الزَّلاَّقَة
مَعركَةٌ مِنْ مَعَارِكِ الإِسْلاَمِ الحَاسِمَةِ فِي الأندَلُس
للدكتور جميل عبد الله محمد المصري
أستاذ مشارك بالجامعة الإسلامية
الحمد لله الذي جعل أمة الإسلام خير أمة أخرجت للناس، أمة جهاد في سبيله، وأمة رحمة وهداية للعالمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، النموذج العملي لرسالة الإسلام وعقيدته، جعله الله ﷾ شهيدًا على أمته، وجعل أمته شهداء على النَّاس، ورضي الله عن صحابته الطاهرين، ومن قام بهديه إلى يوم الدين وبعد:
فإن المعارك العالمية التي سجلها التاريخ كثيرة، تلك التي تمخضت عنها تغييرات شاملة، ذات نتائج خطيرة، وتبقى معارك الإسلام من أشهرها وأهمها، ذلك لأن المعركة في الإسلام ليست غاية في ذاتها، فهي محصلة لأمور كثيرة، إذا وصلت إلى حدّ معينّ لابد من معركة حربية، ومفهوم الجهاد واضح المعنى وواضح الهدف، هو قتال في سبيل الله، يهدف إلى تبليغ الدعوة، ومدّها، أو تثبيتها والدفاع عنها، فإذا وصلت الأمور حاجزًا لا مجال لاختراقه بوسيلة أخرى كانت المعركة، ولابد مِن الصبرِ عليها، ومن هنا فإن معارك الإسلام تخدم الدعوة في الدرجة الأولى امتدادا أو دفاعًا أو تثبيتًا.
ومنذ معركة بدر الفاصلة –الفرقان- التي قادها سيد الخلق محمد ﷺ، والمسلمون يحاولون الوصول في معاركهم إلى مستواها في أهدافهِا ومعانيها، وتنظيمها، ونتائجها. فكانت معركة خيبر في عهده ﷺ، التي وضعت حدًا نهائياَ لتسلط اليهود في بلاد العرب، ثم كانت اليرموك التي قررت مصير بلاد الشام ومصير الإمبراطورية الرومانية كله، والقادسية التي قررت مصير العراق وبلاد فارس وإمبراطورية الفرس.
[ ٣٢ / ٣٤٧ ]
وهكذا تتابعت معارك الإسلام وتتالت، إلى أن كانت في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري معركتان: ملاذكرد (منزكرت) في آسيا الصغرى التي قررت مصير آسيا الصغرى عام ٤٦٣ هـ، والزلاقة على أرض الأندلس الشهيدة التي أوقفت الزحف الصليبي النامي إلى حين، عام ٤٧٩ هـ.
فقد ساءت حالة العالم الإسلامي في بداية القرن الخامس الهجري شرقًا وغرْبًا، فعم الرفض، وفشا التفرق في المغرَب بسقوط الخلافة الأموية وتمزق الدولة العامرية، ولكن الله ﷾ هيأ للمسلمين: السلاجقة في المشرق، حيث بلغت دولتهم ذروة القوة في منتصف القرن الخامس الهجري. والمرابطين في المغرب، وبلغت ذروتها في الوقت ذاته. وكلتا القوتين اتخذ الجهاد سبيلًا لإعزاز الإسلام والمسلمين ونصرة الدين. وكلتاهما مدّ الإسلام إلى آفاق واسعة. فقد مدّ السلاجقة الإسلام في آسيا الصغرى وأصبحت من ديار الإسلام، ومدّ المرابطون الإسلام إلى أفريقية الغربية وعبر الصحراء إلى السودان، وقاموا بواجبهم في نصرة إخوانهم في الأندلس، وحماية الإسلام.
حالة المغرب والأندلس في النصف الأول من القرن الخامس الهجري التي هيأت لمعركة الزلاقة:
أولًا: شمال أفريقيا ودولة المرابطين في المغرب:
[ ٣٢ / ٣٤٨ ]
انتثر ملك الخلافة بالمغرب (١)، وانقسم إلى إمارات صغيرة متفرقة، فقد أقام المعزّ بن باديس سنة ٤٤٠ هـ الدعوة للقائم بالله الخليفة العباسي وخلع طاعة المستنصر العبيدي، (وكان قبل ذلك يسب بني عبيد سرًّا)، فبعث المستنصر القبائل العربية من بني هلال ورياح وزغبة لمحاربته، فكانت الحروب الهائلة بين ابن باديس والعرب الذين دخلوا القيروان (٢) . وكثر المتغلّبون على الشمال الأفريقي بأجمعه، فاستولى بنو هلال على المناطق الممتدة في الداخل من قابس إلى المغرب، وظل بنو زيري يحتفظون بالمهدية وما يليها، واستقر أمر بني حماد في بجاية، واستقل حمو بن ومليل البرغواطي في صفاقس بعد أن حالف العرب، واستقل ابن خراسان بتونس سنة ٤٥٨ هـ، واستقل موسى بن يحيى بفاس، وحاكم قفصة الزيري بعد أن استعان بالعرب مقابل جزية سنوية (٣) .
كما تعرض الشمال الأفريقي لغارات النورمان يدفعهم الحقد الصليبي، فقد تملكوا صقلية من المسلمين بقيادة رجار سنة ٤٦٤ هـ (٤)، ماعدا مدينتي قصريانه وجرجنت، اللتين حاصروها حصارًا شديدًا، واستسلمت جرجنت سنة ٤٨١ هـ، وتبعتها قصريانه سنة ٤٨٤ هـ (٥) . وشجع البابا فكتور الثالث على تكوين طائفة من رجال البحر من بيزه وجنوة للإغارة على السواحل الإسلامية الأفريقية، فهاجموا مدينة المهدية وزويلة، وعادوا بعدد عظَيم من أسارى المسلمين رَجالًا ونساء (٦) وبمبلغ عظيم من الذهب والفضة مقابل رحيلهم وذلك سنة ٤٨٠ هـ
_________________
(١) نفح الطيب جـ ١ ص ٤١٣.
(٢) المؤنس في أخبار إفريقية وتونس ص٨٤- ٨٥/ ابن خلدون جـ٦ ص ٢٨٨.
(٣) المغرب الكبير- السيد عبد العزيز- ص ٦٧٣.
(٤) ابن خلدون جـ٤ ص٤٥٠/ المؤنس ص ٨٩.
(٥) الكامل في التاريخ جـ ٨ ص ١٥٧.
(٦) ابن خلدون جـ ٦ ص ٣٢٨.
[ ٣٢ / ٣٤٩ ]
وفي هذه الظروف الحالكة انبعثت من قلب الصحراء الكبرى الأفريقية، قوة إسلامية، تدعو إلى التمسك بالِإسلام، مصدر قوة المسلمين، وتجدد جريان الحياة في تياره، باتخاذه دستوراَ يحكم حياة الإنسان في جميع نواحي الحياة.
فقد توجه يحي بن إبراهيم الجدالي- أمير جدالة- في جماعة إلى الحج (١) عام ٤٤٠ هـ، وعرجوا في عودتهم على القيروان، واستمعوا إلى علمائها، وكانت في هذه الفترة قد نبذت المذهب الشيعي، وعادت إلى أهل السنة والجماعة، فاسترجعت مكانتها كقاعدة للمذهب المالكي في المغرب، فاتصلوا بأبي عمران موسى الفاسي شيخ المذهب المالكي (٢)، وطلبوا منه أن يرسل معهم عالمًا يعلمهم الدين، فأرسل معهم الشيخ عبد الله بن يِاسين الجزولي (٣) وكان من حذاق الطلبة ومن أهل العلم والصلاح، واعتبر عمل هذا جهادًا لنشر تعاليم الإسلام الصحيحة بين الذين حرموا من نعمة المعرفة والعلم. فقام بدوره، فأخذ يفقه الناس ويعلمهم الشريعة، وأقام رباطًاَ يرجح إن مكانه في السنغال أو النيجر، والتف حوله جماعة من لمتونة إحدى بطون صنهاجه كجدالة من البرانس البربر؛ بلغ عددهم حوالي الألف رجل، أطلق عليهم اسم (المرابطون) نسبة إلى رباط عبد الله بن ياسين، حيث تلقوا فيه تكوينهم الديني والجهادي، وحوّلهم من رعاة إبل إلى جماعة من المجاهدين، يحملون عبء تبليغ الدعوة الإسلامية، وتصحيح مفاهيم العقيدة. وسمّوا بالملثمين أو الملثمة لاتخاذهم لثامًا داكن اللون يغطي الجزء الأدنى من وجّهوهم (٤)
_________________
(١) المؤنس جـ١٠٤، الاستقصا لأخبار المغرب الأقصى جـ ٢ ص ٦.
(٢) ابن خلدون جـ٦ ص٣٧٣/ البيان المغرب جـ٣ ص٢٤٢ وأبو عمران أصله فاسي استوطن القيروان وحصلت له بها رئاسة العلم، أخذ عن كثير من علماء المشرق والمغرب، رحل إلى قرطبة والمشرق وحج ودخل العراق، أخذ عنه الكثير من أهل العلم. وتوفي عام ٤٣٠ هـ (المؤنس- حاشية ص١٠٤) .
(٣) المؤنس ص ١٠٤- ١٠٥.
(٤) وقيل إن سبب اتخاذ لمتونة للثام: اتخاذهم في أعراسهم نوعًا خاصًا من الحجاب، أو لأنه حدث ذات مرة في بعض حروبهم إن نساءهم كن يقاتلن معهم محجبات حتى يحسبن بذلك في عداد الرجال (انظر السلاوي-الاستقصا جـ ١ص ٩٨-٩٩، عنان-دول الطوائف ص٢٩٩) .
[ ٣٢ / ٣٥٠ ]
وكان على رأسهم المجاهد يحي بن عمر بن إبراهيم اللمتوني الذي توفي سنة ٤٤٦ هـ أو٤٤٧ هـ (١)، فخلفه أخوه: أبو بكر بن عمر اللمتوني، وكان كأخيه مثال الإخلاص والتضحية والقيادة الناجحة، فمدّ الإسلام في إفريقية وبلاد السودان، وأمضى حَياته في الجهاد، وتنازل لابن عمه يوسف بن تاشفين الذي أثبت مقدرة ومهارة أكسبته مكانة عالية بجانب شهرته العسكرية (٢)، واستمر أبو بكر في جهاده إلى أن استشهد في الصحراء عام ٤٨٠ هـ (٣) .
اتخذت الدولة المرابطية أغمات عاصمة وهي على بعد ٣٥ كم جنوب شرقي مدينة مراكش، ثم اختط يوسف مدينة مراكش عام ٤٥٤ هـ/١٠٦٢ م أو بعدها بقليل، وأسس قصبة ومسجدًا، وكان يشارك العمال بنفسه في بناء المسجد تواضعًا لله وتورعًا (٤) .
تمكن المرابطون بقيادة يوسف من توحيد المغرب وإنقاذه من الفرقة وأزالوا المنكرات، ورفعوا المكوس الجائرة، وفرقوا الأخماس على المرابطين والفقهاء، وطبقوا أحكام الدين، وقضوا على الروافض، ورجع من بقي منهم إلى أهل السنة والجماعة، كما قضوا على مذهب صالح ابن طريف الإباحي، وكان يهودي الأصل نشر مذهبه بين قبيلة برغواطه (٥) وأصبحت دولتهم تستعد للامتداد إلى الأندلس، وهمّ يوسف بذلك وأخذ في إنشاء المراكب والسفن ليعبر فيها (٦)
ثانيًا: الأندلس بعد سقوط الدولة العامرية:
نعمت الأندلس الإسلامية بالأمن والرفاهية في ظلّ الدولة الأموية وفي عهد الدولة العامرية، ومدّت نفوذَها على جميع شبه الجزيرة الأندلسية والمغرب، وركدت حركات النصارى، وامتلأت قلوبهم رعبًا، فقلّ عبثهم، وخطب ملوكهم ودّ الدولة الإسلامية في أكثر عهودها.
_________________
(١) الاستقصا جـ٢ ص١٣.
(٢) انظر البيان المغرب جـ٤ ص٢٤.
(٣) المؤنس ص١٠٧.
(٤) البيان المغرب جـ٤ ص١٢٣/ الاستقصا جـ٢ ص٢٤.
(٥) ابن خلدون جـ٦ ص١٨٣-٢٠٩/ انظر: عنان- دول الطوائف ص٣٠٥-٣٠٦.
(٦) نفح الطيب جـ٤ ص٣٥٤.
[ ٣٢ / ٣٥١ ]
ولما انقطعت تلك الدولة قام الطوائف بعد الخلائف، وانتزى الأمراء والرؤساء من البربر والعرب والموالي بالجهات، واقتسموا خططها، وتغلّب بعض على بعض (١)، وكثرت الفتن وانبسط عدو الدين في الجزيرة وبلغ منهم كلّ مبلغ ما بين قتل وأسر، وهم (أي ملوك الطوائف) في تحاسد واختلاف الكلمة وانتحال الأوصاف، واقتسام ألقاب الخلافة، فتلقّبوا بالناصر، والمنصور، والمعتمد، والمظفر، والمتوكل، والقادر، والمؤتمن، وغير ذلك، فمال شاعر الأندلس أبو بكر محمد بن عمار أو غيره (٢):
مما يزهدني في أرض أندلس
أسماء معتمد فيها ومعتضد
ألقاب مملكة في غير موضعها
كالهر يحكي انتفاخًا صولة الأسد
_________________
(١) نفسه جـ١ ص٤١٣.
