همزية بشار بن برد في مدى عقبة بن سلم
دراسة تحليلية مفارنة
د/ أحمد مختار البزرة
أستاذ الأدب المشارك بكلية اللغة العربية
دواعي الدراسة:
دراسة الآثار الأدبية دراسة منهجية تحليلية هي الصرح لتاريخ الأدب، في عصر أو عدة عصور، أو لتاريخ جامع لأدب الأمة. وهي الميدان الموثوق لكثير من فروع علم اللغة ولاسيما:
- نشوء المفردات وتطور معانيها ما بين أجيالا الأدباء عبر العصور.
- وابتكار التراكيب ذات الدلالات الطارئة والفريدة.
- وجهود العبقريات في إغناء اللغة بالمضامين الفكرية والعاطفية التي يمرّ بها العصر.
وإذا كانت هي الأرضية للنقد الأدبي فهي أيضا الرصيد العملي الثري لعلم البلاغة ولعلم الأسلوب اللذين يعنيان بأسس التعبير الجدلي ودقائقه وأسراره، وبالعطاء المتبادل ما بين اللغة والأديب في عمليات التوليد والإبدال.
ولن تلقى مؤرخًا كبيرًا في عالم الأدب أو ناقدًا فذًا لم يحصّل خبرته وعلمه من التعامل الصابر مع النصوص: يفحص مبانيها، ويستكنه إيحاءاتها، ويكتشف إشاراتها ورموزها الخافية حتى ينتهي إلى نظرات وأحكام أُنفٍ مدعومة بالدليل المادي.
وهي في الدراسة الجامعية وسيلة ومنهج لازم للطلبة المتخصصين ليتعمقوا النصوص فهمًا يبلغ الغور ويستخرج الدر الخبيء، وُيبصّرهم بمكونات النص الأدبي لتتمايز لهم مراكز القوة من الضعف، والتعبير الجاف المبدع من الآخر الساكن المحافظ.
[ ٣٤ / ٢٩١ ]
ولن تكون لهم ملكة الذوق المصقول والتقويمٍ السديد والاستجابة الفنية التلقائية إلا بعد مرانٍ مدمن على تحليل النصوص شعرا أو نثرا، فهي في نهاية المطاف العدة والأداة لتكوين موقف موضوعي من الأحكام السياسية والفكرية والاجتماعية والفنية التي اكتنفت تاريخنا الأدبي بتعميمات مرتجلة أو مسرفة في الشطط أحيانًا لم تعتمد الاستقصاء والبحث التحليلي.
وأدنى ثمار الدراسة التحليلية للنصوص أن يُكوِّن الطالب الدراسي تكوينًا أدبيًا شخصيًا يوظف فيه إمكاناته وذوقه.
ولعل من واجب الدارسين في الجامعة الإسلامية أن يقدّموا نماذج تَهْدي أبناءنا إلى إحراز هذا الغرض. وعسى أن يُوَفّق الله إلى تقديم عدد منها بادئين - بعون من الله - بقصيدة في المدح كانت تلاقي عند أهل الأدب حظًا من الاستحسان، لشاعر كان رائد الشعر والشعراء في العصر العباسي الأول هو بشّار بن برد.
القصيدة [١]
"وهي من مختار صنعة بشار، وصدورها ومما تشبَّه به بالقدماء في مذاهبهم "
أبو الفرج الأصفهاني: الأغاني: ٣/ ١٩٨
واحذرا طرفَ عينها الحوراءِ
١. حاحبيَّ أمَّ العلا [٢]
لُملمّ [٣]، والداءُ قبل الدواء
٢. إنّ في عينها دواءً وداء
م إزاءٍ [٤]، لا طابَ عيشُ إزاء
٣. رب مَمْش منها إلينا على رغ
وتَصدَّت في السبت لي لشقائي
٤. أسقمت ليلةُ الثلاثاء قلبي
ثم راحت في الحلة الخضراء
٥. وغداة الخميس قد موتتني
م خيالًا أَصبْتَ عيني بداء [٥]
٦. يوم قالت: إذا رأيتك في النو
بك حتى كأنني في الهواء
٧. واستُخِفَّ الفؤادُ شوقًا إلى قر
يا لَقومي دمي على حمّاء
٨. ثم صدَّت لقولِ حمّاءَ [٦] فينا
[ ٣٤ / ٢٩٢ ]
مُشرفاتٍ [٧] يَطْرفن طَرْفَ الظباء
٩. لا تلوما فإنها من نساء
وأمسى من الهوى في عناء
١٠. وأعينا امْرأً جفا ودَّه الحيُّ
أنسيتِ السّرار تحت الرداء
١١. اِعْرضا حاجتي عليها وقولا
بر أبكي عليك جهد البكاء
١٢. ومقامي بذهن المصلّى إلىالمن
ما التجنّي من شيمة الحلماء
١٣. ومقالَ الفتاة عودي بحلم
وقولُ العدى وطول الجفاء
١٤. فاتقي الله في فتىً شفَّه الحبُ
ق صريعًا كأنه في الفضاء
١٥. أنت با عدته فأمسى من الشو
حسبُك الوأْيُ [٨] قادحًا في السخاء
١٦. فاذكري وَأْيهَ عليك وجودي
دَ فأَوْفي ما قلتِ في الرَّوْحاء [٩]
١٧. قد يسيء الفتي ولا يُخْلف الوع
فاقض واظفر به على الغرماء
١٨. إنَّ وعدَ الكريم دينٌ عليه
كانَ ما بيننا كظل السَّراء
١٩. فاستهلت بعبرةٍ [١٠] ثم قالت
أنت سُرْسُورتي [١١] من الخُلطاء
٢٠. يا سُليمي قومي فروحي إليه
كلُّ شيءٍ مصيرهُ لفناء
٢١. بلّغيه السلام منيّ وقولي:
وتعزّى قلبي وما من عزاء
٢٢. فتسَّليتُ بالمعازف عنها
ونَ رفاضًا يمشين مشي النساء
٢٣. وفلاةٍ زوراءَ [١٢] تلقىِ بها العي
كب فضاءً موصولةً بفضاء
٢٤. من بلاد الخافي [١٣] تَغوَّلُ بالر
ن نداء في الصبح أو كالنداء
٢٥. قد تجشَّمتها [١٤] وللجندب الجو
ل بريعانه ارتكاض النهاء
٢٦. حين قال [١٥] اليعفور وارتكض الآ
ل مروح تغلو من الغلواء
٢٧. بسبوح [١٦] اليدين عاملة الرج
[ ٣٤ / ٢٩٣ ]
ك فتروى من بحره بدلاء [١٧]
٢٨. همها أن تزور عقبة في المل
ب كما إنشقت الدجى عن ضياء
٢٩. مي [١٨] تنشق عن وجهه الح
دة والبأس والندى والوفاء
٣٠. أيها السائلي عن الحزم والنج
ومزيدا من مثلها في الغناء
٣١. إن تلك الخلال [١٩] عند ابن سلم
لقريب ونازح الدار ناء
٣٢. كخراج السماء [٢٠] سيب يديه
عقبة الخير مطعم الفقراء
٣٣. حرم الله أن ترى كابن سلم
وتغشما منازل الكرماء
٣٤. يسقط الطير حيث ينتثر الحب
ف ولكن يكذ طعم العطاء
٣٥. ليس يعطيك للرجاء ولا الخو
في عطاء ومركب للقاء
٣٦. إنما لذة الجواد ابن سلم
ل ولكن يُهينه للثناء
٣٧. لا يهاب الوغى ولا يعبد الما
ل وأخرى سم على الأعداء
٣٨. أريحي [٢١] له يد تمطر
ر وخلا بنيتي في الحلاء
٣٩. قد كساني خزا [٢٢] وأخد مني الح
ع صلت الخدين غض الفتاء
٤٠. وحباني به [٢٣] أغر طويل البا
ت بنونا وسالف الآباء
٤١. فقضى الله أن يموت كما
بة أشكو فقال غير نجاء [٢٤]
٤٢. راح في نعشه ورحت إلى عق
عاجل مثله من الوصفاء
٤٣. إن يكن منصف [٢٥] أصبت فعندي
ث غاداك خارجا من ضراء
٤٤. فتنجزته [٢٦] أشم كجرو اللي
حين قلّ المعروف خير الجزاء
٤٥. فجزى الله عن أخيك ابن سلم
ذو ثراء من سر [٢٧] أهل الثراء
٤٦. صنعتني يداه حتى كأني
ري دموعي على الخؤون الصفاء
٤٧. لا أبالي صفح اللئيم ولا تج
ل بكف محمودة بيضاء
[ ٣٤ / ٢٩٤ ]
٤٨. وكفاني أمرا على البخ
مَّ فظيعا كالحية الرقشاء [٢٨]
٤٩. يشترى الحمد بالثناء ويرى الذ
ل ويسقي الدماء يوم الدماء
٥٠. ملك يفرع المنابر [٢٩] بالفض
وأياد بيض على الأكفاء
٥١. كم له من يد علينا وفينا
ت فغيث أجش ثر السماء [٣٠]
٥٢. أسد يقضم الرجال وإن شئ
ت رجالا عن حرمة الخلفاء
٥٣. قائم باللواء يدفع بالمو
وإذا سار تحت ظل اللواء
٥٤. فعلى عقبة السلام مقيما
الشاعر والقصيدة
كان عقبة بن سلم والي البصرة لأبي جعفر المنصور، منتجعًا خصبًا وموردًا ثريا لبشار بن برد، وجد عنده رواجًا لمديحه، فأكب على تجويده لما يلقى منه من جزالة الجائزة والعطاء المغداق، ولم ينكر بشار بن برد أن الرغبة المادية كانت الباعث الملحاح على كثير مديحه في عقبة، وعلى التفوق فيه، إذ قال له قائل: "إن مديحك عقبة بن سلم فوق مدائحك كلَّ أحد؟ فقال: إن عطاياه إياي كانت فوق عطاء كل أحد" [٣١] . وكان الشعر لبشار وسيلة من ليس له وسيلة كسب غيرها إذ لم تكن له موارد إضافية من إرث أو مزاولة مهنة، وكان العصر يتفجّر بالغنى، ولا يسد مطالب عيش رفةٍ رغدٍ إلا مالٌ وفر، فكان الحافز للمدح حيويًا، ولم يكن للشاعر مندوحة عن استنباط ملكة الإبداع ليبلغ موضع الرضا الفني من ممدوحه فيصيب من المال ما ينهض به من شظف الفاقة والحاجة إلى لين الاغتناء، ولعله بلغ ما أمّل في مضماري الفن والثواب، ولم يكن ما قاله في هذه القصيدة:
ذو ثراء من سرِّ أهل الثراء
صنعتني يداه حتى كأني
[ ٣٤ / ٢٩٥ ]
غير تقرير حقيقة. ودراسة قصيدة أنشأها حافز وباعث مادي مَحْضٌ جديرة أن تكشف للنقد عن فعاليّة الرغبة الحاشدة في صناعة قصيدة المديح وفي تحبيرها إذا كان ثمة تفاعل إيجابي وتبادلٌ موضوعي ما بين المنتج والمستورد، ما بين الشاعر والممدوح.
