الدكتور مرزوق بن هياس آل مرزوق الزهراني
أستاذ مساعد بكلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية
الجامعة الإسلامية المدينة المنورة
الوصية الخامسة
قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ .
المناسبة:
قد يتلمس الباحث ما يربط به بين المعاني أو الأوامر أو النواهي، وقد يكون ما يصل إليه أمرًا واضحًا يتأيد بالأسلوب والمقام، وقد يكون فيه تكلف وبعد. ولعل الناظر في هذه الوصايا الكريمة يجد أن الله ﷿ حرم قتل القلوب بعبادة غير الله ﷿، أيَّ نوع كان من أنواع العبادة، وصان بعد ذلك الوالدين وحماهما من جهل الجهلاء، وحماقة السفهاء، فالإساءة إليهما أو إلى أحدهما قتل للراوبط الأسرية، وقضاء على الإحسان الذي أمر الله به، ثم أحكم علاقة الأباء بالأبناء، ورسم حدودًا لا يجوز لأي من الأبوين تجاوزها، وصرح ﷿ بتحريم قتل الأولاد، لأن قتلهم قتل للمجتمعات، وقضاء على تتابع الأجيال، ويدخل في هذا الفساد ارتكاب الزنا فهو يقتل المجتمعات حسًا ومعنى. وتلا ذلك النهي عن قتل النفس عامة، وهذا العموم يوحي بتضمن ما سبق، فإن كل قتلٍ فردي إنما يقع على جنس النفس في عمومه، يؤيد هذا الفهم قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ [١] الآي ة. فالاعتداء إنما يقع على حق الحياة ذاتها، وعلى النفوس البشرية في عمومها، والآية الكريمة دليل على أن الله ﷿ كفل حرمة النفس ابتداء [٢] .
البحث اللغوي:
[ ٣٢ / ٤٥٦ ]
أ- في النحو: قوله: (إلا بالحق) استثناء مفرع ولعله من أحد ثلاثة أمور:
١- من أعم الأحوال، أي لا تقتلوها في حال من الأحوال، إلا حال ملابستكم الحق، الذي هو أمر الشرع بقتلها.
٢- أومن أعم الأسباب، أي لا تقتلوها بسبب منِ الأسباب إلا بسبب الحق.
٣- أومن أعم المصادر، أي لا تقتلوها قتلًا إلا قتلًاَ كائنًا بالحق.
وقد رجح في الفتوحات أن قوله: ﴿إِلا بِالْحَقِّ﴾ مفعول مطلق، أي إلا القتل المتلبس بالحق [٣] .
قوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارة إلى الوصايا المتقدمة. والكاف والميم: للخطاب، ولا حظّ لهما من الإعراب.
قوله: ﴿النَّفْسَ﴾ أي جنس نفس الإنسان، فالألف واللام لتعريف الجنس، كقولهم:
أهلك الناس حب الدرهم والدنيا. والله ﷿ يقول: ﴿إِنَّ الإنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [٤] فالمراد الجنس.
الضمير في قوله: ﴿وَصَّاكُمْ﴾ محله النصب، لأنه ضمير موضوع لمخاطبة الجمع.
وفى وصى ضمير تقديره: هو، فاعل يعود على لفظ الجلالة أي: وصىّ الله تعالى عباده بذلك.
ب- المفردات:
الحق: واحد الحقوق، هو ضد الباطل [٥] .
تعقلون: من العقل، والمراد في الآية العلم [٦] الذي يستفيده الإنسان من التأمل في هذه الوصايا.
الإيضاح
إن المتأمل للآية الكريمة يجد أن قتل النفس المحرمة من جملة الفواحش، وقد أفرده رب العزة فهو من باب ذكر الخاص بعد العام، وقد أجاب العلماء ﵏ عن هذا منهم الإمام الرازي ﵀ قال: اعلم أن هذا داخل في جملة الفواحش، إلا أنه أفرده تعالى بالذكر، لفائدتين:
١- أن الإفراد بالذكر يدل على التعظيم، والتفخيم كقوله تعالى: ﴿وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [٧] .
