في كتب التفسير والقراءات
للدكتور حكمت بشير ياسين
أستاذ مشارك بكلية القرآن الكريم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى من والاه وبعد:
فهذا القسم الرابع من «استدراكات على كتاب تاريخ التراث العربي» للأستاذ الدكتور فؤاد سزكين، وهذا القسم تتمة لما نشر في أعداد سابقة في مجلة الجامعة الإسلامية، وقد بدأت بالتفسير ثم ثّنيت بالقراءات كما يلي:
أولًا: استدراكات في علم التفسير:
القسم الأول
التفسير
١- لقد عقد أ. سزكين الفصل الثاني بعنوان: تفسير القرآن وكان ينبغي أن يكون العنوان: تفسير القرآن وعلومه. لأنه ساق جملة كبيرة من كتب علوم القرآن بالنسبة للتفسير، إضافة إلى هذا أنه عقد الباب الأول بعنوان: علوم القرآن، ثم جعله في فصلين الأول: القراءات، والثاني: التفسير.
٢- كما لم يذكر من الصحابة المفسرين إلا ابن عباس ﵁، علمًا أنه نبغ جماعة من الصحابة ﵃ في علم التفسير فقد شهدوا التنزيل وعرفوا التأويل- أي التفسير - ولا غرابة من ذلك فهم من أعرق القبائل العربية، ومن هؤلاء الصحابة: الخلفاء الراشدون الأربعة، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير وقد ذكرهم شيخ الإسلام ابن تيمية والكافيجي والسيوطي.
قال السيوطي: "وأما الخلفاء فأكثر من روى عنه منهم علي بن أبي طالب ﵁. وهو كما قال فقد وجدت لعلي بن أبي طالب ﵁ حشدًا من الروايات في التفسير جمعها الإمام السيوطي في كتابه القيم الموسوعي الموسوم «جمع الجوامع أو الجامع الكبير".
[ ٣٦ / ١٦٥ ]
وأضيف إلى ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية والإمامان الكافيجي والسيوطي ثلث من الصحابة الذين نقل عنهم مئات الروايات في التفسير وهم: أم المؤمنين عائشة، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبوهريرة، وأنس بن مالك ﵃ أجمعين.
ولو رجع أ. سزكين إلى مصدرين في طبقات المفسرين لمؤلِفَين من أهل بلده، وينطقان بلغته، لرأى أسماء هؤلاء في كتاب: BUYUK TAFSIR TARIHI TABAKATUL- MUFESSIRIN لعمر نزيه بلمان، طبع في إسلامبول باللغة التركية بالحروف اللاتينية، وكتاب «طبقات المفسرين» لأحمد بن محمد الأدنوي من علماء القرن الحادي عشر الهجري، وتوجد منه نسخة مخطوطة في دار الكتب المصرية برقم (١٨٥٩ تاريخ طلعت) . وجميع الصحابة الذين ذكرتهم أوردهما المؤلفان المذكوران.
وقد جمع الإمام السيوطي روايات هؤلاء الصحابة وغيرهم في كتابه «ترجمان القرآن» حيث قال: وقد جمعت كتابًا مسندًا فيه تفاسير النبي ﷺ والصحابة، فيه (بضعة عشر ألف) حديث ما بين مرفوع وموقوف، وقد تم ولله الحمد في أربع مجلدات وسميته ترجمان القرآن، إلا أن هذا الكتاب في عداد المفقود ولكن مختصره موجود، وهو «الدر المنثور في التفسير بالمأثور» .
وللتأكيد على نبوغ وبراعة هؤلاء الصحابة في علم التفسير، أنقل بعض الشذرات التي تنطق بأنهم من رجاله بل من أركانه.
فهذا علي بن أبي طالب ﵁ يقول: "والله ما نزلت آية وقد علمت فيما نزلت، وأين نزلت، وعلى من نزلت، وإن ربي وهب لي قلبًا عقولا ولسانًا ناطقًا". وهو القائل: "سلوني عن كتاب الله فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار، وفي سهل أم في جبل " (١) .
_________________
(١) أخرجه ابن سعد بسنده عنه الطبقات الكبرى٢/٣٣٨.
[ ٣٦ / ١٦٦ ]
وقد نقل ابن الأثير عن سعيد بن المسيب قال: "ما كان أحد من الناس يقول: سلوني غير علي بن أبي طالب " (١) .قال السيوطي وأما كلامه في تفسير القرآن فكثير وهو مستوفى في كتابنا التفسير المسند بأسانيده.
ونقل السيوطي عن ابن أبي جمرة عن علي ﵁ أنه قال: "لو شئت أن أوقر سبعين بعيرا من تفسير أم القرآن لفعلت". اهـ. ثم وجه السيوطي وبيّن وبرهن على إمكان ذلك.
وأما بالنسبة لعلم ابن مسعود ﵁ في التفسير والتنزيل، فقد صح عنه أنه قال: "والله الذي لا إله إلا غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين نزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيمن نزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإِبل لركبت إليه".
وأما أُبي بن كعب ﵁ فقد كان له دراية فائقة بالقرآن، وقد سأله النبي ﷺ عن أي آية في القرآن أعظم؟ فأجاب أبي: ﴿الله لا إلهَ إلَّا هُوَ الحَيُّ القَيُّوم﴾ [سورة البقرة/٢٥٥] فضرب النبي الله عليه وسلم الله عليه وسلم في صدره وقال: "لِيهْنكَ العلم يا أبا المنذر " (٢) .
وأما ابن عباس فشهرته بعلم التفسير تغني الكلام عنه، وسيأتي ذكره بعد قليل، ومن الجدير بالذكر أنه اعتني بجمع تفسير ابن عباس ﵁ في عدة أماكن، ففي جامعة أم القرى قام الشيخ د. عبد العزيز الحميدي بجمع تفسير ابن عباس ﵄ من كتب السنة وطبعته جامعة أم القرى، وفي الجامعة نفسها قام الزميل الشيخ أحمد عايش بجمع نسخة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس من كتب السنة وكتب التفسير وغيرها، وفي جامعة الإمام محمد بن سعود قام جماعة من الباحثين في الدراسات العليا بجمع تفسير ابن عباس أيضًا.
_________________
(١) أسد الغابة٣/٥٩٧.
(٢) أخرجه مسلم بنحوه في صحيحه- صلاة المسافرين رقم ٨١٠.
[ ٣٦ / ١٦٧ ]
وكذلك جُمع تفسير ابن مسعود ﵁، فقد قام الباحث محمد أحمد عيسوي بجمعه من كتب السنة والتفسير في جامعة القاهرة وطبعته مؤسسة الملك فيصل الخيرية في الرياض.
كما قام د. محسن حمودي بجمع تفسير عائشة ﵂ في جامعة الأزهر، ثم جُمع أيضًا في جامعة أم القرى وكذلك جمعه د. سعود الفنيسان ونشره، كما جمع تفسير علي بن أبي طالب ﵁ في جامعة الإمام محمد بن سعود، وجُمع تفسير أُبي بن كعب، وتفسير عبد الله بن عمر، وتفسير أبي هريرة ﵃ في جامعة أم القرى، وكل ما ذكرت جُمع في رسائل جامعية علمية تؤكد وتبرهن على أن المذكورين من أوائل وكبار المفسرين.
[ ٣٦ / ١٦٨ ]
٣- وعلى الرغم من أن أ. سزكين اكتفى بالكلام عن تفسير ابن عباس ﵁ فقط وترك التفاسير الأخرى. فقد طعن في هذا التفسير الذي اقتصر على ذكره وحده فقط وكاد أن ينسفه نسفًا بسبب نقله أيضًا عن المستشرق (جولد تسيهير) في كتابه «اتجاهات التفسير القرآني» وبسبب تأثره به وتبنيه لرأي (جولد تسيهير)، فقال في الرواة عن ابن عباس: "وهناك شروح أخرى لا تحصى ترجع إلى ابن عباس، ويبدو أنها مأخوذة من كتب تلاميذه التي أنجزت تارة أثناء مجالس العلم العامة، وتارة في مجالسه الخاصة أوفي مناقشاته. على أن الاختلافات، بل حتى أحيانًا التناقضات بين هذه التفسيرات يمكن أن تفسر إلى حد ما كنتيجة للتطور الذي طرأ على فكر ابن عباس وعلى فكر تلاميذه الذين كانوا يتوجهون إليه دائمًا بأسئلة ثم يؤلفون بعد ذلك كتبهم في التفسير. ويتضحِ من النصوص أن التفسير القرآني قد تطور في هذه الفترة تطورًا قويًا وسريعا. وفضلا عن هذا فلدينا انطباع أن ابن عباس وتلاميذه لم يكن بإمكانهم أن يتجنبوا التفسير الحر للقرآن الكريم في وقت تطور فيه تفسير القرآن تطورًا سريعًا، وكثيرًا ما أدخل هؤلاء مبدأ «الرأي» وطبقوه في مجال التفسير. ودفع الحرص على تفسير القرآن أيضًا عبد الله بن عباس وبعض تلاميذه إلى علماء النصارى واليهود من أهل الكتاب".اهـ (١) .
_________________
(١) تاريخ التراث العربي ١/٦٠. .
[ ٣٦ / ١٦٩ ]
٤- أما إشارته إلى الاختلافات والتناقضات من دون دليل ولا توجيه فهو افتراء على الرواة الثقات من تلاميذ ابن عباس ﵁ وهم من رجال الشيخين بل هم صفوة التابعين المفسرين، وما ذكره من الاختلافات والتناقضات لا ينبغي إطلاقه بدون ترجيح أو توجيه، فإن ما ورد في ذلك لا يخلو من أمرين: إما أن يروى بإسناد ضعيف، أو أنه يروى بإسناد ثابت، فما ورد بسند ضعيف لا يدخل في هذه المسألة ويكون من باب المرجوح، وأما ما ثبت فإنه خلاف تنوع لا اختلاف تضاد وتناقض، وقد بين ذلك وفصله شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فقال في كتابه الموسوم «مقدمة في أصول التفسير»: "الخلاف بين السلف في التفسير قليل، وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في التفسير، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد. وذلك صنفان:
أحدهما أن يعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى، بمنزلة الأسماء المتكافئة التي بين المترادفة والمتابينة، كما قيل في اسم السيف: الصارم والمهند، وذلك مثل أسماء الله الحسنى وأسماء رسوله ﷺ وأسماء القرآن، فإن أسماء الله كلها على مسمى واحد فليس دعاؤه باسم من أسمائه الحسنى مضادًا لدعائه باسم آخر بل الأمر كما قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ .اهـ.
ثم تكلم عن الأسماء والصفات لله تعالى وعن أسماء النبي ﷺ وأسماء القرآن ثم قال:
[ ٣٦ / ١٧٠ ]
"إذا عرف هذا فالسلف كثيرًا ما يعبرون عن المسمى بعبارة تدل على عينه، وإن كان فيها من الصفة ما ليس في الاسم الآخر، كمن يقول: أحمد هو الحاشر والماحي والعاقب. والقدوس هو الغفور والرحيم، أي المسمى واحد لا أن هذه الصفة هي هذه. ومعلوم أن هذا ليس اختلاف تضاد كما يظنه بعض الناس، مثال ذلك تفسيرهم للصراط المستقيم فقال بعضهم: هو القرآن- أي اتباعه- لقول النبي ﷺ في حديث علي الذي رواه الترمذي ورواه أبو نعيم من طرق متعددة "هو حبل الله المتين والذكر الحكيم وهو الصراط المسقيم"، وقال بعضهم هو الإسلام لقوله ﷺ في حديث النواس بن سمعان الذي رواه الترمذي وغيره "ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى جنبتي الصراط سوران، وفي السورين أبواب مفتحة، على الأبواب ستور مرخاة، ودل يدعو من فوق الصراط، وداع يدعو على رأس الصراط. قال: فالصراط المستقيم هو الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، والداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مؤمن".
فهذان القولان متفقان لأن دين الإسلام هو إتباع القرآن ولكن كل منهما نبه على وصف غير الوصف الآخر، كما أن لفظ «صراط» يشعر بوصف ثالث. وكذلك قول من قال: هو السنة والجماعة. وقول من قال: هو طريق العبودية. وقول من قال: هو طاعة الله ورسوله ﷺ.
[ ٣٦ / ١٧١ ]
وقد يجيء كثيرًا من هذا الباب قولهم: هذه الآية نزلت في كذا، لاسيما إن كان المذكور شخصًا، كأسباب النزول المذكورة في التفسير، كقولهم: إن آية الظهار نزلت في امرأة أوس بن الصامت، وان آية اللعان نزلت في عويمر العجلاني أو هلال بن أمية وإن آية الكلالة نزلت في جابر بن عبدا لله وإن قوله ﴿وأنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أنْزَل الله﴾ نزلت في بني قريظة والنضير، وإن قوله: ﴿ومَنْ يُوَلِّهِمْ يَومَئِذٍ دبُرَهُ﴾ نزلت في بدر، وإن قوله: ﴿شَهَادةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أحَدكُمُ المَوْتُ﴾ نزلت في قضية تميم الداري وعدي بن بداء، وقول أبي أيوب إن قوله ﴿ولاَ تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ ونزلت فينا معشر الأنصار. الحديث. ونظائر هذا كثير مما يذكرون أنه نزل في قوم من المشركين بمكة، أو في قوم من أهل الكتاب اليهود والنصارى، أو في قوم من المؤمنين. فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أن حكم الآية مختص بأولئك الأعيان دون غيرهم، فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الإطلاق.
والناس وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب هل يختص بسببه أم لا؟ فلم يقل أحد من علماء المسلمين إن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين، وإنما غاية ما يقال: إنها تختص بنوع ذلك الشخص فيعم ما يشبهه ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ، والآية التي لها سبب معين إن كانت أمرًا ونهيًا فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنزلته وإن كانت خبرًا بمدح أو ذم فهي متناولة لذلك الشخص ولمن بمنزلته أيضًا.