بناء القصيدة
تَعدُّ هذه الهمزية في مدح عقبة بن سلم أربعة وخمسين بيتًا، فهي أجنح إلى الطول. ولا تنحو قصائد المدح في العصر الأموي والإسلامي والجاهلي، في الغالب، غير هذا المنحى: فالإطالة في هذا الفن مطلوبة، وبشار بن برد يسير فيها على منهج مطروق. وعلى هذا فالذين يستصدرون المدح من الشعراء، باعتبارهم نقادًا عمليين، أصحاب حق في التقويم وإصدار الأحكام وتكييف القصيدة وفاق مطالبهم، لما لهم من إسهام مادي في ابتعاث هذا الشعر واستصداره، هؤلاء الممدَّحون كانوا يرون أن قصيدة المدح في العصر العباسي الأول لا ينبغي لها أن تقلّ كمًّا عما كانت عليه من قبل.
فهل كان هذا العُرْف الأدبي قاصرًا على الحجم والكم أو أنه ينسحب على الهيكل التخطيطي للقصيدة؟
من اليسير أن نلمح أن بشارًا بنى قصيدته من قسمين متساويين عِدَّةَ أبيات: المقدمة فالمديح، كل منهما سبعة وعشرون بيتًا.
هذا التوازن الدقيق لا نكاد نقع عليه فيما نظم من قبل، فهل كانت المقدمة تعدِلُ "الغرض"أهمية وقيمة فنية عند بشار؟ إن اعتراضًا كميًّا ما على هذه المقدمة ونظائرها لا نعثر عليه في معرض من معارض النقد العابر أو المقصود، وإن موافقة ضمنية على هذا التناظر متحققة ما بين المادح والممدوح والجمهور. فما الدوافع الفنية أو الذاتية فيما وراء هذا التعادل؟
إن دراسة المقدمة قد تخرج لنا مفاتيح تعليلية مقبولة.
المقدمة
والمقدمة قسمان يتفاوتان عدد أبيات تفاوتًا ملحوظًا، والقسم الأول في الغزل، وعدد أبياته اثنان وعشرون بيتًا والقسم الثاني في وصف الصحراء، والرحلة والناقة، وهو خمسة أبيات.
[ ٣٤ / ٢٩٦ ]
(أ) الغزل: من نافلة القول أن المطالع أو المقدمات الذاتية الوجدانية تقليد عريق في القصيدة العربية القديمة، ولاشك أن المكانة الجليلة التي كانت تحتله تلك القصيدة جعل منها مثالا يحتذى على جانب من الاحترام والالتزام كبير، وخاصة قصيدة المناسبات في المواقف الرسمية. إن عرفًا مشتركًا، غير معلن عنه تصريحًا، إلا في وقت متأخر، ما بين الشعراء ورجال اللغة والأدب وأرباب القصور، هو أنه ينبغي لقصيدة المدح المحدثة أن تبلغ شأو قصائد المدح الممتازة في العصور السابقة، ومن ثم لابد من العمل على مثال أو أنموذج متعارف عليه.
وليست المطالع الغزلية وقفًا على قصائد المدح في أدبنا القديم، فهي في المفاخرات والنقائض وغير ذلك من الأغراض تتراوح بين الإسهاب والاقتضاب. وإذا كانت القصيدة ذاتية المضمون في مجموعها تتركز حول شخص الشاعر مثل معلقة امرئ القيس اللامية، فإن حظ النسيب والغزل والنساء يغطي على نصف القصيدة أو يزيد. ولكنه يتراجع إلى نسبة قليلة إذا كان موضوع القصيدة غير ذاتي، مدحًا أو فخرًا قبليًا، أو ذاتيًا متمركزًا على الجانب العملي من الحياة كمعلقة عنترة التي رفع بها من شأنه من خلال مواقف البطولة وحسن البلاء.
ولكن قصائد المدح والفخر التي تُعدّ نماذج تامة في الجاهلية والإسلام تتوافق على الابتداء بمقدمة ذاتية أكثر ما تنطلق من الوقوف على الديار، وأحيانا من الغزل الصرف بالنساء. ولا يسعنا أن نرفض تعليلًا نقديا استقرأه ابن قتيبة في القرن الثالث إذ رأى في هذه الخطوة مَقْصدًا ذاتيًا فَنِيًّا معًا، فالشاعر ينبعث في النظم من أقرب الدواعي إليه، وهي قادرة على استمالة الآخرين لما في هذه الدواعي الذاتية من مشاركة وجدانية أو شجًا إنساني عام [٣٢] .
[ ٣٤ / ٢٩٧ ]
واستقراء تام ومسح كامل لأمثال هذه المقدمات يهب لنا فائدة لا يستغني عنها النقد والتقويم، وهي أن هذه المقدمات إن تكن تقليدًا متبعًا فإن فيما بينها تفاوتًا ذاتيًا وفنيًا ملحوظًا تُرَّدُ أسبابه إمَّا إلى النموذج النفسي، أو الوضع النفسي للشاعر وتركيب ميوله واتجاهاته، وإما إلى طابع العصر واتجاهه الفني الغالب، وإن يكن من الصعب الفصل ما بين العاملين بخطوط قاطعة تُرجح تغليب أحدهما على الآخر في إيثار إحدى الصورتين، الغزلية أو الطللية، على الأخرى، فإن هذه المقدمات في نهاية التحليل هي نتاج هذين العاملين معا. ويقودنا الاستقراء إلى تقرير حقيقة تشفع لها موضوعية أكيدة هي أن الصبغة الفنية الغالبة كانت تجنح في أواخر العصر الجاهلي إلى مزج متكافئ ما بين المرأة والطلل أو اقتران متين يكشف عن ترجيح العنصر الإنساني أو الذاتي على الجوامد المادية. وفي معلقة زهير بن أبي سلمى مثال موافق يقرن أسماء الأمكنة باسم المرأة قرانا يدل على ارتباط لا يقبل الانفصام وأن الدار إنما تذكر بصاحبتها:
بحومانة الدراج فالمتثلم
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم
مراجع وشم في نواشر معصم [٣٣]
فدار لها بالرقمتين كأنها
حتى إن صورة هذه الدار تنعكس لعينيه في مرآة من معصم موشوم، ومن ثم يرفع بصره وشيكًا باحثًا عن الحياة والأحياء من العين والآرام والظعائن.
ويظهر هذا التأليف المنسق بين الطلل والمرأة وشظف الصحراء معًا في لامية الأعشى:
وسؤالي وما ترد سؤالي [٣٤]
ما بكاء الكبير في الأطلال
فللأطلال بيتان وللمحبوبة وما يفصل بينهما من نائي المكان خمسة عشر بيتًا.
[ ٣٤ / ٢٩٨ ]
ويتردد الاقتران في معلقة عنترة في كل بيت تذكر فيها الدار بل لا تذكر الدار إلا بالمرأة. ولولا اضطراب المعلقة ترتيبًا لكانت الأبيات التي تصلح أن تكون مجموعة متوالية من مقدمة نسيب مثالًا حسنًا لضآلة العنصر المكاني بجانب العنصر الإنساني أو العاطفي. فإذا قورنت هذه النماذج بمطلع معلقة امرئ القيس وببعض قصائده رأينا المكانية تنساح في بيتين أو ثلاثةٍ متواليات انسياحًا يغمر النبض الوجداني أو الإشعاع بالحياة.
وفي مطلع العصر الإسلامي نجد شاعرًا مخضرمًا، أعرق نظمًا في الجاهلية منه في الإسلام، يقدم على رسول الله ﷺ، بقصيدة مدح ظلت تتمتع بنموذجية فذة على مدى العصور، هو كعب بن زهير صاحب البردة، وفيها نجد الشاعر أحلَّ مقدمة غزلية خالصة مكان المقدمة الطللية أو المزيجة، شغلت (١٤) بيتًا من (٥٨) بيتًا.
فلمَ أقدم على هذا التعديل وهو يُعِدُّ قصيدة يود لو تفوق كل شعر ليظفر بالصفح والحياة؟ لا شك أنّ بعض الشعراء - كعلقمة الفحل - لهم مطالع غزلية خالصة، ولكن قصيدة المدح لها صباغ رسمي - دعك عن المناسبة الحساسة - كما أن كعبًا هو عماد في مدرسة الصنعة والتحكيك التي لا تهمل المراسم المفضَّلة؟.
هل وجد كعب الغزل الصرف أحسن وقعًا عند من يحيا متحضرًا؟ وهل أحسَّ أنَّ الأطلال ظل من الصحراء لا يستهوي الأنفس ولا تقبل عليه الأسماع إقبالها على الغزل؟
لا نستطيع أن نجزم قاطعين، ولكن الغزل يشهد - إذا قورن بأقسام القصيدة - لصاحبه أن قد توخى فيه الرقة والقرب، وجاهد أعرابيته على ذلك.
فإن كان في هذا دليل مرجِّح جاز لنا أن نلاحظ أن مراعاة ميول الجمهور وأذواقهم، للتأثير فيهم، بدأ يؤثر في مضمون المقدمة مادامت مادة المقدمة تسمح بالتعديل أما إذا كانت المادة صحراوية طبيعةً وجبلّةً - مثل وصف الناقة - فلا سبيل للمواءمة والتعديل [٣٥] .
[ ٣٤ / ٢٩٩ ]
ولكن الاستقراء الدقيق، ولاسيما قصائد العصر الأموي، لا تأذن بإصدار حكم له صفة الشمول، وكثيرًا ما نجد أنفسنا لدى نماذج متفاوتة وفي بعضها لا يفارق الشاعر التصميم الجاهلي لقصيدة المدح من الوقوف على الأطلال ومساءلتها، واجتياب الفلاة على الناقة الوجناء، والتغزل بالمرأة، حتى ليخيل إلينا في بعض القصائد أن هذه المقدمة التقليدية أولى من الغرض الأول فيها، وهو المدح، ومن أمثلتها قصيدة القطامي اللامية:
وإن بليت وإن طالت بك الطول
إنا محيوك فاسلم أيها الطلل
إذ هي "٤٣"بيتًا لا يشغل المدح غير العشرة الأخيرة منها [٣٦] .
ولكن المقدمة في قصيدة بشار هذه ليس فيها من حديث الديار أثارة، فهي تنتمي إلى بردة كعب بن زهير. والشاعر ينصرف عن الوصف المادي الذي كان لا يفوت السابقين، من تعدادٍ لمفاتن حسيَّة كانت تُعدّ في ذلك اليوم المثلَ الجمالي الأعلى، ينصرف إلا قليلًا في المطلع إذ يذكر حور عينيها ولكنه يُعوّل على الأثر متجاوزًا في تصويره عن المؤثِّر:
واحذرا طرف عينها الحوراء
١ - حيّيا صاحبيّ أمّ العلاء
لملمّ والداء قبل الدواء
٢ - إن في عينها دواء وداء
إنه الإِغراء متنكر في هيئة تحذير، إن ينجح بإثارة الفضول لدينا فلن يُعْقِبَ قناعةً لأنه فضول غير مدعوم بدليل مادي يجعل النظر مخشيًا حقًا مثل الدليل المادي في قول امرئ القيس:
بسهميك في أعشار قلب مُقتَّل [٣٧]
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي
وما ذاك إلا لأن بشارًا تنقصه خبرة امرئ القيس بخفايا المقاصد وبواعث السلوك، فغزله غزل الفن، غزل الحقائق المتقابلة في الفكر لا غزل الوقائع والصراع.
