الملَكُ عَبدُ العَزِيز ِآل سُعود بين نَصرِهِ لله ونَصرِ الله لَهُ
(٣)
للشيخ إبراهيم محمد حسن جمل
المدرس بالمعهد الثانوي للجامعة
كان الملك عبد العزيز دائم الشكر لله ﷾ على تأييده له في كل مواقفه، وكان دائما يفيض في الحديث بنعمة الله عليه، وبتوفيقه في جميع أموره، قال ﵀: "التوفيق والتوفيق لا يكون إلا بالله ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ . (هود: ٨٨) . والإنسان بلا توفيق لا يستطيع أن يعمل شيئا نسأل الله أن يوفقنا لما فيه الخير لهذا الوطن العَزيز إن توفيق الله هو المقدم والنافذ وأمره بين الكاف والنون ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ . (يس: ٨٢) والقدرة وحدها لا تنفع ما لم تكن مؤيدة من الله ﷾ نسأل الله التوفيق، وأن ينصر دينه، ويعلى كلمته، ويعز الإِسلام والمسلمين.
ونسأله تعالى العناية والتوفيق وإصلاح النية، وأن يوفقنا إلى ما فيه الخير والفلاح" [١] .
ولقد قالوا:
"التوفيق قوة من عالم الغيب، يؤمن بها من تتبع أمثال سيرة عبد العزيز. خطط الحرب فن، والتغلب أو بسط السيطرة فن، والسياسة والإدارة وما إليها من شئون المجتمع، كل منها فن له قواعده ومدارسه. ومن المدارس التجارب والمِران وطول الممارسة. أما "التوفيق"فأمر فوق ذلك كله. لا فائدة له، ولا مدرسة، ولا سابقة ينسج على منوالها.
وفى الناس من يُسعف بالحظ مرة أو مرات، فيقال: قد وفُقّ، ولكنه لا يكون "موفقا"مادام يتأرجح أحيانا بين التوفيق ونقيضه. أما الموفق- حقا- فذلك الذي تجري الأحداث، أو تكاد تجري متتابعة متجانسة، على وفق غرضه، وعلى مدى مصلحته" [٢] .
[ ٣١ / ٢٩٧ ]
وإن جليل توفيق الله على الملك عبد العزيز، أن أيده في كل ما قام به من عمل، فهو ﷾ موفقه ومؤيده، ومؤازره في كل خطوة خطاها، فقد فتح الرياض، وضم الخرج، والمحمل، والشعيب، والوشم، وانتصر على الأعداء فخلّص القصيم، وفتح الأحساء، وضم عسير، وفتح حائلا، والجوف، وكان توفيق الله في أسمى صورة حينما ضم الحجاز، ووجه كل اهتمامه وعنايته إلى الحرمين الشريفين.
وهكذا فقد خلّص﵀- البلاد والعباد مما دهاهم مئات السنن، واجتمع الناس عليه، فأصبح مسئولا عنهم أمام الله ﷾، فعليه أن يرعى الله فيهم، فيسلك بهم طريق النجاة للدنيا والآخرة.
كان الملك عبد العزيز آل سعود صادقا مع نفسه، وما عاهد الله عليه من التمسك بالمنهج الإلهي، والدستور السماوي القرآن الكريم، وسنة رسول الله ﷺ، وطريق السلف الصالح من الصحابة والتابعين بلا تأويل، أو ابتداع، أو تغيير.
كان أول ما نادى به، إخلاص التوحيد لله، ومما علق به من كل شائبة، وجعله لله وحده، فلا يشرك به، منفردا بالعبادة والقصد.
وهذا هو الأساس المتين الذي يجتمع عليه المسلمون، حتى يثبت الإيمان، ويرسخ في الصدور، وبعده يهون كل شيء.
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ . (النساء: ٦١) .
وما ترك﵀- مناسبة ولا اجتماعا، دون أن يذكرّ الناس بالتوحيد الخالص لله، فهو يعرف أن التوحيد إذا علق به شيء ضعفت النفوس، وأصبح من السهل أن تنقاد لغير الله، قال ﵀:
"هذه هي العقيدة التي قام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب يدعو إليها، وهذه هي عقيدتنا، وهي عقيدة مبنية على توحيد الله ﷿ خالصة من كل شائبة، منزهة من كل بدعة، فعقيدة التوحيد هذه، هي التي ندعو إليها، وهي التي تنجينا مما نحن فيه من محن وأوصاب " [٣] .
[ ٣١ / ٢٩٨ ]
"إن المسلمين في خير ماداموا على كتاب الله، وسنة رسوله، وما هم ببالغين سعادة الدارين إلا بكلمة التوحيد الخالصة " [٤] .
"وقد نصرنا الله بقوة التوحيد الذي في القلوب، والإيمان الذي في الصدور، ويعلم الله أن التوحيد لم يملك علينا عظامنا وأجسامنا فحسب، بل ملك علينا قلوبنا وجوارحنا، ولم نتخذ التوحيد آلة لقضاء مآرب شخصية، أو لجر مغنم، وإنما تمسكنا به عن عقيدة وإيمان قوي، ولنجعل كلمة الله هي العليا" [٥] .
ثم ينطلق الملك عبد العزيز بالدعوة إلى التوحيد من محيط الجزيرة العربية، فيتخذ موقف الداعي إلى الله، ليبلغ ما يجب عليه تجاه نشر الدعوة، فيدعو المسلمين جميعا في أنحاء الأرض إلى التوحيد الصحيح، وينطلق بهم إلى العمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وحينما يرى المسلمين قد نفذوا ذلك، واتحدوا على العمل بما يدعو إليه، سيجدون أنه واحد منِ المسلمين يسعى لخيرهم، ويسهر على راحتهم، لا بصفته ملكا أو زعيما أو أميرا، بل فردا من عامة المسلمين، وليس هو وحده فحسب بل ومعه أولاده وجيشه وقومه، ثم يشهد الله على قوله وتبليغه للمسلمين فيقول:
"إن المسلمين بخير إذا اتفقوا، وعملوا بكتاب الله وسنة رسوله ليتقدم المسلمون للعمل بذلك، فيتفقوا فيما بينهم على العمل بكتاب الله وسنة نبيه، وبما جاء فيهما، والدعوة إلى التوحيد الخالص فإنني- حينذاك- أتقدم إليهم فأسير وإياهم جنبا إلى جنب في كل عمل يعملونه، وفي كل حركة يقومون بها والله إني لا أحب الملك وأبهته، ولا أبغي إلا مرضاة الله، والدعوة إلى التوحيد ليتعاهد المسلمون فيما بينهم على التمسك بذلك، وليتفقوا، فإنني أسير وقتئذ معهم لا بصفة ملك أو زعيم أو أمير، بل بصفة خادم أسير معهم أنا وأسرتي وجيشي وبنو قومي؟ والله على ما أقول شهيد، وهو خير الشاهدين" [٦] .