(٢) انظر سير أعلام النبلاءجـ١٨ ص٥٨٢-٥٨٣/ نفح الطيب جـ١ ص٢١٤، جـ٤ ص٢٥٥/ ابن خلكان- وفيات الأعيان جـ٤ ص٤٢٨/ المؤنس ص١٠١.
[ ٣٢ / ٣٥٢ ]
واستعان بعضهم على بعض بأعدائهم من نصارى الشمال، فوجد النصارى الفرصة للقضاء علىِ المسلمين جميعًا في شبه الجزيرة، فأخذوا يضربونهم، بعضهم ببعض، ويدفعون كلا منهم للصراع، ويغرونهم بشتّى الإعانات، والخداع، والمكر، والكيد، حتى يتمكّنوا من أخذ البلاد والاستيلاء على الطّارف والتّلاد (١) كما نشروا الجواسيس لإيجاد الصدع في صفوف المسلمين (٢)، وتنازع الإخوة من ملوك الطوائف على الملك (٣)، واستعان كلّ منهم بالعدوّ الصّليبي على أخيه، ولبَّى النّصارى الاستغاثات لأنهم وجدوها فرصة لتصفية الحساب مع المسلمين، فكانوا يقدمون الضّمانات الزّائفة، والوعود الكاذبة للجانب الذي ظهر رجحان كفته، حتى إذا أوشك على النّصر قلبوا له ظهر المجنّ وعملوا على ترجيح كفّة منافسه (٤) كما أخذت الكنيسة في روما تتحرّك بقوّة بما لاحظته من ضعف المسلمين، فعملت على تكتّل نصارى أسبانيا، وعلى تكتّل النّصارى في أوربا لتوحيد العمل ضد الإسلام والمسلمين. والحقّ أن الأفرنج ما طمعت في الأندلس إلاّ عندما تفرقت البلاد، وصار كلّ بلد بيد ملك، فحينئذ طمع الفرنج فيهم، وأخذوا كثيرًا من ثغورهم (٥)، وأنهكوا قوى المسلمين واستنزفوها. فاتخذت الحرب في الأندلس وجهة الحرب الصليبية قبل أن تعلن بصفة رسمية في الشرق. إذ قرّر البابا الأسكندر الثاني عام ٤٥٦هـ/١٠٦٣م منح مغفرة خاصة لكل من يشدّ الرّحال لقتال المسلمين في أسبانيا، فهب عدد كبير من فرسان فرنسا
_________________
(١) نفح الطيب جـ٥٠٧ ص٥٠٧ عن جنة الرضى لابن عاصم.
(٢) وقصة المنصور مع الشيخ الهرم، واكتشاف جاسوسيته مثال على هؤلاء الجواسيس/ نفح الطيب جـ١ ص٣٧٨.
(٣) كما حصل في أمراء بنى هود بين الأخوين المقتدر بن هود والمظفر بن هود. وكما حصل لأبناء المقتدر: المؤتمن، والمنذر (الحجي- التاريخ الأندلسي ص٣٥٦) .
(٤) كما حدث مع أبي بكر بن عبد العزيز الذي ثار على القادر واحتمى بالفونسو السادس.
(٥) الكامل في التاريخ جـ٨ ص١٣٨
[ ٣٢ / ٣٥٣ ]
وأوربا لمساعدة إخوانهم في ما وراء الجبال (١) فقويت الممالك النصرانية في شمال الأندلس، وتوالت غاراتها على المسلمين، وطمع فردلند (فرناندو الأول) ملك قشتالة وليون فاستولى على بعض المناطق القاصية من الشمّال الغربي سنة ٤٤٩هـ/١٠٥٧م وحاصر مدينة باز وجنوب دويرة، واقتحمها بعد دفاع مجيد من المسلمين وعاث فيها قتلًا وأسرًا، كما هاجم واحتل مناطق من مملكة بطليوس الخاضعة لبني الأفطس، وعاث عام ٤٥٤ هـ في الأنحاء الشمالية لمنطقة طليطلة وحكامها بنو ذي النّون، وفي بعض مناطق اشبيلية حيث بنو عباد، وسقطت بيده مدينة قلمرية (قلنبيره) عام ٤٥٦/١٠٦٤م (٢) . وهاجم النورمان مدينة بربشتر وتقع على بعد ٦٠ كم شمال شرق سرقسطة وإحدى القواعد الأندلسية المنيعة، وتغلّبوا عليها بعد حصار أربعين يومًا سنة ٤٥٦ هـ وارتكب النصارى فيها جرائم مذهلة مثيرة بقيادة جيوم دي مونري من أكابر فرسان عصره. وكان في خدمة الجيوش الرومانية والبابوية (٣)، فقد استباحوا المدينة بعد أن أمّنوا سكانها بكلّ ما فيها ومن فيها، وقدّر عدد القتلى والأسرى بين أربعين ألف ومائة ألف، ثم أعطى قائد الحملة الأمان لكنه- حين رأى كثرة أهل المدينة- أمر جنده أن تقلّل أعدادهم حصادًا بالسّيف، فأطيح أرضًا بستة آلاف من الرؤوس، ثم انتهبوا المدينة، واحتلّوا دورها لأنفسهم وارتكبوا أبشع الجرائم قتلًا وهتكًا للأعراض. وكان (الخطب أعظم من أن يوصف أو يُستقصى) كما يقول ابن حيّان (٤) فأثر الخطب في المسلمين وتداعوا إلى الجهاد، فتمكّنوا من استرجاعها عام ٤٥٧ هـ ومُزّق المعتدون بعد أن دام احتلالها تسعة شهور (٥) .
_________________
(١) اندري جوليان- تاريخ إفريقيا الشمالية- تعريب محمد مزالي، والبشير بن سلامة جـ٢ ص١١١.
(٢) الحجي - التاريخ الأندلسي ص٣٢٨.
(٣) عنان- دول الطوائف ص٢٧٤.
(٤) الحجي - التاريخ الأندلسي ص٣٦١
(٥) الروض المعطار ص٤١.
[ ٣٢ / ٣٥٤ ]
وتوفي فردلند (فرناندو الأول) ملك قشتالة وليونِ عام ٤٥٨هـ/١٠٦٥م بعد أن قسّم دولته بين أولاده الثلاثة، حيث تحارب الأخوة حربا لم يستغلها المسلمون لتفرقهم ولتمكنّ الروح الانهزامية في نفوسهم، وانتصر في هذه الحروب شانجه وهرب أخوه الفونسو (الاذفونش) ولجأ إلى طليطلة عند ملكها يحي بن إسماعيل بن ذي النون الملقب بالمأمون، فقابله بالترّحاب وبالغ في إكرامه، وأنزله دارًا مجاورة لقصره، وجعل له دارًا أخرى خارت المدينة ذات حدائق تكون متنزّهًا له ولمرافقيه، حيث قضى تسعة شهور درس فيها أحوال المدينة تمهيدًا للاستيلاء عليها. وكان الأخ الثالث غرسيه قد لجأ إلى اشبيلية عند بني عباد. واغتيل شانجه عام ٤٦٥هـ/١٠٧٢م فاستدعي الفونسو لتولّي الحكم، بعد أن قطع الوعود للمأمون، وأصبح ملكًا لقشتالة وليون وجيليقية باسم الفونسو السادس (الاذفونش عند المسلمين) فتوحدّت أسبانيا النصرانية حيث قضى غرسيه الأخ الثالث بقيّة عمره في السجن لمدة سبعة عشر عامًا (١)
من هذا العرض لأوضاع المغرب والأندلس نرى أن المغرب الإسلامي كان يمر في حركة تغيير شاملة على أسس إسلامية، وعلى يد المرابطين، وتنبعث فيه حياة جديدة، وقوة وثّابة، كالحركة التي شهدها المشرق الإسلامي على يد السلاجقة. في حين كانت الأندلس الِإسلامية تشهد حركة عكسية، حركَة يتوالى فيها تمزّق المسلمين، وتتوالى الانتكاسات، وتسرّبت إلى زعمائهم الروح الانهزامية أمام القوى النّصرانية الصّاعدة الحاقدة على الإسلام وأهله، والتي تجنّدها البابويّة من نصارى أسبانيا وأوربا.
وأمام فقدان المسلمين في الأندلس قوتهم الذاتية تلمّسوا حولهم، فوجدوا القوى الإسلامية في العدوة الأخرى، فاندفعوا للعمل للاتصال بالأخوة، وخاصة بعد قمة الفاجعة الأندلسية- سقوط طليطلة بيد النصارى.
ثالثًاَ: سقوط طليطلة- زلزلة الأندلس الإِسلامية-:
_________________
(١) الحجى- التاريخ الأندلسي ص ٣٣٠.
[ ٣٢ / ٣٥٥ ]
كانت طليطلة من أجلّ المدن الإسلامية وأعظمها خطرًا (١)، ومن- أكبر بلاد الأندلس وأحصنها، حكمها من الطوائف بنو ذي النون الهواري، وأوّلهم الأمير إسماعيل عام ٤٢٠هـ، ثم تملّك المأمون بعد أبيه عام ٤٣٥هـ (٢)، فعكف على اللذات والخلاعة، وصادر الرعيّة، وهادن العدوّ، فطمعت فيه الفرنجة بل في الأندلس، وأخذت عدّة حصون، وكان قد استعان بهم على تملّك مدائن الأندلس، وغدر به ملكهم، وأخذه رهينة حتّى أعطاه ما طلب من الحصون، وقرّر عليه مالًا كلّ سنة، وعاد ذليلًا مخذولًا وذلك بما قدّمت يداه، إلى أن توفي عام ٤٦٠هـ (٣) مقتولًا بيد القاضي ابن جحّاف، فخلفه القادر بن يحي في الحكم (٤) الذي لجأ إلى بلاطه الفونسو السادس، وأقام فيه تسعة شهور، ولاقي الإكرام الزائد، والمجاملات الكثيرة إلى أن غادرها حاكمًا للنّصارى، بعد أن ارتبط ببني ذي النون بروابط الصداقة وأعطى العهود والمواثيق.
_________________
(١) ياقوت- معجم البلدان جـ٤ ص٤٠.
(٢) سير أعلام النبلاء جـ١٨ ص٢٢١/ الكامل في التاريخ جـ٩ ص٢٨٨.
(٣) نفح الطيب جـ٤ ص٣٥٢.
(٤) نفح الطيب جـ٤ ص٣٥٢.
[ ٣٢ / ٣٥٦ ]
أصبح شغل الفونسو الشاّغل الاستيلاء على هذا البلد الذي آواه وأكرمه، وكان قد درس وسائل احتلالها أثناء لجوئه، بل وتذكر بعض الروايات أنه استمع ذات يوم وهو متظاهر بالنوم إلى حديث المأمون مع وزرائه في كيفية الدفاع عن طليطلة إذا هاجمها النصارى، وقد أجاب بعضهم: أن النّصارى لا يستطيعون الاستيلاء عليها وهي المدينة الحصينة إلا إذا أنفقوا سبعة أعوام على الأقلّ في تخريب أحوازها وإنتساف قوتها (١)، وتمكن الفونسو من الإطلاع على عوراتها (٢) . فأخذ بالإغارة على أراضيها وعاث فيها سفكًا وتخريبًا، وانتسف مزارعها، بالاتفاق (ياللأسف) مع ابن عباد أمير اشبيلية، وأعظم ملوك الطوائف، الذي تحالف معه وتعهّد بمعاونته بالجند والمرتزقة ضد جميع المسلمين مقابل ألاّ يتعرض لمشروعه في مهاجمة طليطلة، فضحّى المعتمد بمعقل الأندلس المسلمة مقابل وعود خدّاعة، ودفع للادفونش الجزية (٣)
_________________
(١) دول الطوائف ص٣٩١، وهي قصة لا تخلو من الخيال، ولكنها ذات مغزى يرمي إلى تصوير مدى غفلة الأمير، وثقته بأعدائه، وركونه إليهم.
(٢) ابن الخطيب- أعمال الأعلام جـ٢ ص٣٣٠.
(٣) الذهبي-العبرجـ٢ ص٣٣٨.