[ ٣٢ / ٤٥٧ ]
٢- أن الفواحش لا يستثنى منها فلا يقال: لا تقربوا الفواحش إلا بالحق. وهو وارد في القتل فجاء إفراده لفرض الاستثناء أيضا [٨] وإذا تدبر الإنسان كتاب الله ﷿ يجد بكثرة ورود النهي عن هذه المنكرات الثلاث متتابعًا، النهي عن الشرك، والنهي عن الزنا، والنهي عن قتل النفس ولعل في هذا توجيهًا للأنظار إلى أن هذه الأمور الثلاثة تشترك في صفة القتل، فإذا نظرنا إلى جريمة الشرك نجد أنها قتل للقلوب وإماتة للفطرة التي فطر الله الناس عليها. فالقلوب التي لا تعيش على التوحيد قلوب ميتة، قد قضي على ما فيها من فطرة يؤيد هذا الفهم قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [٩] الآية. فليس المراد موت الأجساد بخروج الأرواح منها، بل المراد موت القلوب بخلوها من نور الحق، وبرهان الشرع، والشرع لا يقوم إلا على اعتقاد سليم وبرهان قويم. وجريمة الزنا قتل للجماعة حسًا ومعنىً، فالجماعة التي تشيع فيها الفاحش جماعة ميتة معنويًا من حيث عدم وجود الغيرة التي من أعظم الأسباب في حماية المجتمع من هذا الوباء القاتل ولذلك وصف بها النبي ربه ﷿ فقال: "ما من أحد أغير من الله ﷿" [١٠] فإذا قتلت الغيرة في الجماعة استشرى الخطر، وعم البلاء، أما قتلها حسًا فإن مصيرها إلى الفناء والدمار لا محالة لاندفاعها خلف هذه الشهوة المحرمة حتى بلغت مستوى الدواب بل هم أضل سبيلا. وقد جاء في بلاغات الإمام مالك عن ابن عباس أنه قال: " ولا فشا الزنا في قوم قط إلا كثر فيهم المَوت " [١١] قال ابن عبد البر: "قد رويناه متصلًا عنه، ومثله لا يقال بالرأي" [١٢] . ويؤيد قوله هذا أن ابن ماجة قال: حدثنا محمود بن خالد الدمشقي [١٣]، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن أبو أيوب [١٤]، عن ابن أبي مالك [١٥] عن أبيه
[ ٣٢ / ٤٥٨ ]
عن عطاء بن أبي رباح [١٧]، عن عبد الله بن عمر قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: "يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن، لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع، التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا " [١٨] الحد يث. وله شاهد من حديث ميمونة أخرجه الإمام أحمد ﵀ [١٩] . وفي نظري أن هذا الخبر لا يقل عن درجة الحسن لغيره وأنه كما قال ابن عبد البر ﵀: "مثله لا يقال بالرأي"، والواقع يؤيده بعد مضي أكثر من ألف وأربعمائة سنة، يظهر الوباء الذي لم يعهد من قبل، ويهدد العالم الذي فشا فيه الزنا ولا ريب أنه الموت الذي ذكره ابن عباس وهوا لطاعون الذي ذكره ابن عمر من قول رسول الله ﷺ وهو العقاب الذي ذكره الإمام أحمد من حديث ميمونة ﵂، وهو (الإيدز) [٢٠] كما يسميه عالم الحضارة اليوم، فهل آن الأوان لأبناء الإسلام أن يرجعوا إلى حمى الإسلام فيحتموا به من قتل القلوب والمجتمعات. وجاء النهي الثالث يحرم الاعتداء على جنس النفس البشرية يجعل قتلها بغير حق فاحشة عظيمة وكبيرة، يعاقب الله عليها بأشد العقاب، ولذلك أجمع المسلمون على تحريم القتل بغير حق اعتمادا على كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ، فالله ﷿ يخاطب عباده في هذه الوصية بأن لا تقتلوا النفس التي حرم قتلها بالإسلام، أو عقد الذمة، أو العهد، أو الاستئمان، فيدخل في عموم النفس كل أحد إلا الحربي، ففي هذه الوصية حرم قتل النفس عامة. وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [٢١] . وأكد على النفس المؤمنة تكريمًا لها وتنويها بشأنها
[ ٣٢ / ٤٥٩ ]
وإلا فهي داخلة في العموم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً﴾ [٢٢] الآية وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [٢٣] . كما نصت السنة المطهرة على تحريم قتل المعاهد، تنويهًا بمبادئ الإسلام، وتربية لأمة الإسلام على حفظ العهود والمواثيق والعهد يشمل الأمرين السابقين، عقد الذمة، والاستَئمان، قال رسول الله ﷺ: "من قتل نفسًا معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما" [٢٤] . وأخرج الترمذي بسنده من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ألا من قتل نفسا معاهدًا له ذمة الله وذمة رسوله، فقد أخفر بذمة الله، فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا". قال: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" [٢٥] . وهذا غيض من فيض.