[ ٣١ / ٢٩٩ ]
ثم يذهب ﵀ إلى أبعد من ذلك، فيرى أن كلمة التوحيد الصحيحة ونشرها، والعمل بها بين المسلمين، لو تمت على يد أعدائه، لكان فرحا بذلك، ولاتحد معهم، وسار في طريقهم، وإن تمت على يده اعتبر ذلك منّة، وفضلا من الله ﷾.
"وإني أجاهد لإعلاء كلمة التوحيد، والحرص عليها، وأحب أن أراها قائمة ولو على يد أعدائي، وإن تمَت على يدي فذلك من فضل الله" [٧] .
* * * * * *
كان ﵀ في كل اجتماعاته الخاصة والعامة، بين أهله وخاصته، أوبين أهل البلاد، حينما يلتقي بهم في كل مناسبة، أوفي اجتماعاته الدولية بين عامة المسلمين، يوصي بالتمسك بالكتاب والسنة، وأن يجتمع الناس عليهما وأن يعملوا بما فيهما، فليس في الحياة أمر إلا وتعرض له القرآن الكريم ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ والسنة الشريفة، وليس هناك خصلة مفيدة ونافعة إلا يدعوان إليها. خطب يوما أهل مكة فكان مما قاله:
"ولكن هناك نعمة حقيقية لا تزول، وخزينة لا ينضب معينها، هي الاعتقاد بأن لا إله إلا الله، وهذه النعمة مشروعة في كل مكان، ولكنها لهذه البقعة المباركة ألزم، لأن الحسنات والسيئات تتضاعف فيها، ولأن الله أختارها لتكون مهبطا للوحي، وجعل زيارة حرمها من أركان الإسلام".
وقال ﵀ حينما جاء إلى المدينة المنورة، وسلم على رسول ﷺ، وصلى بالمسجد النبوي، ثم خطب الناس فكان مما قاله:
"وإن خطتي التي سرت، ولا أزال أسير عليها، هي إقامة الشريعة السمحاء، كما أنني أرى من واجبي ترقية جزيرة العرب، والأخذ بالأسباب التي تجعلها في مصاف البلاد الناهضة، مع الاعتصام بحبل الدين الإسلامي الحنيف".
وخطب يوما في حجاج بيت الله الحرام فقال في خطبة طويلة:
[ ٣١ / ٣٠٠ ]
"والمقصود من هذا الاجتماع هو أن نحدد اسم الإسلام، ونعمل بمعناه، والإسلام معناه: الاستسلام لله تعالى، والطاعة له، والإيمان بكتابه ورسله، وقواعد الإسلام قائمة على كتاب الله، وسنة رسوله، وأعمال الخلفاء الراشدين، وما اتفق عليه الصحَابة الكرام، وما جاء به فيما بعد الأئمة الأربعة فهو حق لا نحيد عن ذلك قط" [٨] .
ولقد ظهر جماعة من المتفرنجين من المسلمين، يدعون إلى ما يسمونه بالتجديد، وإلى الأخذ بكل ما في الغرب، ونادوا بالخروج على تقاليد الدين الإسلامي الحنيف، ودعوا الشرق بأن يسير وراء الغرب، وكانوا مغرضين في ذلك، فانبرى لهم الإمام ﵀، ففند مزاعمهم، وسفه أحلامهم، ورد عليهم بالحجة والدليل والمنطق في كَثير مما قاله في خطبه ومجالسه ومنتداه.
قال ﵀:
"يقول كثير من المسلمين: يجب أن نتقدم في مضمار المدنية والحضارة، وإنّ تأخُرَنا ناشئ من عدم سيرنا في هذا الطريق، وهذا ادعاء باطل، فالإسلام قد أمرنا بأخذ ما يفيدنا ويقوينا على شرط أن لا يفسد علينا عقائدنا وشيمتنا، فإذا أردنا التقدم يجب أن نتبع الإسلام، وإلا كان الشر كل الشر في اتباع غيره" [٩] .
"يقولون: (الحرية) ويدعي البعض أنها من أوضاع الأوربيين، والحقيقة أن القرآن الكريم قد جاء بالحرية التامة الكافلة لحقوق الناس جميعا، وجاء بالإخاء والمساواة المطلقة التي لم تحلم بها أمة من الأمم، فآخى بين الصغير والكبير، والقوي والضعيف، والغني والفقير، وساوى بينهم [١٠] .
ويقولون التمدن والمدنية الأوربية هي الغاية القصوى، وهذا وهم باطل، فإن الله جعل من كل شيء أفضله مباحا لنا، وأحب شيء إلينا هو العمل الخالص، والنية الحسنة" [١١] .
[ ٣١ / ٣٠١ ]
"إننا لا نبغي التجديد"الذي يفقدنا ديننا وعقيدتنا إننا نبغي مرضاة الله ﷿، ومن عمل ابتغاء مرضاة الله، فهو حسبه، وهو ناصره، فالمسلمون لا يعوزهم التجديد، وإنما تعوزهم العودة إلى ما كان عليه السلف الصالح" [١٢] .