[ ٣٢ / ٣٥٧ ]
استمرّ الفونسو في غاراته على أراضي طليطلة دون أن يجد من يردعه، وبعد أن أنهكها تقدّم لحصارها، واستمرّ في حصارها سبع سنوات (١) وارتكب بها وبأهلها الأفاعيل وأُنزلت الآثامٍ، وتمثّلت النزّعة الصّليبيّة واضحة في هذا الحصار، فقد ضمّت القوات النّصرانيّة جنودًا من جميع أسبانيا النّصرانية من قشتاله وليون وارغون، ومتطوعين نصارى من المغامرين من فرنسا وألمانيا وإنكلترا وغيرها من أوربا النصرانية (٢)، تباركهم الكنيسة. في حين بقيت طليطلة المسلمة وحيدة تصارع هذه القوى، وأمراء الطوائف جامدون لا يتحرّكون، وكأن الأمر لا يخصهم، بل ارتمى بعضهم كزعيمهم ابن عباد على اعتاب الفونسو، وتغافلوا عن الحقيقة: (إن النصارى لا يفرّقون بين طليطلة وغيرها من القواعد الإسلامية) ولم يقم بواجب نجدتها إلا المتوكّل على الله عمر بن محمد بن الافطس أمير بطليوس الذي وقف مجاهدًا عن الإسلام وأهله كوالده الذي كان قد دعا إلى وحدة الأندلس للوقوف في وجه النصارى، وأنحى باللائمة على ابن عباد الذي مالأ الاذفونش، وبينّ أن سبب تكالب الأفرنج على بلاد المسلمين يكمن في ذنوبهم وتفرّقهمِ (٣)، واستمرّ في جهاده إلى وفاته سنة ٤٧٠هـ. فكان ابنه المتوكل هذا لا يقلّ عنه جهادًا، وقد ثار أهل طليطلة عام ٤٧٢ هـ ضد القادر وخلعوه لتعاونه معِ الاذفونش وخياناته، واستدعوا المتوكّل ليتولىّ أمرها، فقبل مكرهًا، وأقام عندهم نحوًا من عشرة أشهر ليعود إلى بطليوس حين علم باستعانة القادر بالاذفونش وتقدّمهما نحو طليطلة (٤) .
_________________
(١) نفح الطيب جـ٤ ص٣٥٣/ العبر جـ٢ ص٣٣٩/ الكامل في التاريخ جـ٨ ص١٣٨.
(٢) عنان- دول الطوائف ص٣٩٦
(٣) انظر رسالته للأذفونش بهذه المعاني/ سير أعلام، النبلاء، ج١٨ ص٥٩٥-٥٩٦ وفيها تظهر عزة المسلم حينما يلجأ إلى الله سبحانه ويستمد منه قوته.
(٤) انظر: الحجي- التاريخ الأندلسي ص ٣٣٧.
[ ٣٢ / ٣٥٨ ]
يئس أهل طليطلة من نجدات المسلمين، ففاوضوا الاذفونش من أجل التّسليم، وكالعادة أعطى لأهلها الأمان لضمان حرّيّاتهم، واحترام شعائر دينهم، وحقوقهم، وحرمة مساجدهم، وكعادته أيضًا نقض هذه العهود بعد شهرين فقط، وحوّل مسجدها الجامع إلى كنيسة، وحطّم المحراب ليقام الهيكل مكانه (١)،وارتكب بأهلها الأفاعيل وأنزل بها الآثام (٢)،تباركه الكنيسة في ذلك، واتّخذها عاصمة لأسبانيا النّصرانيّة. وكان سقوطها في منتصف المحرم سنة ٤٧٨هـ.
وأسفر سقوط طليطلة عن نتائج هامة:
فقد اشتدّ طمع النّصارى في بلاد الأندلس الإسلامية، فشنّ الأذفونش الغارات على جميع الأندلس المسلمة، وفاز باستخلاص جميع أقطار ابن ذي النون واستئصالها، وذلك ثمانون منبرًا، سوى البُنيّات والقرى المعمورات، وحاز من وادي الحجارة إلى طلبيرة، وفحص اللجّ، وأعمال شنزية كلّها، وتسمّى (بالإمبراطور) أو (الإمبراطور ذي الملتين الإسلامية والنّصرانية) . وطمع في ملوك الطوائف، وعاملهم معاملة الأتباع الأذلاّء (٣)، وتصوّر أنهم غدوا كافّة رهن إشارته، وطوع بنانه، وانّه سيقضي عليهم الواحد بعد الآخر، ورفض جزيتهم وردّها كما فعل مع ابن عباد، ووصفهم بالحمقى الذين تلقبوا بأسماء الخليفة وهم لا يملكون لأنفسهم ضرّاَ ولا نفعًا (٤)
وتسلل اليأس إلى نفوس المسلمين من ملوك الطوائف، وغدت الأصوات اليائسة ترتفع، وفي ذلك يقول عبد الله بن فرج اليحصبي المشهور بابن العسّال أو غيره (٥):
يا أهل أندلس حثّوا مطيّكم
فما المقام بها إلا من الغلط
الثّوب ينسل من أطرافه وأرى
ثوب الجزيرة منسولًا من الوسط
ونحن بين عدوّ لا يفارقنا
كيف الحياة مع الحيّات في سفط
_________________
(١) نفح الطيب جـ٤ ص٤٤٧/ عنان- دول الطوائف ص١١٣.
(٢) نفح الطيب جـ٤ ص٣٥٤.
(٣) أنظر الحجي- التاريخ الأندلسي ص٣٣٤-٣١٥.
(٤) المؤنس ص١٠١.
(٥) وتروى الأبيات بأشكال مختلفة بالمعنى نفسه. انظر: نفح الطيب جـ٤ ص٣٥٢.
[ ٣٢ / ٣٥٩ ]
هذا وقد نُظّمت قصائد كثيرة في سقوط طليطلة وغيرها من المدن والحصون يظهر فيها الأسى والحزن.
وأدرك ملوك الطوائف عزلتهم عن أمّتهم، وأنّ النّصارى لا يفرّقون بينهم في المعاملة، وينظرون إليهم نظرتهم الحاقدة إلى المسلمين تحثّهم على ذلك الكنيسة بروحها الصّليبية، فتنادوا للّقاء، وتداعوا للوحدة استجابة أو مسايرة للرأي العام المسلم.
رابعًا: دور العلماء في الدّعوة إلى الوحدة في الأندلس:
للعلماء المسلمين دور كبير في جميع عهود التاريخ الإسلامي، في الدّعوة إلى لمّ الشمل والوحدة، وإلى الجهاد. فمنذ سقوط الدولة العامرية في الأندلس وتفرّقها إلى طوائف، ارتفعت أصوات العلماء بالدّعوة إلى الوحدة، إدراكًا منهم للخطر الذي يتهدّد المسلمين من النّصارى، ومن العلماء الذين قاموا بجهود في هذا المجال:
ابن عبد البر: (أبو عمر يوسف بن عبد الله النّمري) علامة الأندلس والمغرب الكبير (ت عام ٤٦٣ هـ) عن عمر ناهز الخامسة والتسعين، فقد جلا عن وطنه قرطبة وتجوّل في أنحاء الأندلس فسكن دانية، وبلنسية، وشاطبة وبها توفي. وولي قضاء الأشبونة، وشنترين في مدّة المظفّر بن الأفطس، وكان خلال تنقّله وتدريسه يدعو إلى نبذ التفرّق ولمّ الشّمل (١) .
_________________
(١) انظر: وفيات الأعيان جـ٧ ص ٦٧/ سير أعلام النبلاء جـ ١٨ ص ١٥٣-١٦٣.
[ ٣٢ / ٣٦٠ ]
وابن حيان: (أبو مروان حيان بن خلف الأموي مولاهم) (١)، الذي علّق على أحداث الأندلس، وبشكل خاص نكبة بربشتر عام ٤٥٦هـ، وعلّل أسبابها، وأنحى باللائمة على النّاس والحكّام بما ارتكبوا في جنب الله من ذنوب إهمالهم، بتقصيرهم في الأخذ بالشريعة، وتهاونهم في تنفيذ أوامرها، مما جرّهم إلى حالة الفرقة وأذهبت قوّتهم فقد "أركستهم الذنوب، ووصمتهم العيوب، فليسوا في سبيل الرشد بأتقياء، ولا على معاني الغيّ بأقوياء، نشء من النّاس هامل، يعلّلون نفوسهم، من أوّل الدّلائل على فرط جهلهم بشأنهم وإغزارهم بزمانهم، وبعادهم عن طاعة خالقهم، ورفضهم وصيّة رسوله نبيّهم ﵊، وهووهم عن النّظر في عاقبة أمرهم، وغفلتهم عن سدّ ثغرهم، حتى لظلّ عدوّهم السّاعي لإطفاء نورهم، يتبجّح عراض ديارهم، ويستقري بسائط بقاعهم، يقطع كل يوم طرفًا منهم وسرامة، ومن لدينا وحوالينا من أهل كلمتنا صموت عن ذكرهم، لهات عن لبهمّ، ما أن يسمع عندنا في مسجد من مساجدنا، ومحفل من محافلنا، مذكّر بهم أو داع لهم، فضلًا عن نافر إليهم أو مواس لهم، حتى كأن ليسوا منّا، وكأن فتقهم ليس بمفض إلينا، قد بخلنا عليهم بالدّعاء بخلنا بالفناء، عجائب مغربة فاتت التّقدير، وعرضت للتّغيير، ولله عاقبة الأمور واليه المصير".
وقد أوقع ابن حيّان نصيبًا كبيرًا لهذه الأحوال على أمراء السوء في دول الطّوائف، الذين انحرفوا عن نهج الإسلام، ملوّمًا الناس لركونهم إلى أمثال هؤلاء الأمراء.
_________________
(١) البيان المغرب جـ٣ ص٢٥٥ نفح الطيب جـ٤ ص ٤٥٢- ٤٥٣/ الحجي ص ٣٦٥.
[ ٣٢ / ٣٦١ ]
وأبو الوليد الباجي: (سليمان بن خلف التجيبي القرطبي (٤٠٣-٤٧٤ هـ) الذي جاب أقطار المشرق الإسلامي، فجاور بمكة ثلاثة أعوام، ورحل إلى بغداد ودمشق والموصل، واستغرقت رحلته ثلاثة عشر عامًا، عاد بعدها إلى وطنه فولي المضاء لأماكن متعدّدة، وصنّف التّصانيف الكثيرة (١)، ودعا إلى الوحدة من تلقاء نفسه أوّلًا، ثم نشط أكثر بعد حادثة بربشتر عام ٤٥٦ هـ تلك التي نبهت غيارى المسلمين إلى الخطر الكامن وراء هذه الأحداث المؤلمة، ثم عمه المتوكّل بن الأفطس، وشدّ من عضده، بل كلّفه أو وجّهه إلى الجهاد، فأخذت دعوته طريقها الرسمي بذلك.
وابن حزم: (أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد) الوزير الظاهري، الذي تجوّل في الأندلس، داعيًا إلى الوحدة، ووجّه النّقد اللاّذع لملوك الطوائف وبين استهتارهم، وما أورثوا الأمة من الوهن والانحدار، ودعا إلى الجهاد، ومن جيد شعره في ذلك:
مناي من الدنيا علوم أبثّها
وأنشرها في كلّ بادٍ وحاضر
دعاء إلى القرآن والسّنن التيِ
تناسى رجال ذكرها في المحاضر
والزم أطراف الثّغور مجاهدًاَ
إذا هَيْعة ثارت فأوّل نافر
لألقى حمامي مقبلًا غير مدبر
بسمر العوالي والرّقاق البواتر
كفاحا ًَ مع الكفّار في حومة الوغى
وأكرم موت للفتى قتل كافر
فيا ربّ لا تجعل حمامي بغيرها
ولا تجعلنيّ من قطين المقابر
_________________
(١) سير أعلام النبلاء جـ١٨ ص٥٣٥- ٥٤٥/ العبرة جـ٢ ص ٣٣٢/ البداية والنهاية جـ١٢ ص١٢٢.
[ ٣٢ / ٣٦٢ ]
وهناك كثير من العلماء قاموا بدورهم في هذا المجال مثل: حاتم بن محمد الطرابلسي القرطبي المحدّث (ت عام ٤٦٩ هـ) . وأبو العباس المعذري أحمد بن عمر بن أنس بن دلهات الأندلسي المدلائي (١) . وأبو عبد الله الحميدي محمد بن أبي نصر الميورقي (٢) . وأبو المعالي إدريس بن يحي الأشبيلي (٣) . والفقيه أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد قاضى الجماعة بقرطبة (٤)، وعبد الله بن غالب المالكي مفتى أهل سبتة (٥) . وأبو القاسم المهلب بن أحمد الأسدي الأندلسي قاضي المرية (٦) . ومكي بن أبي طالب القيسي (٧) . ومحمد بن عبد الله المعافري محدّث قرطبة (٨) . وعثمان بن سعيد القرطبي الصيرفي (٩) . وعبد الله بن الوليد الأنصاري الأندلسي (١٠) . وابن العربي أبو محمد عبد الله الأشبيلي والد القاضي أبي بكر (١١) .
_________________
(١) العبر جـ ٢ ص٣٣٨/ سير١٨ ص ٧-٨.
(٢) العبر٢ ص ٣٥٩/ شذرات جـ٣ ص ٣٩٢/ سير جـ ١٩ ص ١٢- ١٢٧/ الكامل في التاريخ جـ٨ ص ١٧٨/ البداية جـ١٢ ص ١٥٢.
(٣) الحجي ص٣٤٨
(٤) الحجي ص ٣٥٠.
(٥) العبر جـ٢ ص ٢٦٩/ شذرات جـ ٣ ص ٢٥٤.
(٦) العبر جـ٢ ص ٢٧٢/ شذرات جـ٣ ص ٢٥٥.