قوله: ﴿إِلا بِالْحَقِّ﴾ .
المراد به ما يبيح قتل النفس التي حرم الله قتلها شرعًا. ومنه المذكور في الأسباب الآتية:
١- النفس بالنفس قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [٢٦] الآية وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [٢٧] .
٢- الوقوع في الزنا بعد الإحصان. وقد جاء في كتاب الله ﷿ مما بقي حكمه ونسخت تلاوته "الشيخ والشيخة فَأرجموهما البتة" [٢٨] يعني إذا زنيا فذاك عقابهما وجاء في الحديث المتفق عليه أن النبي ﷺ قال: "لا يحل دم إمرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث، الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" [٢٩] .
[ ٣٢ / ٤٦٠ ]
٣- المرتد عن الدين، التارك لجماعة المسلمين. كما ورد في الحديث آنفا.
٤- المحاربون لشرع الله الذين يسعون بالفساد في الأرض. ومنهم قطاع الطرق، وما يسمون بالإرهابيين اليوم، والساطون على أعراض الناس، ودمائهم، وأموالهم. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [٣٠] الآية.
ثم إنه تعالى لما بين أحوال هذه الوصايا الخمس أتبع ذلك اللفظ الذي يقرب إلى القلوب القبول فقال: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ لما فيه من الشمول للأمر والنهي، ولما فيه من اللطف والرأفة، كل ذلك ليكون القلب أقرب إلى القبول، ثم أتبعه ﷿ بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ولعل هنا ليست على بابها، أي لكي تعقلوا فوائد هذه الوصايا في الدين والدنيا. ومن تأمل قوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ يجد أن استخدام اسم الإشارة للبعيد له دلالة تنبئ عن عظمة هذه الوصايا وبعد ما ترمي إليه من إصلاح الدين والدنيا، وما فيها من الحكم والأحكام الإلهية التي تضمنت الكمال المطلق في الهداية والتوجيه، وإصلاح الإنسانية في كل زمان ومكان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ولما كانت الوصية الخامسة تنهى عن القتل بغير حق فإنه يحسن الكلام عن القتل وأقسامه.
إن الدارس لهذه القضية يجد أن الأكثرين من العلماء يرون القتل أقسامًا ثلاثة:
١- العمد ٢- شبه العمد ٣- الخطأ.
[ ٣٢ / ٤٦١ ]
وممن يرى هذا التقسيم عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب ﵄ ولهما فيه قضاء [٣١] وبه قال الشعبي، والنخعي، وقتادة، والثوري، والإمام الشافعي، ِ والإمام أحمد، وأهل العراق، وأصحاب الرأي رحم الله الجميع، ونقل عن الإمام مالك ﵀ أنه أنكر شبه العمد وقال: "ليس في كتاب الله ﷿ إلا العمد، والخَطأ"، فهو لا يعمل بشبه العمد، وجعله من قسم العمد. وحكى عنه مثل قول الجماعة [٣٢] .