وكان النابغة أقدر على الإِيحاء بالأثر من خلال الصورة المادية للمؤثر:
أحوى أحم المقلتين مقلدّ
نظرت بمقلة شادن متربّبٍ
نظر السقيم إلى وجو العوّد [٣٨]
نظرت إليك بحاجة لم تقضها
[ ٣٤ / ٣٠٠ ]
وإن الصيغة المنطقية المحكمة "والداء قبل الدواء"لم تطلع علينا بسبرٍ لمدى التأثير كما يبدو مداه في شعر لجرير:
قتلننا ثم لم يحيين قتلانا [٣٩]
إن العيون التي في طرفها حور
وهن أضعف خلق الله إنسانا
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به
وعلى ما في تقرير بشار "والداء قبل الدواء"من المعقولية المنطقية فإن المبالغة في قول جرير تبعث على استمتاع مريح، واسترسال وجداني مستعذب، نفتقد مثله في بيتي بشار. أهي العاهة التي تعوق الشاعر الأعمى عن الصورة الخارجية؟
ما ذاك ببعيد إذ نفتقد - لفقدانه الرؤية - الصور البصرية التي تنم عن تأثر حق. وكان يغطي على تصويره للمرئيات بصور ذات عموم غير محدود أو إجمال لا تفصيل له، كما يغطي على ذلك تصويره للمسموعات كقوله:
كأن حديثها ثمر الجنان [٤٠]
ودعجاء المحاجر من معدّ
وقوله في صوت مغنية:
محاسنها من روضة ويفاع [٤١]
كأنهم في جنة قد تلاحقت
وكان يركب عناصر الصورة المادية تركيبًا ذهنيًا خياليًا من غير انطباع حسي:
وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه [٤٢]
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا
وعبثا نحاول استخراج صورة لأم العلاء من (٢٢) بيتًا أو أن نجمعها من جزئيات متفرقة. فقد غابت الجزئيات أيضًا. وما كان الغزل إلا دعوى وله معروضة في مواقف قصصية متلاحقة هي:
١ - أيام الوصال والوفاق (٣ - ٧) .
٢ - الوشاية والجفوة (٨) .
٣ - الاعتذار والوساطة (٩ - ١٨) .
٤ - مؤايستها له من الوصال (١٩ - ٢١) .
٥ - تسليه عنها بالطرب (٢٢) .
أليس الغزل في مجموع مواقفه قصة مكرورة تبدأ بالحنين إلى الماضي ومحاولة استعادة الوصال، فالإخفاق، فاليأس والانصراف؟
[ ٣٤ / ٣٠١ ]
ونجد خطوط هذه القصة في غزليات العصر الأموي ولاسيما أحاديث عمر بن أبي ربيعة. واقتباس القصة الغزلية، مقدمةً لقصيدة المدح، دليلٌ على سيرورة هذا الغزل مطلبًا لفريق من الناس من العابثين والسطحيين. يدل على ذلك سطحية المعالجة الغزلية موقفًا ومعنىً وعاطفة، سطحية تهش لها السذاجة، وتترضّى العبث المُسْتخَفّ. وماذا في البيتن (٤ - هـ) إلا معنى ضحل مُمدّد في سِمْطين من القوالب اللفظية:
وتصدت في السبت لي لشقائي
٤ - أسقمت ليلة الثلاثاء قلبي
ثم راحت في الحلة الخضراء
٥ - وغداة الخميس قد موّتتني
وسائر المعاني الغزلية لا تبرأ من السذاجة والسطحية، والمعاني الشائعة بذهن العامة تتبّدى بقوة في البيتين (٦ - ٧) .
ولاشك أن فقدان المعاناة أو التجربة الحية، وجدانيًا أو عمليًا، كانت من وراء تلك السطحية، إننا نستطيع أن نصوغ قصة تطرف البسطاء من الناس، وتمتع مشاعرهم وأذواقهم عَرَضًا، ولكن ليس من اليسير إقناعُ الكثير بأن وراء هذه القصة ضحيةً على وجه الحقيقة، وعذابًا إنسانيًا. ولقد احتاج الشاعر إلى معونة الوسطاء - الجمهور - في استرجاع قلب المحبوبة فلم يجدْ ما يستعين به على قضيته، شواهدَ من غرامه وجواه، وغايةُ ما اعتد به التزامٌ أخلاقي - كما يزعم - بينه وبن محبوبته. هذا الالتزام كان وسيلة الجمهور إليها وحجتهم أو حجة الشاعر عليها، ولقد عوّل على هذا الالتزام تعويلا كأنما يتعامل مع شخصية مثالية تخشى مخالفة المبدأ الخلقي، واتكأ عليه إتكاءَ من لم يجد من أجيج مشاعره ما يحمل الطرف الآخر على التفكر به والاهتمام بأمره، حتى استوفى فيها أبياتًا ستة - ما بين البيت (١٣) إلى البيت (١٨) - تحوّل فيها المسعى والرجاء إلى حكمة خلقية محضة في البيتين (١٧ ١٨):
فأوفي ما قلت بالروحاء
١٧-قد يسيء الفتى ولا يخلف الوعد
فاقض واظفر به على الغرماء
١٨- إن وعد الكريم دين عليه
[ ٣٤ / ٣٠٢ ]
وأي تناقض بين الدعوة إلى الأخلاقية المثالية في موقف هو في جوهره غير أخلاقي؟ أليس انسحاب الفضائل على أرضية الرذائل تلويثًا أو إتلافًا تامًا للفضيلة؟ أفليس من حقنا أن نشك في سلامة نظرة الشاعر إلى القيم إذ يوظفها في موقف يخرج بصاحبه عن القيم؟ .
وفي خاتمة هذا الموقف الذي أعقب إخفاقًا كليًا قد يعنّ لمتسائل سؤال: ألم يكن في عملية الإقناع تخليط سافر بين أخلاق النساء وأخلاق الرجال؟.
أليست الفروق بين الجنسين متعارفة، أن المنطق النسوى عاطفي ذاتي لا تحكمه المبادئ والكلمة المثالية إلى تحكم الرجولة؟ إن قوة الحجة لا تفتح قلب المرأة، ولذلك كان بكاؤها في البيت (١٩) مستغربًا:
كان ما بيننا كظل السراء
١٩ - فاستهلت بعبرة ثم
أرقّت فرثت له؟ بم استثار فيها التحنّن والتعاطف؟ أي امرأة تذري الدموع من فرط الصبابة بعد ثلاثة أبيات على الأقل، من الحكمة التوجيهية الجافة لا تبض بقطرة من استعطاف؟.
إن القصة تلفيق شاعر قصاص يروي عن غير تجربة، ولا هدف له إلا امتاع الآذان. ونحن لا نزعم أن بشارا كان مطالبًا بقصة حب واقعية ولكنا نؤكد أن اثنين وعشرين بيتًا في الغزل هي خالية من كل رسيس وجداني صادق، مما يؤكد أن الشاعر كان غريبًا عن ميدان العاشقين، والمحبين الصادقين، غريبًا عن استشعار الحنّو الدافئ البريء إلى المرأة، ولا يُظن إلا أن الجانب الحسيّ غلب على مطالب نفسه فما أبقى للانفعال المتسامي موضعًا في حناياه.
ولا نزعم أيضًا أن ذاك الغزل السطحي كان منطليًا على ممدوحه، وما كان أمير البصرة ليزن مقدمته الغزلية بمعيار الصدق والواقعية أو الرصيد الإنساني الحق.
فلماذا، إذن، أعجب بالقصيدة حتى أعطاه عليها ثلاثة آلاف دينار؟ إن حجم الجائزة يشير إلى الإعجاب أو الرضا عن مجموع القصيدة لا عن المدح فيها: فهل استهوى الغزل رجل دولة كان يتطلع حقًا إلى بناء الأمجاد؟
[ ٣٤ / ٣٠٣ ]
لا، وإنما توخّى عقبة أن تذيعَ القصيدة بين الناس على اختلاف طبقاتهم، وهذا الغزل الذي يتقدّم المدح ويستهوى الكثيرين هو مفتاح إغراءٍ لبقٍ للولوج بقصيدة المدح إلى نفوس الخاصة والعامة.
أليس هناك، إذن، اتفاق ضمني ما بين الشاعر والممدوح على ترويج القصيدة على الجمهور؟ وما حاجة الأمير إلى مدح لا يضمن له الذيوع والانتشار؟.
لابد، في الحق، أن يجدّ الشاعر في اكتشاف خير وسائل الدعاية جاذبية. ولم تعترف قصيدة المدح الرسمية في العصر العباسي الأول بوسيلة أفعل من الغزل.
وإذا كان اختيار هذا الضرب من الغزل القصصي مقدمة يكشف عن جانبها النفعي عند الممدوح فإنه يكشف عن جوانب ذاتية وعن مؤشرات اجتماعية.
لم يختر الشاعر القصة الغزلية للجانب الدعائي وحده لولا أن تكون من هوى نفسه.
إن شاعرًا محافظًا على القيم الخلقية، من الصون والعفة، لا ينهج منهجًا يتخطى فيه الخلق والآداب. ولكن شاعرًا يؤزّه نشوز على المواضعات وعلى كل ما يحاجزه عن رغباته وأهدافه، مثل بشار بن برد، لا يتورع عن الغواية والإغراء بالجرأة السافرة. أليس قوله: "رب ممشى منها إلينا "في عدة أبيات دعوة سافرة وتيسيرًا كبيرا لإخراج الفتاة من الخِدْر والكنّ إلى الريبة والانزلاق، أليس قيام الوسطاء من رجال ونساء ما بين العاشقين إضعافًا لحساسية الجمهور تلقاء الإخلال بآداب الدين والتقاليد؟.
وإذا كان هذا الغزل مطلبًا وليدًا لفريق من العامة، أفليس هو مؤشرًا إلى رغبات مستسرة تود أن تنطلق؟ إن بشارًا يضرب بمعوله - جادًا - في تجمعّات نفسية تريد أن تتفلّت من ضبطة الخلق العفّ.
[ ٣٤ / ٣٠٤ ]
وبذلك يكون بشار بن برد - في هذه القصيدة على الأقل - قد طلع على الشعراء بمحاولة جديدة استبدل فيها الوقوف على الأطلال أو الغزل التقليدي بقصة غزلية ذات أهداف عملية، واءم فيها ما بين ذات نفسه والنوازع الجامحة في طور اجتماعي طارئ تفاقم فيه الثراء وتمطت البطالة.