(٧) العبر جـ٢ ص ٢٧٣/ النجوم الزاهرة جـ٥ ص٤١.
(٨) العبر جـ٢ ص ٢٧٥/ شذرات جـ٣ ص ٢٦٣.
(٩) العبر جـ٢ ص ٢٨٦/ شذرات جـ٢ ص ٢٧٢/ النجوم الزاهرة جـ٥ ص٥٤.
(١٠) العبر جـ٢ ص ٢٩٢.
(١١) سير أعلام النبلاء جـ١٩ ص١٣٠- ١٣١.
[ ٣٢ / ٣٦٣ ]
والطلاعي أبو عبد الأحد بن الفرج القرطبي المالكي مفتي الأندلسي ومحدّثها (١) . وحكم بن محمد أبو العاص الجذامي القرطبي مسند الأندلس (٢) . والقاسم بن محمد بن هشام الرعيني السبتي المالكي (٣) . وأحمد بن سليمان الباجي (٤) . وأبو بكر محمد بن أحمد من أهلَ قرطبة الذي تطوّع محاولًا إزالة الخلافات بين ملوك الطّوائف، وسعى بجمع كلمتهم، وكان من بيت وزارة وجلالة (٥) . كما اشترك في ذلك أبو الفتح نصر بن الحسنِ الترني الشاشي التنكتي من علماء المشرق (وتنكت من أعمال الشاش) وقد جاب البلاد محدّثًاَ وتاجرًا، وسمع في مصر والشام والأندلس وتوفي سنة ٤٨٦ هـ (٦) .
_________________
(١) سير أعلام النبلاء جـ١٩ ص١٩٩- ٢٠١
(٢) نفسه جـ ١٧ ص ٦٥٩.
(٣) نفسه جـ١٨ ص٦-٧.
(٤) نفسه جـ١٨ ص٥٤٥-٥٤٦.
(٥) الحجي - تاريخ الأندلس ص٣٤٩.
(٦) سير أعلام النبلاء جـ١٩ ص٩٠-٩١.
[ ٣٢ / ٣٦٤ ]
وقد أسفرت جهود العلماء عن تكوين رأي عام لدى المسلمين في الأندلس، يطلب الوحدة، ويلحّ عليها، فاستجاب ملوك وأمراء الطوائف لهذا الِإلحاح وعلى رأسهم المعتمد ابن عباد الذي كان يملك أكثر البلاد الإسلامية الأندلسية، والذي كان يؤدي الضريبة لألفونسو السادس، وكان قد أرسلها كعادته، فردّها عليه الفونسو وأرسل إليه يتهدده ويتوعّده السير إلى مدينة قرطبة وامتلاكها إلا أن يسلّم إليه جميع الحصون التي في الجبل ويبقى السهل للمسلمين (١) . فأسقط في يد المعتمد كما أسقط بيد أمراء الطوائف، فاجتمعوا وتشاوروا، ولكنّهم أدركوا أن الأندلس الإسلامية بأوضاعها المنحلّة، وإغراق أهلها في النّعيم، ليست لديها القدرة على التصدّي للهجَمة الصّليبية القويّة، فبرزت فكرة الاستغاثة بالمرابطين لدى المعتمد الذي قال لابنه: "إن إخواننا وجيراننا ملوك الأندلس، ليس فيهم نفع، ولا يرجى منهم نصرة، ولا حيلة، إن نزل بنا مصاب أو نالنا عدوّ ثقيل، وهو اللّعين الأذفونش، وها هو قد رفع رأسه إلينا، وان نزل علينا بطليطلة ما يرفع عنّا حتى يأخذ اشبيلية".
استنجاد الأندلس الإسلامية بالمرابطين:
_________________
(١) الكَامل في التاريخ جـ٨ ص١٣٨ /سير الأعلام جـ١٩ ص ٥٨.
[ ٣٢ / ٣٦٥ ]
كانت الظّروف الأندلسية التي بيّناها الحافز لطلب النجدة من مسلمي المغرب. فالفكرة كانت عامة على النّطاق الشّعبي، قبل أن يتبنّاها أمراء الطوائف رسميّا، فقد كان يوسف ابن تاشفن قد أتمّ وحدة المغرب عام ٤٧٤ هـ تقريبًا، ووفد صريخ أهل الأندلس على بلاط مراكش في العام نفسه، ووفد إليه جماعة، وشكوا إليه ما حلّ بهم من عدوان النصارى، وطلبوا إليه النّجدة، والعون، فوعدهم بتحقيق أمنيتهم (١)، كما كانت سفارة أبي الوليد الباجي إليه قبل هذا التاريخ لأن الباجي توفي عام ٤٧٤ هـ كما ذكرنا. وكاتبه المتوكل على الله بن الأفطس حاكم بطليوس (٢) وأمام استمرار الصريح استعدّ بقواته ليجوز الأندلس، فافتتح سبتة عام ٤٧٧ هـ، وأخذ يعدّ العدّة وينشيء المراكب والسفن ليعبر فيها (٣) . وينتظر الفرصة السّانحة.
وفي سبتة توالت الرسل إليه أكثر من ذي قبل، وازدادت أكثر بعد سقوط طليطلة، فكثرت رسل الأندلس، مجهشين بالبكاء، ناشدين الله والإسلام، مستنجدين بفقهاء حضرته ووزراء دولته، للحثّ على إنقاذهم مما هم فيه، وما يقتضيه واجبه الإسلامي نحو إخوانه. فكان يصغي لقولهم ويستمع إليهم، وترقّ نفسه لهم (٤) .
_________________
(١) انظر: عنان- دول الطوائف ص ٣١٢- ٣١٥.
(٢) الحجي ص ٣٩٧/ عنان ص ٩٢.
(٣) نفح الطيب جـ٤ ص٣٥٤ عن الروض المعطار.
(٤) نفسه جـ٤ ص ٣٥٩- ٠ ٣٦.
[ ٣٢ / ٣٦٦ ]
ثم تحوّل الأمر بعد استئساد النّصارى على المسلمين وزلزلة طليطلة، فأصبحت الدّعوة للعبور رسميّة، فاتّفقت الأندلس كلّها على ذلك أمراؤها وفقهاؤها وعامّتها (١) . وكان ملوك الطوائف يكرهون إلمام يوسف بجزيرتهم (٢) ولكنّهم أمام ضغط النّصارى وتنكّر الفونسو لهم، وخضوعًا للرّأي العامّ الإسلاميّ، استغاثوا بأمير المسلمين، فَعُقِد اجتماع في قرطبة حضره الزعماء والفقهاء وكثير من اَلنّاس، وعلى رأسهم المعتمد بن عباد، اتّخذ فيه قرار الموافقة على استدعاء المرابطين للنّصرة، ثم دعا المعتمد غيره من ملوك الطوائف إلى هذا الأمر، واجتمعوا بالفعل لاتّخاذ ترتيبات عبور وفد إلى العدوة ودعوة الأمير يوسف، وكتبت رسالة بهذا الشأن وقّعها أمراء الأندلس، وأُرسلت من الأندلس مع سفارة خاصّة وتحت إشراف ابن عبّاد، وحملت السفارة التّحف الثّمينة والوعود المغرية للاستغاثة (٣) مع الرّسالة. وقد ضمّ الوفد: عبيد الله بن أدهم قاضي قرطبة، وكان أعقل أهل زمانه، ووزير المعتمد أبا بكر بن زيدون، وقاضي المتوكل على الله عمر بن الأفطس أمير بطليوس، وقاضي عبد الله ابن حبوس بن ماكسن الصنهاجي صاحب غرناطة (٤) . والتقى الوفد بأمير المسلمين في سبتة، فلبىّ النّداء وقال: "أنا أوّل منتدب لنصرة هذا الدين، ولا يتولى هذا الأمر أحد إلا بنفسي".
_________________
(١) دول الطوائف ص ٣١٧.
(٢) نفح الطيب جـ٤ ص ٣٥٤.
(٣) التواتي - مأساة انهيار الوجود العربي بالأندلس ص ٢٨٧.
(٤) الروض المعطار ص ٨٦/ انظر: الحجي- تاريخ الأندلس ص ٣٢١.
[ ٣٢ / ٣٦٧ ]
وكانت هناك دعوة للاستنجاد بعرب إفريقيا (بني هلال) (١)، واستُبْعِد هذا الرّأي، كما ارتفعت بعض الأصوات تعارض الرّأي العامّ في الاستنجاد بالمرابطين تزعّمها عبد الله ابن سكوت والي مالقة، الذي حذّر أمراء الأندلس من المغاربة خوفًا من استئثارهم بالأندلس أرض الخيرات، وقد اشتهر ابن سكوت بمواقفه المشبوهة، ولعلّه هو المدبّر للحركة المضادّة لدخول المرابطين، التّي اتخذت اتِّجاهًاَ خطيرًا فيما بعد، وجعلت أمير المسلمين يتشكّك في نوايا أمراء الأندلس. وحذّر أبو الحسن عبيد الله (ولي عهد المعتمد) والده مغبّة الاستنجاد بالمرابطين، وقال له: "يا أبت تُدخِل علينا في أندلسنا من يسلبنا ملكنا، ويبدّد شملنا". ولكن المعتمد المدرك أبعاد القضية أجابه: "أي بني والله لا يسمع عني أبدًا أني أعدت الأندلس دار كفر، ولا تركتها للنّصارى، فتقوم عليّ اللعنة في منابر الإسلام مثل ما قامت على غيري". وقال قولته التي سارت مثلًا: "رعي الجمال خير من رعَي الخنازير"أي أن كونه مأكولًا لابن تاشفين أسيرًا يرعى جماله في الصّحراء، خير من كونه ممزّقًا لابن فردلند أسيرًا يرعى خنازيره في قشتاله (٢) .
ولما فشا في الأندلس عزيمة الاستنجاد بيوسف والاستظهار به، استبشر النّاس وفرحوا بذلك وفتحت لهم أبواب الأمل (٣)، وعمّ المسلمين الفرح.
الشورى:
_________________
(١) الكامل في التاريخ جـ ٨ ص ١٤١- ١٤٢.
(٢) نفح الطيب جـ٤ ص٣٥٩/ البيان المغرب جـ٤ ص ١١/ وفيات الأعيان جـ٧ ص ١١٥.
(٣) نفح الطيب جـ٤ ص ٣٥٩.
[ ٣٢ / ٣٦٨ ]
جمع يوسف بن تاشفن مجلس شوراه من الفقهاء والأعيان والقادة، واستشارهم في نجدة الأندلس، فأشار عليه كاتبه عبد الرحمن بن أسبط من أهل المريّة، وأوضح له أن معظم أراضي الجزيرة في يد النّصارى، والجزيرة ذاتها وعرة البسائط، تعترضها جبال صعبة المسالك، وهي شبيهة بسجن، يندر على الداخلين إليه الخروج منه.. وقال: "فإذا انتصر عليك الأعداء، فقد يقطع عليك طريق العودة بأيسر أمر". وأضاف: "فنصيحتي أن تُخْطِرَ أمير اشبيلية بأنك لا تستطيع العبور قبل إخلاء حصن الجزيرة، وبذلك تملك موقعًا أمينًْا، تشغله حامية مخلصة، وتبقى في كلِّ وقت على اتّصال دائم بإفريقية". وهذا دليل على الشكّ في نيّة أمراء الطّوائف، فقد عرف عنهم الغدر وعدم التقيّد بالعهود، فاشترط الأمير يوسف تسليم ثغر الجزيرة لضمان سلامة طريقه في الذّهاب وحماية ظهره في الإياب، فوافق المعتمد على ذلك.
الإِعداد للجهاد:
كان ابن تاشفين على استعداد للعبور إلى الأندلس قبل استنجاد ملوك الطّوائف، فجاء الفرصة السّانحة، فاستنفر قواته للجهاد، فاجتمع له نحو من سبعة آلاف فارس، في عدد كثير من الرّجل، وأقبل من بقي من جنده في مدينة مراكش حتى تكامل العدد، وكان قد أعدّ أسطولًا يتألف من مائة سفينة وعددًا من المراكب ليعبر فيها (١) .
_________________
(١) نفح الطيب٤ ص٣٥٤
[ ٣٢ / ٣٦٩ ]
وبلغ الأذفونش (الفونسو السادس) استعدادات ابن تاشفن واعتزامه المجاز للأندلس، فأراد أن يجسّ النّبض، فكتب إليه يستحثّه على سرعة القدوم، وأغار علىِ البلاد في تظاهرة عسكرية جرّارة حتى وصل ساحل البحر عند الجزيرة، وكتب من هناك كتابًاَ، كتبه له بعض غواة أدباء المسلمين يغلظ له في القول، ويصف ما معه من القوة والعَدَد والعُدَد وبالغِ في ذلك. فلما وصل الكتاب وقرأه يوسف أمر كاتبه أبا بكر بن القصيرة أن يجيبه، وكان كاتبا مفلقًا، فكتب وأجاد، فلما قرأه على أمير المسلمين. قال: "هذا كتاب طويل، احضر كتاب الأذفونش واكتب في ظهره: "الذي سيكون ستراه"، والسلام على من اتبع هدى، وأردف الكاتب بيت أبي الطيب (المتنبي):
ولا كتب إلا المشرفية والقنا
ولا رسل إلا الخميس العرمرم
فلما وقف الأذفونش على الكتاب، ارتاع له وأنه بلي برجل لا طاقة له به (١) .