ولقد بدأ ﵀ بالدور العملي في تنفيذ حدود الله في جميع مناحي الحياة، وعلى الجميع، لا فرق بين غني وفقير، وأمير وغير أمير، وأصبح الناس كلهم سواء أمام القانون السماوي، وهدد أولئك الذين قد تحدثهم أنفسهم بالفوضى، والمضاربة بالأقوال، والتلاعب بالكلمات والألفاظ، ويظهرون الأمور على ما ليست عليه، لقد حذرهم فكان مما قاله:
"إن البلاد لا يصلحها غير الأمن والسكون، لذلك أطلب من الجميع أن يخلدوا للراحة والطمأنينة، وإني أحذر الجميع من نزعات الشيطان، والاسترسال وراء الأهواء التي ينتج عنها إفساد الأمن في هذه الديار، فإني لا أراعي في هذا الباب صغيرا أو كبيرا، وليحذر كل إنسان أن تكون العبرة فيه لغيره" [١٣] .
لقد شغل بال الملك عبد العزيز الأمن والسكينة في هذه البلاد المترامية الأطراف، الواسعة المساحة، وللبادية وسكانها خطرهم، فهم منتشرون في مساحات شاسعة بين الخليج العربي والبحر الأحمر، وما بين خليج عدن، وما يقابله في الشمال.
هذه المساحة الكبيرة لم تر الأمن والسكينة من زمن بعيد، فقد رجعت عناصر الشر إلى عاداتها وطبائعها، إذا استثنينا فترات قصيرة، كانت بمثابة هدنة. وفي العهد التركي وعهد الشريف أصبحت أشد خطرا، وأعظم فتكا، فليس هناك ما يردعهم، أو يقلم أظافرهم، ولأن البلاد ممزقة بسبب الثأرات بين القبائل، فكانت الإغارة والسلب والنهب والقتل من المهن المعترف بها، وكان أهل البادية دائما يتربصون بالقوافل وقطعان الماشية الدوائر.
[ ٣١ / ٣٠٢ ]
ولكي يأمن التاجر على نفسه وما معه إذا كان يجتاز الصحراء، عليه أن يدفع الإتاوات على طول الطريق الذي يمر به، فالتاجر الذي يجيء من البحرين مثلا يدفع قبل أن تطأ رجله العقير إتاوة للعجمان، ومن العقير إلى النخل خمسة أميال، أتاوة للمناصير، وكذلك أم الذر وبني هاجر
وإذا فاز التاجر بحياته وبقى شيء في كيسه فمن المؤكد أن أحماله لا تصل كلها إلى المكان الذي يريده. وكان في عهد الترك إذا خرج العسكر لتأديب جماعة من هؤلاء البدو، يطاردهم البدو، فيغلبونهم، ويأخذون خيلهم وثيابهم، ويرجعونهم إلى مكان إقامتهم حفاة عراة.
والأدهى والأمر ما كان يصنع بحجاج بيت الله الحرام، كانوا عرضة للسلب والنهب والقتل، وكان الحجاج يخرجون من بلادهم، ولا أمل لهم في العودة، وقد حملوا معهم أكفانهم، فكانوا في جهاد وقتال مع أهل البادية الذين يأخذون منهم ما يطلبون، ولم يكونوا يكتفون بما أخذوا بل كانوا يغيرون على مؤخرات القوافل يسلبون ويقتلون، ولا أحد يستطيع أن يغير شيئا مما كان يحدث.
حتى أرض الحجاز لم تسلم من بطش أهل البادية في معظم جهاتها، والعلة في ذلك أن حكام الحجاز لم يكونوا على كثير من الحكمة والسياسة التي تلائم العرف عند القبائل، أو لم يكونوا متفرغين للأمن، ولم يكن يجدي ما يدفعون من أموال، فقد كانت القبائل تأخذ الأموال، ولا تمتنع عن السلب والنهب، ولم يخطر على بال أحد منهم أن يحكم الشريعة الإسلامية، لذلك فإن الفوضى الأمنية قد عمت جل البلاد، فمثلا طرق المدينة المنورة لم يكن في الاستطاعة أن يقام فيها الأمن وأن يستتب، فكانت مسرحا لحوادث جسام، فالقبائل تعتدي على الحجاج، وتسلب ما معهم، وقد تفرض عليهم إتاوات كبيرة.
يقول الصحفي المصري محمود أبو الفتح﵀- في صحيفة الأهرام عام ١٩٣٠ م:
[ ٣١ / ٣٠٣ ]
"كان بعض الأعراب يذبحون الحاج وإن كان فقيرًا لاستلاب ما معه، وكانوا يذبحون الحاج في رابعة النهار، ولم يسلم من أذاهم أحد، ولمَ يجدوا من يردعهم، فعاثوا فسادا، حتى كان المسلم يخرج وهو لا يدري أيعود إلى وطنه أم يقتله السفاحون" [١٤] .
وحتى أهل البادية، لم يكونوا في صفاء مع أنفسهم، كانوا متفرقين مختلفين، تزداد العداوة والبغضاء بينهم نُموا يوما بعد يوم، يقتل بعضهم بعضا لأتفه الأسباب، ويأكل القوي منهم الضعيف، تنشب المعارك الضارية، فيقتل منهم العشرات، لا ينامون على خير، بل يعدون للشر والانتقام، ويندفعون للتخريب لذلك لم يهدأوا ولم يأمنوا، وكانوا يسيرون في جماعات حاملين السلاح، وكأنما رجعت الجاهلية الأولى فاشتعلت نار الفتن، وتقطعت الأرحام وتواثبوا في الأسواق، وعلى حدود القبائل، وخاف بعضهم بعضا، فحملوا السلاح ليلا ونهارا.
يقول صاحب كتاب "عنوان المجد":
"كانت الفتن مستمرة، والغارات دائمة بين القبائل ففي ١٢٣٩ هـ وقعت فتن وقتل رجال، وأخذت أموال من كل بلد وناحية من القصيم والعارض والخرج والجنوب وغير ذلك.
وكان بعض القَبائل يغير على القرى والمدن ففي ١٢٣٧ هـ مثلا أغارت بوادي سبيع على- قرية- منفوحة، وأخذوها عنوة ونهبوا وسلبوا النساء، وقطعوا الثمار واستولوا على البلد وعم القتل في هذه السنة في القصيم وسدير والوشم والعارض والخرج والجنوب" [١٥] .