[ ٣٦ / ١٧٢ ]
وهذان الصنفان اللذان ذكرناهما في تنوع التفسير- تارة لتنوع الأسماء والصفات، وتارة لذكر بعض أنواع المسمى وأقسامه كالتمثيلات. هما الغالب في تفسير سلف الأمة الذي يظن أنه مختلف. ومن التنازع الموجود عنهم ما يكون اللفظ فيه محتملًا للأمرين، إما لكونه مشتركًا في اللغة كلفظ ﴿قَسْوَرَةٍ﴾ الذي يراد به الرامي ويراد به الأسد، ولفظ ﴿عَسْعَسَ﴾ الذي يراد به إقبال الليل وإدباره، وإما لكونه متواطئًا في الأصل لكن المراد به أحد النوعين أو أحد الشيئين كالضمائر في قوله ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَينِ أوْ أدْنَى﴾ وكلفظ ﴿والفَجْرِ ولَيالٍ عَشْرٍ والشَّفْعِ والوَتْرِ﴾ هو وما أشبه ذلك، فمثل هذا قد يجوز أن يراد به كل المعاني التي قالها السلف، وقد لا يجوز ذلك.
فالأول إما لكون الآية نزلت مرتين فأريد بها هذا تارة وهذا تارة، وأما لكون اللفظ المشترك يجوز أن يراد به معنياه، إذ قد جوز ذلك أكثر الفقهاء المالكية والشافعية والحنبلية وكثيرمن أهل الكلام، وإما لكون اللفظ متواطئًا فيكون عامًا إذا لم يكن لتخصيصه موجب، فهذا النوع إذا صح فيه القولان كان من الصنف الثاني.
ومن الأقوال الموجودة عنهم ويجعلها بعض الناس اختلافًا أن يعبروا عن المعاني بألفاظ متقاربة لا مترادفة، فإن الترادف في اللغة قليل، وأما في ألفاظ القرآن فإما نادر
وإما معدوم، وقلّ أن يعبر عن لفظ واحد بلفظ واحد يؤدي جميع معناه بل يكون فيه تقرِيب لمعناه، وهذا من أسباب إعجاز القرآن، فإذا قال القائل ﴿ويَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْراَ﴾: إن المور هو: الحركة كان تقريبًا، إذ المور حركة خفيفة سريعة. وكذلك إذا قال: الوحي: الإعلام، أو قيل: أوحينا إليك أنزلنا إليك، أو قيل: ﴿وقَضَيْنا إلى بَني إِسْرَائِيلَ﴾ أي أعلمنا وأمثال ذلك، فهذا كله تقريب لا تحقيق، فإن الوحي هو إعلامَ سريع خفي، والقضاء إليهم أخص من الإعلام، فإن فيه إنزالا إليهم وإيحاء إليهم.
[ ٣٦ / ١٧٣ ]
والعرب تضمن الفعل معنى وتعديه تعديته، ومن هنا غلط من جعل بعض الحروف تقوم مقام بعض كما يقولون في قوله ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعَاجه﴾ أي مع نعاجه و﴿مَنْ أنْصَارِي إلى الله﴾ أي مع الله ونحو ذلَك.
والتحقيق ما قاله نحاة البصرة من التضمين، فسؤال النعجة يتضمن جمعها وضمها إلى نعاجه، وكذلك قوله ﴿وَإنْ كَادوا لَيَفْتِنًونَكَ عَنِ الَّذي أوْحَينا إلَيْكَ﴾ ضمن معنى يزيغونك ويصدونك، وكذلك قوله ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ القَوْم الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنا﴾ ضمن معنى نجيناه وخلصناه، وكذلك قوله ﴿يَشْرَبُ بهَا عِبَادُ اللَه﴾ ضمن يروى بهأ. ونظائره كثيرة. ومن قال: لا ريب لاشك، فهذا تقريبَ. وإلا فالريب فيه اضطراب وحركة كما قال: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" وفي الحديث: أنه مر بظبي حاقف فقال «لا يريبه أحد» فكما أن اليقين ضمن السكون والطمأنينة فالريب ضده ضمن الاضطراب والحركة. ولفظ «الشك» وإن قيل إنه يستلزم هذا المعنى لكن لفظه لا يدل عليه. وكذلك إذا قيل ﴿ذلِكَ الكِتَابُ﴾ هذا القرآن فهذا تقريب، لأن المشار إليه وإن كان واحدًا فالإشارة بجهة الحضور غير الإِشارة بجهة البعد والغيبة، ولفظ «الكتاب» يتضمن من كونه مكتوبًا مضمونًا ما لا يتضمنه لفظ القرآن من كونه مقروءًا مظهرًا باديأ. فهذه الفروق موجودة في القرآن. فإذا قال أحدهم ﴿أنْ تُبْسَلَ﴾ أي تحبس، وقال الآخر: ترتهن ونحو ذلك. لم يكن من اختلاف التضاد وإن كان المحبوس قد يكون مرتهنًا وقد لا يكون، إذ هذا تقريب للمعنى كما تقدم.
والاختلاف قد يكون لخفاء الدليل، أو الذهول عنه، وقد يكون لعدم سماعه، وقد يكون الغلط في فهم النص، وقد يكون لاعتقاد معارض راجح. فالمقصود هنا التعريف
بمجمل الأمر دون تفاصيله. اهـ (١) .
_________________
(١) . مقدمة في أصول التفسير ص ١١- ٢٠.
[ ٣٦ / ١٧٤ ]
وأضيف إلى ما ذكره شيخ الإِسلام أن الخلاف قد يكون بسبب القراءات المتواترة ففي بعض الأحيان يكون لكل قراءة معنى، وكذلك بعضهم يورد بعض القراءات الشاذة للتفسير لا للتلاوة. هذا بالنسبة لشبهة الاختلاف والتناقض.
٥- وقد تمخض من هذه الشبهة أنه رتب على ذلك نتيجة التطور الذي طرأ في فكر ابن عباس وفكر تلاميذه هكذا نقل. وأقول إن هذا الاستنتاج باطل لأن دليله باطل، وأنه لم يطرأ أي تطور على فكر ابن عباس ولا على فكر تلاميذه، لأن فكرهم ومنهجهم منضبط بين دفتي القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، ويعتمد على النقل، وقد صح عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: "كان ابن عباس إذا سئل عن الأمر، فإن كان في القرآن أخبر به، وإن لم يكن في القرآن وكان عن رسول الله ﷺ أخبر به، فإن لم يكن في القرآن ولا عن رسول الله وكان عن أبي بكر وعمر أخبر به، فإن لم يكن من ذلك اجتهد رأيه"، وما ذكره من الاجتهاد فهو أهل لذلك حيث أخذ العلم عن عشرات الصحابة فقد صح عن ابن عباس قال: "إن كنت لأسأل عن الأمر الواحد ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ".
ولم يطلق رأيه في كل شيء فما لم يعرفه يسكت عنه ويأبى أن يقفُ ما ليس له به علم، فقد أخرج أبو عبيد القاسم بن سلام عن محمد بن جعفر عن شعبة عن عمرو بن مرة قال رجل لسعيد بن جبير: أما رأيت ابن عباس حين سئل عن هذه الآية ﴿والمُحصَنَاتُ مِنَ النَّسَاءِ إلاَ مَا مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ﴾ [النساء/٢٤] فلم يقل فيها شيئًا، فقال سعيد: "كان لا يعلمها".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة أن ابن عباس سئل عن آية لو سئل عنها بعضكم لقال فيها، فأبى أن يقول فيها".إسناده صحيح.
[ ٣٦ / ١٧٥ ]
وقال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة قال: "سأل رجل ابن عباس عن يوم كان مقداره ألف سنة، فقال له ابن عباس فما ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَة﴾ فقال الرجل: إنما سألتك لتحدثني، فقال ابن عباس: "هما يومان ذكرهما الله في كتاب الله، الله أعلم بهما"فكره أن يقول في كتاب الله ما لا يعلم".
وكان قد أفتى الناس في مسألة الصرف فقد أخرج البخاري بسنده عن أبي صالح الزيات أنه سمع أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: "الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم". فقلت له: فإن ابن عباس لا يقوله. فقال أبو سعيد: سألته فقلت سمعته من النبي ﷺ أو وجدته في كتاب الله؟ كل ذلك لا أقول، وأنتم أعلم برسول الله ﷺ مني، ولكن أخبرني أسامة أن النبي الله عليه وسلم الله عليه وسلم قال: "لا ربا إلا في النسيئة " (١) . ولكنه رجع عنها وقد أخرج الحاكم بسنده عن عبد الله بن مليك العجلي قال سمعت ابن عباس ﵄ قبل موته بثلاث يقول: "اللهم إني أتوب إليك مما كنت أفتي الناس في الصرف. وصححه ووافقه الذهبي وقال الحاكم: وهو من أجل مناقب عبد الله بن عباس أنه رجع عن فتوى لم ينقم عليه في شيء غيرها.
وورد في صحيح مسلم أن أبا الصهباء سأل ابن عباس عنه بمكة فكرهه.
_________________
(١) الصحيح- البيوع- باب بيع الدينار بالدينار نساء رقم ٢١٧٨-٢١٧٩.
[ ٣٦ / ١٧٦ ]
ومن هنا نستنتج أن ابن عباس لم يطرأ على فكره أي تطور بل هو من الصحابة الذين أخذوا منهج القراءة والتفسير عن رسول الله ﷺ، فقد أخرج أبو عمرو الداني في كتاب «البيان» بإسناده عن عثمان وابن مسعود وأبي: "أن رسول الله ﷺ كان يقرئهم العشر فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل، فيعلمنا القرآن والعمل جميعا".وذكر عبد الرزاق عن معمر عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: "كنا إذا تعلمنا عشر آيات من القرآن لم نتعلم العشر التي بعدها حتى نعرف حلالها وحرامها وأمرها ونهيها". وأخرجه ابن عساكر والذهبي عن ابن مسعود بنحوه.
وكفى بشهادة ابن مسعود فقد صح عنه أنه قال: "نعم ترجمان القرآن ابن عباس وبدعاء النبي ﷺ: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" (١) .
٦- أما ما ذكره أ. سزكين في قوله عن ابن عباس وتلاميذه: وكثيرًا ما أدخل هؤلاء مبدأ الرأي وطبقوه في مجال التفسير ودفع الحرص على تفسير القرآن أيضًا عبد الله بن عباس وبعض تلاميذه إلى علماء النصارى واليهود من أهل الكتاب. اهـ.
_________________
(١) أخرجه أحمد والفسوي والطبراني بأسانيد عن ابن عباس وصححه أحمد شاكر وقال الهيثمي ولأحمد طريقان رجالهما رجال الصحيح المسند رقم ٣٠٣٣ والمعرفة والتاريخ ١/ ٤٩٤ والمعجم الصغير ا/١٩٧، ومجمع الزوائد ٩/ ٢٧٦. وأخرجه البخاري ومسلم بمعناه صحيح البخاري رقم ٧٢٧٠ وصحيح مسلم رقم ٢٤٧٧.
[ ٣٦ / ١٧٧ ]
والجواب عن مبدأ الرأى في التفسير سيأتي مفصلا في الرد على النظَّام المعتزلي ومن نقل عنه من المستشرقين في الاستدراك رقم (١٣)، وأقول أيضًا: قبل أن نحكم أنهم فسروا بالرأي لابد من معرفة ثبوت الإسناد إليهم، لأنه ما روي من طريق الكلبي وعطية العوفي وأبي صالح باذام- أو باذان- أو من طريق الضحاك بن مزاحم فكل هذه الطرق ضعيفة لا تثبت، أما ما ورد من الطرق الصحيحة في التفسير بالرأي عنهم فهو من قبيل الرأي المحمود لا المذموم كآراء الزنادقة وأهل الشبهات، فآراء ابن عباس وتلاميذه لا تخلو من أربعة أمور: إما الاستنباط من القرآن والسنة وأقوال الصحابة كما سيأتي عن مجاهد بن جبير، وإما أخذوه من لغة العرب، أومن وجوه القراءات المتواترة، أو عن أهل الكتاب فيما سكت عنه أو ما وافق القرآن والسنة لأن الإسرائيليات على أنه كما قسمها شيخ الإسلام ابن تيمية إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح.
والثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه.
والثالث: ما هو مسكوت عنه، لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه، وتجوز حكايته لما تقدم، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني. والقسم الأول قد ورد في الصحيحين مرفوعًا، كحديث الذي قتل مائة نفس، وحديث الأبرص والأقرع والأعمى، وكلاهما متفق عليه بل عقد البخاري بابًا بعنوان: باب ما ذكر عن بني إسرائيل «١»، فمثل هذا يصدق إذا وصل إلينا بالنقل الصحيح.
٧- وهنا يأتي الرد على قوله في أخذ ابن عباس وتلاميذه عن أهل الكتاب فهم لا يأخذون ما خالف الكتاب والسنة، وما ورد من هذا القبيل لابد من التثبت أن أهل الأهواء قد أدخلوا على ابن عباس الكثير، وبنقد الأسانيد تفضح أهواءهم ودسائسهم بواسطة النقاد الجهابذة.
_________________
(١) انظر الصحيح- كتاب أحاديث الأنبياء. .
[ ٣٦ / ١٧٨ ]
وسيأتي مزيد من الرد على قوله في الأخذ عن أهل الكتاب في الكلام عن كتب التفسير في العصر الأموي في الكلام عن ابن عباس ﵁ وأخذه عن أبي الجلد جيلان بن فروة، فهو فرية يأتي فضحها في موطنها.
وقد ذكر أ. سزكين في مقدمة تفسير القرآن أيضًا بعض الكتب التي وصلت إلينا ومنها:
٨- التفسير لمجاهد المتوفى سنة ١٠٤ هـ.
وذكر نسخة من هذا التفسير في استعراضه لآثار مجاهد وهي نسخة القاهرة، تفسير ١٠٧٥ في ٨ كراسات ٩٥ ورقة. وهذا الكتاب طبع وهو منسوب للإِمام مجاهد بن جبر والصحيح أن هذا التفسير لآدم بن أبي إياس العسقلاني ت ٢٢٠ هـ، ومنشأ هذا الخطأ يعود إلى الناسخ ثم اتبعه أ. سزكين والمحقق عبد الرحمن الطاهر السورتي الذي حقق هذا التفسير، وقد طبع أولا في قطر ثم صور في لبنان في جزئين، ومن الأدلة على أن التفسير لآدم ما نقله الزبيدي ت ١٢٠٥هـ في تخريجه لأحاديث «إحياء علوم الدين» فقد استخدم تفسير آدم بن أدم بن أبي إياس هذا ونقل منه بالنص، حيث روى آدم بن أبي إياس في تفسير «سورة القارعة» حديثًا مرسلا فقال: ثنا المبارك بن فضالة عن الحسن قال: قال رسول الله الله عليه وسلم الله عليه وسلم: "إذا مات العبد تلقى روحه أرواح المؤمنين فيقولون له: ما فعل فلان؟ فإذا قال: مات قبلي. قالوا: ذهب به إلى أمه- الهاوية- وبئست الأم وبئست المربية". اهـ.