عبور المجاهدين:
عبرت الجيوش الإسلامية المجاز (مضيق جبل طارق) بقصد الجهاد سنة ٤٧٩ هـ، من سبتة إلى الجزيرة الخضراء تباعًاَ: فكان أوّلها قوةّ من الفرسان بقيادة داود بن عائشة، وآخرها موكب أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، يوم الخميس منتصف ربيع الأول عام ٤٧٩ هـ/٣٠ حزيران ١٠٨٦ م (٢) .
وُيذكر أنّه خلال العبور هبّت ريح عاصف أثارت أمواجًا عالية، فرفع الأمير يوسف يديه إلى السّماء يدعو الله عز ّوجل:
_________________
(١) نفح الطيب جـ٤ ص ٣٦١/ أعمال الأعلام ق ٣ ص٢٤٠.
(٢) عنان- دول الطوائف ص٢١٩.
[ ٣٢ / ٣٧٠ ]
"اللهم إن كنت تعلم أنّ في جوازنا هذا خيرًا وصلاحًا للمسلمين فسهّل علينا جواز هذا البحر، وإن كان غير ذلك فصعّبه حتى لا أجوزه". واستجاب الله دعاءه، "فسهّل له المركب، وقرّب المطلب" (١) . وما كاد يطأ بقدميه أرض الأندلس حتى سجد لله شكرًا. وتلقّاه المعتمد بن عبّاد في وجوه من دولته، وقدّم إليه الهدايا والتّحف، وتسلّم الأمير قلعة الجزيرة الخضراء باحتفال حضره القضاة والفرسان والمعتمد، كما تسلّم عدّة قلاع وحصون أخرى، قام بإصلاحها، وأعاد تحصينها، أتمّ تحصين، ونظمها حسب رأيه وإستراتيجيته الخاصة، ورتب لها حامية مختارة من جنده لتسهر ِعليها، وشحنها بمقادير عظيمة من الأقوات، والذخائر، والمؤن، لكي تغدو ملاذًا أميناَ، يلتجيء إليه، إذا منيت الحملة بالفشل (٢) .
وفشا خبر عبور الأندلس فقوبل بالترحيب وانتعاش الآمال من قِبَل جميع المسلمين في الأندلس، وتحرّكت في نفوسهم روح الجهاد فتوافد إليه المتطوّعة من كلّ مكان، كما جاءته الوفود مرحّبة.
خط سير القوات الإِسلامية إلى الزلاقة:
تحرّك يوسف بالجيش الِإسلامي من الجزيرة الخضراء باتّجاه الشّمال الشّرقي إلى اشبيلية، ولما وصلها نزل بظاهرها، وطلب إليه المعتمد أن يدخل حاضرة ملكه ليستريح فيها أيامًا من وعثاء السفر، ومشقّة الطريق، قبل أن يلتقي بعدوه. فأبى يوسف الدّخول وقال:
"إنّما جئت ناويًا جهاد العدو، فحيثما كان العدوّ توجّهت، هلّم (إلى ما جئنا له من الجهاد) ".
_________________
(١) دول الطوائف ص ٤٤٧،٣١٩ /الحجي ص٤٠٣ / التواتي ص٢٩١.
(٢) دول الطوائف ص٣٢٠ /التواتي ص٢٩١.
[ ٣٢ / ٣٧١ ]
وأقام بظاهر أشبيلية ثمانية أيام، نظم فيها أموره، فتمّ التخلّص من كلّ ما لا حاجة إليه في ساحة المعركة، وتمّت دراسة الجوّ، والأوضاع والنفوس، وتمّ التئام جيوش المسلمين وأمراء الأندلس التي تقرّر أن تشارك في المعركة المنتَظَرة، وكانت قد سَرَت في مسلمي الأندلس قبل ذلك وخلاله روح جديدة، ذكرّتهم بأيام النّصر التّي سمعوا عنها الكثير، فشارك أمراء الطّوائف بقواتهم، وأعدّوا ما يمكن للمشاركة في البذل والتّضحية. (ولم يبقَ من ملوك الطوائف إلا من بادر أو أعان أو خرج، أو أخرج) (١) . فانضمّ المعتمد بقواته، وبعض قوات بعثها ابن صمادح صاحب المريّة الذي اعتذر عن عدم استطاعته الشّخوص بنفسه بسبب العدوّ الملاصق له بحصن لييط، من عمل لورقه، واعتذر بكبر السن مع الضعف. وساهم عبد الله بن بلكين صاحب غرناطة وأخوه تميم صاحب مالقة، وابن ذي النون، وانضمّ المتوكل بن الأفطس وكان أشدّهم حماسًا، وقصدته المتطوّعة من سائر بلاد الأندلس (٢) . وكان يوسف خلال هذه الأيام صائم النّهار، وقائم اللّيل، في تهجّد، وتلاوة لآيات كتاب الله الكريم، وقد أكثر من الصّدقات، وأعمال البر، فتملّك نفوس أهل الأندلس، وكسب قلوب جنده بالنّصفة، وإيثار الحقّ، وإنشاء العدل. ووصله أثناء ذلك خبر موت ابنه أبي بكر، (فحيرّه حتى لهمّ بالانصراف عن وجهه. ثم آثر الجهاد، وانفذ مزدَلي (أحد قادته المشاهير) إلى مرّاكش) (٣) للقيام بتنظيم الأمور هناك.
_________________
(١) نفح الطيب جـ٤ ص ٣٦٢.
(٢) الكامل في التاريخ جـ٨ ص ١٤٢/ أشباخ- تاريخ الأندلس ص ٨٠/ وانظر ما كتبه عبد الله بن بلقين في كتابه التبيان- الحجي ص ٤٠٤.
(٣) انظر: الحجي ص ٤٠٤، عن الحلة السيراء جـ٢ ص ١٠٠/ راجع دول الطوائف ص ٣١٩ و٤٤٧.
[ ٣٢ / ٣٧٢ ]
وقام يوسف بتنظيم الجيش للتّحرّك من ظاهر أشبيلية، فجعل القوات الأندلسية لوحدها في المقدمة بقيادة المعتمد بن عباد، لمعرفتها التّامّة بأرض الأندلس، في حين جعل الجيوش المرابطيّة في المؤخرّة، ثمّ أمر بالتّحرّك إلى بطليوس، فتلقّاهم المتوكلّ عمر بن محمد الأفطس بما يجب من الضّيافات والأقوات وبذل المجهود (١) . فأقام الجيش هناك ثلاثة أيام للرِاحة في طرطوشة بالقرب من بطليوس (٢) .
Image p (١٨٧)
علم أمير المسلمين بتقدّم الجيوش الصّليبية، فأمر الجيش الإسلامي بالتّحرّك، إلى مكان مناسب، اختاره مع القادة ليكون موقع المعركة الفاصلة، وهذا المكان موضع سهليّ من عمل بطليوس وأحوازها على مسافة ١٢ كم شمالها الشرقي، في العدوة الشمالية للوادي اليانع، وبينه وبين نهر تاجه، تتخلله الأحراش، ويقع على حدود البرتغال الحاليّة (٣)، ويسميه المسلمون (الزلاقة)، ويسميه الأوروبيون (ساكر الياس) (٤) .
وفي هذا المكان وضع أمير المسلمين ترتيبًا جديدًا للجيش الإسلامي استعدادًا للمعركة الفاصلة، فجعل الفرسان المرابطين وعددهم عشرة آلاف في طَليعة الجيش، بقيادة أبي سليمان داود بن عائشة أشهر قادته الكبار، وذلك ليتلقّوا الصدمة الصليبية الأولى.
وجعل قوات الأندلس تليهم، وكانت تؤلف وحدها جيشًا خاصًّا، منفصلًا عن جيوش المرابطين، يقودها المعتمد بن عباد أمير أشبيلية أشهر ملوك الطّوائف.
كما جعل جيشه في المؤخرة، وعلى مسافة كبيرة من جيش الأندلس، وراء أكمة ليوهم العدو أنّ الجيش الذي يواجهه هو الأوّل والثّاني فقط.
_________________
(١) نفح الطيب جـ٤ ص٣٦٤.
(٢) انظر عن طرطوشة ياقوت جـ٤ ص ٣٠ وعن بطليوس: ياقوت جـ٤ ص ٤٤٧/ التواتي ص ٢٩٤.
(٣) عنان- دول الطوائف ص ٣٢١.
(٤) التواتي ص ٢٩٥ وانظر الحجي- التاريخ الأندلسي ص ٤٠٥.
[ ٣٢ / ٣٧٣ ]
وهكذا تحكّم المسلمون في اختيار موقع المعركة، ووضعوا خططهم على أساس ذلك، ونظمّ يوسف الاتّصالات السّريعة بينه كقائد أعلى للجيش وقواد الجيشين بحيث تأتي الأخبار سريعة. وجعل ابن تاشفين المعتمد بن عباد في قلب مقدّمة جيش الأندلس، والمتوكل بن الأفطس في الميمنة، وأهل مشرق الأندلس في الميسرة، وباقي الأندلسيين في السّاقة.
وجعل من جيشه المرابطي كمائن لتفاجيء العدو بعد اصطدامه بفرسان المرابطين وبجيش الأندلس، ولمنع الأندلسيين من الترّاجع أو الفرار، وضرب معسكره وراء ربوته العالية منفصلًا عن مكان القوات الأندلسيّة.
استعداد النّصارى وتحرسهم باتجاه المسلمين:
[ ٣٢ / ٣٧٤ ]
كان الفونسو السادس قد طمع في الأندلس الإسلاميّة، وعتا وتجبرّ، وقطع عهوده مع أمرائها وملوكها، وجاءته بركات البابا، وتدفقت عليه جموع النّصارى الفرسان من مختلف أجزاء أوربا، فعاث في الأندلس الإسلامية فسادًا حتى وصل الجزيرة كما ذكرنا، وأعلن تحديه لأمير المسلمين يوسف بن تاشفين، ثم توجّه بقواته لمحاربة أمير سرقسطة ابن هود، وحاصرها، وألحّ عليها، وقاومت ببسالة. وعندما تأكّدت لديه أنباء عبور المجاهدين، رفع الحصار تاركًا أمر تصفية حسابه مع سرقسطة إلى ما بعد إيقاف هذا الزّحف، وحشد القوات النّصرانيّة من جيليقية، وليون، وبسكونية، واشتوِريش، وقشتالة (١)، وكاتب ملك اراغون شانجه بن ردمير صاحب بنبلونة وكان مشغولًاَ بمحاصرة طرطوشة، فانضمّ إليه بقواته، وكاتب الكونت برنجار ريموند الذي كان يتأهب لغزو بلنسية فانضم إليه بقواته. وطلب النجدات من أمراء ما وراء البرت فلحق به سيل من الفرسان والمتطوّعين الفرنجة والألمان والإنكليز والإيطاليين، فأصبح جيشه كبيرًا متفوّقًاَ في العُدَة والعَدَد والإمكانيات، واتّخذت المعركة شكل الحروب الصّليبيّة، فقد رفع القسّيسون والرّهبان والأساقفة صلبانهم، ونشروا أناجيلهم أمام القوات النّصرانيّة، وباركها البابوات وحثّوا عليها، ووجّهوها، بل تبايع رهبانهم على الموت.
وسار الفونسو بجيشه اللّجب مزهوًّا بتفوّقه في العَدَد والعُدَة، وبلغ به الزّهو وبجيشه أن قال: "بهؤلاء أقاتل الجنّ والإنس، وملائكة السماء". وبلغ به الأمر أن قال: "بهذا الجيش ألقى إله محمد" (٢) (ﷺ) .
_________________
(١) تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين ص ٨٠/ انظر الحجي ص ٤٠٥.
(٢) الكامل في التاريخ جـ٨ ص ١٤٢.
[ ٣٢ / ٣٧٥ ]
تحرك الفونسو باتّجاه المسلمين ليفرض المعركة عليهم في أرضهم بدلا منِ انتظارهم، وكان الجيش الإسلامي قد اختار مكان اللّقاء، ولما أصبح على مسافة ١٨ ميلا من القوات الإسلامية نزل هَناك. عندئذ أمر أمير المسلمين المعتمد بن عباد التّقدّم إلى سفح جبل أمام الأَذفونش بحيث يتراؤون، فظن الأذفونش أنّ عساكر المسلمين ليس إلا الذي يراه (١)، فنجحت خطة أمير المسلمين الأوّليّة.
وقام الفونسو بترتيب جيشه، فقسمه إلى قسمين: الأوّل بقيادة الكونت جارسيان والكونت رودريك، وخُصّص لمهاجمة المعتمد بن عباد. والثاني: جناحا الفونسو بقيادة سانشو (شانجة) رامير يز ملك أراغون والكونت ريموند، وقاد الفونسو القلب. وهكذا كانت احتياطات وخطط الفونسو لا تقلّ في أهمّيتها عن خطط أمير المسلمين، وانتظم الجيشان وتصافّا لا يفصل أحدهما عن الآخر إلا فرع صغير من الوادي اليانع هو وادي يبرا (إبرة) (٢) .