ويؤيد ما ذهب إليه الجمهور ما أخرجه أبو داود وقال: حدثنا سليمان بن حرب [٣٣] ومسدد [٣٤] قالا: حدثنا حماد [٣٥]، عن خالد [٣٦]، عن القاسم بن ربيعة [٣٧]، عن عقبة بن أوس [٣٨]، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: " ألا إن دية الخطأ شبه العمد، ما كان بالسوط والعصا، مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها" [٣٩] . وهذا الحديث الذي لا يقل عن درجة الحسن نص يصد ما نقل عن الإمام مالك ﵀ من إنكاره شبه العمد، وقد زاد أبو الخطاب قسمًاَ رابعًاَ، وسماه (ما أجري مجرى الخطأ) نحو أن ينقلب نائم على شخص فيقتله، أو يقع عليه من علو، ومنه القتل بالسبب، كحفر البئر، ونصل السكين، ومنه قتل غير المكلف، فقد أجري مجرى الخطأ، وإن كان عمدًا، لكن هذه الصورة التي ذكرها أبو الخطاب ﵀ هي عن الأكثرين من قسم الخطأ، لأن صاحبها ليس من أهل القصد الصحيح، ولذلك أعطوه حكم الخطأ لأنه خطأ في الواقع. ويحسن في هذه العجالة إعطاء فكرة مبسطة عن كل قسم.
١- العمد: هو أن يقصد شخص قتل آخر بما يراه قاتلا في العادة كالسيف، والخنجر، والطلقات النارية وغيرها من الأمور القاتلة. وهذا القسم ثبت بكتاب الله ﷿ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [٤٠] الآية.
[ ٣٢ / ٤٦٢ ]
٢- شبه العمد: هو أن يقصد شخص ضرب آخر بما لا يقتل غالبًا، إما لقصد العدوان عليه، أو لقصد التأديب له فيسرف فيه، ويتجاوز الحد المعقول في ذلك، كالضرب بالسوط، والعصا، والحجر الصغير ونحو ذلك.
وهذا القسم ثبت بسنة رسول الله ﷺ. فقد ذكرنا آنفًا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "ألا إن دية الخطأ شبه العمد، ما كان بالسوط، والعصا، مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها" [٤١] . وقد قضى فيه رسول الله ﷺ فقد أخرج الإمام البَخاري بسنده من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى النبي ﷺ فقضى أن دية جنينها غرة، عبد أو وليدة، وقضى أن دية المرأة على العاقلة" [٤٢] . فاعتبره ﷺ شبه عمد إذ أوجب الدية على العاقلة، ولو اعتبره عمدًا لما حملت العاقلة الدية، لأنها لا تحمل العمد. وقال أبو داود: حدثنا محمد بن يحي بن فارس [٤٣]، حدثنا محمد بن بكار بن بلال العاملي [٤٤]، أخبرنا محمد- يعنى ابن راشد [٤٥]- عن سليمان- يعني ابن موسى [٤٦]- عن عمر وبن شعيب [٤٧]، عن أبيه [٤٨]، عن جده [٤٩]، أن النبي ﷺ قال: "عقل شبه العمد مغلظ، مثل عقل العمد، ولا يقتل صاحبه" [٥٠] . فهذه نصوص من السنة صحيحة تثبت شبه العمد، خلافًاَ لما نقل عن الإمام مالك ﵀.
٣- الخطأ: هو أنٍ يفعل الشخص فعلًا لا يريد به الاعتداء علىِ أحد من البشرِ فيخطئ هدفه ويصيب إنسانًا فيقتله، مثاله. أن يرمي صيدًا فيصيب إنسانًاَ، أو يلقي شيئًاَ فيقع على مارٍ، أو يقود سيارة فيعترضه شخص فيدهسه ونحو ذلك.
والخطأ على قسمين أيضًا:
[ ٣٢ / ٤٦٣ ]
١- أن يفعل الشخص ما يجوز له فعله مما سبقت الإشارة إليه ونحو، فيؤل ذلك إلى إتلاف إنسان حر، مسلمًا كان أو كافرًا.