وهذا النص بهذا الإِسناد والمتن نقله الزبيدي بنصه وفصه. وفي هذه الرواية دليل آخر أنه ليس من تفسير مجاهد حيث ورد من طريق الحسن البصري بل في الروايات الأخرى عشرات الشيوخ والمفسرين من غير طريق مجاهد.
وقد تتبعت إسناد الكتاب فوجدته يبدأ بأبي القاسم عبد الرحمن بن الحسن بن أحمد بن محمد الهمداني قال: حدثنا إبراهيم بن الحسن بن علي الهمداني قال: حدثنا آدم بن أبي إياس ومن آدم هذا يتفرع الإِسناد إلى عشرات الشيوخ والمفسرين ومنهم مجاهد بن جبر.
[ ٣٦ / ١٧٩ ]
فعلى سبيل المثال أخذت الجزء الأول من طبعة لبنان المصورة عن الطبعة القطرية فتوصلت إلى أن آدم يروي عن شيوخه من الطرق التالية المرفقة بأرقام الصفحات كما يلي:
إسرائيل
عن جابر عن عكرمة عن ابن عباس ٣٨٨.
إسرائيل
عن أبي إسحاق الهمداني عن أبي الأحوص عن ابن مسعود ٢٢٥.
إسرائيل
عن أبي إسحاق الهمداني عن عبد الله بن أبي الهذيل عن ابن عباس ٢٢٥.
إسرائيل
عن أبي إسحاق الهمداني عن حسان بن فائد عن عمر بن الخطاب ١٦١.
إسرائيل
عن أبي إسحاق الهمداني عن أبي ميسرة ٢٠٨.
إسرائيل
عن أبي إسحاق الهمداني عن البراء بن عازب ٣٢٤، ٣٨٦.
إسرائيل
عن أبي إسحاق الهمداني عن مرة بن شراحيل ٣٣٦.
إسرائيل
عن أبي إسحاق الهمداني عن مسروق بن الأجدع ٤١٣.
أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية ٢٩٧، ٣٠١، ٠٩ ٤.
أبو جعفر الرازي عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسارعن ابن عباس ١٥٨.
أبو جعفر الرازي عن يونس بن عبيدعن الحسن ١٥٥.
أبو جعفر الرازي عن مغيرة عن إبراهيم ١٠١- ١٧٤.
حماد بن سلمة عن حميد الطويل عن الحسن ٤٠٣.
حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه ٣٦٠.
حماد بن سلمة عن شعيب بن الحبحاب عن أنس بن مالك ٣٣٧.
حماد بن سلمة عن شعيب بن الحبحاب عن أبي العالية الرياحي ٢٣٦.
حماد بن سلمة عن محمد بن عمروعن أبي سلمة عن أبي هريرة ٢٠٠،٣٣٥، ٤٠٤.
حماد بن سلمة عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبيرعن ابن عباس ١٩٢.
حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن خالد بن عرعرة عن علي بن أبي طالب ١٧٦.
حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن سعيدِ عن ابن عباس ٤٠٠.
حماد بن سلمة عن عكرمة عن ابن عباس ١٧٤.
حماد بن سلمة عن داود بن أبي هند عن أبي العالية ١٦١.
حماد بن سلمة عن يونس بن عبيد عن الحسن ١٥٥.
حماد بن سلمة عن أبي سنان عن وهب بن منبه ٢٤٣.
حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس ١٧٤.
حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عن أبن عباس ١٩٢- ١٩٣.
[ ٣٦ / ١٨٠ ]
حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ٣٨٩.
حماد بن سلمة عن أبيه عن جده عن الأسلع ١٨٧.
ابن خالد الزنجي (واسمه مسلم) عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ١٧٩، ٣٦٦.
الربيع بن بدر عن علي بن أبي طالب عن أبي أمامة س ١٣٣.
الربيع بن صبيح عن علي بن أبي طالب عن أبي أمامة ١٣٣.
أبو الربيع السمان عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ٣٣٧.
سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ٢٠٧، ولم يذكر المزي سهيلا في شيوخ آدم.
سلام بن مسكين عن الحسن ٣٦٥.
سليمان بن حبان عن هشام بن عروة عن أبيه ٣٦٠.
شريك عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب ٣٢٤.
شريك عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير ٢٦٨.
شريك عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ١٥١.
شريك عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ١٥١.
شيبان عن عاصم بن أبي النجود عن المعرور بن سويد عن أبي ذر الغفاري ٢٢٨.
شيبان عن جابر عن مجاهد ١٤٥.
شيبان عن جابر عن مجاهد وعكرمة عن ابن عباس ٢٥٠.
شيبان عن قتادة عن سالم ابن أبي الجعد عن عبد الله بن عمرو ٤١٥.
أبو شيبة عن عطاء ٣٦٣.
ضمرة عن سفيان ١٩٥.
عبد العزيز بن مسلم عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ٢١٥.
أبو عصام عن خليد عن قتادة ٣٦٩.
أبو عبيدة عبد الوارث عن عبد الوارث عن حميد الطويل عن الحسن ٤١٦.
أبو فضالة (الفرج بن فضالة) عن لقمان بن عامر عن أبي أمامة الباهلي ٣٨١- ٤٥٤.
قيس بن الربيع عن محمد بن الحكم عن علي بن أبي طالب ٤١٦.
المبارك بن فضالة عن الحسن البصري ١ ٤ ١، ١٥٥، ١٥٩، ١٦٣، ١٦٧، ١٧٤، ٢ ٢١، ١ ٥ ٢، ٢٨٧، ٩ ٥ ٣، ١ ٣٢، ٩ ٣٥*٢، ٣٧٢، ٣٨٩، ١ ٣٩.
المسعودي عن قتادة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ٣٣٠، ٤١٧ بدون قتادة.
المسعودي عن يونس بن خباب عن ابن مسعود ٤١٦.
المسعودي عن الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود ٣٥٠.
المسعودي عن سلمة بن كهيل عن أبي العبيدين ابن مسعود ٣٦١.
[ ٣٦ / ١٨١ ]
أبو معشر عن يحي بن شبل عن يحى بن عبد الرحمن المزني عن أبيه ٢٣٧.
أبو معشر عن محمد بن كعب القرظي ١٨٠،٢١٣، ٣٦٨.
أبو معشر عن محمد بن قيس عن أبي هريرة ٢٠٧.
هشيم عن عبد الرحمن بن إسحاق عن الشعبي عن علي ٣٩٨.
أبو هلال الراسبي عن شهر بن حوشب عن ابن عباس ٤١٥.
ورقاء عن ابن أبي نجيح عن علي الأزدي ٨٣.
ورقاء عن ابن أبي نجيح عن طاوس ١٠٦.
ورقاء عن ابن أبي نجيح عن عبيد بن عميرالليثي ٨٥، ٢٣١.
ورقاء عن ابن أبي نجيح عن سعيد بن جبير ٣٩٤.
ورقاء عن ابن أبي نجيح عن أصحاب ابن مسعود ٨٥.
ورقاء عن ابن أبي نجيح عن معقل بن أبي مسكين ١٢٣.
ورقاء عن ابن أبي نجيح عن أبيه عن عبيد بن عمير ٠ ٩.
ورقاء عن ابن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس ٩٧، ١٤٧ صرح أنه ابن أبي رباح.
ورقاء عن ابن أبي نجيح عن عطاء بن أبي رباح ١٠١.
ورقاء عن ابن أبي نجيح عن عمرو بن دينار ١١٢.
ورقاء بن عمر عن عبد الله بن المبارك عن ابن جريج ٣١٧.
ورقاء بن عمر عن منصور عن مجاهد ١٨٠.
ورقاء بن عمر عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبيرعن ابن عباس ١٤٥.
ورقاء بن عمر عن أبي عمارة ١٣٦.
ورقاء بن عمر عن سليمان الشيباني عن سعيد بن جبير ٢٧٢.
ورقاء بن عمر عن سليمان الشيباني عن ابن أبي أوفى ٢٧٢.
ورقاء بن عمر عن عطاء بن السائب ١٢٦.
ورقاء بن عمر عن عطاء بن السائب عن أبي البحتري ٢٧٦.
ورقاء بن عمر عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير ٩٩،١٢٦ *٢،١٨٦.
٣٣٤، ٣٩٤*٢.
ورقاء بن عمر عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبيرعن ابن عباس ١١٨، ١٥٦،٣٨٣.
ورقاء بن عمر عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى عن ابن عباس ٤٠٤.
ورقاء بن عمر عن مغيرة عن الشعبي ١١٥،١٥٦.
ورقاء بن عمر عن مغيرة عن إبراهيم ١ ١٠، ١١٠، ١٤٦، ١٥١، ١٥٥، ١٧٤، ٢٥٢.
ورقاء بن عمر عن مغيرة عن إبراهيم عن شريح ١١٨.
ورقاء بن عمر عن حصين بن عبد الرحمن عن عمران بن الحارث عن ابن عباس ٣٢٢.
ورقاء بن عمر عن حصين بن عبد الرحمن عن أبي مالك ١٠٥.
[ ٣٦ / ١٨٢ ]
ورقاء بن عمر عن حصين بن عبد الرحمن عن هلال بن يساف ١١١.
ورقاء بن عمر عن حصين بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير ٢٠٥.
ورقاء بن عمر عن حصين بن عبد الرحمن عن زيد بن وهب عن أبي ذرالغفاري ٢٧٧.
ورقاء بن عمر عن حصين بن عبد الرحمن عن عبد الله بن شداد بن الهاد ٣٠٠.
ورقاء بن عمر عن حصين بن عبد الرحمن عن عبيد بن مسلم بن الحضرمي ٣٥٢.
ورقاء بن عمر عن ابن أرطأة ١٢٨.
ورقاء بن عمر عن ابن جريج ٣٥٧.
وكذلك ينقل من طريق ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد روايات تشكل جزءً لا بأس به. فالحق أن التفسير لآدم وأفاد من تفسير مجاهد من طريق شيخه ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، وما نقله بهذا الإسناد فرع من هذا الكتاب القيم.
٩- هذا وقد أدى كثرة نقوله عن بعض المستشرقين الحاقدين إلى الطعن بتفسير وعقيدة بعض كبار المفسرين التابعين الذين تقبلت الأمة تفسيرهم، مثل الإمام مجاهد الذي قال فيه الثوري إذا جاءك التفسيرعن مجاهد فحسبك به.
ونقل أ. سزكين عن المستشرق الحاقد اليهودي (جولد تسيهر) في كتاب المسموم الموسوم «اتجاهات التفسير القرآني» فقال: أما مجاهد (المتوفى ١٠٤ هـ/ ٧٢٢ م) وهو أحد تلاميذ ابن عباس المقربين إليه فقد انطلق في التفسير الحر إلى مدى بعيد، بحيث إننا نجد عنده بدايات التأويل المجازى بعبارات المشبهة، وهو موضوع عني به المعتزلة فيما بعد عناية شاملة. اهـ.
أقول له ولمن نسج على منواله وتبنى أقواله: إن مجاهدًا من أثبت تلاميذ ابن عباس في التفسير وأقربهم إليه وأنه أخذ عن بضعة عشر من أصحاب رسول الله ﷺ فقد صح عن مجاهد أنه قال: "عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها".
[ ٣٦ / ١٨٣ ]
فهو لا يعرف التأويل المجازي بل يعرف القراءة والعرض والسؤال عن التفسير فيأخذه عن حبر الأمة في التفسير وكان يكتب التفسير عن ابن عباس ﵁ وصح عن ابن أبي مليكة أنه قال: "رأيت مجاهدًا سأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، فيقول له ابن عباس: اكتب، حتى سأله عن التفسير كلهط. فهذا منهج الإمام المفسر مجاهد وهو أيضًا لا يعرف ولا يعترف بعبارات المشبهة بل يعرف التفسير عن طريق الاستنباط من القرآن الكريم ثم التفسير النبوي ثم التفسير عن الصحابة، ومن تفسيره عن طريق الاستنباط من القرآن الكريم قوله في قوله تعالى: ﴿وقَالُوا أَءِذا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾ قال: أي ترابا ففسر قوله تعالى: ﴿وَرُفَاتًا﴾ هو بقوله ترابا استنباطًا من قوله تعالى: ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا ﴾ الصافات آية ١٦، وكذا تفسيره للشجرة
الملعونة في القرآن بأنها: الزقوم وكذا استنباطه من السنة كما في تفسير (الرعد) أنه ملك. فقد ثبت عنهما هذا التفسير.
وأما تفسيره عن النبي ﷺ فلو تتبعنا مروياته في تحفة الأشراف فقط لرأينا عشرات الروايات يرويها مرفوعة بواسطة الصحابة، وأغلبها على شرط البخاري ومسلم. كما استنبط من أقوال الصحابة كما في تفسير ابن مسعود"لهو الحديث"الغناء، فقد ثبت عنهما هذا التفسير.
وأما ما نقله عن الصحابة ﵃ فقد روى عن بضعة عشر صحابيًا كما ورد عن الإمام المفسر السمرقندي ت ٣٧٥ هـ فقد روى بسنده عن ابن مجاهد قال: قال رجل لأبي: "أنت الذي تفسر برأيك؟ فبكي أبي ثم قال: إني إذًا لجريء لقد حملت التفسير عن بضعة عشر رجلا من أصحاب النبي ﷺ".
[ ٣٦ / ١٨٤ ]
وهذه الرواية تدل على أن الشبهة يتناقلها أهل الشبهات قديمًا من زمن مجاهد إلى زماننا هذا، وهذه الرواية فيها أيضًا رد على هذه الشبهة الساقطة. وهذا لا يعني أن الإمام مجاهد لم يسرد آراءه وأقواله، ولكنها في نطاق اللغة العربية وغريب القرآن وهي إما فهما رآه من اللغة العربية وله شواهد من اللغة، وإما أنه استنبطه من القرآن الكريم كما تقدم أو أنه أخذه عن الصحابة ولكنه لم يصرح بأسمائهم في تفسيره، هذا وحتى لو وجدنا تفسيره بالرأي فهو في نطاق المحمود.