القوى الإِسلامية والنصرانية المتواجهة:
بلغ عدد الجيش الإسلامي أكثر من عشرين ألفًا، عدا المتطوّعة الذين جاءوا من سائر بلاد الأندلس (٣) . وعددهم كبير.
وأما الجيش النصراني فالمقلل يقول: "المختارون أربعون ألف دارع، ولكل واحد أتباع، والنصارى يعجبون ممّن يزعم ذلك ويرون أنهم أكثر من ذلك كله". والمكثر يقول: "إنه كان في ثمانين ألف فارس ومائتي ألف راجل" (٤) .
والواقع أن عدد الجيشين الإسلامي والنصراني كبير. وتتفق جميع المصادر أن عدد جيش المسلمين كان أقل من جيش النصارى بكثير، وقد يصل إلى النصف (٥) .
المراسلات:
_________________
(١) نفسه.
(٢) التواتي ص ٢٩٦
(٣) حسن إبراهيم- تاريخ الإسلام جـ٤ ص ١٢١.
(٤) المؤنس ص ١٠٨.
(٥) الحجي ص ٤٠٥.
[ ٣٢ / ٣٧٦ ]
كانت المراسلات وتبادل الكتب بين أمير المسلمين وملك النّصارى قد بدأت قبل دخوله الأندلس، وجميع المراسلات تحمل صيغة التّحدّي، وقبل بدء المعركة أرسل أمير المسلمين كتابًا لألفونسو امتثالا لأحكام السنة المطهرة، يعرض عليه فيه الدّخول في الإسلام أو الجزية، أو المناجزة، ومما جاء فيه (١): "بلغنا يا اذفونش أنك دعوت إلى الاجتماع بنا، وتمنيّت أن تكون لك سفن تعبر بها البحر إلينا، فقد عبرنا إليك، وقد جمع الله تعالى في هذه السّاحة بيننا وبينك، وسترى عاقبة دعائك": ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ سورة غافر الآية ٥٠.
واختلفت الرّسل بين الفريقين في تحديد يوم القتال، ووعظ الأمير يوسف وابن عبّاد أصحابهما، وقام الفقهاء والعبّاد يعظون الناس، ويحضّونهم على الصّبر، ويحذّرونهم الفرار.
وجاءهم الطلائع بخبر أن العدّو مشرف عليهم صبيحة يومهم (الأربعاء١٠ رجب عام ٤٧٩ هـ) ولكن عاد الفونسو إلى أعمال الخديعة، وعاد النّاس إلى محلاتهم وباتوا ليلتهم (٢) . وهذه مناورة من الفونسو لمعرفة الجيش الإسلامي.
يقظة قادة الجيش الإِسلامي:
_________________
(١) نفح الطيب جـ٤ ص ٣٦٢/ ابن خلدون جـ٦ ص١١٥/ وانظر الحجي ص ٤٠٦.
(٢) انظر: نفح الطيب جـ٤ ص٣٦٤- ٣٦٥/ الروض المعطار ص٩٠/ الحجي ص٤٠٦.
[ ٣٢ / ٣٧٧ ]
أذكى المعتمد بن عبّاد عيونه في محلات المرابطين خوفًا عليهم من مكائد الفونسو وكان قد خبره، وهم غرباء لا علم لهم بالبلاد، وجعل المعتمد يتولّى ذلك بنفسه حتى قيل: "أنّ الرّجل من الصّحراويينّ لا يخرج على طرف المحلّة لقضاء أمر أو حاجة، إلا ويجد ابن عباد بنفسه مطيفًا بالمحلّة". واندسّت عيون المسلمين بين جيوش الفونسو، تتعرّف على مخطّطات النّصارى، فتعرّفوا على مخطّطات الفونسو في نيّة الغدر بالمسلمين ومباغتتهم، فقد كتب للمسلمين (يوم الخميس ١١ رجب) يقول: "الجمعة لكم، والسبت لليهود، وهم وزراؤنا، وكتابنا، وأكثر خدم العسكر منهم، فلا غنى بنا عنهم، والأحد لنا، فإذا كان ما نريده من الزحف"، أي حدّد أن تكون المعركة يوم الاثنين ينوي بذلك الغدر (١)، فجاءت العيون إلى يوسف وابن عبّاد وأكّدوا استعداد معسكر النّصارى. وقالوا: "استرقنا السمع فسمعنا الأذفونش يقول لأصحابه: ابن عبّاد مسعر هذه الحروب، وهؤلاء الصّحراوّيون وإن كانوا أهل حفاظ، وذوي بصائر في الحروب، فهم غير عارفين بهذه البلاد، وإنّما قادهم ابن عبّاد، فاقصدوه، واهجموا عليه، واصبروا، فإن انكشف لكم هان عليكم غيره"، فاستحثّ ابن عبّاد يوسف لنصرته، وبات المسلمون ليلتهم على أهبة احتراس وبقوا شاكي السلاح بجميع محلاتهم، خائفين من كيد العدو (٢) .
البشرى:
_________________
(١) الكامل في التاريخ جـ٨ ص١٤٢.
(٢) نفح الطيب جـ٤ ص٣٦٥/ الروض ص ٩٢.
[ ٣٢ / ٣٧٨ ]
وبعد مضيّ جزء من اللّيل انتبه الفقيه أبو العباس أحمد بن رميلة القرطبي (وكان في محلّة ابن عباد) فرحًا مسرورًا يقول: "أنّه رأى النبي ﷺ يبّشره بالفتح والشّهادة له في صبيحة غد، وتأهبّ ودعا، ودهن رأسه، وتطّيب، وانتهى ذلك إلى ابن عباد، فبعث إلى يوسف فخبرّه تحقيقًا لما توقّعا من غدر ابن فردلند (١) . وشاع ذلك في عسكر المسلمين كلّه، فشّع في قلوبهم الأمل الكبير بالنّصر، وأعطتهم البشرى معنويات عالية، وتأكّدوا أن المعركة ستكون يوم الجمعة، فاستعدّوا لذلك، فكانت تعبئة نفسية جيّدة.
المعركة الفاصلة:
وصحّ ما توقعه المسلمون ففي السحر من يوم الجمعة ٢ ١ رجب عام ٤٧٩ هـ، هاجم الفونسو القوات الإسلامية بجميع قوّته الرّهيبة، هجومًا عامًّا، ظنًا منه أن الّذي أمامه هي جميع القوات الإسَلاميّة، فتصدّى له الفرسان العشرة آلاف من المرابطين بقيادة أبي سليمان داود ابن عائشة، وعلى الرغم من عدم قدرتهم على الصمود أمام سيل الفرسان النّصارى، فقد استطاعوا تحطيم حدة وعنف هجمة النصارى، وتكسير موجتهم، بعد أن خسروا كثيرًا من الشهداء، وتمّ الترّاجع إلى معسكر قوات الأندلس. واستمرّت صدمة النصارى رغم تكسّر حدّتها شديدة، فتراجعت القوات الأندلسية، ودارت عليهم الدائرة، وثبت ابن عبّاد وأبلى برغم ذلك بلاء حسنًا، ثم أرسل كاتبه ابن القصيرة إلى يوسف يستحثه.
ولم يكن يوسف غافلًا، فقد كان يرقب المعركة، من على ربوته، ولمّا تأكّد أن الفونسو اقتحم معسكر الأندلسيين بجميع قواته، أخذ يدفع بعض قواته إلى قلب المعركة أرْسالًا لمساعدة ابن عبّاد، ليساعده على الثّبات، ثم حمل بنفسه بقوّته الاحتياطية إلى محلة الأذفونش من خلف جيش النّصارى، فاقتحمها المسلمون، ودخلوها، وفتكوا فيها، وقتلوا.
_________________
(١) نفح الطيب جـ٤ ص ٣٦٥/ الروض المعطار ص ٩١.
[ ٣٢ / ٣٧٩ ]
ثم أمر أمير المسلمين بضرب الطّبول، وزعقت البوقات، فاهتزّت الأرض، وتجاوبت الجبال والآفاق (١) . ودوّت: "الله أكبر"وأشعل النار في المعسكر القشتالي، فطار لبّ الفونسو، واضطّربت قلوب النّصارى، وعادوا إلى محلّتهم بغضب، فصدموا جيش أمير المسلمين، فأفرج لهم عن محلتهم، ثم كر ّعليهم، فأخرجهم منها، ثم كرّوا عليه فخرج لهم عنها، ولم تزل الكرّات تتوالى في خطة محكمة لأمير المسلمين لإضعاف فرسان النّصارى، وإنهاك رجّالتهم، تمهيدًا للقضاء عليهم جميعًا، وفي أثناء ذلك جمع جيش الأندلس شتاته وعادت إليه معنوياته فتحوّل مع الأرْسال المرابطيّة وفرسانهم إلى الهجوم المضادّ، فوقع الجيش الصّليبي بين مطرقة المرابطين وسندان ابن عباد.
وقدّم ابن تاشفين الجمال حيث كان لها نفع عظيم، إذ كانت خيول فرسان النصارى تجفل منها، وتلوي أعناقها عندما تسمع رغاءها، لعدم تعوّدها على رؤيتها. كما كان لقرع الطّبول أثر في تخلخل أفئدة النّصارى. فتوالى استنزاف قوّة النّصارى. ويوسف يحمل بنفسه وهو على فرسه يرغب في الصبر والاستشهاد ويقول بأعلى صوته:
"يا معشر المسلمين، اصبروا لجهاد أعداء الله الكافرين، ومن رزق منكم الشّهادة فله الجنّة، ومن سلم فقد فاز بالأجر العظيم والغنيمة". وتمتّع المسلمون بمعنويّات عالية فقاتلوا قتال من يطلب الشهادة ويتمنّى الموت (٢)، وكانت كلمات يوسف مع بسالته تعمل عملها في إذكاء حماس المسلمين، وقيل إن لصموده وقوته وسرعة حركته، قتلت تحته في هذه المعركة ثلاث أفراس (٣) .
_________________
(١) انظر: نفح الطيب جـ٤ ص ٣٦٦- ٣٦٨ عن ابن خلكان جـ٦ ص ١١٦ وهو ينتقل بدوره عن كتاب تذكير العاقل وتنبيه الغافل للبياسي.
(٢) روض القرطاس ص٩٥.
(٣) التواتي ص ٢٩٧.
[ ٣٢ / ٣٨٠ ]
وأما ابن عباد فقد بذل جهدًا مشكورًا، وأثبت كفاءة عالية في هذا اليوم، وصبر فعندما اشتدت صدمة النّصارى وانكشف بعض أصحابه وفيهم ابنه عبد الله، ضُرب على رأسه ضربة فلقت هامته حتى وصلت إلى صدغه، وجُرحت يُمنى يديه، وطُعنَ في أحد جانبيه، وعُقرت تحته ثلاثة أفراس، كلما هلك واحد قُدّم له آخر، وهو يقاسي حياض الموت ويضرب يمينًا وشمالًا، وتذكّر في تلك الحالة ابنًا له صغيرًاَ كان مُغرمًا به تركه في أشبيلية عليلًا، وكنيته أبو هاشم فقال (١):
أبا هاشم هشمتني الشّفار
فلله صبري لذاك الأوار
ذكرت شُخَيْصَك تحت العجاج
فلم يثنني ذكره للفرار
وهكذا اتّبع يوسف في قتاله للنّصارى أسلوب الكرّ والفر ّبالصّفوف المتراصة المتماسكة وهو نظام أربك النّصارى لأنهمّ لم يعهدوه من قبل. وبعد عديد من الكرّات أدرك الأمير تضعضع النّصارى، فعندئذ ضرب ضربته الأخيرة، إذ أمر حشمه السّودان، فترجّل منهم زهاء أربعة آلاف، ودخلوا المعترك بدرق اللمّط، وسيوف الهند، ومزاريق الران، فطعنوا الخيل، فرحت بفرسانها (٢)، وترجّل معهم عدد آخر من الأجناد: فآمّن الله المسلمين وقذف الرّعب في قلوب المشركينِ (٣) . وطُحِنوا بين العسكرَيْن المُسْلِمَينْ. ودارت الدّائرة على قوات الفونسو، وجرح جرحًاَ بالغًا، إذِ لصق به عبد أسود طعنهُ في فخذه بخنجر، فتسلّل ومعه حوالي خمسمائة فارس مثخنين جراحًاَ وانسحب من المعركة، وفر ّجيشه، وطورد الفارّون في كلّ مكان، حتى دخل الظّلام فأمر ابن تاشفين بالكفّ عن المطاردة، وتسلّل الفونسو مع جماعته في جنح الظلام فارًّا إلى طليطلة، حيث توفّي أكثرهم في الطّريق، ولم يدخل معه طليطلة إلا حوالي مائة فارس (٤) .
_________________
(١) نفح الطيب جـ٤ ص٣٦٦.
(٢) نفح الطيب جـ٤ ص ٣٦٨/ ابن خلكان جـ٦ ص ١١٦.
(٣) الحلل الموشية ص ٤٣/ تاريخ المغرب الكبير ص ٧٢٥.