٢- أن يكون في أرض العدو فيقتل من يظنه كافرا. فيصبح المقتول مسلمًا. فهذا قسم من الخطأ وإن كانت الصورة صورة عمد لعدم قصد قتل المسلم. وقد ثبت القتل الخطأ بكتاب الله ﷿ قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [٥١] الآية. وهذه التقسيمات مستفادة من المغني والشرح الكبير [٥٢] .
[ ٣٢ / ٤٦٤ ]
٥- الامتناع عن أداء حق واجب الأداء من حقوق الله ﷿ ومنه الزكاة مثلًا فإن أبا بكر ﵁ لم يتردد في قتال مانعي الزكاة، بل أخذ ذلك بحزم وشدة، أخرج الإمام البخاري بسنده من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "لما توفي رسول الله ﷺ، وكَان أبو بكر ﵁ [٥٣]، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر ﵁ [٥٤]: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله". فقال [٥٥]: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلهم على منعها، قال عمر ﵁: فو الله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر ﵁، فعرفت أنه الحق" [٥٦] . وهذا مما سنه أبو بكر ﵁ ووافقه أصحاب رسول الله ﷺ، وسرعان ما شرح الله صدر عمر ﵁ وعرف أنه الحق، ونحن مأمورون بإتباع الخلفاء الراشدين قال أبو داود ﵀: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ثور بن يزيد [٥٧] قال: حدثني خالد بن معدان [٥٨] قال: حدثني عبد الرحمن بن عمرو السلمي [٥٩]، وحجر بن حجر [٦٠] قالا: أتينا العرباض بن سارية [٦١]، وهو ممن نزل فيه ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [٦٢] فسلمنا وقلنا: "أتيناك زائرين، وعائدين، ومقتبسين"، فقال العرباض: "صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون.."فذكر الحديث وفيه "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ.." [٦٣] .
[ ٣٢ / ٤٦٥ ]
٦- قد يجب قتال غير من سلف ذكرهم. وذلك في أحوال كمن قصد قتل رجل، أو أخذ ماله، أو الاعتداء على عرضه، فيجوز قتله على سبيل الدفاع عن النفس والمال والعرض يؤيد هذا ما أخرجه الإمام البخاري بسنده من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من قتل دون ماله فهو شهيد" [٦٤] وأخرجه الإمام الترمذي وزاد في رواية: "ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد" قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح" [٦٥] . قال النووي ﵀: "فيه جواز قتل من قصد أخذ المال بغير حق، سواء كان المال قليلًا أو كثيرًا، وهو قول الجمهور، وشذ من أوجبه"، قال ابن المنذر: والذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع إذا أريد ظلمًا، بغير تفصيل، إلا أن كل من يحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جوره، وترك القيام عليه. قال ابن بطال: "إنما أدخل البخاري هذه الترجمة في هذه الأبواب ليبين أن للإنسان أن يدفع عن نفسه، وماله ولاشيء عليه، فإنه إذا كان شهيدًا إذا قتل في ذلك فلا قود عليه، ولا دية إذا كان هو القاتل" [٦٦] . ويؤيد هذه الأقوال ما أخرجه الإمام مسلم بسنده من حديث أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله: "أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: "فلا تعطه مالك"قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: "قاتله"قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: "فأنت شهيد"قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: "هو في النار" [٦٧] قال الترمذي ﵀: "وقد رخص بعض أهل العلم للرجل أن يقاتل عن نفسه وماله"، وقال ابن المبارك: "يقاتل عن ماله ولو درهمين" [٦٨] . وإذا كان هذا مقابل المال الذي يمكن تعويضه، فلا ريب أنه آكد مقابل النفس والعرض والدين، فإن النفس إذا تلفت لا يمكن تعويضها، والعرض إذا خدش لا يمكن جبره، والدين فوقهما،
[ ٣٢ / ٤٦٦ ]
ولا يليق بالمسلم أن يستسلم ويكون جبانًاَ وفي مقابل أعز ما يملك نفسه ودينه وعرضه. فيكون الصائل المعتدي إذا بلغت مقاومته حد قتله فإنه مباح الدم لا قود فيه ولا دية، وهذا هو الحق إن شاء الله. والحاصل أن الأصل في قتل النفس الحرمة، وحله لا يثبت إلا بدليل منفصل كما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
الأحكام
قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ .
