آية العدد
للشيخ أبي بكر الجزائري
رئيس قسم التفسير بالجامعة
قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
الآية (١) من سورة الفاتحة
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. محمد وآله وصحبه ومن آمن به واهتدى بهداه
وبعد: فإن قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هو الآية الأولى من كتاب الله تعالى (القرآن الكريم) هذا على ما رجحناه، وإلا فعند الشافعي ﵀ أن الآية الأولى هي بسم الله الرحمن الرحيم. وحينئذ فالحمد لله رب العالمين هي الآية الثانية. وعلى كلا المذهبين فآيات الفاتحة سبع لا غير، لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ . (الحجر:٨٧) . وقوله ﷺ: "هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيت". (الصحيح) .
وبناءً على أن البسملة آية من الفاتحة فالآية السابعة هي: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ . وإلا فالآية السابعة هي: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ. غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ .
وفائدة هذا الخلاف أن مَن رأى البسملة آية من الفاتحة وجب عليه أن يقرأها كلما قرأ الفاتحة في الصلاة، وإلا بطلت صلاته. ومَن لم يَر أنها آية قرأها أولم يقرأها فصلاته صحيحة إلا أن قراءتها سرًا في الصلاة الجهرية أحوط وأكثر أجرا.
[ ٣١ / ١٠٩ ]
ومنشأ هذا الخلاف: أن الفاتحة نزلت مرتين مرةً بالبسملة ومرة بدونها والمقصود من البسملة هو التبرك بذكر اسم الله تعالى والاستعانة به على التلاوة والصلاة فلذا قراءتها أرجح من عدمها، وإنما نظرًاَ لحديث أنس في الموطأ والصحيحين: "أنه صلى وراء رسول الله ﷺ ووراء أبي بكر وعمر فكانوا يستفتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين"، فإن الاختيار أن تقرأ البسملة سرًا، ثم يجهر بالقراءة في الصلاة الجهرية.
بعد هذه المقدمة نشرح الآية الكريمة فنقول:
شرح الكلمات في الآية:
الحمد: "ال"فيها لاستغراق الجنس أي أن عامة ألفاظ الحمد وسائر كلمات الثناء والمحا مد التي عرفها الناس، وما لم يعرفوا منها هي لله تعالى، والله مستحق لها جميعها. وفي الحديث: "اللهم لك الحمد كما أنت أهله".
والحمد: هو الوصف بالجميلِ الاختياري والمدح مثله إلا أنه يُفارقه فيكون بالجميل غير الاختياري كأن نحمد زيدًا فنقول: زيد ذو خلق فاضلٍِ، ونَمدَحُه فنقول: زيدٌ جميل الوجه معتدل القامة. فكان قولنا: زيد ذو خلق فاضِل حمدًاَ، لأنه على الجميل الاختياري، وكان قولنا: زيد جميل الوجه معتدل القامة مدحًاَ، لأن جمال وجهه واعتدال قامته حصل له بالاضطرار لا بالاختيار، أي لم يكن هو الذي جمل وجهه وعدل قامته بل الفاعل لذلك هو الله تعالى بخلاف حسن خلقه فإنه حصل له بكسبه واختياره. وصفات الجمال في الله تعالى كلها اختيارية. لذا يَحسن أن نقول حمدنا الله تعالى ونحمدُه، ولا نقول مدحنا الله تعالى ونمدَحُه، كما يحسن أن نقول: مدحنا زيدًا نمدحه، ولا نقول: حمدنا زيدًا نحمده لما علمنا من أن الحمد هو الوصف بالجميل الاختياري، والمدح هو الوصف بالجميل الاختياري أو الاضطراري.
[ ٣١ / ١١٠ ]
والشكر كالحمد، وفى الحديث الشكر رأس الحمد. إلا أن الشكر هو المدح بالفواضل وهي النعم المتعدية. والحمد هو المدح بالفضائل. وقد يجمع بينها فيقال زيد جميلٌُ كريم تصدق بألف. ولذا فالحمد يكون باللسان فقط والشكر يكون باللسان والقلب والجوارح كما قال الشاعر:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة
يدي ولساني والضمير المحجبا
والشكر بالقلب معناه اعتراف القلب بنعمة المنعم فيحمده عليها بلسانه ويثنى بها عليه بتكراره.