(٤) نفح الطيب جـ٤ ص ٣٦٩/ الروض المعطار ص ٩٣.
[ ٣٢ / ٣٨١ ]
لقد استمرّت المعركة يومًا واحدًا لا غير، حطّم الله شوكة العدو ّالكافر، ونصر المسلمين، وأجزل لديهم نعمه، وأظهر بهم عنايته، وأجمل لديهم صنعه (١) . وكلّ الدلائل (التي بيّناها) تشير أن خطّة أمير المسلمين كانت حسم المعركة بسرعة حتّى وإن كَثُرَت الخسائر، وذلك لاستغلال حماس المسلمين وقبل أن تفتر همة أمراء الطّوائف. وتحقّقت خطّته بأمر الله.
واستشهد عدد كبير من المسلمين بينهم عدد من العلماء الفضلاء وأعيان النّاس. ومن العلماء: ابن رميلة صاحب البشرى، وقد ترجم له ابن بشكوال في الصّلة (٢) فوصفه بأنه: "كان كثير الصّدقة وفعل المعروف، واستشهد بالزلاّقة مُقبلًا غير مدبر عام ٤٧٩ هـ". واستشهد العالم أبو مروان عبد الملك المصمودي قاضي مرّاكش (٣) . والفقيه أبو رافع الفضل ولد الِحافظ العالم الأندلسي الفقيه الأديب أبي محمد بن حزم، قضى في معركة الزلاقة شهيداَ (٤) .
وهكذا كان العلماء على المقدّمة في كافّة الميادين، حصون الأمة وقادتها، ومثالها، قدوة للمسلمين، مثالًا صافيًا نقيًّا دائمًا، لا ينزوون عن الأحداث، ويبرزون في صفاء الجود والنّعمة، لا سيّما علماء القرآن الكريم والسنّة المطهرّة، وعلماء الشّريعة، والتّاريخ، والقضاء، لأن العلم إيمان وعمل، وصدارة العلم لها مسئوليتها وتكاليفها، فرحمهم الله وأجزل لهم المثوبة.
_________________
(١) نفح الطيب جـ٤ ص ٣٦٧/ أعمال الأعلام جـ٣ ص ٢٤٤.
(٢) ٦٨ رقم ١٤٤/ وانظر نفح الطيب جـ٤ ص ٣٦٩/ الروض المعطار ص ٩٣.
(٣) الروض المعطار ص ٩٤- ٩٥.
(٤) وفيات الأعيان جـ٣ ص ٣٢٩/ وقد حدّث عن والده: سير أعلام النبلاء جـ١٨ ص ١٨٦.
[ ٣٢ / ٣٨٢ ]
استولى المسلمون على ما كان مع الجيش النصراني الكبير من مال وسلاح، ودواب، وغيرها. وقد عفّ عنها يوسف بن تاشفين وآثر بها ملوك الأندلس، وعرّفهم أنّ مقصده الجهاد، والأجر العظيم، وما عند الله في ذلك من الثّواب المقيم (١) .] وهذا درس عملي ألقاه عليهم، ولكنهم لم ينظروا إلى أبعاده ومراميه [،. فأحبّوه، واجتمعوا، وكانوا ثلاثةْ عشر ملكًا، فسلّموا عليه (بأمير المسلمين)، وكان يدعى (الأمير) . وأرسل إلى الخليفة العباسي المقتدي بأمر الله ببغداد، فأتته الخلع، والأعلام، ولقّبه بأمير المسلمين، وناصر الدين (٢) .
وضرب السّكّة من يومئذ وجدّدها، ونقش ديناره: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، وتحت ذلك: (أمير المسلمين يوسف بن تاشفين) . وعلى الوجه الآخر: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الآية ٨٥ من سورة آل عمران، وتحت ذلك: (الأمير عبد الله أمير المؤمنين العبِّاسي) . وفي الدائرة: تاريخ ضرب الدينار وموضع سكّه (٣) .
نتائج الزلاّقة:
طُيّرت أنباء النّصر الحاسم إلى سائر القواعد الأندلسية، وشاعت أنباؤه في سائر الجنبات، فاستبشر المسلمون بما آتاهم الله من عزيز نصره، وكتب أمير المسلمين رسالة عن الموقعة وتفاصيلها وأوصافها إلى المعز بن باديس صاحب إفريقية، وتجاوبت أصداء النّصر في سائر مدن المغرب وإفريقية، وعمّ الفرح والبشر سائر الناس، فأخرجوا الصدقات، وأعتقوا الرّقاب (٤) . فكانت الزّلاّقة يومًا مشهودًا من أيّام الإسلام، محت العار الذي لحق ملوك الأندلس من مذلّة الفونسو السادس لهم. وفيه يقول بعضهم من قصيدة (٥):
لم تعلم الروم إذ جاءت مصممة
_________________
(١) نفح الطيب جـ٤ ص ٣٦٩/ الروض المعطار ص ٩٣.
(٢) الكامل في التاريخ جـ٨ ص ١٤٣.
(٣) المؤنس ص ١٠٩/ وفيات الأعيان جـ٧ ص ١١٥/ أعمال الأعلام جـ٣ ص٢٥١.
(٤) انظر عنان- دول الطوائف ص ٣٢٨.
(٥) المؤنس ص ١٠٨.
[ ٣٢ / ٣٨٣ ]
يوم العَروُبة أنّ اليوم للعرب
والعرب تسمي الجمعة (العَروُبة) . ويعبّر صاحب الحلل الموشية عن ذلك بقوله (١):"وكان يومًا لم يُسمع بمثله من اليرموك والقادسية، فياله من فتح، ما كان أعظمه، ويوم كبير ما كان أكرمه، فيوم الزلاقة ثبتت قدم الدين بعد زلاقتها، وعادت ظلمة الحق إلى إشراقها، نفست مخنق الجزيرة بعض التنفس، واعتز ّبها رؤوس الأندلس.."فانتعشت النفوس وقوّت الآمال، فأعادت للوجود الإسلامي اعتباراته، وكان يوشك على الأفول، وأظهرته من جديد في ثوب قشيب رائع، ليواصَل حياته الجهادية مدى قرون أخرى.
وحرّرت الزّلاّقة سرقسطة وحمتها من الوقوع بأيدي القوى الصّليبيّن التي كانت تحاصرها عند نزول قوات المرابطين بالأندلس.
ورفعت من شأن المرابطين وأميرهم يوسف بن تاشفين أمام الرّأي العام الإسلامي، بجهادهم وذبّهم عن ثغور الإسلام، واتجهت أنظار المسلمين إليهم للتخلّص من أمراء الطّوائف، فاتخذ يوسف صورة المنقذ للمسلمين في الأندلس، فمهّد ذلك لإسقاط ملوك الطوائف، وضمّ الأندلس إلى دولة المرابطين في المغرب لحمايتها من هجمات النّصارى.
_________________
(١) ص ٤٧، عبد العزيز سالم- المغرب الكبير ص ٧٢٨.
[ ٣٢ / ٣٨٤ ]
والغريب أن أمير المسلمين لم يستغلّ انتصار المسلمين الحاسم في الزلاقة، فلم يطاردوا عدوّهم، بل لم يحاولوا السّير إلى طليطلة (إلا بعد مدة طويلة) لاستردادها وهي كانت معقد المحنة التي دفعت أمراء الطّوائف للخضوع إلى طلب النّصرة، وقد تفرّق الجيش الإسلامي، فارتدّ أمراء الأندلس كلٌّ إلى بلاده، في حين رحل المعتمد بن عباد إلى أشبيلية ومعه أمير المسلمين، الذي أقام بظاهر أشبيلية ثلاثة أيام، ووردت عليه من المغرب أخبار تقتضي العزم، فسافر وذهب معه ابن عباد يومًا وليلة، فحلف ابن تاشفين وعزم عليه في الرجوع.. فسيّر معه ولده عبد الله إلى أن وصل البحر وعبر إلى المغرب (١) . وقد علّق اشباخ على موقعة الزلاقة فقال (٢): "إن يوسف بن تاشفين لو استطاع أن يستغل نتائج انتصاره في معركة الزلاقة، لكانت أوربا الآن تدين بالإسلام، ولرأينا القرآن يدرس في جامعات موسكو وبرلين ولندن وباريس". ولسنا نحن بصدد لو فإن لو تفتح عمل الشيطان. ولكننا نتساءل: لماذا لم يستغل المسلمون انتصارهم؟!. ولنحاول أن نتلمّس الجواب من بين الأحداث السابقة واللاحقة.
_________________
(١) نفح الطيب جـ٤ ص٣٧٠/ الروض المعطار ص ٩٣.
(٢) تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين ص ١١٧.
[ ٣٢ / ٣٨٥ ]
إنّ الّذي يتعمّق في تاريخ الأندلس يجد أنّ بذور التّفكّك والانحلال قد أصابت البنية الإسلامية هناك، ولم يعد المسلمون قادرين على الاندفاع في وثبات هادفة مركِّزة، فقد أصبح همَّهم الدّفاع، وفقدوا روح الهجوم والمبادرة والمفاجأة، كما اتّخذ الجهاد صورة غير الصّورة التي كان عليها أيام الفتح الإسلامي الأوّل، فقد اتّصف بكثير من صور اليأس والانتحار، وهكذا فقد الجهاد معنَاه من إزالة الحواجز في طريق الدعوة، وتبليغها ونشرها. وأصبح همّهم الحفاظ على ما هم عليه من رفاهية العيش ومن الانغماس في الملذّات، فإذا اشتدّ الخطر نهضوا بحماس آنيّ ثم يعودون للفتور السّريع مستسلمين مستخذين، وقد أدرك أمير المسلمين ذلك تمامًاَ، ولذا خطّط لإنهاء المعركة وحسمها في يوم واحد قبل أن تفز همّة أهل الأندلس، وقبل أن تظهر بين ملوكهم عواطف الأثرة والحسد، لتتغلّب على عوامل الاتّحاد والقوّة، فتكون كارثة على المسلمين. وقد رأينا موقف ابن سكوت وابن المعتمد قبل عبور المجاهدين!. وظهر بعد الزّلاّقة إذ تحالف بعضهم سّرًا مع الفونسو السادس أملًا في طرد المرابطين، كما فعل عبد الله بن بلكين بن باديس أمير غرناطة (١) . فوجود ملوك الطوائف كان العامل الأول الذي حال دون استغلال المعركة لصالح الإسلام في أوربا.
ثم إن يوسف أدرك أنّ القوّة التي يقابلها في الأندلس ليست قوى أسبانيا النّصرانية بل قوى أوربا بأكملها تحركهم كنيسة روما فِي حملات صليبِّية لا تهدأ، فوضع استراتيجيته في عدم التّقّدم إلاّ بعد تأمين خط الرّجعة تمامًاَ. وهذا ما طبقّه منذ دخوله الأندلس.
_________________
(١) التبيان لعبد الله الزيري ص ١٠٨.
[ ٣٢ / ٣٨٦ ]
ثم كان ورود خبر وفاة ولده أبي بكر بن عمر وكان قد استخلفه في مراكش وتركه مريضًا بسبتة، فخشي الفوضى في المغرب فقرّر العودة فورًا إلى المغرب ويؤكّد لنا صاحب القرطاس أنّه لولا ذلك المصاب ما عاد يوسف بمثل هذه السّرعة (١)
عاد يوسف إلى المغرب ليبدأ خططًا جديدة، وترك قوات مرابطية للجهاد تقدّر بثلاثة آلاف، رهن تصرف المعتمد بن عباد بقيادة قائده الشجاع سير بن بكر. بعد أن قدم النصح بحرارة لملوك الطوائف بنبذ الفرقة والعمل للوحدة (٢) .
_________________
(١) عنان- الطوائف ص ٣٢٩، عن روض القرطاس ص ٩٨.
(٢) التبيان- لعبد الله الزيري ص ١٠٦، اتهم المستشرقون يوسف بن تاشفين بسوء النية، والطمع في خيرات الأندلس، والقضاء على ملوك الطوائف، من عبارات التقطوها من عبد الواحد المراكشي في المعجب في الصفحات ١٣٢، ١٣٥، ١٣٦، ١٣٧ وما بعدها. ومن المعروف أن عبد الواحد أملى كتابه من ذاكرته. وفيما بيّناه خلال هذا البحث ما يدل على هدف يوسف: الجهاد وحماية الإسلام. انظر: مناهج المستشرقين في الدراسات العربية الإسلامية جـ٢ ص ٢٩٢ وما بعد.
[ ٣٢ / ٣٨٧ ]
أمّا النّصارى فقد بدأوا بتغيير مخطّطاتهم التي رسمها لهم الفونسو السّادس لقتال المسلمين في الحرب التي دعوها حرب الاسترداد (١) . وأخذت الكنيسة هي التي تضع الخطط وتتابع تنفيذها، واستسلمت أسبانيا النصرانية لأحضان الكنيسة الروّمانيّة المتعصبّة، وخضعت لسياستها الحربيّة، بإقصائها جميع الرهبان الذين قد يزددون في السّير مع ما تحدّده الكنيسة دون قيد أو شرط. ودفعت الآَباء البندكتيين بزعامة الراهب الفرنسي برنار لمحاربة المسلمين، واعتبرت حرب المسلمين مقدّسة يعادل أجر المشارك فيها أجر الّذين دفعتهمٍ إلى قلب العالم الإسلامي في المشرق بعد ذلك. بل إن البابا اسكندر الثاني أصدر مرسوما حرّم فيه على رجالَ الدّين الأسبان المشاركة في الحروب الصليبية في الشّرق، وأكّد أن محاربة المسلمين في أسبانيا تفوق أهمية وقدرًا محاربتهم في الشّرق.