قال الرازي ﵀ معللًا سبب ختم الآية بهذا: "لأن التكاليف الخمسة المذكورة في الآية (هذه) أمور ظاهرة جلية فوجب تعقلها وتفهمها" [٦٩] .
دلت الوصية الكريمة على تخريم قتل النفس المعصومة بالإسلام أو بعقد الذمة إلا بحق يوجب ذلك. وهذا أمر مجمع عليه بين أمة الإسلام، فإن فعله إنسان متعمدًا فسق، وأمره إلى الله ﷿ إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه، وتوبته مقبولة في قول أكثر أهل العلم.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] الآية (٣٢) من المائدة.
[٢] هذا المعنى مستفاد من (الظلال ٤٢٤/٣)
[٣] انظر (الإرشاد ٣/ ١٩٩، والفتوحات ٢/ ٠٩ ١) .
[٤] الآية (١٩) من المعارج.
[٥] انظر (الصحاح ١/ ٢٨١ واللسان ٠ ١/ ٤٩. والمفردات ص ٣٤١)
[٦] انظر (الآية ٩٨ من البقرة) .
[٧] انظر (ترتيب القاموس ٣/ ٢٧٧. والمفردات ص ٣٤١)
[٨] الرازي ١٣/٢٣٣.
[٩] الآية (١٢٢) من الأنعام.
[١٠] الصحيح مع الفتح ١٣/٣٨٣، وصحيح مسلم ٤/٢١١٣.
[١١] الموطأ ٢/٤٦٠.
[١٢] قاله محمد فؤاد تعليقًا على المصدر السابق. ولا أراه إلا في التمهيد. ولم أقف عليه.
[١٣] ثقة، مات سنة سبع وأربعين ومائتين.
[١٤] صدوق يخطئ من رجال البخاري مات سنة ثلاث وثلاثين ومائتين.
[ ٣٢ / ٤٦٧ ]
[١٥] خالد بن يزيد بن عبد الرحمن ضعيف، مع كونه فقيهًا، قد اتهمه ابن معين، مات سنة خمس وثمانين.
[١٦] يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك، صدوق ربما وهم، مات سنة ثلاثين ومائة أو بعدها.
[١٧] ثقة، كثير الإرسال، مات سنة أربع عشرة ومائة.
[١٨] ابن ماجه ٢/ ١٣٣٢.
[١٩] المسند ٦/ ٣٣٣.
[٢٠] وباء هذا العصر نتيجة الخروج عن الآداب الإسلامية. والإنسانية والانحطاط إلى مستوى الحيوان بل أدنى من ذلك وقد نشرت جريدة الشرق الأوسط في عددها ٣٤١٣ الصادر في يوم السبَت ٠٨/٨/١٤٠٨ هـ أن عدد الإصابات بهذا الوباء والذي تم إبلاغ منظمة الصحة العالمية بها وصل إلى ٨٥٢٧٣ إصابة في العالم. وما خفي أعظم.
[٢١] الآية ٣٣ من الإسراء.
[٢٢] الآية (٩٢، ٩٣) من النساء.
[٢٣] الآية (٩٢، ٩٣) من النساء.
[٢٤] الصحيح مع الفتح ١٢/٢٥٩.
[٢٥] الجامع ٤/ ٢٠.
[٢٦] الآية (٤٥) من المائدة.
[٢٧] الآية (١٧٩) من البقرة.
[٢٨] انظر (الموطأ ٢/ ٨٢٤) .
[٢٩] انظر (الصحيح مع الفتح ١٢/ ٢٠١ وصحيح مسلم ٣ / ١٣٠٢) .