١٠- نسخة علي بن أبي طلحة ت ١٤٣هـ على الراجح، المروية عن ابن عباس ﵄:
قال أ. سزكين: ولم يصل إلينا من التفاسير القرآنية التي أخذت بصورة مباشرة عن أقدم التفاسير والتي ترجع إلى النصف الأول من القرن الثاني الهجري إلا بقية ضئيلة وهي: «التفسير» لكل من:
١- محمد بن السائب الكلبي ٢- معمر عبد الرزاق.
٣- سفيان الثوري ٤- مقاتل بن سليمان.
ولم تفد التفاسير الثلاثة الأولى من مصادر كثيرة (١) اهـ.
_________________
(١) تاريخ التراث العربي ١/٥٨.
[ ٣٦ / ١٨٥ ]
وقد فاته ذكر هذه النسخة هنا لأنها تدخل في الفترة التي نص عليها وهي النصف الأول من القرن الثاني الهجري، وفاته أيضًا أن هذه النسخة وصلت إلينا بواسطة الإمام السيوطي حيث جمعها من تفسيري الطبري وابن أبي حاتم الرازي، وأودعها في كتاب «الإتقان في علوم القرآن» - النوع السادس والثلاثون في معرفة غريب - قال السيوطي: وأولى ما يرجع إليه في ذلك ما ثبت عن ابن عباس وأصحابه الآخذين عنه، فإنه ورد عنهم ما يستوعب تفسير غريب القرآن بالأسانيد الصحيحة، وهاأنا أسوق هنا ما ورد من ذلك عن ابن عباس من طريق ابن أبِي طلحة خاصة، فإنها من أصح الطرق عنه، وعليها اعتمد البخاري في صحيحه مرتباَ على السور. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي ح وقال ابن جرير: حدثنا المثنى قالا: حدثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ثم ساق النسخة من أول القرآن إلى آخره.
١١- وعندما ذكر أ. سزكين صحيفة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس عند الكلام عن ابن عباس قال: وقد سبقت الإشارة أنّا على يقين من إمكان جمع مادة تفسير ابن عباس برواية علي بن أبي طلحة اعتمادًا على حوالي ألف نص عند الطبري (١) .
وهذا التقدير خطأ، وفيه مغالطة ولو أحصى هذه النصوص حقًا لما أخطأ في أربعمائة رواية، وقد جمع الزميل الشيخ أحمد عايش روايات علي بن أبي طلحة عن ابن عباس من تفسير الطبري وغيره فبلغت الروايات في تفسير الطبري فقط حوالي أربعمائة وألف رواية (٢) .وقد رأيت هذا الإحصاء عندما أسندت إليَّ جامعة أم القرى مناقشة هذه الرسالة.
وهذا الاستدراك يشكك في إحصائيات أ. سزكين والأرقام التي ذكرها في عدد روايات قتادة ومجاهد وعطية العوفي في تفسير الطبري.
_________________
(١) تاريخ التراث العربي ١/ ٦٤.
(٢) انظرصحيفة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ص ١٣٠. .
[ ٣٦ / ١٨٦ ]
١٢- والفترة التي ذكرها سزكين يدخل فيها عدة تفاسير أخذت بصورة مباشرة عن أقدم التفاسير لم يذكرها في الفترة المذكورة آنفا منها:
تفسير عطاء الخراساني ت ٣٥ ١هـ.
تفسير نافع بن أبي نعيم القاريء المدني ت ٦٩ ١هـ.
تفسير مسلم بن خالد الزنجي ت ١٧٩ هـ أو١٨٠هـ.
تفسير يحيى بن يمان العجلي ت ١٨٨هـ أو١٨٩هـ.
وهذه التفاسير ذكرها سزكين في أماكنها حسب الترتيب الزمني، وكان ينبغي أن يشير إليها في هذه المقدمة حيث ذكر كما تقدم تفسير محمد بن السائب الكلبي ت ١٤٦هـ، وتفسير عبد الرزاق بن همام ت ٢١١ هـ الذي يروي أغلبه عن معمرت ١٥٤ هـ، وتفسير سفيان الثوري ت ١٦١هـ، وتفسير مقاتل بن سليمان ت ١٥٠ هـ. فالتفاسير التي ذكرتها، والتي كان ينبغي أن يذكرها هي ضمن هذه الفترة وكذلك أنها نقلت من أقدم التفاسير كما سأبين في مواطنها حسب ترتيب أ. سزكين - إن شاء الله-.
١٣- وقد اعتمد أ. سزكين على بعض المعتزلة إضافة إلى المستشرقين فنقل طعنهم ببعض المفسرِين التابعين، ثم أتبعه بافتراء آخر عليهم وعلى ابن عباس بأن تفاسيرهم تضمٍ تصويراَ لعالم الغيب فقال: وقد رمى أبو إسحاق النظَّام - وله مكانته بين المعتزلة - عددا من المفسرين منهم: عكرمة والضحاك - كلاهما تلميذ ابن عباس - بأنهم فسروا القرآن بشكل تعسفي خالص لا يقوم على أساس من المأثور. وأهم تلاميذ ابن عباس في التفسير:
١-سعيد بن جبير (المتوفى ٩٥ هـ/٧١٣ م) .
٢- مجاهد (المتوفى ٤ ٠ ١ هـ/ ٧٢٢ م) .
٣-عكرمة (المتوفى ١٠٥ هـ/٢٣ ٧م) .
٤- الضحاك بن مزاحم (المتوفى ٠٥ ١هـ/٧٢٣ م) .
٥- عطاء بن أبي رباح (المتوفى ١٤ ١هـ/٧٣٢ م) .
وتضم تفاسير هؤلاء العلماء وتفسير شيخهم ابن عباس شروحًا تاريخية وفقهية وتصويرًا لعالم الغيب، إلى جانب توضيحات كثيرة ذات طابع لغوي، تدخل في دراسة مفردات اللغة. اهـ.
[ ٣٦ / ١٨٧ ]
لقد أخفق أيضًا في نقله عن النظَّام المعتزلي لأن رأي هذا المعتزلي معزول عن آراء النقاد من أهل السنة والجماعة من الذين مارسوا علم الجرح والتعديل، لقد اتفق النقاد جميعًا على توثيق هذه النخبة المرموقة من التابعين المفسرين ولم يذكروا فيهم ما قاله النظَّام، بل إن تفسيرهم يقوم على أساس التفسير بالمأثور وخصوصًا عن شيخهم ابن عباس اللهم إلا رواية الضحاك فمنقطعة وتفسيره بواسطة سعيد بن جبير فهو من التفسير بالمأثور أيضًا بل هم من أركان التفسير بالمأثور.
وعلى سبيل المثال لو تتبعنا مروياتهم في كتب التفسير والحديث المسندة لرأينا الحال لا يخلو من ثلاثة أمور:
أولا: أن رواياتهم مرفوعة إلى النبي ﷺ بواسطة الصحابة وخصوصًا بواسطة شيخهم ابن عباس ﵄.
ثانيًا: أن رواياتهم عن الصحابة ﵃ وخصوصًا عن شيخهم ابن عباس ﵄ قد انتثرت وانتشرت في أهم التفاسير المعتمدة كتفسير الطبري وابن أبي حاتم وعبد الرزاق وغيرهم وازدانت بها، فهي مشحونة بالنقل عن هؤلاء التابعين عن الصحابة وأشرت سابقًا أن تفسير ابن عباس قد جمع في الرياض ومكة المكرمة وطرق هؤلاء التابعين هي من مظان هذا الجمع.
ثالثًا: روايات من فهمهم وقد أشرت إليها قبل بضعة استدراكات. وإنها في نطاق الاستنباط من القرآن الكريم والسنة ومن لغة العرب ومن أوجه القراءات المتواترة وما نقله بعضهم عن أهل الكتاب بحدود النوع الأول والثالث كما نقلت عن شيخ الإسلام ابن تيمية في الاستدراك رقم (٤) .
[ ٣٦ / ١٨٨ ]
فأين التفسير المذكور الذي نسب إلى هؤلاء التابعين المفسرين بأنهم فسروا القرآن بشكل تعسفي خالص لا يقوم على أساس من المأثور. إنهم أركان التفسير بالمأثور وما ورد عنهم من مراسيل فإن صحت من طرق عن التابعين فإنها تقوي بعضها بعضًا، ولوتتبعنا كتب التفسير بالمأثور لرأينا ألوف الروايات التفسيرية المنقولة عن هؤلاء التابعين، وأختم هذه المسألة بأن ما نقل عن أبي إسحاق النظّام وقع فيه المعتزلة جميعًا فتفسيرهم لا يقوم على أساس من المأثور وكتبهم تشهد بذلك ويناسب أن نقول للنظّام ومن تبعه من المستشرقين في نيله من كبار التابعين المفسرين: (رمتني بدائها وانسلت) .
أرأيت الذي ينكر جهود أساطين التفسير؟ فهذا سعيد بن جبير يرحل من الكوفة إلى مكة المكرمة ليسأل ابن عباس ﵄ عن تفسير آية، فلو كان من أهل الرأي لفسر برأيه وأراح نفسه ولم يتجشم مشقة السفر آنذاك.
١٤- هذا وقد أخطأ أ. سزكين في استدلاله بسؤالات نافع بن الأزرق لابن عباس أن التفسير اللغوي الخالص للقرآن الكريم بدأ بإجابات ابن عباس على أسئلة نافع بن الأزرق فقال: ويبدو أن محاولات التفسير اللغوي الخالص للقرآن الكريم بدأت بإجابات ابن عباس على أسئلة نافع بن الأزرق أحد زعماء الخوارج.
وأقول أن هذا الاستدلال لا يقوي ما ذهب إليه أ. سزكين لأن هذه الأسئلة لم تثبت، فقد وصلت إلينا بواسطة الطبراني في «المعجم الكبير»، وابن الأنباري في كتابه «الإيضاح في الوقف والابتداء»، والسيوطي في كتابه «الإتقان في علوم القرآن»،
وكل هذه الطرق ضعيفة جدًا، فما أورده الطبراني من طريق جويبر وهو متروك كما في التقريب لابن حجر، وما أورده ابن الأنباري من طريق محمد بن زياد اليشكري وهو كذاب يضع الحديث، وما أورده السيوطي من طريق عيسى بن دأب: وهو منكر الحديث ويضع الحديث، فكلها طرق تالفة لا تصلح للاستشهاد والاستدلال.
[ ٣٦ / ١٨٩ ]
ومن عجب أن أ. سزكين يوافق المستشرقين في أخطائهم فيما ينقله عنهم ويخالفهم في بعض صوابهم وهو قليل ومثاله هذه التساؤلات التي لم تثبت حيث ذهب إلى ذلك (جولد تسيهر) اليهودي فقال معقبًا عليه: وهناك أسباب أخرى تجعلنا لا نتفق مِع (جولد تسيهر) في اعتباره هذا الخبر مجرد أسطورة فابن عباس شرح المائتين كلمة – تقريبا - التي قدمها له نافع بن الأزرق أحد زعماء الخوارج بشواهد من الشعر الجاهلي.
١٥- وفي الصفحة نفسها وافق المستشرقين (جولد تسيهر) اليهودي و(لوت) في بعض الافتراءات على ابن عباس ﵄، فقال بعد الفقرة السابقة:
"إن المقتبسات الباقية التي ترجع إلى عبد الله بن العباس تذكر أحيانًا أسماء عدد من الرواة. وفي هذه المقتبسات يتضح أن ابن عباس ذكر روايات عن النبي ﷺ وعن كبار الصحابة، وأنه اعتمد- من ناحية أخرى- في شرح دلالات الكلمات على أحد المخضرمين وهو أبو الجلد جيلان بن فروة. وكان أبو الجلد مخضرمًا يزهو بأنه قرأ كتبًا قديمة. وقد ورد (في هذه النصوصِ) أيضًا اسمان ليهوديين أسلما، هما كعب الأحبار وعبد الله بن سلام، وكان كعب حبراَ يمنيأ. وقد وصفها لوت بأنها «مدرسة ذات لون يهودي» تنتسب إلى ابن عباس. اهـ.
وفي هذا النقل وجهان من الافتراءات:
الوجه الأول: أن ابن عباس روى عن أبي الجلد ثم استدل بخمس روايات من تفسير الطبري وذكر مواطنها وأسوقها بالترتيب كما وردت قال الطبري:
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا بشر بن إسماعيل، عن أبي كثير، قال: كنت عند أبي الجلد، إذ جاءه رسول ابن عباس بكتاب إليه، فكتب إليه: "كتبت تسألني عن الرعد، فالرعد الريح".
حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا بشر بن إسماعيل، عن أبي كثير، قال: كنت عند أبي الجلد، إذ جاءه رسول ابن عباس بكتاب إليه، فكتب إليه: "كتبت إلىّ تسألني عن البرق، فالبرق الماء".
[ ٣٦ / ١٩٠ ]
حدثنا إبراهيم بن عبد الله، قال: حدثنا عمران بن ميسرة، قال: حدثنا ابن إدريس، عن الحسن بن الفرات، عن أبيه، قال: كتب ابن عباس إلى أبي الجلد يسأله عن البرق، فقال: "البرق ماء".
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن عطاء، عن رجل، من أهل البصرة من قرائهم، قال: كتب ابن عباس إلى أبي الجلد- رجل من أهل هجر- يسأله عن البرق، فكتب إليه: "كتبت إلىّ تسألني عن البرق، وإنه من الماء " (١) .
وحدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا القاسم، قال: حدثني رجل من بني تميم، أن ابن عباس كتب إلى أبي الجلد يسأله عن الشجرة التي أكل منها آدم، والشجرة التي تاب عندها: فكتب إليه أبو الجلد: "سألتني عن الشجرة التي نهي عنها آدم، وهي السنبلة، وسألتني عن الشجرة التي تاب عندها آدم وهي الزيتونة" (٤) .