وإذا كان بعض النقاد يرفض أن يحاكم بشارًا إلى الأخلاق في شعره هذا، ويجنح في محاكمته إلى الفن وحده فقد رأينا خلو هذا الشعر من الرصيد الإِنساني، وكل أدب مضمونه الإنساني ضحل هو أدب لفظي، كان يتعالى عنه الشاعر الجاهلي في وقفاته على الأطلال. فمن منا لا يستشعر حزنًا شاجيا عميقًا في الأبيات الأولى من معلقة امرئ القيس، يهيمن على الشاعر فيها إحساس حاد بمأساة الزوال أو الفناء الإِنساني من خلال مواكب الظاعنين الذين يطويهم الزمان تاركًا من بعدهم منازل مهجورة صوىً لوجودهم العابر، ومن ثم فقد انحدر حزنه عبر دمعة صادقة في قوله:
فهل عند رسم دارس من معول [٤٣]
وإن شفائي عبرة مهراقة
ومن لا يشعر بالسرور الهادئ العميق في لحظة التعرف على الديار وما تسحب وراءها من تاريخ للأحباب والأصدقاء، في التحية الهادئة في بيت زهير:
ألا أنعم صباحًا أيها الربع واسلم [٤٤]
فلما عرفت الدار قلت لربعها
وكذلك تغدو الديار في مقدمة رائية النابغة مثار ذكريات لا تخبت إلا إذا خبا قلب صاحبها الإِنسان، ومن بين الثمام والحجارة السود تهلّ عليه أغلا صور الماضي وأحبها:
والدار لو كلمتنا ذات أخبار
فاستعجمت دار نعم ما تكلمنا
إلا الثمام وإلا موقد النار
فما وجدت بها شيئا ألوذ به
والدهر والعيش لم يهمم بإمرار
وقد أراني ونعمًا لاهيين معًا
ما أكتم الناس من حاجي وأسراري [٤٥]
أيام تخبرني نعم وأخبرها
إنه استدعاء للماضي الذي لن يعود بما فيه من سذاجة براءة ونعمة، وإذ زال وانطوى فالمرارة الآن بعد الزوال.
[ ٣٤ / ٣٠٥ ]
ههنا رصيد إنساني نابع من استكناه الحياة والوجود وعَرِضيّة الأحداث وزواليّه الإنسان، وعلى ما جرت عليه هذه المقدمات من تقليدٍ دهرا طويلًا فما هي بمعارض من ألفاظ وصور، وما هي بخاوية من حسٍ إنساني رصيده الحنين والأسرة الغافي.
وقد يكون مقارنة المقدمة الغزلية في قصيدة بشار بمقدمات النسيب والغزل أولى: هذا حق، وعندها ألا يقال لنا: أليست المفاتن الجسدية التي أبرزها الشعراء في مقدماتهم حتى على مسامع الرسول في مسجده ينبغي أن يوجه إليها شجب قاسٍ على حين لم يستثر بشار بتعداد المفاتن شهواتنا؟
لو استفتينا أولا نسيب علقمة الفحل، وهو جاهلي قديم، وأوله:
بعيد الشباب عصر حان مشيب [٤٦]
طحا بك قلب في الحسان طروب
لوجدنا فيه إطراء لخلال المرأة ذات المنعة والعفاف، للزوجة الحافظة بالغيب لما ينبغي أن يحفظ:
على بابها من أن تزار رقيب
منعمة ما يستطاع كلامها
وترضى غياب البعل حتى يؤوب
إذا غاب عنها البعل لم تفش سره
وهذه الخلقية الشامخة مفقودة في غزل بشار بل هي محطمة تحطيمًا عن عمدٍ، كما يبدو من أدنى مقارنة، فإذا شفع علقمة نسيبه بما تحصل لديه من رأي في النساء لم نجد، ولو عممنا النظرة، إلا خبرة مستفادة من واقع العلائق، فإن الميول الفطرية من إيثار النساء لحداثة السن وسعة الحال، لا تثريب عليها، وكل ما في الأمر تحذير للشيوخ أن يطمعوا في مودة صادقة عند الفتيات.
وبمثل هذا الغزل لا يجاوز الشاعر إطراء المرأة الفاضلة ومراعاة التكافؤ ما بين المرأة والرجل سنا، وما يتوجب عليه من كفاية مادية. فالغزل أو النسيب يتردد بين المطالب الثابتة للمرأة والمؤهلات المرغوبة في الرجل، ولاشك أن هذا المضمون لا يخسر واقعيته أبدًا.
[ ٣٤ / ٣٠٦ ]
وأما عرض المحاسن، وخاصة في قصيدة كعب بن زهير، فلا يعدو أن يكون الوصف الخارجي تعدادًا لصفات الجمال الجسدية المطلوبة، فالشاعر يعبر عن الذوق العام في جمال المرأة، ومتى تناءى الحديث عن الخصوص إلى العموم، وصادف ذوقًا أو رأيًا مشتركًا، لم يكن غير مداعبة مشاعر فطرية، غير هادف لإثارة ولا إغواء، فهو لا يوجّه اتهاما فاحشًا إلى الشاعر إذ لا يسلط الأضواء على امرأة مخصوصة.
ولاشك أن ثمة شعراء فُتَّاكًا كامرئ القيس والأعشى، يُصرّحون بالكثير من المغامرات العملية والوقائع، وهذا خارج عن غرضنا إذ لا يرد غزلهم في مقدمة لقصيدة المدح، وهو غالبًا في أثناء قصيدة يصف فيها الشاعر أحواله في فراغه ساعيًا وراء أوطاره كمعلقة امرئ القيس، كما أن قصيدة متخصصة في هذا الغرض - مثل رائية عمر بن ربيعة -[٤٧] لا تدخل في نطاق المقارنة.
ومن ثم نخلص إلى خصيصة هي أن بشار بن برد في قصيدة المدح يترسم إطار القصيدة التقليدية محافظًا على رسم متعارف عليه بين النقاد وأهل البصر بالشعر والممدوحين أنفسهم. فالمدح قصيدة عليها طابع الوقار السياسي والاجتماعي - من جهة المعاني - والوقار الأدبي - من جهة الخطة والبناء - وقد التزم بشار، كما سوف يلتزم كثير من معاصريه ولاحقيه الإطار العمودي شكلًا خارجًا وتصميما، ولكنه أحدث تبديلا جذريا في المضمون، فلا أطلال ولا غزل ماديًا، ولكن قصة حب ذات ظاهر تحقيقي، لا تشى بتجربة ولا معاناة، وهي إلى السذاجة أقرب منها إلى التحليل المعمَّق.
ب وصف الرحلة:
[ ٣٤ / ٣٠٧ ]
ونجد في إتباع الغزل بحديث الصحراء والراحلة والسفر دليلًا آخر على استمساك بشار بالإطار العمودي في قصيدة المدح، وهو قسم اقتحم المقدمة على الشاعر اقتحامًا إذ لم يدخل في صميم العمل الفني من المقدمة، ويبدو الانقطاع بينه وبين الغزل إخلالًا فنيا كان الشاعر القديم يتخطاه كثيرًا بتخلص أو وصل حسن يضعف إحساسنا بالانقطاع وفجأة النقلة. ولعل شاعرًا مخضرمًا هو كعب بن زهير، كان من الكياسة الفنية بمكان في هذه الصورة اللبقة من الانتقال بعد مقدمته الغزلية المشار إليه سابقًا:
إلا العتاق النجيات لمراسيل
أمست سعاد بأرض لا يبلغها
ولا يبلغها إلا عذافرة
فيها على الأين إرقال وتبغيل [٤٨]
فبهذين البيتن عبر بنا برزخًا إلى القسم الثاني من مقدمته، فهيأنا بسلسلة من الألفاظ الجديدة "عتاق - نجيات - مراسيل - عذافرة - إرقال - تبغيل "على الإيغال في جواء ثمانية.
عشر بيتًا في وصف الناقة. ولم يتهيَّأ لبشار تخلصٌ مرعيٌ على هذا النمط إذ ختم الغزل ببيت أعلن فيه عن يأسه من المحبوب وتسلّيه عنه بحضور مجالس القصف واللهو:
وتعزَّى قلبي وما من عزاء
٢٢- فتسليت بالمعازف عنها
قد يكون هذا البيت خاتمة أدنى إلى الواقعية إذ يلقي ظلًا حقيقيًا لسيرة شاعر مقبل على اللذة والمتاع ولبيئة حضرية آخذة بأسباب من الغناء، ولكن خاتمة من هذا الطراز منعت بشارًا من لطف تخلص ليس عليه بعسير. وهو لم يخطئه في انتقاله إلى القسم الثاني من القصيدة، وهو المدح:
فتروى من بحره بدلاء
٢٨- همها أن تزور عقبة في الملك
وبذلك تحقق لحديث الرحلة والراحلة وصْلٌ بحرف المدح وهو سائبٌ من قبل الغزل، وبهذا الخلل يمكن إسقاط الغزل من غير أن يطرأ إخلال بنائي على القصيدة لا معنى ولا لفظًا، أو أن تكون المقدمة أشبه بقصيدة مُعدّة مسبقًا رُكّبت أو أضيفت في أول قصيدة المدح.
[ ٣٤ / ٣٠٨ ]
ولا يكاد يزيد وصف الصحراء والمطية على الرُبْع من مادة الغزل وهي نسبة تغاير المألوف في شعر الأقدمين مغايرة ظاهرة، إذ هو في الغالب أذهب في الوصف والاستقصاء، وأكثرُ عددَ أبيات من الوقوف على الأطلال والنسيب. وتشهد قصائدهم أنهم كانوا يتبارون فنيًا في إتقان هذا الحيّز من الوصف بتكثير الجزئيات والمشاهد والأحداث. وليس من غرضنا الدخول في بحث تعليلي لهذه الظاهرة في عملنا هذا، ولكن لا نشك أن بشارًا توخى الاختصار فيه توخيًا مقصودًا، واجتزأ بأبيات خمسة استكمالًا لحلقات العمود الشعري، لعله كان يحس إحساسًا غير كاذب أن مجتمع البصرة بعيد عن الاستمتاع بالمناخ الصحراوي وبالناقة والأسفار والأخطار، فهو يوجز ويحث الخطا إلى المدح قبل أن يبطل جفاف الوصف ما رقرق الغزل من إمتاع.
والمتأمل في هذا القسم من القصيدة يحكم أن بشارًا بذل جهدًا مقصودًا لتأنيسه وتنعيمه وترقيقه بالاكتفاء بأقل قدر من الغريب الذي يستدعيه حديثُ الصحراء، ثم بإضافة ألفاظ مأنوسة تمازج الغريبة في سياق البيت فتعدّل من جفائها كقوله:
ن رفاضًا يمشين مشي النساء
٢٢- وفلاة زوراء تلقى بها العي
ن نداء في الصبح أو كالنداء
٢٣ - قد تجشمتها وللجندب الجو
فالألفاظ: "العين - مشي النساء - نداء في الصبح "تضفي ظلا من الرقة على الألفاظ الضخمة الخشنة "فلاة - زوراء - رفاضًا - تجشمتها - الجندب الجون يا يكاد يخفي غرابتها.
غرض القصيدة: المدح
تبدأ القصيدة قسمها الثاني بالبيت الثامن عشر معبرًا للمدح، والحق أن الشاعر ركز فيه وفي البيت التاسع عشر المعنيين الكبيرين اللذين نسج منهما الشاعر مُلاءة المدح كله، فهما نواة هذا القسم، ومن صورتي الكناية في كل منهما نعلم أن الكرم والشجاعة قوام حقيقة ممدوحه:
ك فتروى من بحره بدلاء
٢٨ - همها أن تزور عقبة في المل
ب كما انشقت الدجى عن ضياء
[ ٣٤ / ٣٠٩ ]
٢٩ - مالكي تنشق عن وجهه الحر
وكلا الصورتين - على أنهما إرث متداول - تعطي مضمونها اتساعًا وسطوعًا. ومحاولة العثور على معنى ثالث يضاف إلى سجايا الممدوح لن تخرج بطائلِ. فلنوطّن أنفسنا على أن ننساب مع الشاعر في جدول هاتين السجيتين، ليقدم لنا أولًا بيانًا تحليليًا لمضمون الشجاعة والكرم:
ة والبأس والندى والوفاء
٣٠ - أيها السائلي عن الحزم والنجد
ومزيدًا من مثلها في الغناء
٣١ - إن تلك الخلال عند ابن سلم
فمن الشجاعة يتفرع الحزم والنجدة والطاقة القتالية - البأس - ومن الكرم يطلع البذل - الوفاء - وهو الوجه العملي للكرم. وثاني البيتين رديف تقريري لما قبله، والإيهام بالمبالغة في شطره الثاني لا يكسب المعنى ثراء بعد التحليل الدقيق آنفًا.