وهكذا فقد ساد الجزيرة فوضى، رجع الناس بسببها إلى ما كان قبل بعثة الرسول ﷺ.
[ ٣١ / ٣٠٤ ]
استرشد الملك عبد العزيز برأي الدين في معالجة كل أموره، وبما هداه الله إليه من عمل، ووهبه من ذكاء وخبرة، لم يلجأ ﵀ في أول الأمر إلى القوة واستخدام السيف للخارجين على الدين، والعابثين في الأرض فسادا، وكان الخطر الداهم على البلاد من البادية، لأن أهلها جُبلوا على عادات وطباع خاصة، هم في حاجة إلى علاج ناجع يحسم الداء، ويجعل منهم مجتمعا صالحا للحياتين.
لقد رأى أن هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله، وأن لهذا الدين سحرًا عجيبًا في قيادة الناس على اختلاف مشاربهم وحياتهم، وأنه هو الذي صنع من أهل البادية أعظم أمة عرفها التاريخ، وأن الناس حينما تخلوا عن مبادئ هذا الدين الحنيف، تخلى الله عنهم فتاهوا في الظلمات سنين طويلة، أما وقد وفق الله لإقامة شعائر هذا الدين، فقد رأى الإمام والملك المصلح﵀- تبصير أهل البادية بأمر دينهم، وجمع كلمتهم على هدى الإسلام.
لقد أرسل إليهم من يبصرهم بأمر دينهم، ويرشدهم إلى الطاعات، فكان في كل قبيلة من قبائل البدو الرحالة والمستقرة من يعلم الناس أصول هذا الدين القويم، ويوجههم إلى ما ينفعهم في حياتهم، ويجيب عما يسألون عنه في أمور الدنيا والآخرة، فالتفوا حوله، وشغلوا بالعمل الصالح، وأصبح له مكانة كبيرة في نفوسهم، وصار يخطب لهم يوم الجمعة وكل المناسبات الدينية كالعيدين والاستسقاء وغيرهما، ويصلي بهم، ويعلم أبناءهم، ويفتي كبارهم، ويعقد الزواج، وبقسم المواريث، ويتوسط في حل المشاكل.
[ ٣١ / ٣٠٥ ]
ورأى الملك عبد العزيز﵀- أن عامل الحالة الاجتماعية يساعد كثيرا على الاستقرار ويقوي الناحية الدينية، ويسد الطريق على من تحدثه نفسه بأن يسلك طريقا غير مشروع لجلب الرزق، فأراد أن ينتقل بالبدو من حياة البادية المتنقلة، إلى حياة الهِجَر، ليتركوا حياة السفر والتنقل من مكان إلى آخر قد يجدون فيه ما يسد رمقهم، وقد لا يجدون، فيميلون إلى السطو والنهب أراد أن ينتقل بهم إلى حياة السكون والاستقرار، وليتركوا حياة الرعي إلى حياة الزراعة والرعي. وأنشئت الهجرة الأولى على آبار الأرطاوية على طريق بين الزلفي والكويت عام ١٣٣٠ هـ، وأصبحت خلال بضع سنوات مدنا فيها من السكان ما يزيد على العشرين ألفًا، ثم تلي الأرطاوية حركة عامة بين البدو لترك حياتهم البدوية والسكنى في قرى جديدة، كانوا ينشئونها بمعونة من بيت مال المسلمين، تحفر البئر ويبنى المسجد الذي هو مجتمع القرية ومدرستها، وكانت السرعة هي الرائد في كل ما يقومون به من أعمال.
وهكذا فقد أصبحت المساجد غاصة بأهلها ممن تركوا الخرافات والبدع وعادات الجاهلية، وواظبوا على الصلاة في أوقاتها، وتواصوا بالأخلاق الإسلامية الصحيحة التي تحث على الفضيلة والإيمان.
وأصبحت الزراعة هي موردهم الذي منه يأكلون ويتاجرون ويربحون، فتكونت عندهم الثروات والمال الكثير، وفي نفس الوقت فقد انتشرت المعسكرات، ليكوّنوا من الشباب أمة مسلمة تدافع عن مبادئها، وترد كيد كل من يحاول أن ينال من دولتهم الفتية بقيادة قائدهم الأعظم عبد العزيز آل سعود، وهم على استعداد للقتال معه في أي وقت.
[ ٣١ / ٣٠٦ ]
لقد كانت خطة الإمام عبد العزيز منذ تولى إمارة الرياض، أن ينفذ حكم الله في كل من خرج على حدوده، فَكان يتتبع الجرائم الكبيرة بنفسه، ويتعقبها، ويحث جهات الاختصاص على رفع نتائج الحوادث وتطورها إليه أولا فأولا، ويصدر أوامره بشأنها، ويشفع كل ذلك بالحزم والدقة حتى تنكشف الجناية، وكان إذا عرضت عليه قضية درسها من جميع الوجوه بما له من علم ومعرفة وخبرة وذكاء مبينا ما جاء في الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين ثم يصدر حكمه.
وكان كثيرا ما يقرأ ظروف وملابسات كل قضية يطلب منه التصديق عليها، وقد يعيد الحكم فيها، من ذلك ما رفع إليه من قضية طُلِبَ منه التصديق على حكم أصدرته إحدى المحاكم الشرعية، بإعدام جندي قتل زوجته وجنديا آخر، وكان تنفيذ الحكم معلقا على موافقة الإمام.
درس - ﵀- القضية، فظهر له أن الزوجة كانت قد غابت عن بيتها أياما، وبحث عنها زوجها فوجدها عند أحد الجنود، فأطلق عليها الرصاص وسألته المحكمة، فأقر بالقتل، ولم يحسن الدفاع عن نفسه فحكمت المحكمة بإعدامه.
ولم يكد ينتهي من القضية، حتى دعا رئيس المحكمة إليه فقال له:
"ألم تقرأ الحديث الذي فيه "إنني أغيركم، والله أغير مني"" [١٦] .