وهذه الروايات كلها ضعيفة ففي الرواية الأولى والثانية بشر بن إسماعيل، نقل ابن أبي حاتم عن أبيه أنه مجهول وكذا نقل الذهبي في «ديوان الضعفاء والمتروكين» والحافظ ابن حجر في «لسان الميزان» في ترجمته.
وأما الرواية الثالثة ففي الإسناد فرات بن أبي عبد الرحمن القزاز ثقة لكن روايته عن ابن عباس منقطعة. فالإسناد ضعيف.
وأما الرواية الرابعة والخامسة ففي كل واحدة منها شيخ مبهم لم يصرح باسمه، وكذلك في الرواية الأولى والثانية أبو كثير ما عرفت من هو، وقد قال فيه الشيخ أحمد شاكر: وهو إسناد مشكل ما وجدت ترجمة بشر بن إسماعيل وما عرفت من هو، ثم لم أعرف من هو أبو كثير الراوي عن أبي الجلد. اهـ.
_________________
(١) ، ٤ تفسير الطبري١/ ٣٤٣، ٣٤٤، ٥١٧، رقم ٤٤٤، ٤٤٥، ٧٢٣، وانظر المصدر السابق.
[ ٣٦ / ١٩١ ]
هذا بالنسبة للإِسناد أما بالنسبة للمتن فقد ورد عن ابن عباس ﵄ أن تفسير «الرعد»: الريح. وما ثبت عنه مرفوعًا أنه ملك من ملائكة الله موكل بالسحاب كما أخرج الإِمام أحمد والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم من طريق بكير بن شهاب عن سعيد بن جبيرعن ابن عباس قال: أقبلت يهود إلى رسول الله الله عليه وسلم الله عليه وسلم فقالوا: "يا أبا القاسم أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: "ملك من ملائكة الله موكل بالسحاب بيده أو في يده مخاريق من نار يزجر به السحاب ويسوقه حيث أمره الله" قالوا: فما هذا الصوت الذي يسمع؟ قال: "صوته"قالوا: صدقت.
واللفظ لابن أبي حاتم وقد ساقه مقتصرًا على موضع تفسير الرعد والحديث طويل، وقال الترمذي: حسن غريب وفي نسخة تحفة الأحوذي: حسن صحيح غريب، وذكره الهيثمي ونسبه إلى أحمد والطبراني وقال: ورجالهما ثقات، وصححه أحمد شاكر في تعليقه على مسند أحمد، والألباني في صحيح سنن الترمذي.
فكيف يتفق هذا الثابت مع ذلك الذي لم يثبت؟ وهل عند ابن عباس مذهب قديم وجديد كالشافعي؟ لا. وإنما المسألة فيها الثابت وغير الثابت، فقد استشهد أ. سزكين بغير الثابت وهذا لا يصلح للاستدلال، هذا وقد وردت عدة روايات عن ابن عباس ﵁ ظاهرها التناقض ولكن بعد النقد نجد التوجيه بالترجيح، وبالتمثيل يزداد التوضيح، فقد ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَأْلمَسَاكِينُ﴾ [سورة النساء آية ٨] . عن ابن عباس قولان: الأول ما أخرجه البخاري بسنده الصحيح عن ابن عباس قال: "هي محكمة وليس بمنسوخة".
الثاني: ما أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» وابن الجوزي في «نواسخ القرآن» بسنديهما عن عطاء الخراساني عن ابن عباس أنها منسوخة. وأخرجه النحاس في «الناسخ والمنسوخ» من طريق حميد الأعرج عن مجاهد عن ابن عباس.
[ ٣٦ / ١٩٢ ]
فهل نقول أن القولين متناقضان؟ كلا لأن الرأي الأول ورد بسند صحيح، أما الرأي الثاني فهو ضعيف فيه عطاء الخراساني: صدوق يهم كثيرًا ويرسل ويدلس ولم يلق ابن عباس، وكذلك سند النحاس فيه حميد الأعرج وهو ضعيف وأخرجه ابن مردويه أيضًا بسند ضعيف.
الوجه الثاني: نقله عن (جولدتسيهر) اليهودي في قوله: وقد ورد (في هذه النصوص) أيضًا اسمان ليهوديين أسلما هما كعب الأحبار وعبد الله بن سلام.
لم يبين لنا هذه النصوص ولعله أراد هذه النصوص التي أشار إليها وذكرتها آنفا عن الطبري، فإن لم يقصد هذه النصوص فياليته بين لنا هذه النصوص حتى أفندها وأبين زيفها أو أوجد المراد منها.
١٦- ثم نقل عن المستشرق لوت بأنهما- أي كعب الأحبار وعبد الله بن سلام- (مدرسة ذات لون يهودي) تنتسب إلى ابن عباس.
أقول لهما ومن اتبعهما: لقد أسستم كلامكم على شفا جرف هار، أين المدرسة ذات اللون اليهودي؟ وأين نصوصها ورواياتها؟ وإذا كان ابن عباس ﵃ قد روى عن كعب وعبد الله بن سلام كما تزعمون فهل يقال أنها مدرسة تنسب إلى ابن عباس وهو الذي يأخذ منهم! وعلى احتمال أنهم وقفوا على بعض النصوص عن هذين الراويين فإنه لا يقال أنها مدرسة يهودية فهؤلاء دخلوا الإِسلام وإذا ورد عنهم أخبار أهل الكتاب فقد فصلت الكلام سابقًا عن ذلك في الرد عن مثل هذه الشبهة.
وما نقله أ. سزكين عن أولئك المستشرقين من اليهود والنصارى، يشوه التفسير بالمأثور المنقول عن أولئك الرجال الذين طُعن فيهم، وفي تشويه التفسير بالمأثور ورجاله تشويه لعلم التفسير، وهو أساس التفسير، ولا تفسير بدونه وبواسطته يقع ويكتمل علم التفسير وذلك بمعرفة أحكام القرآن، وبيان المشكل، والوقف والابتداء، وأسباب النزول، والمكي والمدني، والخاص والعام، والمجمل والمبين، والمطلق والمقيد، والقراءات، والغريب، وفضائل الآيات والسور وكل هذه المعارف تنبثق من علم التفسير بالمأثور ولا يقوم علم التفسير إلا بها.
[ ٣٦ / ١٩٣ ]
القسم الثاني
القراءات
لقد جعل أ. سزكين هدفه الأول من تأليفه «تاريخ التراث العربي» هو كتاب تاريخ العلوم العربية الإسلامية، وبالنسبة للقراءات فإن تاريخها يبدأ من لدن نزول القرآن بمكة المكرمة ثم بالمدينة النبوية المنورة، ومن المعروف أن النبي ﷺ كان يقرأ على الصحابة ﵃ ما نزل عليه من القرآن الكريم بل كان يسمع من بعضهم، فهم الطبقة الأولى الأساسية من القراء الذين هم جذور علم القراءات، ولم يذكر أ. سزكين إلا ثلاثة منهم كأُبي وعثمان وابن مسعود ﵃، فكان لزامًا عليه أن يذكر لنا هذه الطبقة التي هي خير القرون وعلى رأسها نبينا محمد ﷺ حيث نبغ جماعة من الصحابة في هذا العلم، ذكرهم القاسم بن سلام في كتاب «القراءات» فقال: فمما نبدأ بذكره في كتابنا هذا سيد المرسلين وإمام المتقين محمد رسول الله ﷺ،
الذي أنزل عليه القرآن، ثم المهاجرون والأنصار وغيرهم من أصحاب رسول الله ﷺ، من حفظ عنه منهم في القراءة شيء وإن كان ذلك حرفًا واحدًا فما فوقه.
فمن المهاجرين أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعمرو بن العاص، وأبوهريرة، ومعاوية بن أبي سفيان، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن السائب قارئ مكة.
ومن الأنصار ﵃: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وزيد بن ثابت، وأبو مجمع بن جارية، وأنس بن مالك.
ومن أزواج النبي ﷺ عائشة وحفصة وأم سلمة﵅-.
[ ٣٦ / ١٩٤ ]
وقال: "وقد علمنا أن بعض من ذكرنا أكثر في القراءة وأعلى من بعض، غير أنا سميناهم على منازلهم في الفضل والإسلام. وإنما خصصنا بالتسمية كل من وصف بالقراءة وحكي عنه منها شيء وإن كان يسيرا، وأمسكنا عن ذكر من لم يبلغنا عنه منها شيء وإن كانوا أئمة هداة في الدين.
فأما سالم الذي ذكرناه فإنه كان مولى لامرأة من الأنصار، وإنما نسبناه لأبي حذيفة لأنه به يعرف. وأما حذيفة بن اليمان فإنه عداده في الأنصار، وإنما ذكرناه في المهاجرين لأنه خرج مع أبيه مهاجرًا إلى رسول الله ﷺ ولم يكن من ساكني المدينة فهو مهاجري الدار أنصاري العداد، ونسبه في عبس بن قيس عيلان.
وأرشدنا النبي ﷺ إلى الأخذ عنِ بعضهم، أخرج الشيخان بسندهما عن عبد الله بن مسعود ﵁ مرفوعاَ: "خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود وسالم ومعاذ وأبى بن كعب". واللفظ للبخاري.
وقد اشتهر منهم عشرة: عثمان وعلي وأبي وزيد بن ثابت وابن مسعود وأبو الدرداء وأبو موسى الأشعري وأبو هريرة وابن عباس وعبد الله بن السائب.
٢- ثم يلي هذه الطبقة طبقة التابعين القراء الأحبار الذين أخذوا عن أولئك القراء الكبار، فانتشروا في الأقاليم والأمصار، ثم يليهم أتباع التابعين الذين انتشروا بانتشار الفتح الإسلامي، قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه «القراءات» .
ثم التابعون فمنهم من أهل المدينة: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وسالم بن عبيد الله، وعمر بن عبد العزيز قد كان بالمدينة والشام، وسليمان بن يسار، وعبد الرحمن بن هرمز الذي يعرف بالأعرج، وابن شهاب، وعطاء بن يسار، ومعاذ بن الحارث الذي يعرف بمعاذ القارئ، وزيد بن أسلم.
ومن أهل مكة: عبيد الله بن عمير الليثي، وعطاء بن أبي رباح، وطاوس، وعكرمة مولى ابن عباس، وعبد الله بن أبي مليكة.
[ ٣٦ / ١٩٥ ]
ومن أهل الكوفة: علقمة بن قيس، والأسود بن يزيد، ومسروق بن الأجدع، وعَبيدة السلماني، وعمرو بن شرحبيل، والحارث بن قيس، والربيع بن خثيم، وعمرو بن ميمون، وأبوعبد الرحمن السلمي، وزِرّ بن حبيش، وأبو زرعة عمرو بن جرير، وسعيد بن جبير، وإبراهيم بن يزيد النخعي، وعامر الشعبي وهو عامر بن شرا حيل.
ومن أهل البصرة: عامر بن عبد الله وهو الذي يعرف بابن عبد قيس، كان يقرئ الناس، وأبو العالية الرياحي، وأبو رجاء العطاردي، ونصر بن عاصم الليثي، ويحيى بن يعمر ثم انتقل إلى خراسان، وجابر بن زيد، والحسن بن أبي الحسن، ومحمد بن سيرين، وقتادة بن دِعامة.
ومن أهل الشام: المغيرة بن شهاب المخزومي صاحب عثمان بن عفان في القراء.
قال: كذلك حدثني هشام بن عمار الدمشقي، قال: حدثني عراك بن خالد المري قال: سمعت يحيى بن الحارث الذماري يقول: "ختمت القرآن على عبد الله بن عامر اليحصبي، وقرأ عبد الله بن عامر على المغيرة بن شهاب المخزومي، وقرأ المغيرة على عثمان ليس بينه وبينه أحد. فهؤلاء الذين سميناهم من الصحابة والتابعين هم الذين يحكى عنهم عظم القراءة، وإن كان الغالب عليهم الفقه والحديث".
٣- ثم قام من بعدهم بالقرآن قوم ليست لهم أسنان من ذكرنا ولا قدمتهم، غير أنهم تجردوا للقراءة واشتدت بها عنايتهم ولها طلبهم، حتى صاروا بذلك أئمة يأخذها الناس عنهم ويقتدون بهم فيها، وهم خمسة عشر رجلَاَ من هذه الأمصار المسماة، في كل مصر منهم ثلاثة رجال:
[ ٣٦ / ١٩٦ ]
فكان من قراء المدينة: أبو جعفر القارئ واسمه يزيد بن القعقاع مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي، وشيبة بن نصاح مولى أم سلمة زوج النبي ﷺ، ونافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم، وكان أقدم هؤلاء الثلاثة أبو جعفر، قد كان يقرئ الناس بالمدينة قبل «وقعة الحرة»، حدثنا ذلك إسماعيل بن جعفر عنه. ثم كان بعده شيبة على مثل منهاجه ومذهبه، ثم ثلّثهما نافع بن أبي نعيم وإليه صارت قراءة أهل المدينة، وبها تمسكوا إلى اليوم، فهؤلاء قراء أهل الحجاز في دهرهم.
وكان من قراء مكة: عبد الله بن كثير، وحميد بن قيس الذي يقال له الأعرج، ومحمد بن محيصن، فكان أقدم هؤلاء الثلاثة ابن كثير، وإليه صارت قراءة أهل مكة، وأكثرهم به اقتدوا فيها، وكان حميد بن قيس قرأ على مجاهد قراءته فكان يتبعها لا يكاد يعدوها إلى غيرها، وكان ابن محيصن أعلمهم بالعربية وأقومهم عليها. فهؤلاء قراء أهل مكة في زمانهم.
وكان من قراء الكوفة: يحيى بن وثاب، وعاصم بن أبي النجود، والأعمش، وكان أقدم الثلاثة وأعلاهم يحيى، يقال: إنه قرأ على عبيد الله بن نضيلة صاحب عبد الله، ثم تبعه عاصم وكان أخذ القراءة عن أبي عبد الرحمن السلمي وزرّ بن حبيش، ثم كان الأعمش فكان إمام الكوفة المقدم في زمانه عليهم حتى بلغ إلى أن قرأ عليه طلحة بن مصرف وكان أقدم من الأعمش، فهؤلاء الثلاثة هم رؤساء الكوفة في القراءة، ثم تلاهم حمزة بن حبيب الزيات رابعًا، وهو الذي صار عظم أهل الكوفة إلى قراءته من غير أن يطبق عليه جماعتهم، وكان ممن اتبع حمزة في قراءته سليم بن عيسى وممن وافقه، وكان ممن فارقه أبو بكر بن عياش فإنه اتبع عاصما وممن وافقه. وأما الكسائي فإنه كان يتخير القراءات فأخذ من قراءة حمزة ببعض وترك بعضا. فهؤلاء قراء أهل الكوفة.
