أي مسلم مهما كان.
[ ٢٣ / ٣٥٩ ]
إلا أن الأمر الذي قد يخفى على كثير من المسلمين هو ما يجب تصوره عن حقيقة تلك الأركان، فهي ليست مجرد أفعال تقوم الجوارح بأدائها، بل إن الشهادة ليست قولًا أجوف ينطق به اللسان فحسب، والصلاة ليست مجرد أفعال وحركات يمارسها المصلي في اليوم خمس مرات، والزكاة ليست مجرد اقتطاع جزء من المال لأدائه إلى فئة معينة، والصوم ليس تحسسًا لمضايقات الجوع والعطش، والحج ليس مجرد تحمل لمشاق السفر من أجل طواف بالبيت أو التنقل بين المشاعر المقدسة. ليست هذه الأركان أفعالًا جوفاء خالية من المعاني السامية والحكم العظيمة التي ينبغي للمسلم أن يستشعرها حالة أدائه لها، ولا يهمنا هنا الحديث عن هذه المعاني لتلك الأركان جميعها بل من المناسب- وهذا العدد يصدر في فترة الحج- أن نذكر بأن هذا الركن الذي هو الخامس من أركان الإسلام قد فرضه الله ﵎ على كل من استطاع إليه سبيلا من أبناء هذه الأمة لحكم عظيمة أرادها، علمنا منها ما علمنا وخفي علينا الكثير. فالمسلمون حينما يتجهون إلى قبلتهم تلبية لنداء الله تعالى لأبينا إبراهيم الخليل ﵇ إذ أمره بقوله سبحانه: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾، واستجابة لأمر الله القائل ﴿عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فإنهم بذلك يحصدون من المكاسب العظيمة ما ينفعهم في الحياة الدنيا، ومن الثواب الكبير ما تقر به أعينهم في الآخرة. وإذا كانت المكاسب الدنيوية المباحة ثمرة من ثمار الحج، فإن الحج المبرور الذي وعد صاحبه بالجنة في قوله ﵊: " الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" أعظم ثمرة يجنيها الإنسان ليتزود بها من دار الممر إلى دار المقر، حيث لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، إلا أن لتحقق هذه الثمرة المرجوة من الحج شروطا حتمية
[ ٢٣ / ٣٦٠ ]
ذكر الله ﵎ أبرزها حين قال سبحانه ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجّ﴾ وإن المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها الذين أكرمهم الله بأن وفقهم لأداء هذه الفريضة ليشعرون بالغبطة والسرور حينما يجدون أنفسهم في حشد بشري هائل، تتوفرله كل سبل الراحة والأمن والاطمئنان، ولذلك وجب عليهم شكر الله ﵎ على هذه النعمة التي لا تعدلها نعمة، فإن الأمن في عصرنا الحاضر يكاد يكون مفقودًا في أرقى دول العالم التي استطاعت أن تبتكر من الوسائل التي تحاول بها التخلص من الجريمة وتثبيت الأمن ما لم يتوفر لمجتمع على مر التاريخ البشري، ومع ذلك عجزت عن تحقيق مفهوم الأمن فيه مجتمعاتها، فقد استشرت الجريمة وانتشر الفساد ودخل الرعب إلى كل قلب، ناهيك عن الدول التي تفتقر لمثل هذه الوسائل فلم تحصل منها إلا على ما مكنتها منه مواردها وطاقاتها المحدودة، فإنها لم تستطع ولن تستطيع أن توفر لمجتمعاتها ما تبحث عنه من أمن وراحة بال، وما ذلك إلا لأن هذه وتلك إنما تعتمد على ما شرعته لها قوانينها البشرية القاصرة.
أما المجتمع الإسلامي الذي تعتبر المملكة العربية السعودية أسمىمثل له في عصرنا الحاضر، فإنه- بفضل الله- قد تحقق له من الأمن ما عجز الآخرون عن تحقيقه رغم وفرة الوسائل العلمية الحديثة وكثرة التشريعات. وسبب هذا الأمن الوارف المكين ما اعتمدته حكومة هذه البلاد منذ أول أيامها على يد جلالة الملك عبد العزيز﵀- مؤسس الدولة السعودية الحديثة من إلزام نفسها بتطبيق شريعة الله، والسير على هداها، والذود عن حياضها، فكان ثمرة ذلك العز والنصر والتمكين، فلا أمن يعدل أَمنها الذي ينعم به شعبها في هذا العصر الهائج المائج المضطرب، كما أن كل وافد إلى هذه البلاد ينعم بهذا الأمن ويجد فيه ضالته التي طالما نشدها.
[ ٢٣ / ٣٦١ ]
وإن من أبرز مظاهر الأمن الذي أنعم الله به على هذه البلاد ما نشهده كل عام من أداء ملايين الحجاج لفريضتهم بيسر واطمئنان بعد أن كانوا في أَحقاب تاريخية سالفة يغادرون أهليهم مودعين وداع اليائس من الرجوع، وذلك لأن النهب والسلب والقتل كان شبحًا يهدد حياة كل حاج وهو في طريقه إلى بيت الله الحرام وحين عودته إلى أهله أما اليوم فليهنأوا وليطمئنوا، فإن الله تعالى قد هيأ لهذه البلاد المقدسة حكومة مسلمة تحكم شرع الله وتربط مصالح المسلمين في إطار هذه الشريعة الغراء، وقد قامت بواجبها إزاء حجاج بيت الله الحرام خير قيام، فكان الأمن وكان اليسر وكان الرخاء.
إلا أن مما يجب الإشارة إليه أن أعداء الإسلام حريصون كل الحرص على النيل من هذه البلاد وهي حصن الإسلام الحصين، إلا أن كيدهم يعود دائمًا إلى نحورهم ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ . وليس بعيدًا عنا ما حدث خلال موسم حج هذا العام من محاولة يائسة لتعكير صفو الأمن السائد بين الحجيج، والتي تتمثل فيما قامت به زمرة ضالة مسخرة من قبل مطايا الصهيونية المعاصرة، أحفاد السبئية الحاقدة، التي لا تخفى مواقفها من الإسلام والمسلمين على مر التاريخ.
إلا أن الله ﵎ خيب مقاصدهم لأن الحق دائما مؤيد بتأييد الله، وستبقى حكومة هذه البلاد إن شاء الله غصة في نحور أعداء الإسلام، وحاميًا أمينًا لمقدسات المسلمين، ومحكمًا عادلًا لشريعة الله وبذلك سيظل الأمن مسيطرًا، والرخاء سائدًا، وراية الإسلام مرفوعة بإذن الله، أما أعداء الإسلام فسيجرون أذيال الخيبة والخذلان.
والله نسأل أن يحفظ علينا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأن يديم علينا ما نحن فيه من أمن ورخاء، وأن يعيننا على شكر نعمه، إنه نعم المولى ونعم النصير.
[ ٢٣ / ٣٦٢ ]