ثم أطلق القاتل لأنه كان يدافع عن عرضه. وهذا من توفيق الله [١٧] .
ولما اتسعت البلاد، جعل لكل ناحية أميرا، وكان على كل أمير أن يجمع رؤساء القبائل والعشائر، ويؤمنهم على أنفسهم ومعيشتهم، ويشترط عليهم أن يكونوا قادرين على حفظ الأمن في حدود أراضى قبيلتهم، وكل حادثة تحدث في منطقة أحدهم يكون مسئولا عنها هو وقبيلته، سواء أكانت بين بعضهم أو حوادث لأجانب من التجار أو الحجاج أو غيرهم.
[ ٣١ / ٣٠٧ ]
علم أمير الطائف في أوائل ضم الحجاز أن البدو اختطفوا اثنين من حجاج الهند وقتلوهما، وأخذوا أمتعتهما، فأمر بإحضار كبار القبيلة التي حصل في حدودها الحادث، وحدد لهم ثلاثة أيام لإحضار المسروقات، والإرشاد عن جثث القتلى، وأقسم أنه إذا انقضى الميعاد المضروب دون نفاذ المطلوب، ليبيدن القبيلة بأكملها، وقبل مضي الميعاد، أحضر رجال القبيلة المسروقات، وأرشدوا إلى جثث القتيلين، وأخيرا أرشدوا إلى اثنين اعترفا بالقتل، فأمر بقطع رقبتهما.
وفى هذه المرة اعتداء على السعوديين فقد جاء إلى القصر في الرياض بضعة رجال من إحدى القبائل، يطلبون عيشا وكسوة، فكان لهم ما ابتغوا، ثم ارتحلوا، فمروا في طريقهم ببعض الجمال والنوق، فساقوها أمامهم، فشكاهم أصحابها إلى السلطان عبد العزيز، فبعث السلطان من يحمل الخبر إلى أمير الاحساء، فما وصل إليه الخبر، حتى تحرك رجال الدولة يبحثون عن اللصوص، وما هي إلا أربع وعشرون ساعة حتى جيء بهم وبالمسروقات ولقوا جزاءهم.
﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ . (المائدة: ٣٣) .
لقد ألقى الله في قلب كل من تُسوّل له نفسه السير في طريق العدوان والفساد وسادت الرغبة في الحفاظ على حقوق الله وحقوق العباد، فكان يُرَدَد في كل مكان: "الحكم للشرع"، "السارق تقطع يده"، "القاتل يقتل""دل عبد العزيز"، "التمسك بشريعة الإسلام" "الصلاة الصلاة ".
كلمات تسمع في البادية، وفي القرى والمدن، وفى البر والبحر، وفى الأماكن المقدسة، يرددها الناس فتزلزل القلوب، وتخيف النفوس المريضة، وتزيد المؤمنين إيمانا وطمأنينة.
[ ٣١ / ٣٠٨ ]
بل لقد انتقلت هذه الكلمات إلى عامة المسلمين في جميع البلاد الإسلامية، في الصحراء وفى المدن والدساكر، في أعماق بلاد المسلمين، يهنيء بعضهم بعضا، بسبب ما وصل إليه الأمن والأمان في البلاد المقدسة، وبنجاح التجربة الإسلامية، وعودة بلد من بلاد المسلمين إلى الحكم بكتاب الله، ويتمنى أن تنال هذه التجربة الناجحة بلاد المسلمين فيرجعوا إلى كتاب الله.
لقد شجع بعضهم بعضا على أداء الحج والعمرة، وغاب عامل الخوف والرعب، فكانوا يقولون:
هيا إلى الحج، هيا إلى العمرة، إلى الأماكن المقدسة، إلى مكة وإلى المدينة، الطريق آمن، ابن سعود يحكم بالشرع، عبد العزيز قضى على القتلة والسفاحين، سنرجع بسلامة الله.
كلمات لا يزال يحكيها المعمرون في أقاصي البلاد الإسلامية، الذين رأوا بأعينهم الأعمال العظيمة التي قام بها عاهل الجزيرة الملك عبد العزيز آل سعود، فكانت خير شاهد على توفيق الله له.
ولقد جاء في الحديث الصحفي الذي نشره محمود أبو الفتح﵀- وقد زار البلاد، ورأى بعينيه ما وصلت إليه البلاد منذ أكثر من خمسين سنة ما يأتي:
"وجاء ابن سعود، فضرب أمثلة كان يأمر بالسارق فتقطع يمناه، وبالقاتل فيجز رأسه في السوق العامة تلك أمثلة ولكنها كانت درسا نافعا، فقد قطع ابن سعود عشرات من رءوس اللصوص والقتلة، وأنقذ بذلك رءوس الألوف من حجاج بيت الله الحرام".
ثم يكمل حديثه فيقول:
والآن تسير الفتاة من طرف الجزيرة الغربي إلى طرفها الشرقي، تحمل الذهب، فلا يتطلع إليها أحد، بل يرى الناس قطعة الذهب أو الفضة ملقاة على الأرض، تسقط من بعض المارة، فلا يقربونها، وإنما يبلغون عنها الشرطة.
ويحدثني المعتمد البريطاني في جدة عن حالة الأمن فقال:
[ ٣١ / ٣٠٩ ]
"إنها إن دامت سنوات بلغت البلاد درجة عظيمة من الرقي. إنّ الأمن في الحجاز، لا مثيل له في أي بلد من بلاد العالم الآن" [١٨] .
وقال محمد بن عبد الله الأنصاري الاحسائي:
"والمملكة العربية السعودية تتقدم من حسن إلى أحسن، قد عمها الأمن، وشملها العدل، واتسع الرزق، وكثرت موارده، وعم اليسار معظم طبقات الشعب بما أجرى الله في جهات الاحساء من ينابيع الزيت بحكمة هذا الملك المصلح فقد طبق في مملكته الأحكام الشرعية التي جاء بها القرآن ونطقت به سنة النبي الكريم محمد بن عبد الله ﷺ، فقتل القاتل، وقطع يد السارق، وجلد شارب الخمر، ورجم الزاني المحصن، وشدد العقاب على المعتدين والعابثين بالأمن، فنعمت البلاد بأمن لم تكن تحلم به، ولم يحصل لغيرها من رعايا الدول الكبيرة المتمدينة، وأقام الدليل الواضح على أن شريعة الإسلام هي الشريعة الكفيلة لسيادة البشر في كل زمان ومكان، فجزاه الله عن المسلمين خيرا" [١٩] .