[ ٣٦ / ١٩٧ ]
وكان من قراء أهل البصرة: عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي، وأبو عمرو بن العلاء، وعيسى بن عمر الثقفي، وكان أقدم الثلاثة ابن أبي إسحاق، وكانت قراءته مأخوذة عن يحيى بن يعمر ونصر بن عاصم، وكان عيسى بن عمر عالمًا بالنحو غير أنه كان له اختيار في القراءة على مذاهب العربية يفارق قراءة العامة ويستنكرها الناس، وكان الغالب عليه حب النص ما وجد إليه سبيلا، منه قوله: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ و﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾، وكذلك قوله: ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ .
والذي صار إليه أهل البصرة فاتخذوه إمامًا أبوعمرو بن العلاء، فهؤلاء قراء أهل البصرة، وقد كان لهم رابع وهو عاصم الجحدري، لم يرو عنه في الكثرة ما روي عن هؤلاء الثلاثة.
وكان من قراء أهل الشام: عبد الله بن عامر اليحصبي، ويحيى بن الحارث الذماري، وثالث قد سمي لي بالشام ونسيت اسمه. فكان أقدم هؤلاء الثلاثة عبد الله بن عامر، وهو إمام أهل دمشق في دهره، وإليه صارت قراءتهم، ثم اتبعه يحيى بن الحارث الذماري وخلفه في القراءة وقام مقامه. قال: وقد ذكروا لي الثالث بصفة لا أحفظها، فهؤلاء قراء الأمصار الذين كانوا بعد التابعين.
ولم يذكر أ. سزكين سوى خمسة من التابعين من هذه الطبقة التي تلي طبقة الصحابة، وهي جديرة بالذكر لمن أراد أن يكتب في تاريخ العلوم الإِسلامية فهي حلقة مباركة في هذا التاريخ وهي من الجذور الأساسية في ذلك التاريخ.
٤- لقد أخفق أ. سزكين في استهلال مقدمته لعلوم القرآن في الفصل الأول- القراءات القرآنية- حينما أكثر في نقله من التلطيخات والطامات عن بعض المستشرقين
[ ٣٦ / ١٩٨ ]
من طراز (برجشتراسر) في كتابه «تاريخ القرآن» حيث لوث كتابه هذا بنقله بعض الافتراءات كقوله: "إلا أن هذه المصاحف التي أعدتها لجنة عثمان بن عفان والتي وزعت على الأمصار المختلفة، لم تكن تخلو هي الأخرى من بعض الاختلافات حتى إنه روي أن عثمان بن عفان وعائشة ﵄، تحدثا إن في القرآن لحنا وستقيمه العرب بألسنتها" اهـ. ثم أحال إلى كتاب «المصاحف» لابن أبي داود ٣٣-٣٤ و«تفسير الطبري» ٦/ ١٦ «وتاريخ القرآن» لبرجشتراسر.
إن هذا الذي نقله وتبناه لعمر الحق لهو الباطل، ومن ينقل من هؤلاء الذين اخترعوا وتلمسوا المطاعن في القرآن الكريم وكتابته بدون نقد، كحاطب ليل يقع في طامات ومنها هذه الطامة التي تطعن في القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، إن الاستشهاد بهذا من غير نقد ولا توجيه على وقوع اللحن في القرآن من أكبر المطاعن به، وهذا الاستشهاد فيه نظر من حيث الإسناد وفيه توجيه من حيث المتن.
أما بالنسبة للإسناد فما رواه ابن أبي داود في كتابه «المصاحف» . عن عثمان ﵁ ست روايات وهي في قوله:
(١) حدثنا المؤمل بن هشام، حدثنا إسماعيل عن الحارث بن عبد الرحمن، عن عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر القرشي قال: لما فرغ من المصحف أتى به عثمان فنظر فيه فقال: "قد أحسنتم وأجملتم أرى فيه شيئا من لحن ستقيمه العرب بألسنتها".
(٢) حدثنا شعيب بن أيوب، حدثنا يحيى (يعني: ابن آدم)، حدثنا إسماعيل بهذا، وقالت: ستقيمه العرب بألسنتها. قال أبو بكر بن أبي داود: "هذا عندي يعني بلغتها وإلا لو كان فيه لحن لا يجوز في كلام العرب جميعًا لما استجاز أن يبعث به إلى قوم يقرأونه".
(٣) حدثنا يونس بن حبيب حدثنا بكر (يعني: ابن بكار) قال: حدثنا أصحابنا، عن أبي عمرو، عن قتادة أن عثمان ﵁ لما رفع إليه المصحف قال: "إن فيه لحنا وستقيمه العرب بألسنتها".
[ ٣٦ / ١٩٩ ]
(٤) حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا عمران بن دوار «١» القطان، عن قتادة، عن نصر بن عاصم الليثي، عن عبد الله بن فطيمة، عن يحيى بن يعمر قال: "قال عثمان ﵁، في القرآن لحن وستقيمه العرب بألسنتها".
(٥) حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا أبو داود، حدثنا عمران بن دوار (٢) القطان، عن قتادة، عن نصر بن عاصم الليثي، عن عبد الله بن فطيمة، عن يحيى بن يعمر قال قال عثمان بن عفان ﵁: "إن في القرآن لحنا وستقيمه العرب بألسنتها". (قال أبو بكر: هذا عبد الله بن فطيمة أحد كُتاب المصاحف) .
(٦) حدثنا أبو حاتم السجستاني، حدثنا عبيد بن عقيل، عن هارون، عن الزبير بنِ الخريت، عند عكرمة الطائي قال: "لما أتي عثمان ﵁ بالمصحف رأى فيه شيئا من لحن"، فقال: "لو كان المملي من هذيل والكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا".
وفي إسناد الرواية الأولى والثانية عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر القرشي قال الحافظ ابن حجر في التقريب: مقبول. وفي إسناد الرواية الثالثة إبهام شيوخ بكر بن بكار حيث قال: حدثنا أصحابنا عن أبي عمرو. وكذلك قتادة لم يلق عثمان ﵁، وقد ذكر ابن أبي حاتم في المراسيل أن قتادة لم يلق من أصحاب النبي ﷺ إلا أنسًا وعبد الرحمن بن سرجس.
_________________
(١) ، ٢ دوار:. في الأصل داود وهو تصحيف وعمران بن دوار معروف بالرواية عن قتادة كما سيأتي الكلام عنه.
[ ٣٦ / ٢٠٠ ]
وقد جعله الحافظ ابن حجر في المرتبة الثالثة من المدلسين الذين لا تقبل روايتهم إلا إذا صرحوا بالسماع ولم يصرح في هذه الرواية بالسماع، أما الرواية الرابعة والخامسة في إسنادهما عمران بن دوار القطان فهو صدوق يهم ورمي برأي الخوارج كما في التقريب، وروى عنه قتادة ما لم يتابع عليه كما أخرج العقيلي من طريق عمران القطان عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء". ثم قال: لا يتابع عليه ولا يعرف بهذا اللفظ إلا عن عمران، وفي الإسناد أيضًا يحيى بن يعمر لم يسمع شيئا عن عثمان بل لم ير عثمان ﵁ وقال ابن الأنباري في كتاب «الرد على من خالف مصحف عثمان»: في الأحاديث المروية عن عثمان في ذلك: "لا تقوم بها حجة، لأنها منقطعة غير متصلة، وما يشهد عقل بأن عثمان وهو إمام الأمة الذي هو إمام الناس في وقته، وقدوتهم، يجمعهم على المصحف الذي هو الإمام فيتبين فيه خللًا، ويشاهد في خطه زللًا فلا يصلحه! كلا والله ما يتوهم عليه هذا ذو إنصاف وتمييز، ولا يعتقد أنه أخرّ الخطأ في الكتاب ليصلحه من بعده وسبيل الجائين من بعده البناء على رسمه والوقوف عند حكمه. ومن زعم أن عثمان أراد بقوله: «أرى فيه لحنا» أرى في خطه لحنا إذا أقمناه بألسنتنا كان لحن الخط غير مفسد ولا محرف من جهة تحريف الألفاظ وإفساد الإعراب فقد أبطل ولم يصب، لأن الخط منبىء عن النطق، فمن لحن في كتبه فهو لاحن في نطقه، ولم يكن عثمان ليؤخرَّ فسادًا في هجاء ألفاظ القرآن من جهة كتب ولا نطق. ومعلوم أنه كان مواصلًا لدرس القرآن، متقنًا لألفاظه، موافقًا على ما رسم في المصاحف المنفذة إلى الأمصار والنواحي وعبد الله بن فطيمة ترجم له البخاري وقال: عبد الله بن فطيمة عن يحيى بن يعمر روى عن قتادة عن نصر بن عاصم منقطع.
[ ٣٦ / ٢٠١ ]
وأما الرواية السادسة فقد أخرجها أيضًا أبو عبيد القاسم بن سلام من طريق هارون بن موسى عن الزبير بن الخريت.
وفي الإسناد عكرمة وقال أبو عمرو الداني في هذه الرواية: هذا الخبر عندنا لا تقوم بمثله حجة ولا يصح به دليل من جهتين: إحداهما أنه مع تخليط في إسناده واضطراب في ألفاظه مرسل لأن ابن يعمر وعكرمة لم يسمعا من عثمان شيئا ولا رأياه. وأيضًا فإن ظاهر ألفاظه ينفي وروده عن عثمان ﵁ لما فيه من الطعن عليه مع محله من الدين ومكانه من الإِسلام وشدة اجتهاده في بذل النصيحة واهتباله بما فيه الصلاح للأمة ثم يوجه معنى اللحن في الخبر- لو صح- بأن المراد به التلاوة دون الرسم، إذ كان كثير منه لو تلي على حال رسمه لانقلب بذلك معنى التلاوة وتغيرت ألفاظها من مثل ﴿أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ﴾ وما شاكله. ثم حتى لو صح الإِسناد بطرق أخرى فإن ابن أبي داود قبل أن يسوق هذه الروايات ترجم لها بابًا بعنوان:
باب المصاحف العثمانية
اختلاف ألحان العرب في المصاحف
ثم قال: والألحان اللغات. وقال عمر بن الخطاب ﵁: "إنا لنرغب عن كثير من لحن أبَيّ". يعني: لغة أبيّ.
فيريد اللحن هنا اللغة، وكان على أ. سزكين أن يبين هذا على الأقل ما ذكره ابن أبي داود بعد الرواية الأولى، هذا بالنسبة للمتن فقد ورد ما يخالفه فيما رواه ابن أشته في كتابه «المصاحف» فقال: أنبأنا محمد بن يعقوب، أنبأنا أبو داود سليمان بن الأشعث، أنبأنا أحمد بن مسعدة، أنبأنا إسماعيل، أخبرني الحارث بن عبد الرحمن، عن عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر، قال: لما فرغ من المصحف أتى به عثمان، فنظر فيه، فقال: أحسنتم وأجملتم! أرى شيئا سنقيمه بألسنتنا
[ ٣٦ / ٢٠٢ ]
فلم يذكر لفظ «اللحن» وقد رواه من طريق أبي داود سليمان بن الأشعث عن أحمد بن مسعدة عن إسماعيل، فيحتمل الخطأ من شيخ ابن أبي داود، أو من دسّ المستشرق د. آرثر جفري محقق كتاب «المصاحف» لابن أبي داود وقد نص على هذا الدسّ الأستاذ محمد تجاني جوهري محقق كتاب «فضائل القرآن» لأبي عبيد القاسم بن سلام.
هذا وعلق الإمام السيوطي على رواية ابن أشته فقال: "فهذا الأثر لا إشكال فيه، وبه يتضح معنى ما تقدم فكأنه عرض عليه عقب الفراغ من كتابته، فرأى فيه شيئا كتب على غير لسان قريش، كما وقع لهم في "التابوة"و"التابوت"فوعد بأنه سيقيمه على لسان قريش، ثم وفى بذلك عند العرض والتقويم، ولم يترك فيه شيئا. ولعل من روى تلك الآثار السابقة عنه حرفها، ولم يتقن اللفظ الذي صدر عن عثمان، فلزم منه ما لزم من الإشكال، فهذا أقوى ما يجاب عن ذلك. ولله الحمد".
وقد أفاد السيوطي وأجاد في رده ونقله عن العلماء المتقدمين في الرد عن هذه الشبهة فقال: وقد أجاب العلماء عن ذلك بثلاثة أجوبة:
أحدها: أن ذلك لا يصح عن عثمان، فإن إسناده ضعيف مضطرب منقطع، ولأن عثمان جعل للناس إمامًا يقتدون به، فكيف يرى فيه لحنا ويتركه لتقيمه العرب بألسنتها! فإذا كان الذين تولوا جمعه وكتابته لم يقيموا ذلك وهم الخيار، فكيف يقيمه غيرهم! وأيضًا فإنه لم يكتب مصحفًا واحدًا، بل كتب عدة مصاحف، فإن قيل: إن اللحن وقع في جميعها، فبعيد اتفاقها على ذلك، أولا بعضها فهو اعتراف بصحة البعض، ولم يذكر أحد من الناس أن اللحن كان في مصحف دون مصحف، ولم تأت المصاحف قط مختلفة إلا فيما هو من وجوه القراءة، وليس ذلك بلحن.
الوجه الثاني: على تقدير صحة الرواية، إن ذلك محمول على الرمز والإشارة ومواضع الحذف، نحو"الكتب"، "الصبرين"وما أشبه ذلك.
[ ٣٦ / ٢٠٣ ]
الثالث: أنه مؤول على أشياء خالف لفظها رسمها، كما كتبوا "لا أوضعوا"و"لا أذبحنه"بألف بعد لا و"جزاؤا الظالمين"بواو وألف و"بأييد"بيائين، فلو قرىء بظاهر الخط لكان لحنا، وبهذا الجواب وما قبله جزم ابن أشته في كتاب «المصاحف» . وكيف يظن بالصحابة أولا أنهمِ يلحنون في الكلام فضلًا عن القرآن، وهم الفصحاء اللد! ثم كيف يُظن بهم ثانياَ في القرآن الذي تلقوه من النبي ﷺ كما أنزل، وحفظوه وضبطوه، وأتقنوه! ثم كيف يظن بهم ثالثًا اجتماعهم كلهم على الخطأ وكتابته!