ويضيف بشار إلى المقياس التحليلي تقديرًا كميًّا لكرم ممدوحه، وهو"كمّ "يفوت العدّ أو الحصر متى قورن بالسحاب المنتشر يصوب على القاصي والداني.
لقريب ونازح الدار نائي
٣٢ - كخراج السماء سيب يديه
وهو تقدير مقصود إذ لم يجد في صورة "البحر" المكرورة وفاءً بغرضه على حين وجد الصورة في البيت (٢٩) تفي بقياس شدة الشجاعة والحمية فلم يدعمها بصورة أخرى. وبعد التحليل والتقدير يأتي الشاعر بالدليل، إن هناك وجهًا أو شاهدًا عمليًا للكرم، وهو البذل التلقائي للعفاة، لا يستخرجه سؤال سائل، فيتوافد الفقراء إلى موائده كما تهتدي الطير إلى مساقط الرزق.
[ ٣٤ / ٣١٠ ]
وماذا بعد الدليل المادي على الكرم؟ لابد من علة جوهرية تبعث على كرم جم عميم. وبالفكر الدقيق والنظر المتعمق الذي حلّل فيه مضامين الشجاعة والكرم ينفذ الشاعر إلى العلة، إلى العمق النفسي لممدوحه: إنه مركب جبلّةً على العطاء فهو لا يجد نفسه إلا إذا أعطى، فإذا حقق ذاته على هذا الوجه كانت راحته ومتعته. ففي البيتن (٣٥ - ٣٦) يرُدّ فضيلتي الممدوح الكُبْريين إلى المنبع النفسي الأصيل، فإذا عرفت حقيقةُ العلة التي لا تتبدل ولا تُعصى لم تكن الشجاعة والكرم، مقدارًا وأبعادا، موضع تساؤل أو غرابة.
ولذلك شرع بعد التعليل يوضح الآثار النفسية والسلوكية لهذا الباعث الفطري: وهي آثار لا تستهان عظمتها: لقد انتصر على سلبيتين لابد للكريم والشجاع أن ينتصر عليهما: انتصر على الخوف والجبن، وعلى البخل والشح، وإذ تحرر من عبودية الخوف والحرص فهو سيد في المجالين يهين ماله كما يهين عدوه:
الما ل ولكن يهينه للثناء
٣٧ - لا يهاب الوغى ولا يعبد
ل وأخرى سم على الأعداء
٣٨ - أريحى له يدٌ تمطر البذ
وما ثاني البيتين إلا تأكيد لأولهما، لتلك الثنائية المتزامنة بين الخصلتين.
ولما أشبع هاتين السجيتن تحليلًا ودليلًا وبيانًا لآثارهما أتبع ذلك بالشواهد المادية المحسوسة على تعدّي كرمه إلى الآخرين. ولم يشأ الشاعر أن يتناول الشواهد المحسوسة من مكان بعيد بل من واقع تعامله مع الممدوح، فقد رفع مستواه المادي إذ لم يكن يلبس الخز فصار الخز له لباسًا، ولم يكن له من يخدمه، فأعطاه الفتيان والجواري خدمًا، وكانت ابنته لا زينة لها فصارت ترفل في الحلية، ومن صدق كرم ممدوحه أنه لما مات خادم الشاعر وذهب يشكو إليه سوء طالعه عوّضه أفحل منه.
[ ٣٤ / ٣١١ ]
وأما دليل الشجاعة فلم يذكر لنا شاهدًا مشهورًا من مواقفه أو وقائعه على أنه يذكر في البيت قبل الختام أن ممدوحه رجل الدولة الأمين وموضع ثقتها وحاميها المقدام، ذكرًا عامًا من غير تخصيص:
ت رجالا عن حرمة الخلفاء
٥٣ - قائم باللواء يدفع بالمو
فهل كان فيما ذكر من شواهد الكرم المتصلة بشخص الشاعر قوة للمدح؟.
لاشك أن الدعوى تقوى بقوة الإثبات، والإثبات يدعم الدعوى إذا كان مكافئًا لنوعيتها ودرجتها ومضمونها حتى لا ينخذل عن تأييدها.
وكنا رأينا كرم الممدوح سحابًا يعم البعيد والقريب، ولكن الشاعر ما أطلعنا من عوائد إحسانه إلا على ما خصه به الممدوح. ومن الواضح أن العطية المحدودة المقيدة لا تصلح برهانًا على كرم مطلق غير محدود. ألم يكن من الخير للشاعر لو سكت عن هذا البرهان؟ لقد
بدا الدليل المادي ضئيلًا باهتًا بين يدي الإدّعاء العريض البعيد في الأبيات المتقدمة عليه. ويزيد في ضعفه نوعيةُ الصلة بين الشعراء والممدوحين عمومًا فهي قائمة على تبادل المنافع: أفلا تنسف هذه الشبهة القوية الدليل من قواعده؟
ما كان أجدر بشارًا بأن يلغي هذا الدليل المضعوف وقد أنفق في صياغته عشرة أبيات (٣٩ - ٤٨)، إنه موضع السقم في القصيدة أساء لما قبله وخاس بما بعده.
أو كان يخفى على بشار تخلُّفُ هذا الموضع في قصيدته وهو أبصر أهل عصره في الشعر؟.
ما نظن ذلك ولكن شغله عن تدبر هذه الأبيات العشرة وموازنتها بطرفي المدح جشعٌ غلب عليه، إذ أقبل على ممدوحه وهو يريد فوق الجائزة المالية أعطيات إضافية كان - على ما يبدو - حريصا عليها: منها حصوله على فتى خادم، فدسَّ هذا الطلب في ثنايا المدح المثالي، فهبط هبوطًا ذريعًا. ولو راعى فنه وضبط رغبته، ووازن بين المثال والمطلب لكانت قصيدته أدنى إلى التجانس والتواؤم ما بين القضية والدليل، ما بين السجايا الشاهقة وشواهدها المتواضعة.
[ ٣٤ / ٣١٢ ]
مرةً مدح زهير بن أبي سلمى - في معلقته - زعيمين من غطفان فجعلهما خير العدنانين قاطبة:
رجال بنوه من قريش وجرهم [٤٩]
فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله
على كل حال من سحيل ومبرم
يمينًا لنعم السيدان وجدتما
ومن يستبح كنزا في المجد يعظم
عظيمين في عليا معد هديتما
ولكنه ذكر كفاء قسمه وبرهانه بأن هذين السيدين أعادا السلام الذي أضاعته الحرب بين عبس وذبيان أربعين سنة، واشترياه بحُرِّ أموالهما حقنًا للدماء، وهي مأثرة لا يحرزها إلا عظيم النفس نبيل المقصد حقًا.
تفانوا ودقوا بينهم عطر منشسم
تداركتما عبسًا وذبيان بعدما
بمال ومعروف من الأمر نسلم [٥٠]
وقد قلتما إن ندرك السلم واسعًا
فإذا الوقائع تعطي الثناء مصداقية غير مدافعة.
ويعود بشار بالمدح، بعد تلك الصورة الإثباتية للعطاء، إلى المثل العليا التي لا تزال ثرينة الشجاعة والكرم:
- اكتسابُ حسن الذكر والتباعد عن الذم (البيت ٤٩) ولعل الشاعر يُلوِّح لممدوحه، من وراء هذا البيت، بالقيمة الحيوية لشعره فيه لينفرّه من الوجه المضاد للمدح ألا هو الذم. فإن صح هذا الاستشفاف للمرمى البعيد كان الشاعر يقف من وراء معناه وقفة البائع المُدِلّ ببضاعته أو الكميّ الواثق بسلاحه.
- علو كعب الممدوح في الخطابة وضراوته في الحرب (البيت ٥٠) والخطابة صفة ووسيلة قيادية، والبيت مؤشر على حرص ذوي القيادات على أن يذكروا بهذه الفضيلة البيانية - في القرن الثاني الهجري - وبأنهم يجمعون بين حدّة السنان وبلاغة اللسان.
- نشر العوائد على الشاعر والمسارعة له ولكبار الرجال بالعون (البيت ٥١) .
- وفي البيت "٥٢"يعود إلى الجمع ما بين الشجاعة والكرم في بيت واحد نظير ما صنع في كل من الأبيات الثلاثة "٣٦ - ٣٨".
[ ٣٤ / ٣١٣ ]
- ومن البيت "٥٢ "ينسل البيت "٥٣"صورة ميدانية للشجاعة إحدى السجيتن، فالخلال الفطرية الممتازة في الممدوح يوظفها صاحبها في الحفاظ على الدولة، في الوفاء بالمسؤوليات الكبرى. وتكتسب الشجاعة في هذه الصورة مضمونًا فخما ضخمًا يوازي عظمة المسؤولية.
– ولعله أرهص بالبيتين "٥٢ - ٥٣" لبيت الختام "٥٤"إذ ألف فيه مرة أخرى ما بين الفضيلتين الأم: الشجاعة والكرم، كل منهما في شطرها صيغة موفقة من التحية الهادئة للمعطاء المقدام:
وإذا سار تحت ظل اللواء
٥٤ - فعلى عقبة السلام مقيمًا
وهو ختام - كما نرى - منحدرٌ من صلب السياق المدحيّ مركز لعُمْدتيه - الكرم والشجاعة - في تقسيم معجب وإخراج متفوق.
ولكن هذه الأبيات الستة الأخيرة من القصيدة يشكو بعضها من قلق ملحوظ في موضعه أو ترتيبه، فالبيت "٤٩ "أولى به أن يلي البيت "٣٧" فهو له كالرديف وبينهما وشيجة معنوية متينه، وخير للبيت "٥١"أن يلي البيت "٤٨"ليكون تذييلًا جامعًا لعشرة أبيات قبله، وإذا توخينا الدقة في الترتيب ومراعاة الصلة ما بين الأبيات حسن لدينا أن نجعل البيت "٥٣"بعد البيت "٥٠"وبذلك تتلاقي نظائر متشاكلة. ولا يحق لناقدٍ أن يعزو الاضطراب في الترتيب في هذا القسم لشاعر حاذق ثاقب الفكر والنظر مثل بشار بن البرد إذ لا سبيل إلى القطع أن ترتيب القصيدة في ديوانه المطبوع هو الترتيب الذي روي عنه، وليس تجنيًا أن تتحمل الرواية شيئًا من مسؤولية الخلل.
التقويم النقدي
(١) عمود شعري مُعدَّل:
يحق لنا أن نحكم مبدئيًا بأن العمل العقلي، والتأهب والاحتشاد للعمل الفني يهيمن على بناء هذه القصيدة في المدح. وهي قصيدة رسمية ذات عمود مرسوم. ويؤيد جانب التهيؤ والإتقان المقصود اتخاذ النقد في عصر بشار من قصيدة المدح معيارًا لمكانة الشاعر فلا يعد من شعراء القمة إلا إذا تفوَّق في هذا الغرض تفوقًا ظاهرًا [٥١] .