والحمد لله، لقد أصبحت حدود الله، والمحافظة عليها قائمة إلى وقتنا هذا، وستظل دائما إن شاء الله، بفضل الله، ثم بفضل أولئك الذين وفقهم الله، لإقامة حدود الله، وإن شريعة الله تتفق مع فطرة الله التي فطر الناس عليها، ففيها الأمن والأمان والهدوء والاطمئنان.
لقد أرسى أَسَاسًا متينا للإصلاح الاجتماعي الذي هو الغاية العظيمة من جهاد تلك السنين الطويلة الشاقة، والمتاعب الجسام. التي وفقه الله فتغلب عليها، فلم يهن، ولم يضعف، بل ظل على حيويته ونشاطه، وابتساماته العريضة التي يقابل بها جميع الناس، وصدره الذي شرحه الله دائما فهو الهاش الباش لجميع الذين يلقاهم ويلقونه، فإذا رأيته لحظات غاضبا، فإنما غضبه لله وفي الله.
والحمد لله لقد تخطى عقبتين كؤدين ومشكلتين عظيمتين هما الهجر والأمن والاطمئنان، فاستحق عن جدارة أن يلقب بالمصلح والرائد الاجتماعي في العصر الحديث.
[ ٣١ / ٣١٠ ]
ولقد واصل الإصلاح بتفكيره المنطلق، وعقله الواعي، وإيمانه الأكيد، وآماله العريضة، لجلب كل مَا يدخل السعادة على هذه الأمة التي قاست مئات السنين، فكانت ريادته للنهضة الاجتماعية والعمرانية والاقتصادية والثقافية.
كان﵀- في أول الأمر يفكر من أين يبدأ؟ وما الطريق الذي يسلكه؟ ومن أين له بالمال الكثير الذي به يبني وعليه يقيم ما يرجو ويتمنى.
لقد أدى ما وجب عليه تجاه الله ﷾، وأن الله لن ينساه أبدا، فقد كان دائم التوكل عليه، وسيظل مادام فيه عرق ينبض، وأنه مازال يذكر فضله ونعمته عليه، ولا ينسى حينما كان في مكة، وهو مخيم في محلة "الشهداء"وقد فقد ما ادخر من مؤن وأقوات، ولاح شبح الجوع أو كاد، وأحس من معه بما عليه الحال، فضاقت صدور الرجال، حين قلّ المال، أما عبد العزيز فكان مطمئنا إلى أن الله لن ينساه، وسيرزقه من حيث لا يعرف ولا يفكر، فكان حينما يسأل عن هذا، يقول:
"المؤن متوفرة في نجد، غير أن الجمال مشيها وئيد من شاء الرحيل فليرحل أما أنا فمقيم. والفرج من عند الله".
لقد كانت ثقته بالله عظيمة، وتوكله عليه أقوى وأشد، فلم يأت المساء، حتى وصلت قافلة يتقدمها إسماعيل بن مبيريك أمير رابغ. وكان الشريف حسين قد قتل أخا له، فلما علم بما صارت إليه الأمور في مكة، وإقامة عبد العزيز بها، جاءه بفروض الطاعة، ومعه عشرون جملا تحمل التمر والسمن والبرّ وكان هذا رزقًا ساقه الله إليه [٢٠] .
إن الله لا ينسى عباده المخلصين، وقد كان عبد العزيز من أخلص الخلق لله تعالى، فهو يتوكل عليه حق توكله، ولابد أن الله سيرزقه من حيث لا يعلم، وسوف تفتح له أبواب من الرزق ليس عليها بواب.
وقد كان، فقد فتحت له كنوز الأرض، على حين كان يشغله أمر البلاد والعباد.
[ ٣١ / ٣١١ ]
﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ . (الطلاق: ٢-٣) .
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا. ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ . (الطلاق: ٤- هـ) .
﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ . (الطلاق: ٧) .
فكانت سعادته الفائقة في أن يصرف كل ما يصل إليه على هذه الأمة، فقد زاد المال ونما، وأدخل الله الخير على هذه البلاد، وقد يكون كل هذا بسبب دعاء رجل واحد.
ولكن الملك عبد العزيز لم يغير شيئا من عاداته، ولا من مأكله ومشربه وملبسه حتى آخر نفس من حياته المباركة.
قال طبيبه أمين رويحة: "لقد اشتدت عليه أزمة المرض في أواخر أيامه﵀- ورضي عنه: طلبنا إلى جلالته أن يستلقي في سريره للاستراحة، لأن بقاءه مستويا على الكرسي لا يُؤمّن له الراحة الضرورية للقلب.
أجاب ابن سعود على طلبنا بقوله: "ما يخالف هاتوا السرير".
فتوجه الخادمان اللذان يتوليان خدمته الخاصة فجلبا السرير سرير الملك العظيم، فنصباه في الغرفة، ويا لعظمة ما رأيت!! إنه سرير من خشب عادي متواضع، وفراش محشو بالقش صلب قاسي، وفوقه غطاء صوفي، ووسادة من النوع ذاته.
[ ٣١ / ٣١٢ ]
ذلك هو مضجع ذلك البطل الكبير الذي لا يكتسي إلا بثوب بسيط من القطن، وقد كان يستطيع بما وهبه الله من جاه ومال ومنزلة في القلوب ألا يكتفي بتوسد الفراش الوثير فحسب، بل حبات القلوب أيضا، وأن يحوط نفسه بالخدم والحشم والممرضات ليلا ونهارا، ولكنه عبد العزيز المتقشف الذي لا تأخذه بهارج الحياة" [٢١] .