ثم كيف يظن بهم رابعًا عدم تنبههم ورجوعهم عنه! ثم كيف يظن بعثمان أنه ينهى عن تغييره! ثم كيف يظن أن القراءة استمرت على مقتضى ذلك الخطأ، وهو مروي بالتواتر خلفًا عن سلف! هذا مما يستحيل عقلًا وشرعًا وعادة.
هذا وقد انبرى لهذه الشبهة قديمًا وحديثًا نخبة من العلماء المشهورين كابن الأنباري، وأبي عمرو الداني، وأبي القاسم الشاطبي، وأبي بكر الباقلاني، والجعبري، والزمخشري، والسخاوي، والزرقاني، وعبد الرحمن الجزيرى، والألوسىِ، ومحمد أبي شهبة، أما ما قاله شيخنا أ. د. محمد بن محمد أبو شهبة ﵀. الذي فَنّد هذه الفرية وبين من بدأ بترويج هذه الافتراءات فقال: "حمل لواء هذا الإفك قس يدعى (فندر) فألف كتابًا سماه «ميزان الحق» وأولى به أن يسمى ميزان الباطل وقس آخر مجهول تستر تحت اسم (هاشم العربي) في «تذييل مقال في الإسلام» وقس ثالث يدعى (تسدل) "انظر كتاب «أدلة اليقين» ص ٨، ٩ للمغفور له - إن شاء الله - أستاذنا الشيخ عبد الرحمن الجزيري ثم قال ﵀:
[ ٣٦ / ٢٠٤ ]
قالوا روي عن عثمان﵁- أنه حين عرض عليه المصحف قال: أحسنتم وأجملتم، إن في القرآن لحنا ستقيمه العرب بألسنتها، وروي عن عكرمة أنه قال: لما كتبت المصاحف عرضت على عثمان فوجد فيها حروفًا من اللحن فقال: لا تغيروها فإن العرب ستغيرها أو قال: ستعربها بألسنتها، لو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل لم توجد فيه هذه الحروف، قالوا: فكيف تكون المصاحف العثمانية معِ هذا موضع إجماع من الصحابة وثقة من المسلمين؟ بل كيف يكون رسم المصحف توقيفيا وهذا هو عثمان يقول: إن فيه لحنا؟ والجواب:
(١) إن هاتين الروايتين ضعيفتا الإِسناد وإن فيهما اضطرابًا وانقطاعًا يذهب بالثقة بهما كما قال الإِمام السخاوي في الرواية الثانية، ونقله الإِمام الآلوسي في تفسيره، وعكرمة لم يسمع من عثمان أصلا، وقد روى الأثر عن يحيى بن يعمر عن عثمان وهو أيضًا لم يسمع من عثمان، وقد رد الرواية الأولى جماعة من العلماء كالإِمام أبي بكر الباقلاني، والحافظ أبي عمرو الداني، وأبي القاسم الشاطبي، والجعبري وغيرهم، وغير خفي على
المتأمل ما في الروايتين من اضطراب وتناقض فإن قوله: أحسنتم وأجملتم مدح وثناء، وقوله: أن فيه لحنا يشعر بالتقصير والتفريط، فكيف يصح في العقول أن يمدحهم على التقصير والتفريط. وأيضًا فالغرضِ من كتابة المصاحف في عهد عثمان ﵁ على حرف قريش أن تكون مرجعًا عاما يرجع إليه المسلمون عند الاختلاف في حروف القرآن وقراءاته، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يكل تصحيحها إليهم؟ إن هذا إن صح فسيصل بنا إلى الدور المحال، إذ تكون صحة قراءتهم متوقفة على القراءة وفق المصاحف التي كتبها لهم عثمان، وصحة المصاحف وسلامتها من اللحن متوقفة على صحة قراءتهم، وهذا ما ننزه عنه أي عاقل فضلًا عن عثمان ﵁.
[ ٣٦ / ٢٠٥ ]
(٢) إن هذين الأثرين يخالفان ما كان عليه عثمان ﵁ من حفظه القرآن، وملازمة قراءته، ومدارسته حتى صار في ذلك ممن يؤخذ عنهم القرآن، حرص غاية الحرص على إحاطة كتابة المصاحف بسياج قوي من المحافظة على القرآن أن يتطرق إليه لحن أو تحريف أو تبديل، وجعل من نفسه حارسًا أمينًا على كتاب المصاحف في عهده، والمرجع عند أي اختلاف في كيفية الرسم فقد قال للرهط القرشيين: إذا اختلفتم أنتم وزيد فاكتبوه بلسان قريش، وقد اختلفوا في "التابوت" أيكتبوه بالتاء أم بالهاء؟ ورفعوا الأمر إليه. فأمرهم أن يكتبوه بالتاء. فإذا كان هذا شأنه وشأنهم في حرف لا يتغير به المعنى ولا يعتبر تحريفًا ولا تبديلًا لاستناده إلى الحروف التي نزل بها القرآن، فكيف يعقل منه أن يرى في المصاحف لحنا ثم يقرهم عليه وإليك رواية أخرى تدل على مبلغ عنايته بالقرآن عند الكتابة.
أخرج أبو عبيد عن عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الله بن المبارك قال: حدثني أبو وائل شيخ من أهل اليمن عن هانىء البربري مولى عثمان قال: كنت عند عثمان وهم يعرضون المصاحف فأرسلني بكتف شاة إلى أبي بن كعب فيها ﴿لَمْ يَتَسَنْ﴾ وفيها ﴿لا تَبْديلَ للْخَلْقِ﴾، وفيها ﴿فأمْهِلِ﴾ وكتب ﴿فَمَهِّل﴾ وكتب ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ فألحق فيها الهاء، فهل يصح في العقول ممن هذا شأنه أن يرى لحنا في المصاحف ثم يقرهم عليهويدعه للعرب تصلحه؟ ومن أحق بإصلاح اللحن والخطأ منه وهو من هو في حفظ القرآن والحفاظ عليه؟.
ولو جوزنا فرضًا أن عثمان تساهل في إصلاح هذا أفيدعه جمهور المسلمين من المهاجرين والأنصار دون أن يصححوه؟ وهم الذين لا يخشون في الحق لومة لائم ولا يقرون على باطل، ولو صحت هذه المقالة عن عثمان لأنكروا عليه غاية الإِنكار ولو أنكروا لاستفاض ونقل إلينا وأنّى هو؟ ولقد كانوا يعترضون عليه وعلى غيره فيما دون هذا فما بالك بأمر يتعلق بالقرآن الكريم؟ الحق أن هذا لا يصدقه إلا من ألغى عقله.
[ ٣٦ / ٢٠٦ ]
(٣) على فرض صحة هذين الأثرين فيمكن أن نؤولهما بما يتفق هو والصحيح المعروف عن عثمان في جمع القرآن ونسخ المصاحف، وذلك بأن يحمل لفظ «لحنا» على معنى اللغة، ويكون المعنى أن في رسم القرآن وكتابته في المصاحف وجها في القراءة لا تلين به ألسنة العرب جميعًا الآن، ولكنها لا تلبث أن تلين به ألسنتهم جميعًا بالمرانة، وكثرة تلاوة القرآن بهذا الوجه. اهـ.
كما انبرى الشيخ الزرقاني لهذه الشبهة وفندها أيضًا فقال: يقولون: روى عن عثمان أنه حين عرض عليه المصحف قال: "أحسنتم وأجملتم، إن في القرآن لحنا ستقيمه العرب بألسنتها".
ويقولون: روي عن عكرمة أنه قال: "لما كتبت المصاحف عرضت على عثمان فوجد فيها حروفًا من اللحن فقال: لا تغيروها فإن العرب ستغيرها أو قال: ستعربها بألسنتها. لو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل لم توجد هذه الحروف".
أورد أعداء الإسلام هاتين الروايتين وقالوا: إنهما طعنان صريحان في رسم المصحف، فكيف يكون مصحف عثمان وجمعه للقرآن موضع ثقة، وإجماع من الصحابة؟ وكيف يكون توقيفيًا؟ وهذا عثمان نفسه يقول بملء فيه: "إن فيه لحنا". ونجيب على هذه الشبهة أولا: بأن ما جاء في هاتين الروايتين ضعيف الإسناد، وأن فيهما اضطرابًا وانقطاعا. قال العلامة الألوسي في تفسيره: "إن ذلك لم يصح عن عثمان أصلًا"لعلك تلمح معي دليل سقوط هاتين الروايتين ماثلا فيهما من جراء هذا التناقض الظاهر بين وصفهما نساخ المصحف بأنهم أحسنوا وأجملوا ووصفهما المصحف الذي نسخوه بأن فيه لحنا. وهل يقال للذين لحنوا في المصحف: أحسنتم وأجملتم؟ اللهم إلا إذا كان المراد معنى آخر!.
[ ٣٦ / ٢٠٧ ]
ثانيًا: أن المعروف عن عثمان في دقته وكمال ضبطه وتحريه يجعل صدور أمثال هاتين الروايتين من المستحيل عليه. انظر ما سبق من دستوره في جمع القرآن. ثم انظر ما أخرجه أبو عبيد عن عبد الرحمن بن هانئ مولى عثمان قال: كنت عند عثمان وهم يعرضون المصاحف فأرسلني بكتف شاة إلى أبي بن كعب فيها ﴿لَمْ يَتَسَنْ﴾ وفيها ﴿لا تَبْدِيلَ لِلْخَلْقِ﴾ وفيها ﴿فَأمْهِلِ الكَافِرينَ﴾ فدعا بدواة فمحا أحد اللامين وكتب ﴿لِخَلْقِ الله﴾ ومحا ﴿فَأمْهِلِ﴾ وكتب ﴿فَمَهِّلِ﴾ وكتب ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ فألحق فيها الهاء.
قال ابن الأنباري: "فكيف يدعى عليه أنه رأى فسادًا فأمضاه؟ وهو يوقف على ما يكتب ويرفع الخلاف الواقع من الناسخين فيه، فيحكم بالحق ويلزمهم إثبات الصواب وتخليده". اهـ.
ثالثًا: على فرض صحة ما ذكر يمكن أن نؤوله بما يتفق والصحيح المتواتر عن عثمان في نسخ المصاحف وجمع القرآن، ومن نهاية التثبت والدقة والضبط.
وذلك بأن يراد بكلمة «لحنا» في الروايتين المذكورتين قراءة ولغة. والمعنى أن في القرآن ورسم مصحفه وجها في القراءة لا تلين به ألسنة العرب جميعًا، ولكنها لا تلبث أن تلين به ألسنتهم جميعًا بالمران وكثرة تلاوة القرآن بهذا الوجه. وقد ضرب بعض أجلاء العلماء لذلك مثلا كلمة (الصراط) بالصاد المبدلة من السين فتقرأ العرب بالصاد عملًا بالرسم، والسين عملا بالأصل. اهـ.
[ ٣٦ / ٢٠٨ ]
أما أ. د. عبد الفتاح شلبي فقد قال في الملحق الرابع من كتابه الموسوم «رسم المصحف العثماني وأوهام المستشرقين في قراءات القرآن الكريم ودوافعها ودفعها»: "وأرجو أن أدفع في هذا الملحق بعض الشبهات التي أثارها المغرضون حول كتابة المصحف، واتخذوها دليلا لهم على وقوع اللحن في القرآن، ووسيلة إلى الطعن في كتاب الله.. أثاروا هذا حول ما رواه سعيد بن جبير من أنه قال: في القرآن أربعة أحرف لحن ﴿وَالصَّابئُونَ﴾، ﴿والمُقِيمِينَ﴾، ﴿فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصَّالِحينَ﴾، و﴿إن هَذَانِ لسَاَحِرَانِ﴾، كما أثاروا نحو ذلك حول ما يروى من أنه «لما فرغ من المصحف أتى به عثمان فنظر فيه قال: "قد أحسنتم، وأجملتم، أرى فيه شيئا من لحن ستقيمه العرب بألسنتها".
وهذه الشبهات التي أثاروها مردودة بأمور:
أولا: المعنى اللغوي لكلمة اللحن.
فاللحن: اللغة، والقراءة. قال عمر ﵁: "إنا لنرغب عن كثير من لحن أبي، يعني لغة أبي " (١) .
وكان عمر ﵁ يقول: "أبي أقرأنا، وإنا لندع بعض لحنه. أي قراءته".
ثائيًا: قياس العربية يصحح تلاوة هذه الكلمات بما رسمت به.
أ- فلا خطأ في قراءة ﴿الصابئون﴾ بالرفع كما رسمت في المصاحف فالصابئون رفع على الابتداء، وخبره محذوف، والنية به التأخير عما في حيز إن من اسمها وخبرها كأنه قيل:
إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا.. والصابئون كذلك.
وأنشد سيبويه شاهدًا له:
وإلا فاعلموا أنا وأنتم
بغاة ما بقينا في شقاق
أي فاعلموا أنا بغاة وأنتم كذلك. ومثله: فإني وقيار بها لغريب. أي. فإني لغريب وقيار بها كذلك.
ب- أما قراءة ﴿والمقيمين﴾ بالياء فلها وجه من سنن العربية، والتوجيه الإعرابي، فهو منصوب على المدح بتقدير: أعني المقيمين، وذلك لأن العرب تنصب على المدح عند تكرر العطف والوصف.
قالت الخرنق:
لا يبعدن قومي الذي همُ
سم العداة، وآفة الجزر
النازلون بكل معترك
_________________
(١) المصاحف: ٣٢.
[ ٣٦ / ٢٠٩ ]
والطيبين معاقد الأزر
فنصبت الطيبين على المدح، فكأنها قالت: أعني الطيبين.
قال الشاعر:
إني الملك القرم، وابن الهمام
وليث الكتيبة في المزدحم
وذا الرأي حين تغم الأمور
بذات الصليل، وذات اللجم
فنصب ذا الرأي على المدح.
قالوا: والعرب تفعل ذلك في صفة الشيء ونعته، إذا تطاولت بمدح أو ذم، خالفوا بين إعراب أوله وأوسطه أحيانًا، ثم رجعوا بآخره إلى إعراب أوله، وربما أجروا إعراب آخره على إعراب أوسطه، وربما أجروا ذلك على نوع واحد من الإعراب.