[ ٣٤ / ٣١٤ ]
ولما عرضنا أقسام القصيدة تبين لنا التزام الشاعر بالخطة العامة، والهيكل الأساسي لعمود الشعر، واللمسات التعديلية في الأقسام حجمًا ومضمونًا، وهو تعديل يساير التطور الاجتماعي الآخذ باللين والدعة، ويواكب أو يلبي اتجاهات الذوق الناشئ. ونبهنا إلى الفصل ما بين قسمي المقدمة، وإلى الوصل بالتخلص الحسن إلى المدح، وإلى التعادل الكمي ما بين المقدمة والمدح وإلى الغاية المتوخاة من الإطالة في القسم الغزلي منها وهي اجتذاب المسامع واكتساب الجمهور وسيرورة القصيدة.
وفي هذا كله يطالعنا عملٌ واع جاد ومواءمة مقصودة تراعي اعتبارات أو معايير قديمة وحديثة معًا.
(٢) صياغة فكرية فنية:
ولا نغالي إذا قلنا: إن هذه القصيدة مدينة إلى فكر الشاعر وعقله لا إلى وجدانه وقلبه، فلا وَجْدَ في الغزل، ولا مشاعر شاغله من إقدام أو خوف أو رجاء في وصف السير حتى أن الرجاء المعلن عنه أسند إلى الناقة لا إلى الشاعر:
ك فتروى من بحره بدلاء
٢٨ - همها أن تزور عقبة في المل ـ
أما المدح فهل صدر من إعجاب حق بالقائد المثالي أو النموذجي وهل نلمح ظلًا من ولاء مشفوع بدفقة من ودّ؟ إن أعمق بؤرة عاطفية في القصيدة لا تتجاوز الشكر أو الاعتراف بالجميل في الأبيات (٤٥ - ٤٨) يمليه عليه أدب المجاملة، وتستدعيه وقائع المدح المتقدمة عليه.
أفكان الفكر الواعي المدقق واقفًا بالمرصاد للعواطف المستجاشة؟ لو كان في حنايا الشاعر، إذ تغزل، لاعجة من لواعج الحب أو مشاركة ودية غامرة، إذ مدح، تشايع الرغبة
المادية أو توجهها، لتبدّت تلقائيا في معانيه، والشاعر بذلك راضٍ لأن التلازم، أو الاقتران، الفكري والعاطفي وجه من وجوه القوة والتأثير، والسمو الحق في الشعر في لقائهما الموفق بل اتحادهما في عملية النظم والإبداع.
(٣) الترتيب والموالاة:
[ ٣٤ / ٣١٥ ]
ولكن علينا أن نرضى بالفكر والبناء العقلي في هذه القصيدة نصيبًا، وكذلك امتاز كل قسم من أقسامها بالترتيب والتوالي المحكم ما بين الأبيات - إلا ما نبهنا إليه من اضطراب الترتيب في آخر القصيدة - فالقصة الغزلية تتسلسل مواقفها وفق الترتيب الطبيعي لمجريات الأحداث: تحية المحبوبة (١ - ٢)، تذكار الماضي (٣ - ٧) فساد ذات البين
(٨ - ٩)، الوساطة لإصلاح ذات البين (١٠ - ١٨)، النهاية الحزينة الخائبة (١٩ - ٢٢) .
وعلى الإيجاز في حديث الصحراء والراحلة فالترتيب على الغاية من الأحكام، وكل بيت يضيف إضافات جزئية أساسية للمشهد العام في البيت:
ين رفاضًا يمشين مشي النساء
٢٣ - وفلاة زوراء تلقى بها العـ
ويضيف البيت (٢٤) إليه عنصرًا نفسيًا (خيفة متوجسة من الخلاء) وعناصر مادية من القافلة ومن شيوع الآفاق. أما البيتان (٢٥ - ٢٦) فيبرزان شخص الشاعر في هذا الجو الفسيح بين هوامّ الصحراء وحيوانها وسرا بها فيكثر فيهما توضع الجزئيات في أنحاء المشهد حتى إذا كان البيت (٢٧) نشأت الناقة تحمل الشاعر في ذاك المنطلق الفسيح قريبة من العَيْن ترسم سريرها الناشط بتتابع حركات اليدين والرجلين.
وعلى أن الشاعر لم يبل الصحراء رؤية ومنظرًا، وإن عاش فيها يفاعته، فقد ظفرت أبياته بالترتيب المحكم نتيجة جهد عقلي خالص ينتقل من العام إلى الخاص، ومن البسيط إلى المركب، ويوالي ما بين العناصر أو الجزئيات على قاعدة التجانس، ولنقرأ البيت:
كب فضاء موصولة بفضاء
٢٥ - من بلاد الخافي تغول بالر
لنعلم أن العناصر الثلاثة في البيت يحقق ما بينها التجانس ما يشبه ولادة بعضها من بعض في تسلسل منظم كتوالي جزئيات الزمن.
[ ٣٤ / ٣١٦ ]
أما المدح فقد علمنا أن الموالاة يتحكم فيها ترتيب منطقي مُنسَّق: تقرير السجايا نوعًا وكمًا - التدليل عليها - علة وجودها أو نشوئها - آثارها الخلقية والسلوكية - شواهد لها وأدلة - تلخيص وخاتمة.
هل تظفر خطة أو مقالة حديثة بترتيب أرصن وموالاة أحكم؟
أليست هذه الموالاة تشهد بفكر منظم يفحص المعاني المتوالدة أو المتتابعة ويلحق كلًا بجنسه وفق نسق المدح الذي فصلناه؟
إن هذه القصيدة مدينة - في الحق - إلى القدرة الفكرية الخلاقة لدى الشاعر، إلى ملكة التحليل المنطقي لطبيعة الحقائق تحليلًا يستوفي الجوانب والخصائص جميعًا. ألا نرى كيف بنى (٢٧) بيتًا يا المدح على معنيين اثنين هما: الكرم والشجاعة، ثم ذهب فكره فيهما كل مذهب حتى استوف له منهما مدح معجب يتقدم به شعراء عصره؟
(٤) توليد المعاني:
وصف بشار نفسه مرة بذكاء القلب، "حسبه شاهدًا إبداعه هذه القصيدة، وليس من مظاهر فكره الخلاق الترتيب وحده، فإنه يهتدي إليه بشيء من ترداد النظر، وفحص المعاني لتحقيق المشاكلة فيما بينهما، بل توليدُ المعاني بعضها من بعض أيضًا وتوسيعها وطريقة عرضها.
ويعتمد توليد المعاني في هذه القصيدة على القدرة التحليلية، ألا نرى أن بشارًا كان له أن يكتفي بالمطلع المستطرف:
واحذرا طرف عينها الحوراء
حييا صاحبي أم العلاء
ولكن قوة الفكر المحلل لا ترضى إلا أن تشتق من الشطر الثاني بيتًا آخر يكون للأول رديفًا وظهيرًا:
لملم والداء قبل الدواء
إن في عينها دواء وداء
والاحتراس المنطقي في قوله "والداء قبل الدواء"هو ليدفع عن الشطر الأول ما قد يوهم به العطف من ترتيب يجعل الدواء قبل الداء. فلأيّ مدى يراقب بشار معانيه وهو يفتّقها، وبأية بصيرة؟
[ ٣٤ / ٣١٧ ]
إن الرجل الذي وعى علوم عصره وثقافته، وحضر حلقات ومجالس علماء الكلام يمنح شعره ثمرة عقله اللامع القادح، ولعله بهذا التحليل الدقيق تفوق على الأقران، إنه ليس سهلا أن تضع الثقافة العميقة في خدمة الشعر إلا من تمثلها حق تمثلها ودخلت في صميم بنية فكره وفي منهج تفكيره.
والمدح في القصيدة مليء بأمثاله هذه التواليدات المعنوية وكان الترابط [٥٢] ما بينها نتيجة ممن نتائجها، إن قوله:
عقبة الخير مطعم الفقراء
٣٣ - حرّم الله أن ترى كابن سلم
يحتاج إلى برهان حسي، وكان البرهان:
الحـ ب وتغشى منازل الكرماء
٣٤ - يسقط الطير حيث ينتثر
ومن البرهان اشتق القاعدة اللازمة عنه "تغشي منازل الكرماء"وهو تتبع لفروع المعاني ناتج عن قوة المنطق التحليلي، وتوضيح الصفة بمثال، واستخلاص قاعدة من المثال.
وبذلك قدّر لبشار أن يوسّع قسم المدح من معنيين اثنين وكأنه في كل بيت منه يهب جديدًا، وما هو إلا الفرع الأول أطلع غصنا من نسغه ولحائه.
(٥) الإحكام والربط:
وبشار يتوخى الإحكام في الصنعة المنطقية توخي شاعر يدفع الخلل ولو أسرف في توضيح ما هو واضح قال:
الخو ف ولكن يلذ طعم العطاء
٣٥ - ليس يعطيك للرجاء ولا
وأراد أن يبين أنَّ الشجاعة هي من لذة الممدوح مثل الكرم، فأراد المعنى في صياغة نظرية خالصة عارية من كل تلوين ليقرن إليها المعنى الثاني وتكون الإعادة وصلة معنوية، ليستوي البيتان في إحداث الأثر:
في عطاء ومركب للقاء
٣٦ - إنما لذة الجواد ابن سلم
ومن آثار الفكر المنطقي الذي يطلب الوضوح دائبًا التكرارُ، وإذا كان التكرار في البيت الآنف يراد به حسن التأليف والربط فهو في مواضع كثيرة لمحض التأكيد مثل قوله:
المال ولكن يهينه للثناء
٣٨ - لا يهاب الوغى ولا يعبد
الني ل وأخرى سم على الأعداء
[ ٣٤ / ٣١٨ ]
٣٩ - أريحي له يد تمطر
ويتردد هذا الغرض في عدد من أبيات المدح يكون فيها الثاني تثبيتًا للأول كالأبيات (٣٣ - ٣٩) فهي، إذن، ظاهرة مميزة في القصيدة يحرص فيها بشار على استقرار المعنى عند السامع وأن يبلغ الأثر فيه أبعد ماله من مدى.
ولا تنحصر هذه الظاهرة ما بين الأبيات في قسم المدح بل نجد لها نظيرًا في المقدمة الغزلية في الأبيات (٣ - هـ) ولكن التكرار فيها يطلب التطويل لا التأكيد.
(٦) أشكال التوليد وأسبابه:
فهل كان بشار يجنح لتكثير عدد الأبيات في القصيدة؟ قد لمحنا ذلك في موضعين من المقدمة الغزلية، وفي مواضع متعددة من المدح، ونحن، وإن كنا نرى أن بعض التكرارات لم تفد المعنى شيئًا، وجدنا أن الكثير منها كانت له فائدتان: تأكيد المعنى الذي بيّناه، وإيراد المعنى في لبوس جديد: إما في صورة محسوسة من التشبيه الضمني (انظر البيتين ٣٣ - ٣٤) أو الاستعارة أو الكناية (انظر البيت ٣٨) أو التشبيه البليغ (انظر البيت ٥٢) . وقد يكون التكرار لإصلاح الأسلوب كما بيّنا في البيتين (٣٥ - ٣٦) غير أن العودة إلى المعنى بالصورة الحسية هو الأغلب، وهو حرص من الشاعر متوخىً، لتكرره في غير موضع، وكأنه إذ صاغ المعنى صياغة نظرية أو رده في صورة محسوسة إمتاعًا وتثبيتًا وإظهارًا لجانب الاقتدار على الصور.