راح﵀- يبحث عن وسائل الرقي والنهوض بهذه الأمة، فما عرف شيئا فيه مصلحة إلا دعا إليه، ولا عرض عليه أحد رجالاته موضوعا صالحا إلا ناقشه ونفذه، ولم يكن متعجلا في طريقة الإصلاح، بل كان كعادته يفضل التؤدة والتأني وتعرف استعداد الشعب لما يريد من الإصلاح.
كان يعتقد أنه بهذه الطريقة سيأتي اليوم الذي تبلغ به الجزيرة أسمى آيات التقدم والرقي في ظل عقيدة التوحيد، وقد كان فما نرى شيئا. من النهضة العظيمة في جميع المجالات إلا وهو يدين بالفضل لبانيها ومؤسسها المصلح العظيم﵀-. إن النهضة الإصلاحية التي قام بها هذا الرجل الكبير تحتاج إلى مجلدات ضخمة ولكن نورد بعضا منها لنَستدل به على العقلية الموهوبة، والمتفتحة على كل معالم الحياة بلا حدود، والضاربة بعمقها في كل المجالات، والمحوطة بالرعاية والتوفيق من الله.
كانت البلاد مترامية الأطراف، بعيدة الأماكن والبلاد، ووسائل الاتصال بها بطيئة، فأمر ﵀ بربط أجزاء البلاد بعضها ببعض بشبكة من المحطات اللاسلكية فكانت وحدة متقاربة الأطراف والثغور، يستطيع أن يتصل بها في أي وقت بالليل أو النهار، وفي دقائق معدودة.
وقد سمح- وهو راض مسرور- للرعية بأن يستعملوا السيارات، وأن يقتنوها ويسيروا بها في طول البلاد وعرضها ولقد كانت من قبل ذلك محرمة، فلم يسمح لأحد من أفراد الرعية باقتنائها أو الاستفادة منها.
[ ٣١ / ٣١٣ ]
وكان﵀- قد ركب السيارة لأول مرة عام ١٣٤٤ هـ. ورأى فوائدها في تقريب المسافات، فلم يستقل بها، بل سمح لجميع أفراد الشعب باستخدامها، فدخل في البلاد السيارات بأنواعها وأحجامها.
ولقد أنشئت في عهده إدارات عامة للصحة والشرطة والأوقاف والبريد والبرق واللاسلكي، وأنشئت كذلك مديرية للشئون العسكرية، ومديرية للشئون الخارجية، والمديرية العامة للزراعة، وشكلت المحاكم الشرعية، وبيوت المال، وكتاب العدل، والمجالس التجارية وكذلك مؤسسة للنقد العربي السعودي.
أعفى جميع المواد الغذائية، ومواد البناء وغيرهما من الرسوم الجمركية، وقام بشراء الآلات الزراعية الحديثة، ووزعها على الفلاحين للنهوض بالزراعة، ولقد اهتم بالتعليم، ففتح كثيرا من المدارس المتنوعة، واهتم بالمعاهد الدينية، والمكتبات العامة، وأرسل البعثات العلمية إلى الخارج، للإسهام في النهضة التعليمية، وأنشأ﵀- المستشفيات والمستوصفات في المدن الكبيرة، وأنشأ المراكز الصحية في طريق الحجاج، وأدخل نظام التطعيم، وصرف الدواء بالمجان [٢٢] .
هذا قليل من كثير في داخل البلاد، فقد عاش لخدمة شعبه ورعايته، ولم يمر يوم إلا وفيه جديد، مما يعود على البلاد بالخير العميم.
ولقد نادى الملك عبد العزيز بتأليف لجنة عام ١٩٣٧ م تضم عدة شخصيات عربية مخلصة، تعمل على وضع الأسس لتوحيد الجهود لما فيه خير الأمة العربية، وطالب بإنقاذ فلسطين، وله في ذلك مواقف حاسمة، وآراء ناضجة، ووسائل سليمة.
ولقد أسهم في تأسيس جامعة الدول العربية، ونادى بالتضامن الإسلامي، واشترك في منظمة الأمم المتحدة عام ١٩٤٥ م، وعاون كذلك في حل كثير من المشكلات في الشرق الأوسط.
[ ٣١ / ٣١٤ ]
هذه لمحات من حياة رجل من رجال الإسلام، ضرب الله لنا به مثلا أعلى في عصرنا الحاضر، وبعد مضي أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان على رسالة سيدنا محمد بن عبد الله ﷺ، ضرب به المولى ﷾ مثلا على دوام صحة التمسك بشريعته الغراء، وعلى إمكان تنفيذ حق الله وحق العباد كما جاء به إمام المرسلين ﷺ، والله خلق عباده وهو أعلم بما ينفعهم، ويعود عليهم بالخير العميم، فكان ذلك خير شاهد، وأنصع دليل على أن هذا الدين صالح لكل زمان ومكان.
ومازال- ولا يزال- إن شاء الله- ما وضع أساسه الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود واستمده من كتاب الله وسنة رسوله شامخ البنيان، واضح المعالم، جزل العطاء، مضاعف الثمرات، من الراحة والاطمئنان والهدوء النفسي والرزق الرغد، والتقدم في جميع المجالات، وفوق كل هذا، إخلاص العبادة لله ومضاعفة الشكر والحمد لله المنعم الوهاب.
فهلا قرأ حكام المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها تلك السيرة العطرة، ووعوا ما قام به صاحبها ﵀، وهلا تدبروا إخلاصه وحبه لله، فاقتدوا به في أقواله وأفعاله، وسلكوا طريقه، واهتدوا بما اهتدى به مما جاء في كتاب الله ﷾، وسنة رسوله ﷺ، وعمل به الصحابة والتابعون ﵃ أجمعين.
هلا عرفوا ذلك؟ وفعلوا مثل ما فعل هو ومن سبقه على هذا الدرب!!
لو عرفوا ذلك، لكان فيه قوة للمسلمين في هذا الزمان المملوء بالكيد للإسلام، ولأصبحنا قوة يقدرها الناس حق قدرها.