[٣٠] الآية (٣٣) من المائدة. ولتمام الفائدة انظر (الرازي ١٣/٢٣٣) .
[٣١] انظر سنن أبي داود ٤ /٦٨٥.
[٣٢] المغني مع الشرح الكبير ٩ / ٣٢٢.
[٣٣] البصري، إمام حافظ ثقة، مات سنة أربع وعشرين ومائتين.
[٣٤] ابن مسرهد، البصري، ثقة، حافظ، أول من صنف المسند مات سنة ثمان وعشرين ومائتين.
[٣٥] ابن زيد، البصري، ثقة، ثبت فقيه، مات سنة تسع وسبعين ومائة.
[٣٦] ابن مهران، الحذاء، ثقة، يرسل، من كبار الخامسة.
[٣٧] ابن جوشن، البصري، ثقة، من الثالثة.
[٣٨] البصري، صدوق من الرابعة.
[٣٩] أبو داود ٤/ ٧١١-٧١٢.
[٤٠] الآية (٩٣) من النساء.
[٤١] أخرجه أبو داود ٤/ ٧١١-٧١٢.
[٤٢] الحديث متفق عليه وهذا لفظ البخاري (الصحيح مع الفتح ١٢/ ٢٥٢) .
[ ٣٢ / ٤٦٨ ]
[٤٣] الذهلي، ثقة، حافظ، جليل، مات سنة ثمان وخمسين ومائتين.
[٤٤] صدوق، مات سنة ست عشرة ومائتين.
[٤٥] المكحولى، صدوق يهم، مات بعد ستين ومائة.
[٤٦] الأموي، الأسدق، صدوق فقيه، في حديثه بعض لين، من الخامسة.
[٤٧] ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، صدوق، مات سنة ثمان عشرة ومائة.
[٤٨] شعيب بن محمد، صدوق، من الثامنة.
[٤٩] عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁.
[٥٠] سنن أبي داود ٤/ ٦٩٤.
[٥١] الآية (٩٢) من النساء.
[٥٢] ٩/ ٣٣٨.
[٥٣] يعني خليفة بعد رسول الله ﷺ.
[٥٤] مخاطبًا أبا بكر ﵁ لما أمر بقتال المرتدين والمانعين للزكاة.
[٥٥] أبو بكر ﵁،
[٥٦] انظر (الصحيح مع الفتح ٣/ ٢٦٢، ٣٢٢، ٢ ١/ ٢٧٥، ١٣/ ٢٥٠،) غير أنه قال (عقالا) ولمزيد الفائدة انظر (البداية والنهاية ٦/ ٣١١) .
[٥٧] أبو خالد، الحمصي، ثقة.
[٥٨] أبو عبد الله، الحمصي، ثقة، يرسل كثيرا.
[٥٩] كلاهما مقبول، وتابعهما يحي بن أبي المطاع وهو صدوق، أخرج حديثه ابن ماجة ١ /١٥ وهو عند الترمذي من طريق السلمي وحده (الجامع ٥/ ٤٤) .
[٦٠] كلاهما مقبول، وتابعهما يحي بن أبي المطاع وهو صدوق، أخرج حديثه ابن ماجة ١ /١٥ وهو عند الترمذي من طريق السلمي وحده (الجامع ٥/ ٤٤) .
[٦١] صحابي من أهل الصفة.
[٦٢] الآية (٩٢) من التوبة.
[٦٣] أبو داود ٥ /١٣-١٥.
[٦٤] الصحيح مع الفتح ٥ /١٢٣ وأخرجه الإمام مسلم ١ /١٢٥.
[٦٥] الجامع ٤ /٢٩-٣٠ وأخرجه أبو داود ٥ /١٢٨وهو عند النسائي وأبن ماجة.
[٦٦] ذكر هذه النقول الحافظ في الفتح٥ /١٢٤.
[٦٧] صحيح مسلم ١/١٢٤.
[٦٨] الجامع ٤/ ٢٩.
[٦٩] الرازي ١٣/ ٢٣٥.
[ ٣٢ / ٤٦٩ ]