فما العلة وراء هذا الصنيع؟.
من الممكن رد هذه الظاهرة إلى علة مزدوجة:
(أ) منها عادة عقلية أو مسلك في التفكير تأصّل لدى الشاعر بتقليب المعنى على وجوهه من شتى أطرافه، أو بالصور الطريفة التي يجد السامع متعة في استعادة المعنى من خلالها، ولعل نقاد عصره أعجبوا بطريقة بشار هذه، فتمكنت من تعبيره، يشهد بهذا قول ابن الأعرابي لما أنشده رجل بيتًا لخالد الكاتب:
وليل المحب بلا آخر
رقدت ولم ترث للساهر
فاستحسنه ثم أنشده رجل لبشار:
وما بال ضوء الصبح لا يتوضح
[ ٣٤ / ٣١٩ ]
خليلي ما بال الدجى لا يزحزح
أم الدهر ليل كله ليس يبرح
أضلّ الصباح المستقيم طريقه
ولكن أطال الليل هم مبرّح
أظن الدجى طالت وما طالت الدجى
فقال ابن الأعرابي للذي أنشده بيت خالد: "نحّ بيتك لا تأكله هذه الأبيات فإن بيتك طفل وهذه سباع" [٥٣] .
أكان بشار يهيمن على الشعر والشعراء بهذا الاتساع في المعنى، وبهذه الجزالة في الأداء؟ فلم لا يلحّ على هذه الطريقة ليبقى في مركز القوة؟.
(ب) ومنها العمي، عاهةٌ جعلت فكره تجريديًا، فهو - كما يتضح من القصيدة - يقنص المعنى في صورته المعنوية المجردة من اللبوس المادي ثم يُقويه بالصور الحسية، كما كنا بيّناه، وإنّ تواتر هذا المنحى في قصيدته يومئ إلى عادة فكرية متأصلة تحكم أسلوبه في النظم، وسنبين بعد قليل أثر هذه العادة الذهنية التجريدية في اللفظ إذ هي لا تحكم المعنى وحده. إن تلك العاهة خلقت فيه باعثًا نفسيًا على تقليب المعاني واشتقاقها وتفريعها: فهو ضرير، وسائله ومصادره غير بصرية، وهو مفتقر إلى الجانب البصري افتقارًا لا حيلة له فيه. أفلا يتجه، إذن، بدافع من التحدي إلى شكل من أشكال التعويض في تنويع المعنى الواحد في عبارات وصور، كأنما يقول للمبصرين: إذا كنتم ترون المعنى من زاوية فأنا قادر على رؤيته من غير زاوية.
(٧) النزعة التجريدية واللغة:
وأما أثر النزعة التجريدية في الألفاظ فقد تميزت باختيار الألفاظ التي تسع المعنى وتحيط به بدقة. لقد أراد أن يحلل الشجاعة والكرم إلى عناصرهما:
دة والبأس والندى والوفاء
٣٠ - أيها السائلي عن الحزم والنجـ
[ ٣٤ / ٣٢٠ ]
فانحلت كل منها إلى غير لفظة من أسماء المعاني في هذا الشريط الذي يروع بما فيه من تجانس - كما أشرنا - ومن دقة في تحديد المضمون. ولو مسحنا ألفاظ هذه القصيدة لوجدنا لأسماء المعاني حظا كبيرًا يقارب أو يكاد يوازي أسماء الذوات، في الغزل أو في المدح وباستطاعتنا أن نصنف طائفة كبيرة من كل من النوعين. ونجتزئ من أسماء المعاني - بالإضافة لما سبق في البيت - بمثل "دواء، داء، شقاء، النوم، ود، الهوى، جهد علم، وعد، مصير، فناء، عزاء، الخلال، الغناء، الرجاء، الخوف، العطاء، الثناء، الصفح، الصفاء، البخل، الحمد، الذم، الفضل "فإذا امتازت هذه الألفاظ بدقة التوظيف - كما هو واقع الحال - علمنا ما كان يملك من هذا النوع من مخزون ثري يقدمه ابتداءً قبل أن يشفعه بمرادف مادي.
(٨) الجزالة والإيقاع:
والحق أن بشار بن برد ملئ لغةً فياض الرصيد، يسكب معانيه في لبوس من الألفاظ قُدت لها قدًا لا أصلح ولا آنق، ولا تخطئ الأذن جرسًا يجنح إلى الجزالة يسيطر على القصيدة من المطلع إلى الختام، يتماوج ونوعية المعنى: من جزالة منعمة في الغزل إلى فخامة مضخمة في المدح، في مثل قوله:
ت فغيث أجش ثر السماء
٥٢ - أسد يقضم الرجال وإن شئـ
وهو يتجافى عن الغريب جهده إلا إذا طلبت مادة الوصف بعض الألفاظ النائية عن الحضرية كما تقتضي طبيعة البيئة الصحراوية.
فهو، إذن، يوائم بين الألفاظ ودلالاتها الصوتية، فينخفض في لسان في مثل قوله:
وتصدت في السبت لي لشقائي
أسقمت ليلة الثلاثاء قلبي
ويرتفع بارتفاع أحرف المد المتواليات من ألف وياء في قوله:
ل ولكن يهينه للثناء
٣٧ - لا يهاب الوغى ولا يعبد الما
[ ٣٤ / ٣٢١ ]
وهذه المشاكلة بين المعاني وألفاظها والقيم الصوتية المتآلفة منها أضفت على شعره جلالة راعت أدباء عصره. وإن الصوت ليتماوج تماوج المعنى، صادرا من التراكيب التي تتوزع البيت بإيقاع منظم، يبعث صدى موحيا بالمعنى أو بانفعال الشاعر أيما إيحاء، شأن الصدى المنبعث من البيت المتقدم، في موجات ثلاث متقاربة متناظرة من تراكيبه الثلاثة المتسقة زمنًا وصيغة وإسنادًا.
وتراكيبه غنية بالقيم الصوتية عمومًا، ولكل بيت إيقاعٌ ينثُّه مضمونهُ، وصورُ تراكيبه نثًا ينشأ عنه تآزر تلقائي، صادر عن حسٍ لغوي فطري، بين تلك الأقطاب الثلاثة: اللفظ ومضمونه وجرسه، وهو يحقق هذا التآزر بمراعاة صيغ التراكيب أو الجمل -
كما بينا في البيت المتقدم - وغالبًا ما نلقى في البيت تركيبيين، على الأقل، من صيغة وقيمة موسيقية واحدة طلبًا للجرس الموقع، فالبيت (٢٧) صورة صوتية موقعة لإرقال ناقة مسرعة:
ل مروح تغلو من الغلواء
بسبوح اليدين، عاملة الرجـ
إذ يرسم، في الزمن الواحد، الحركة مرئية بسرعتها، ومدركة بما يُولدّها من نشاط واندفاع ذاتي. والتراكيب الثلاثة الأولى ترسم السرعة، وكل من الأول والثاني تركيب إضافي، فهما من قيمة صوتية متقاربة، ومروح "توازن، سبوح "صيغة، وتحكم التراكيب الثلاثة حركة الخفض في خمس كلمات متوالية كالإيقاع المنتظم الذي ترسم أجزاؤه المتساوية
مستقيم بوثبة من الفعل "تغلو"واندفاع ممعن من المصدر "الغلواء"اندفاع من لا يريد أن يقف، يمتد بامتداد حركات ثلاث متعاقبات - في "غلواء"- من ضم بعده فتح بعده مدّ ممدود يبلغ به الانطلاق أقصاه.
[ ٣٤ / ٣٢٢ ]
والتشاكل الصوتي لا يقف به حسّ الشاعر عند صيغ التراكيب بل يتناول الحروف التي يراعي الانسجام ما بين أصدائها كالتقارب الصوتي في حروف كل من اللفظيين "سبوح - مروح "فهما تشتركان بحرفين متجاورين ليس قبلهما حرف من الحروف الضخمة المستعلية. ولكن إذا ألقت الوحشة ظلالها على البيت، وظهر الحرف القوي الموجس بالخوف إيجاس حرف الخاء في قوله:
ب فضاء موصولة بفضاء
من بلاد الخافي تغول بالرك
تتابعت، في ضربات إيقاعية موقوتة، الغين والضاد في ثلاثة مواضع، لتجانس الخاء في القوة والاستعلاء ولتنشر في أعقاب حروف المد رهبة غير محدودة.
والتجانس الصوتي صفة كل بيت في قصيدة بشار يجيش لحنه حينًا - كما رأينا - ويطمئن حينا اطمئنان البيت الأخير بحروف الهمس واللين:
وإذا سار تحت ظل اللواء
فعلى عقبة السلام مقيمًا
على أن التجانس الصوتي، وما ينشأ عنه من إيقاع، يبلغ تمامه بالقافية.
(٩) القوافي:
وتبدو قافية كل بيت كأنها حلقة الختام في سلسلة مقدرة تقديرا، عندها تنتهي الموجة الإيقاعية، وبها تبلغ الذروة، فإذا قافية البيت تنتسب لكل لفظة فيه فيأتي من إحكام القافية بالعجب العجاب، ونظرة في الأبيات الثلاثة الأولى تهدي إلى أنّ كلمة القافية يرهص بها ما يتقدمها من الكلم إرهاصًا لا يقتضي غيرها في نهاية المطاف: أليست الصفة "حوراء"متحدة بموصوفها، والموصوف جزء من "أم العلاء"ثم هي - أي الصفة حوراء - سبب التخدير. و"الدواء" أليس محمولا على الشطر الأول من البيت الثاني، و"إزاء"في إطار الجملة الدعائية ألم يرهص له "على رغم إزاء".
ألا يدل إيراد كلمة وفاء في قافية البيت (٣) بعد لفظة "ندى"على التلازم المعنوي بينهما فإنه لا كرم على الحقيقة إلا بالوفاء به؟ والحق أن المصادر - أسماء المعاني الدالة على الفضائل - تتساند في رتل متراص حتى يكون آخرها القافية:
دة والبأس والندى والوفاء
[ ٣٤ / ٣٢٣ ]
أيها السائلي عن الحزم والنج
والبيت "٤٥ "تنسل قافيته من أول كلمة فيه. وليس من غرضنا التتبع لقوافي الأبيات كلها غير أن قافية البيت الخامس تفاجئ المستمع مفاجأة:
ثم راحت في الحلة الخضراء
٥ - وغداة الخميس قد موتتني
وليس في البيت أو ما قبله ترشيح يقتضي هذا اللون دون غيره، ولعل الشاعر أراد أن يوهم أنه يحبها وهي في حلتها الخضراء إذ تبدو أجمل في عينيه لتعلق نفسه بهذا اللون، وقريب منه البيت السابع عشر:
د فأوفى ما قلت بالروحاء
١٧ - قد يسيء الفتى ولا يخلف الوعـ
ولا يطالعنا اسم هذا الموضع من قبل ولا من بعد، ولا يرشح له حديث لقاء صريحٍ. فلماذا هذه المفاجأة بالقافية وما كان لمثل شاعرنا أن يخطئه الضعف فيها لو أحس فيها ضعفا؟ لا تعليل سوى أنْ أراد بذكر اسم المكان إضفاء لون الواقعية على العلاقة، ولكنها لا تنزل محكمة في مستقرها إحكام القوافي الأخر [٥٤]، واستبدالها بنظير آخر لا يزلزل بناء البيت.