[ ٣١ / ٣١٥ ]
فبدل أن يشرق بعضنا، ويغرب آخرون. ونجري وراء السراب ونتوه في دروب التبعية والاستغلال، الأمر الذي جر علينا الوبال، وبؤنا فيه بالخسران، وأصبحنا قنطرة يعبر فوقها أعداء الإسلام إلى ما يريدون تحقيقه، وهذا ضد أهدافنا وآمالنا وديننا ودنيانا، بدل كل هذا الضياع أَمامنا كتاب الله وسنة رسوله قيل فيهما كل ما نريد، ولا فائدة أن نخترع كتبا تستمد من الأفكار المجردة، البعيدة عن الكتاب والسنة، وليست إلا سرابًا بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.
لقد كان الملك عبد العزيز ﵀ عنوانا لهذا الدين بما علم وعمل وقدم، فجزاه الله خير الجزاء، ورفع منزلته مع النبيين والصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقا.
المراجع
ا- القرآن الكريم.
٢- مع عاهل الجزيرة لعباس محمود العقاد.
٣- حياة محمد. لمحمد حسين هيكل دار المعارف بمصر الطبعة الثالثة عشر.
٤- سيرة الرسول ﷺ للإمام محمد بن عبد الوهاب.
٥- شبه الجزيرة العربية في عهد الملك عبد العزيز آل سعود لخير الدين الزركلي.
٦- كتاب آل سعود لأحمد علي. دار العباد بيروت ١٩٥٧ م.
٧- صقر الجزيرة لأحمد عبد الغفور عطار.
٨- المصحف والسيف جمع وإعداد محي الدين القابسي- الرياض المطابع الأهلية.
٩- المتوكل على الودود عبد العزيز آل سعود. لمحمد منير البديوي. الرياض ٩٧ ١٣ هـ.
١٠- الإصلاح الاجتماعي في عهد الملك عبد العزيز. د. عبد الفتاح حسن أبو عيلة. مطبوعات دارة الملك عبد العزيز ١٣٩٦ هـ.
١١- الإمام العادل الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود- السيد عبد الحميد الخطيب. مصطَفى البابي الحلبي مصر ١ ١٩٥م.
١٢- نجد وملحقاتها. لأمين الريحاني.
١٣- تاريخ الحجاز. لحسين محمد نصيف. القاهرة. مطبعة خضير.
١٤- عنوان المجد في تاريخ نجد. لعثمان بن بشر. مطابع القصيم بالرياض.
[ ٣١ / ٣١٦ ]
١٥- تحفة المستفيد في القديم والجديد. مطابع الرياض ١٣٧٩ هـ.
١٦- عبد العزيز للمؤرخ ا. افون ميكوس. ترجمة أمين رويحة.
١٧- الأمن في المملكة العربية السعودية. لواء يحي عبد الله المعلمي. ١٣٩٨ هـ.
١٨- تاريخ المملكة العربية السعودية في ماضيها وحاضرها. ج ٢ بيروت مكتبة – الحياة.
١٩_ المملكة العربية السعودية بقلم خالد السديري دار الكتاب العربي. بيروت ١٩٠٧ م.
٢٠- تاريخ ملوك آل سعود سعود بن هذلول.
٢١- تاريخ المملكة العربية السعودية للدكتور حسن سليمان محمود. دار الثناء للطباعة مصر.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] مختارة من كلمات وخطب الملك عبد العزيز (أنظر المصحف والسيف) .
[٢] شبه الجريرة في عهد الملك عبد العزيز. ج ٢ ص ٥٨١.
[٣] من خطبة ألقاها جلالته، بمكة في ذي الحجة ١٣٤٧ هـ (المصحف والسيف ص ٨٥_٨٦) .
[٤] من خطبة ألقاها جلالته بمكة في ذي الحجة ١٣٤٧ هـ (المصحف والسيف ص هـ٨ - ٨٦) .
[٥] من خطبة ألقاها جلالته بمكة بمناسبة سفره إلى المنطقة الوسطى من المملكة في محرم ١٣٤٨ هـ (المصحف والسيف ص ٨٩) .
[٦] المصحف والسيف ص ٨٧.
[٧] الإمام العادل جـ ص ١٣٢.
[٨] المصحف والسيف ص ٩٣.
[٩] المصحف والسيف ص ١٢٣.
[١٠] المصحف والسيف ص ٩٣.
[١١] المصحف والسيف ص ٩٣.
[١٢] المصحف والسيف ص ٨٦.
[١٣] المصحف والسيف ص ٢١٧.
[١٤] صحيفة االأهرام في ٦ ١/ ١١/ ١٩٣٠ م.
[١٥] عنوان المجد لعثمان بشرج ١ ص ٢٧٧.
[ ٣١ / ٣١٧ ]
[١٦] عن أبى هريرة قال: قال سعد بن عبادة يا رسول الله لو وجدت مع أهلي رجلا لم أمسه حتى آتي بأربعة شهداء. قال ﷺ: "نعم". قال: كلا والذي بعثك بالحق إن كنت لأعالجه بالسيف قبل ذلك. قال رسول الله ﷺ: "اسمعوا إلى ما يقول سيدكم إنه لغيور وأنا أغير منه والله أغير مني"- صحيح مسلم بشرح النووي ج ١٠ ص ١٣١. باب اللعان. المطبعة المصرية.
[١٧] شبه الجزيرة ج ٢ ص ٤٥٢.
[١٨] صحيفة الأهرام في ١٦/ ١١/. ١٩٣.
[١٩] تحفة المستفيد في القديم والجديد ص ١٢٤ - هـ ١٢.
[٢٠] شبه الجزيرة العربية ج ٢ ص ٥٨٤.
[٢١] عبد العزيز للمؤرخ الألماني الكبير (اكوبرت فون ميكوس) . ترجمة أمين رويحة ص ٢٨٢.
[٢٢] تاريخ المملكة العربية السعودية للدكتور حسن سليمان محمود وسيد محمد إبراهيم ص٨٤ - هـ ٨، وكتاب التوكل على الودود عبد العزيز آل سعود لمحمد منير البديوي ص ٢٤٨ - ٢٤٩.
[ ٣١ / ٣١٨ ]