وقد يكون موضع المقيمين في الإِعراب خفض: على «ما» التي في قوله ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، يؤمنون بالمقيمين الصلاة. والمقيمون الصلاة هم الملائكة، قالوا: وإقامتهم الصلاة تسبيحهم ربهم واستغفارهم لمن في الأرض. فمعنى الكلام: والمؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالملائكة.
ج- وأما قراءة ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ بجزم «أكن» فله وجه من الإِعراب، ذلك أنه محمول على المعنى والتقدير: إن أخرتني أكن.
د- وأما ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ فلا يلتفت لطعن الطاعن فيها، فهي قراءة متواترة قرأ بها نافع، وابن عامر، وأبو بكر، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر، ويعقوب، وخلف، على أن لها وجهًا فصيحًا في العربية، ذلك هو إلزام المثنى بالألف في جميع حالاته، ومنه قول الشاعر العربي:
واها لسلمى ثم واها واها
ياليت عيناها لنا وفاها
وموضع الخلخال رجلاها
بثمن يرضى به أباها
إن أباها، وأبا أباها
قد بلغا في المجد غايتاها
وهذه لغة بني الحرث بن كعب، وقبائل أخر.
وثالث الأمور التي نرد بها طعن الطاعنين مكانة عثمان بن عفان ﵁ من الحافظ على كتاب الله، ومحله من الدين، ومكانه من الإِسلام، وشدة اجتهاده في بذل النصيحة..
فهل يعقل أن يرى عثمان في المصحف لحنا وخطأ ثم يتركه ليتولى من يأتي بعده تغييره؟.
[ ٣٦ / ٢١٠ ]
عثمان الذي تولى جمع المصحف مع سائر الصحابة الأخيار، وتحرى في ذلك الدقة والأمانة وكمال الضبط، ورغبة منه في جمع الأمة على مصحف إمام، فلا يقع اختلاف في القرآن بينهم عثمان الذي هذا شأنه يرى في كتاب الله ثلمة فيتركها ليسدها من بعده؟
ثم، ما هذا التناقض الظاهر بين صدر النص: أحسنتم وأجملتم وآخرته: أرى فيه شيئا من لحن.. كيف يصف نساخ المصحف بالإحسان والإجمال أولا.. ثم يصف المصحف الذي نسخوه بأن فيه لحنا..؟ هل يقال للذين لحنوا في المصحف: أحسنتم وأجملتم؟ .
ألا إن مكانة عثمان.. والاضطراب بين صدر النص وعجزه كل هذا يدعونا إلى الاعتقاد بأن صدور ذلك عن عثمان أمر بعيد عنه، مدسوس عليه. اهـ.
وأقول للذين يرددون طعنة (اللحن في القرآن) من المستشرقين: (رمتني بدائها وانسلت) لقد فُضح أمرهم في التحريفات التي وقعت في التوراة والإنجيل، وهاهم يريدون أن يلحقوا القرآن الكريم - الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد - بكتبهم المحرفة.
وما تقدم فهو ما يتعلق ما نسب إلى عثمان ﵁.
وأما الرواية عن عائشة فقد أخرج أبو عبيد القاسم بن سلام وابن أبي داود من طريق أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: سألت عائشة عن لحن القرآن ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾، وعن قوله ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾، وعن قوله ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾، فقالت: يا ابن أختي هذا عمل الكُتّاب أخطأوا في الكِتاب. وقد ضعّف بعض أهل العلم هذه الرواية، لوجود أبي معاوية فيها وهو محمد بن خازم الضرير، قال الذهبي: وقال ابن خراش: يقال: "هو في الأعمش ثقة، وفي غيره فيه اضطراب"، وكذلك قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: "هو في غير الأعمش مضطرب، لا يحفظها حفظًا جيدا. علي بن مسهر أحبّ إلي منه في الحديث". وقال الحاكم: "احتجّ به الشيخان. وقد اشتهر عنه الغلو أي غلو التشيع".
[ ٣٦ / ٢١١ ]
وما رواه البخاري عنه فمن طريق الأعمش، وبما أنه اشتهر في غلو التشيع وأن الرواية تؤيد بدعته في نسبته مثل هذا الكلام إلى عائشة ﵂ فيتوقف في هذه الرواية، ولكن يبقى الاحتمال فيما إذ وجدت متابعة أو شاهد لهذه الرواية، وعلى كل الاحتمالات فإن العلماء من أهل هذا الشأن قد بينوا ووجهوا المراد من هذا المتن فقال أبو عمرو الداني: "إن عروة لم يسأل عن حروف الرسم التي تزاد وتنقص، وإنما سألها عن حروف القراءة المختلفة الألفاظ المحتملة الوجوه على اختلاف اللغات، مما أذن الله ﷿ القراءة به، ومن ثم فليس ما جاء في الخبر من الخطأ أو اللحن بداخل في معنى المرسوم ولا هو من سببه في شيء، وإنما سمى عروة ذلك لحنا، وأطلقت عائشة على مرسومه الخطأ على جهة الاتساع في الإخبار وطريق المجاز في العبارة".اهـ. وينقل الداني أن بعض العلماء قد تأول قول أم المؤمنين (أخطأوا في الكتاب) أي: أخطأوا في اختيار الأولى من الأحرف السبعة بجمع الناس عليه، لا أن الذي كتبوا من ذلك خطأ لا يجوز، لأن ما لا يجوز مردود بإجماع، وإن طالت مدة وقوعه وعظم قدر موقعه. ثم ينقل أن هناك من تأول اللحن بأنه القراءة واللغة - كقول عمر﵁ - أبَيّ أقرؤنا وإنا لندع بعض لحنه، أي قراءته ولغته.
ومن أدق المؤلفين كتابةً وتفصيلًا وبيانًا لهذا المتن هو الأستاذ غانم قد روي الحمد في كتابه القيم «رسم المصحف دراسة لغوية وتاريخية» حيث قال عند هذه الرواية:
[ ٣٦ / ٢١٢ ]
أما حديث عروة الذي يرويه عن عائشة فإن علينا أن نشير أولا إلى بعض الحقائق المتعلقة بالآيات التي وردت فيه، وأول هذه الحقائق هي أن الكلمات موضع السؤال قد جاءت صحيحة في رسمها جارية على قواعد الهجاء، فكلمة "هذان"في الآية الأولى الواردة في الخبر جاءت على وفق القاعدة التي جرى عليها الرسم العثماني من حذف ألف (ها) التي للتنبيه ووصلها بما يليها من اسم الإشارة أو نحوه، وحذف الألف من (ذان) على نحو حذفها من كل مثنى، أما كلمة ﴿والمُقِيمِينَ﴾ في الآية الثانية فهي من حيث رسمها، على ما هي عليه، صحيحا، مثل ما رسم في المصحف ﴿المُؤْمنينَ وَالمُسْلمِينَ ﴾ وكذلك بالنسبة لكلمة "الصبئون"في الآية الثالثة التي رسمت على مثال "الخطِئُونَ".
فهذه الكلمات جاءت من حيث الرسم صحيحة، جارية على المشهور من قواعد الرسم العثماني لكنها من حيث التوافق الإعرابي وما يقتضيه موقعها في الظاهر جاءت على نحو يستوقف النظر ويدفع إلى التأمل، فالكلمة الأولى قد ينظر إليها على أنها اسم (أن) المشددة وهي مثنى لكنها جاءت من غير الياء التي هي علامة النصب، والكلمتان الأخريان ﴿المُقِيمِينَ﴾ و﴿الصَّلبئُونَ﴾ كلاهما جاءت مخالفة إعرابيًا لما عطفت عليه في الظاهر.
[ ٣٦ / ٢١٣ ]
وبالرجوع إلى القراءات الصحيحة المروية في هذه الكلمات يمكن أن يتاح لنا فهم سر رسمها على ذلك النحو، فالآية الأولى ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه ٣٠/ ٦٣] قرأها ابن كثير – وحده - بتخفيف (إن) و(هذان) بالألف مع تشديد النوَن، وقرأ حفص كذلك إلا أنه خفف نون (هذان)، ووافقه ابن محيصن، وقرأ الباقون ماعدا أبا عمرو بتشديد (إن) و(هذان) بالألف وتخفيف النون، وقرأ أبوعمرو (إنّ) بتشديد النون و(هذين) بالياء مع تخفيف النون، ونجد أن أوضح القراءات في هذه الاَية معنى ولفظًا وخطًا هي قراعة ابن كثير وحفص، وذلك أن (إن) المخففة من الثقيلة أهملت و(هذان) مبتدأ و(الساحران) الخبر، واللام للفرق بين النافية والمخففة، وقراءة أبي عمرو واضحة من حيث الإعراب والمعنى، رغم مخالفتها الرسم، وقد تكلم أهل العربية في توجيه القراءة الأخرى. وقد أشرنا من قبل أن رسم المصحف كتب على قراءة واحدة، فليس من الضروري موافقة كافة القراءات الصحيحة له إذا وافق بعضها، وهو ما نجده في هذه الحالة.
أما الآيتان الأخريان ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلوةَ وَالمؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [النساء٤/ ١٦٢] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادوا والصبئُونَ﴾ [المائدة هـ/٦٩] فقد اتفق الجمهور على قراءة ﴿والمُقِيمِينَ﴾ بالياء منصوبًا على نحو مَا هو مرسوم إلا رواية يونس وهارون عن أبي عمرو لها بالواو، وقراءة عاصم الجحدري لها بالواو كذلك، مع محافظته على رسمها بالياء. واتفقوا كذلك على قراءة ﴿الصبِئُونَ﴾ بالواو على نحو ما هو مرسوم إلا ابن محيصن فقد قرأها بالياء، والجحدري كذلك ومادامت قراءة العامة قد جاءت موافقة للرسم على هذا النحو وقد تواترت عن القراء فلا مجال – إذن - للكلام هنا عن الخطأ في الرسم أو القراءة، خاصة أن النحاة قد تكلموا على ما في الآيتين من تخالف إعرابي، ووجهوا ذلك بوجوه كثيرة
[ ٣٦ / ٢١٤ ]
وعلى ذلك فإن حديث عروة يمكن أن يحمل على ما ذهب إليه ابن أشتة ورواه الداني من أن معنى الخطأ هو أنهم أخطأوا في اختيار الأولى من الأحرف السبعة بجمع الناس عليه، لا أن الذي كتبوا من ذلك لا يجوز لأن ما لا يجوز مردود بإجماع، وإن طالت مدة وقوعه، وعظم قدر موقعه، ويقول الداني بعد أن ناقش ما ورد في دلالة الخبر: على أن أم المؤمنين - ﵂ - مع عظيم محلها وجليل قدرها واتساع علمها ومعرفتها بلغة قومها لحّنت الصحابة وخطأت الكتبة، وموضعهم من الفصاحة والعلم باللغة موضعهم الذي لا يجهل ولا ينكر، هذا ما لا يسوغ ولا يجوز.
ونخلص من ذلك كله إلى نفي دلالة الخبرين على وقوع الخطأ في الرسم العثماني اهـ.
وقد استقر الأمر على الرسم العثماني، واعتمدت الأمة عليه بل أجمعت على ذلك فقد نقل الإمام أبو عمرو الداني عن أشهب أنه قال: سئل مالك: هل يكتب المصحف على ما أحدثه الناس من الهجاء؟ فقال: لا، إلا على الكتبة الأولى. ثم علق الداني بقوله: ولا مخالف له من علماء الأمة.
وقال في موضع آخر: سئل مالك عن الحروف في القرآن الواو والألف، أترى أن يغير من المصحف إذا وجد فيه كذلك؟ قال: لا.
قال أبو عمرو: يعني الواو والألف المزيدتين في الرسم المعدومتين في اللفظ، نحو (الواو في) ﴿أولُواُ﴾ . وقال الإمام أحمد: "يحرم مخالفة مصحف الإمام في واو أو ياء أو ألف أو غير ذلك".
وقال البيهقي في شعب الإيمان: "من كتب مصحفًا فينبغي أن يحافظ على الهجاء التي كتبوا بها تلك المصاحف، ولا يخالفهم فيها، ولا يغير مما كتبوه شيئا، فإنهم كانوا أكثر علمًا، وأصدق قلبًا ولسانًا، وأعظم أمانة منا، فلا ينبغي أن يظن بأنفسنا استدراكًا عليهم ولاتسقطًا لهم".
[ ٣٦ / ٢١٥ ]
وقال أيضًا: "وأمر أبو بكر ﵁ بجمع القرآن ونقله إلى مصحف، ثم اتخذ عثمان من ذلك المصحف مصاحف، وبعث بها إلى الأمصار، ولم يعرف أنه أثبت في المصحف الأول ولا فيما نسخ عنه شيء سوى القرآن، فبذلك ينبغي أن يعمل في كتابة كل مصحف".
٥- وبعد هذه الطعنة أتبعها بقوله: "وإلى جانب هذا فقد استمرت القبائل في قراءة القرآن الكريم وفق لهجة كل قبيلة مثلما كان عليه الحال من قبل في حياة الرسول ﷺ، وهذا بدوره أدى إلى ظهور عدد من القراءات المختلفة بعد إعداد النص الرسمي للقرآن في المصحف العثماني. وكان بعض التابعين يعلق أهمية كبيرة على قراءة الآية الواحدة خمس قراءات مختلفة.
ويقصد ببعض التابعين الإمام مجاهد بن جبر حيث أشار إلى تفسير الطبري ١/٥٣، وهذا نص الطبري قال:
حدثني محمد بن حميد الرازي قال: حدثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، عن مجاهد أنه كان يقرأ القرآن على خمسة أحرف.
وهذا لم يثبت عن مجاهد ففي إسناده محمد بن حميد الرازي: ضعيف
وفي إسناده أيضًا ليث: وهو ابن أبي سليم: صدوق اختلط جدًا لم يتميز حديثه فترك، قاله الحافظ ابن حجر في التقريب.
إن الذي ينقل عن الصحابة أو التابعين لابد أن يتثبت هل صح القول إليهم فإن صح فيحق له أن يستشهد بقوله، وإن لم يصح فلا.
هذا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى أصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.
[ ٣٦ / ٢١٦ ]