لله: اللام في لله هي لام الاستحقاق والملك كقولنا الجائزة أو الدار لعمرو أي أن الجائزة مستحقة لعمرو والدار ملك له. وجميع المحا مد مستحقة لله تعالى ملك له، فليس لغيره من سائر خلقه حق فيها ولا استحقاق ولا ملك. وسنبين ذلك فيما بعد إن شاء الله.
الله: اسم الربّ ﵎ وهو علم على ذاته ﷿، ولله تعالى مائة اسم إلا اسمًا واحدًا للحديث الصحيح. وأعظم تلك الأسماء الحسنى هو اسم ﴿الله﴾ وإذا نودي به تعالى قد يحذف حرف النداء (يا) وُيعوض عنه ميم مشدَّدة تلحق آخره فيقال: اللهمّ. وقد ينادى بدون إلحاق حرف الميم في آخره، فتقطع همزة الوصل فيه فيقال: يا ألله. وهو واسم الرحمان لا يسمى بهما غير الرب ﵎. وأما لفظ الربّ فقد يطلق على غير الله تعالى مضافًا نحو: قولنا رب الدار، ورب السلعة بمعنى مالكها، ويقال: فلان ربّ، أو الرب بلا إضافة. ومن خصائص اسم الجلالة ﴿الله﴾ أنه يوصف ولا يوصف به فيقال: الله الرحمن الرحيم، أو العزيز الحكيم. ولا يقال الرحمن الله، أو العزيز الله، ولذا رجح بعض أهل العلم أن يكون الاسم الأعظم لله تعالى هو ﴿اللَّهُ﴾ أو مع الحيّ القيوم. ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم﴾ . وذلك للخبر
[ ٣١ / ١١١ ]
ومعنى (الله): المعبود بحق، إذ الأصل في تركيبه: إله فحذفت الهمزة منه وعرّف بال فصار (الله) وجُعل عَلمًا على ذات الرب الواجب الوجود ﷾. وعلى القول بأنه مشتق غير مرتجل فإنه مأخوذ مِن أَلهه يألهه إلهة وألوهية: إذا عَبَدَه محِبًا لهُ غايَة الحب مُعظما له غاية التعظيم خاشيا إياه غاية الخشية.
ومادة أَله جاءت في لغة العرب لمعان كثيرة منها أَلِهَ إذا عبد، وأله إذا تحيرّ، وإله إذا فزع، وإله إذا سكن. وكل هذه المعاني صالحة لاسم الله إذ هو تعالى المعبود بحق. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ أي معبود فيهما معا. والله تعالى تتحيَّر العقول في معرفة كنه ذاته وتضطرب وتقر بالعجز إذ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وتفزع إليه الخلائق إذا نزل بها أمر تدعوه وتتضرع إليه ليكشف عنها ما نزل بها، وتسكن إليه القلوب المؤمنة وتطمئن بذكره قال تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ فلذا كان أفضل الذكر لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
رَّّب: الربّ اسم من أسماء الله تعالى، لا يصح إطلاقه على غير الله تعالى إلا مضافًا كما تقدم بيانه. ولفظٌ يطلق ويراد به معان كثيرة فيكون بمعنى الخالق، الرازق، المدبر، المصلح، المربي، المعبود، ويكون بمعنى السيد والمالك. وكل هذه المعاني مستحقة لله تعالى فلا تطلق على الحقيقة إلا عليه ﷿ وتطلق دون الخالق والمعبود على غير الله تعالى إطلاقا إضافيًا غير حقيقي، فيقال فلان مصلح أو مربٍ أو سيد أو مالك. نحو فلان مصلح السيارات، ومربى الأولاد، وسيد البلد، ومالك الدار، وما إلى ذلك. ومن شواهد اللغة على إطلاق لفظ الربّ على المعبود قول الأعرابي، وقد وجد ثعلبا شاغرً رجله يبول على صنم كان يعبده:
أربٌ يبول الثعلبان برأسه
لقد ذل من بالت عليه الثعالب
[ ٣١ / ١١٢ ]
وتركه كافرًا به فلم يرجع إليه أبدًا
وللاستغاثة باسم الرب تعالى أثرٌ طيب إذا كانت بلسان صادق وقلب سليم من الشرك إذ قال رسول الله ﷺ: "إذا قال العبد يا رب يا رب ثلاثا، قال الله تعالى عبدي سل تعط". رواه ابن أبي الدنيا في الدعاء عن عائشة ﵂.