_________________
(١) درج كثير من المؤرخين المسلمين على تسمية الحرب الصليبية ضد المسلمين في الأندلس: (حرب الاسترداد) كما فعل مؤرخو النصارى، وهذا تعبير خاطيء لأن السلمين عندما فتحوا الأندلس لم يسلبها السكان النصارى أراضيهم ولم يخرجوهم من ديارهم، بل نشروا عقيدة الإسلام فأسلم الناس طوعًا وتسلموا راية الإسلام مع العرب والبربر المسلمين. والنصارى الذين قاموا بالهجوم على مسلمي الأندلس في أكثريتهم من نصارى أوربا، فهم في الحقيقة الذين أخرجوا المسلمين من ديارهم أو أجبروهم على التنصر أو أبادوهم!!.
[ ٣٢ / ٣٨٨ ]
وهكذا تمكّنت الكنيسة من الزّجّ بكثير من نصارى أوربا في صفوف مقاتلة ملوك أسبانيا، بحيث أصبح معينُهم لا ينضب من الرّجال والمال والسّلاح. فاستطاع الفونسو بسرعة مدهشة أن يحشد جيشًا جديدًا جاءت إمداداته من فرنسا ونورمندية وألمانية، والفلاندر بروح صليبيّة، ولم يمضِ عام واحد على هزيمته حتى تمكّن من استعادة قواه، وأخذ المبادرة وبدأ بعمليّات الهجوم، ونقل ميدان نشاطه إلى شرق الأندلس، وتحالف مع الكامبيدو، وأنشأ حصن اليدو (الييط) بين مرسية ولورقة، وافر المناعة ضخمًا، شحنه بالسلاح والمال والرّجال، وبلغت حاميته ثلاثة عشر ألفًا منهم ألف فارس، بالإضافة إلى أنه ضم جماعات نصرانية التجأوا إليه، واتّخذه النّصارى قاعدة للإغارة على أراضي مرسية والمرية، وبثّوا الرعب والفزع في قلوب المسلمين في تلك الأنحاء، وعجزت القوات الأندلسية عن ردّ عدوانهم، فضجّ أهل تلك الأنحاء وعادت الوفود من أهل الأندلس تترى على أمير المسلمين وخاصة من بلنسية ولورقة ومرسية، فكثر الصريخ، وكثرت رسل الإنجاد والغوث (١) . وتلقىّ الكتب من فقهاء الأندلس وأعيانها، يلحفون في رجاء الإنجاد والغوث لقمع بغي النّصارى والاستيلاء على اليدو مركز بغيهم، وعبر ابن عبّاد بنفسه مع بعض خاصّته والتمس منه العون (٢) .
_________________
(١) عنان- الطوائف ص ٣٣٢/ الحلل الموشية ص٤٧ و٤٨.
(٢) المغرب الكبير ص ٧٣٠.
[ ٣٢ / ٣٨٩ ]
جاز أمير المسلمين البحر للمرة الثّانية بقواته في ربيع الأول عام ٤٨١ هـ/١٠٨٨ م وتلقّاه ابن عباد في الجزيرة الخضراء، وبعث بكتبه إلى ملوك الطّوائف ورؤسائهم يستدعيهم جميعًا للجهاد، فوافوه عند حصن لييط، حيث ألقى عليه الحصار، وسلّط عليه المسلمون آلات الحصار الضّخمة، لمدة أربعة أشهر، إلى أن استولى عليه الأمير وخرّبه (١) .
وفي مدّة الحصار الطّويل هذا أحسّ أمير المسلمين بالاستياء لما شهده من أحوال أمراء الطّوائف المشاركين في الحصار، فقد كان الخلاف والتنافر والوقيعة بين أولئك الأمراء الطّامعين، كما وصله خبر تفاهم ابن رشيق أمير مرسية مع ملك قشتالة سرًا، وأنه قد دفع إليه جباية مرسية، وأنه يعاون حامية الحصن في الخفاء. وأخذ أمراء الطوائف يتراشقون التّهم أمام يوسف ويحكّمونه في منازعاتهم، حتى ضاق ذرعًا بذلك (٢) .
عاد أمير المسلمين إلى المغرب وهو علىٍ يقين أنّ وجود ملوك الطوائف معناه ضياع الإسلام في هذه البلاد، وكان قد ترك جيشًا مجاهدًا من المرابطين من أربعة آلاف فارس تحت إمرة داود ابن عائشة ليعمل في منطقة مرسية وبلنسية، وأخذ يعدّ خططه لاستئصال شأفة ملوك الطوائف. وأثناء ذلك بلغه توافقهم لقطع المؤن والمدد عن عساكره ومحلاته التي تركها بالأندلس، فساءه ذلك كثيرًا، وبلغه أن بعضهم عاد إلى مصادقة الفونسو ومالأه كعبد الله ابن بلكين، والمعتمد بن عباد نفسه، فشاور الزعماء والفقهاء وأعيان النّاس، وتلقّى فتاوى من فقهاء المغرب والأندلس ومن أكابر فقهاء المشرق بوجوب خلع ملوك الطوائف.
_________________
(١) تاريخ إفريقيا الشمالية جـ٢ ص ١١٤ في حين تذكر المصادر الأخرى أن أمله خاب في الاستيلاء عليه فآثر الانسحاب، وإن الفونسو خربه بعد ذلك حين قرر إخلاءه بعد فقد أن حاميته حيث لم يجد فيه سوى مائة فارس وألفي راجل عام ٤٨٢ هـ/ ١٠٨٩ م/ انظر: عنان- الطوائف ص ٣٣٨.
(٢) انظر: المغرب الكبير جـ٢ ص ٧٣٠.
[ ٣٢ / ٣٩٠ ]
جاز أمير المسلمين إلى الأندلس للمرة الثالثة في أوائلِ عام ٤٨٣ هـ، واتّسمت حملته بطابع الجهاد، ليتأكد من مواقف ملوك الطوائف، فسار توّاَ إلى طليطلة واجتاح في طريقه أراضي قشتالة، ولم يتقدم أحد من أمراء الطوائف، لمعاونته أو السير معه، وعاث المرابطون في أحواز طليطلة، وخربوا ضياعها، وانتسفوا زروعها، ثم ضربوا حولها الحصار، وبداخلها الفونس وحليفه سانشو، ثم تراجع أمير المسلمين عنها لصعوبة فتحها، وليصفي حسابه مع ملوك الطّوائف، لتوحيد كلمة الأندلس، وتكوين جبهة أندلسية مغربية لمواجهة الأخطار الصليبية.
عاد يوسف إلى المغرب في شهر رمضان عام ٤٨٣ هـ، وفوّض إلى قائده الكبير سير اللمتوني شئون الأندلس، وتصفية الحساب مع ملوك الطّوائف، حيث أمده عام ٤٨٤ هـ بأربعة جيوش مرابطيّة لمنازلة الطّوائف. وقام بالمهمة ولم يستثن منهم سوى المستعين بالله أحمد ابن هود صاحب سرقسطة لقيامه بحقّ الجهاد (١) . وكان آخر من استسلم: أشبيلية يوم ٢١ رجب عام ٤٨٤ هـ، وسيق ابن عبّاد أسيرًاَ ليقضي بقيّة حياته في اغمات (٢) . واستراحت الأندلس الإسلامية من ملوكها الضّعاف، وعاشت في ظلّ المرابطين سعيدة في رفاهية، وعلى أحسن حال ودخلت مرحلة جديدة من القوة، وكُتب على المرابطين أن يحملوا راية الجهاد أمام هجمات الصليبية الحاقدة، دون كلل أو ملل في الوقت الذي اشتدّ فيه ساعد النّصارى بما تدفّق عليهم من فرسان الصليبية، واتسع نطاق الحروب الصليبية، فاستولى النورمان على صقلية نهائيا عام ٤٨٤ هـ (٣) .
_________________
(١) الحلل الموشية ص ٧٣.
(٢) نفح الطيب جـ٢ ص ٤٥٣/ الإحاطة في أخبار غرناطة جـ٢ ص ٨٢/ العبرجـ٢ ص ٣٥٨- ٣٥٩/ الكامل جـ٨ ص ١٧٧/ المؤنث ص ١٠٩/ عنان- الطوائف ص ٣٥٤.
(٣) العبر جـ٢ ص ٣٤٧/ الكامل في التاريخ جـ٨ ص ١٥٧.
[ ٣٢ / ٣٩١ ]
وهاجم الفونسو جيّان في الأندلس في جموع صليبية عظيمة عام ٤٨٥هـ فالتقاه المسلمون فانهزموا، ثم تراجع الناس وثبتوا، ونزل النّصر وكان ملحمة كبيرة قتل فيها خلق كثير من النّصارى (١) .
وهاجم النّصارى بلنسية عام ٤٨٨ هـ، واستسلمت بعد حصار دام ٢٠ شهرًا (٢) وأحلّ النصارى بأهلها أنه المحن وامتحُنوا بأفانين البلاء، وقام الكامبيدو بعمليات الحرق والتهجير، فحركت مشاعر المسلمين كما حدث يوم سقوط طليطلة، وقد صور الشعر الأندلسي هذه المأساة، يقول الشاعر البلنسي المعاصر أبو اسحق بن خفاجة (٤٥٠- ٥٣٣هـ) (٣):
عاثت بساحتك الظّبا يا دار
ومحا محاسنك البلا والنار
فإذا تردّد في جنابك ناظر
طال اعتبار منك واستعبار
أرض تقاذفت الخطوب بأهلها
وتمخضّت بخرابها الأقدار
كتبت يد الحدثان في عرصاتها
لا أنت أنت ولا الدّيار ديار
وقد سيرّ يوسف جيشًا بقيادة أخيه محمد بن تاشفين لاستعادتها، فانهزم المسلمون أولًا، ثم تمكّنوا من استعادتها عام ٤٩٥ هـ/١١٠٢م بقيادة الأمير المرابطي أبي محمد مزدلي (استشهد بالأندلس عام ٥٠٨ هـ) (٤) .
وفي هذه الفترة تبلغ الحرب الصّليبيّة ذروتها شرقًا وغربًا، فسقطت بيت المقدس (مسرى رسول الله ﷺ وأولى القبلتين) عام ٤٩٢ هـ في أيدي الصليبين، ودقّت الأجراس في كلّ أنحاء أوربا فرحًا بذلك (٥)، واستخفّ الطرّب بالبابا باسكال الثاني فكان مرسومه بإعلان الحروب الصليبية في أسبانيا ضد المسلمين (٦) .
_________________
(١) العبر جـ٢ ص٣٤٩/ الكامل جـ٨ ص١٦٠.
(٢) البيان المغرب جـ٧ ص ٣٥٦/ نفح الطيب جـ٤ ص ٤٥٥/ أعمال الأعلام جـ٢ ص ٢٠٤.
(٣) نفح الطيب جـ٤ ص ٤٥٥.
(٤) البيان المغرب جـ٤ ص ٤١، ٤٢، ٦٠.
(٥) اشباخ - تاريخ الأندلس ص ١١١.
(٦) انظر التواتي ص ٤٢٢- ٤٢٤.
[ ٣٢ / ٣٩٢ ]
وعلى ذلك فإن أثر الزّلاّقة في إثارة الحروب الصليبية لا يقلّ عن أثر ملاذكرد. وإثارة الحروب الصليبية هذه دعا النّصارى المعاهدين والذين كانوا يعيشون في ظلّ الحكم الإسلامي بأمن ورفاهية، يقومون بالأعمال التخريبية داخل المجتمعات الإسلامية، فاتصلوا بطرقهم الخاصة بالفونسو يعلنون استعدادهم ليكونوا أدلاء على عورات المسلمين، وأن يقدموا له حوالي ١٢ ألفا من المقاتلين، وشجّعوه على غزو المسلمين (١) وكانوا عونًا له.
. وتوفي أمير المسلمين عام ٥٠٠ هـ عن عمر ناهز المائة (٢)، ولم يمنعه السن الكبير من الجهاد والعناية بشئون دولته، والسهر على رعيته، فكان ﵀ من أهل الخير والاقتداء، وورثه ابنه علي بن يوسف الذي استمر في سيرة أبيه من القيام بالعدل وتولي الجهاد (٣) . في الأندلس.
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبي الهدى والرحمة.
_________________
(١) اشباخ ص١٤٧/ التواتي ص ٦٠٤.
(٢) العبر جـ٢ ص ٣٨١/ ابن خلكان جـ٧ ص ١١٥ وقيل ابن بضع وثمانون سنة/ سير الأعلام جـ١٩ ص ٢٥٤.
(٣) المؤنس ص ١٠٩.
[ ٣٢ / ٣٩٣ ]