العالمين: العالمين جمع واحِدُهُ عالَم، والعالم كل ما سوى الله تعالى، وسمى كل شيء من المخلوقات عالمًا كعالم الملائكة وعالم الجن وعالم الإنسان، وعالم الدواب وعالم الطير وعالم النبات، وعالم السماوات، لأنه علامة على خالقه ومدبره ومصلحه وحافظه ﷿.
ومن هنا كان ربّ العالمين معناه: خالق الخلائق ومالكهم، ومدبر وجودهم وحياتهم، ومعبودهم الحق الذي لا معبود لهم على الحقيقة غيره ﷾.
كان ذلك شرح مفردات الآية الكريمة تفصيلًاَ. وأما تفسير الآية إجمالا فإنه:
"يخبر تعالى عباده بأن له الحمد كله، استحقه بخلقه العوالم كلها، وبملكها كلها، وتدبيرها كلها، والقائم على إصلاحها وتربيتها كلها فلا ربّ لها غيره، ولا معبود حق لها سواه. وضمن هذا الإخبار الأمرُ بحمده تعالى والثناء عليه بلفظ الحمد لله. وأنه تعالى يحب أن يحمد على آلائه، َ كأنما قال: قولوا الحمد لله ربّ العالمين"
هذا معنى الآية وأما ما فيها من هداية وأحكام فإلى القارئ الكريم ذلك إزاء الأرقام التالية:
(١) فضل "الحمدُ لله " حيث قالها الله تعالى لنفسه وأمر بها عباده أن يقولوها له، وفى الحديث [١] الصحيح الحمد رأس الشكر، وأن الله تعالى يحب من العبد إذا أكل الأكلة أو شرب الشربة أن يحمده عليها. وما من عبد أنعم الله عليه بنعمة فقال فيها: الحمد لله، إلا كان الذي أعطى أفضل مما أخذ. وما من أحد أحب إليه الحمد من الله تعالى، ولذا حمد نفسه بنفسه فقال الحمد لله.
[ ٣١ / ١١٣ ]
(٢) أن الحمد لا يكون إلا لمن له فضائل أوفواضل اقتضت حمده فلا يحلّ حمد أو مدح من لا فواضل له ولا فضائل، إذ مدح البخيل بالكرم زور، ومدح السخيف بالكمال كذب. ومدح الجبان بالشجاعة باطل، ومدح الظالم بالعدل حرام. ودليل هذه الحقيقة أننا بالاستقراء والتتبع ما وجدنا الله تعالى حمد نفسه إلا وذكر موجب الحمد ومقتضاه مثل الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب
(٣) وجوب قول الحمد لله في الصلاة ومشروعيته بالندب عند حصول كل نعمة وتجددها، ومن ذلك عند لبس الثوْب والفراغ من الأكل أو الشرب، وعند دخول المسجد والخروج منه "بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسوله"وعند افتتاح الخطبة، وختم الدعاء. "سبحان ربك ربّ العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين"وعند ركوب الدابة أو السيارة والطائرة والسفينة للآية ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْه﴾ . ولازم ذكر النعمة شكرها والحمد لله رأس الشكر. اللهم اجعلنا من الحامدين لك الشاكرين لإنعامك وإفضالك بطاعتك وطاعة رسولك ﷺ
--------------------------------------------------------------------------------
[١] أورد هذه الأحاديث ابن كثير في تفسير سورة الفاتحة فليراجعها من شاء.
[ ٣١ / ١١٤ ]