(١٠) أصالة الأداء:
كل ما في هذه القصيدة ينبئ عن أصالة مبرأة من الوهن، وكذاك الشاعر الفحل، ألم يقل ابن الأعرابي: إن أبيات بشار سباع تهم أن تأكل بغاث الشعر؟
وهذه الأصالة تجعل العاديّ المستهلك طريفًا، وتخرج المشاع من المعاني في حلة قشيبة، وهل ثمة ذيوع أوسع من ذيوع كلمتي الشجاعة والكرم، ولكن بشارًا، بأسلوب مبدع من أساليب العرض، - يحملنا على الإعجاب بها كما نعجب بمبتكر طارئ أليس في أسلوب السؤال والتقرير في قوله:
دة والبأس والندى والوفاء
٣٠ - أيها السائلي عن الحزم والنجـ
ومزيدًا من مثلها في العطاء
٣١ - إن تلك الخلال عند ابن سلم
إحياء لهذين المعنيين: لقد فقدت الفضيلتان وأضلهما الناس ولكن الشاعر يعرف إنسانًا واحدا لا يزال وحده يحتفظ بهما، فإذا تعب الباحث عنهما وأخبره الشاعر بمكانهما أفما دَلّه على شيء ثمين؟
[ ٣٤ / ٣٢٤ ]
وأساليب الشاعر التي تسهم في بحث المعاني الهامدة عديدة: منها الدعاء في قوله:
م إزاءٍ لا طاب عيشى إزاء
٣ - رب ممشى منها إلينا على رغـ
والاستغاثة في قوله:
يا لقومي دمي على حمّاء
٨ - ثم صدّت لقول حمّاء فينا
وفي الدعاء على الرقيب أو الواشي محتوىً نفسي كبير: مكابدة ذاتية أو ضيق يعانيه الشاعر ممن يرقبه ويفسد عليه صفاء وصاله، فاستحق الرقيب أن يُدْعى عليه بمثل ما جنى. وليست الجدّة في تركيب الدعاء الثابت الإطار وحده ولكن في مادة المضمون الموافقة للموقف أيضًا: "لا طاب عيشي إزاء".
ولو أن تركيب الاستغاثة في البيت عراه تعديل طفيف لخبا الإيحاء المعنوي الواسع الطيف: إنه استعدى قومه "يا لقومي دمي على حماء"- وههنا جوهر الفن: فلو استعدى فردًا: صديقًا أو قريبًا، لكان محتوى الاستغاثة غير مليء ولا مشع، ولكن الاستغاثة بقومه جميعًا، يحملّهم عبء دمه المراق أحيت تلك الصورة الجماعية التاريخية الصاخبة، صورة القبيلة قاطبة يستفزها الصريخ على نبأة الثأر، فتهب بالضجيج والعجيج والغضب.
فأي حدث خطير، وأي ضحية بريئة، وأي هول مشتعل ينشره تركيب الاستغاثة بمضمونه هذا
إنها الأساليب التي بها ينفخ الشاعر العبقري روح الحياة والجدّة في المعاني واللغة!
(١١) الخيال:
عدد الصور الخيالية في القصيدة دون عدد نصف أبياتها، أكثرها التشبيه وأقلها الاستعارة، ولا تخلو من الكنايات. والفحص المدقق لمفردات تلك الصور يهدي إلى مصادرها فهي من الموروث الشائع قديمه وحديثه، والاستعارة في قوله:
لملم والداء قبل الدواء
٢ - إن في عينها دواء وداء
[ ٣٤ / ٣٢٥ ]
مستخلصة، في تآلف مركز، من صورتين يتداولهما حديث الغزل: "النظرة القاتلة"ومر بنا شعر لجرير فيها - و"النظرة الشافية"الشائعة على الألسن. والجهد الفني هو التأليف ما بين المتضادين في اللفظ المتجانس في تركيز يحكمه المنطق الواضح. فالطرافة في السبك والعرض لا في المادة.
ولعل بشارًا كان يستهدف كثيرًا الجمع أو المقابلة ما بين الصورتين المتضادين ضربًا من الجهد الإبداعي تعويضًا عن الإبدل في الصورة: كذلك يقف كل من الاستعارة والتشبيه وجهًا لوجه في قوله:
ل وأخرى سم على الأعداء
٣٨ - أريحي له يد تمطر النيـ
وأسلوب التضاد طريقة من طرق الفكر التوضيحي يُعول عليها بشار أحيانا بين أركان الصورة الواحدة.
كما انشقت الدجى عن ضياء
٢٩ - مالكي تنشق عن وجهه الحرب
فالنور بارز من الظلمة هيكل للمشبه والمشبه به في هذا التشبيه التمثيلي.
وإذا كان في أسلوب التضاد مَسْحة فنية فإن التقليدية البحتة في غير أسلوب التضاد.
ك فتروى من بحره بدلاء
٢٨ - همها أن تزور عقبة في الملـ
لقريب ونازح الدار ناء
٣٢ - كخراج السماء سيب يديه
ولكن الصور التقليدية ينالها رشاش من الفن والحياة إذا أضيف إليها توابع تكميلية من نعوت مفردة أو جملة موحية ومُضخِّمة لمضمونها مثل قوله:
ت فغيث أجشى ثر السماء
٥٢ - أسد يقضم الرجال وإن شئـ
وفيما غير ذلك لا تكون الصورة من التشبيه أو الاستعارة إلا استبدالا باللفظ الحقيقي، ولا جدوى فيها إلا الإيجاز بنيابة اللفظ المجازي أحيانًا عن غير لفظ حقيقي مثل "كخراج السماء سيب يديه"وأقواله:
كان ما بيننا كظل السراء
١٩ - فاستهلت بعبرة ثم قالت
مشرفات يطرفن طرف الظباء
٩ - لا تلوما فإنها من نساء
ن رفاضًا يمشين مشي النساء
٢٣ - وفلاة زوراء تلقي بها العيـ
[ ٣٤ / ٣٢٦ ]
ولكن بعض الصور تتفوق في "المضمون "وتحقق تجسيدًا ماديًا للمعنى وصفته معًا يوائم نوعيته ويقوي الأثر الانطباعي المقصود، كما في قوله:
يشترى الحمد والثناء ويرى الـ
ذم فظيعًا كالحية الرقشاء
فالتأليف ما بين "الذم - الحية الرقشاء"يعتمد على حس دقيق في التوافق ما بين المعنوي والنظير والشبيه المادي، إن الذم ينفث السم المميت!
وهذا ما يجعل الصورة، عند بشار، من البيت في الموضع المستقر كأنها الجزء الطبيعي من التعبير ولو استقلت الصورة بالبيت كله، كقوله:
ب وتغشى منازل الكرماء
٣٤ - يسقط الطير حيث ينتثر الحـ
فهو الرديف البرهاني لما تقدمه:
عقبة الخطير مطعم الفقراء
٣٣ - حرّم الله أن ترى كابن سلم
ذلك أن التشبيه الضمني يتفتح شاهدًا واقعيًا، لا يُدْفَع على الكرم العمِّ كما يشهد لبشار بمحرزات ابتكارية تتأتى له في عنفوان النظم، ولكن النظر فيه يدل على أنه صناعة عقلية أكثر منه خطفًا خياليًا، ألا ترى إلى الربط ما بين الفعل "سقوط الطير - وعلته - انتثار الحب "وأعرق صوره إبداعًا تتداعى من عناصر ألّفَ بينها التفكير والتنسيق المنطقي الواعي، ألم يعجب النقاد والبلغاء بقوله:
وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه [٥٥]
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا
وهي صورة ركّبها فكره البصير من عناصر يتزامنُ حدوثُها؟
وثمة فرقٌ بين الخيال الخلاق والخيال الفكري، فالأول يلمح الصورة في خطفة برق من الإبدال وتستوي له تامة متكاملة كقول الخنساء:
يتعاوران مُلاءة الحَضْر
جارى أباه فأقبلا وهما
صقران قد حطا على وكر [٥٦]
وهما وقد برزا كأنهما
[ ٣٤ / ٣٢٧ ]
والثاني يخطط للصورة ويهيئ عناصرهما ثم يخرجها على نسق ونظام ومقارنات محكومة بالفكر. وصور بشار الخيالية من هذا المورد، وثمة صورة في القصيدة جاءت كرتين في المقدمة وبصياغة واحدة وألفاظ مترادفة، وليست من الصور المجنحة إبداعًا، إنها من النوع القريب يعبر بها عن الإحساس بالخفة أو فقدان الثقالة والوزن قال:
بك حتى كأنني في الهواء
٧ - واستخف الفؤاد شوقًا إلى قر
ق صريعا كأنه في الفضاء
١٥ - أنت باعدته فأمسى من الشو
وأحسب الصورة بمضمونها هذا مما كان يدور على ألسن العامة من الصور العفوية فنقلها هو إلى الشعر كأنما قد استحدثها، وأظنها ذات صلة وثيقة بذاته، أو بإحدى عقده النفسية إذ كان ضخمًا طوالا مُثقَّلا، ومن يدري لعله كان يضيق بالسمن المفرط صدرًا
ويشتهي النحول والرشاقة لما فيهما من القبول، وبعض غزله ينم عن هذه الرغبة المكبوتة:
لو توكأت عليه لانهدم [٥٧]
إن في بُرْدَيَّ جسما ناحلًا
فكان يتوق إلى أن يستشعر نفسه خفيفًا كالورقة في مهب الريح، فتوافي هذه الصورة تعبيرًا رامزًا إلى التوق المستكن ما وراء الشعور الواعي. ولهذه الصورة أصول في الموروث من التراث الأدبي، في القرآن العظيم وفي غيره.
[ ٣٤ / ٣٢٨ ]
وهي في كتاب الله يملؤها مضمون آخر هو الخوف وذهاب النفس من الفزع. قال تعالى يذكر ذل الكفار يوم القيامة وقد طارت قلوبهم هولًا ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء ٌ﴾ [٥٨] . ولها نوع اتصال بعناصر من صورة أخرى من كلام الله ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [٥٩] . كما تلاقي قول العرب: "طارت نفسه شعاعًا"بعنصر ضمني هو الفضاء، وذلك إذا تفرقت هِمَمهُا ورأْيُها ولم تتجه لأمر [٦٠] في الخوف المسيطر، قال قطري بن الفجاعة:
من الأبطال ويحك لن تراعي [٦١]
أقول لها وقد طارت شعاعًا
واختلاف المضمون لا يمنع قرابة الصور واشتقاق بعض من وحي بعض.
ولكن التعبير الواقعي والمجازي - الخيالي - في هذه القصيدة صنوان في التقنية الفنية ووظيفة الأداء، وبذلك نجد الخيالي تتمة طبيعية لما هو حقيقي، فهو في الموضع الأمكن من البناء الفني، غير أنه لا يُشكّل إبداعًا مميزًا إلا ندورًا، وذلك للاعتداد بالمادة التقليدية وبالجهد الفكري في إخراج الصور الخيالية، على أن التحكم الفكري الواعي في نَوْعيّ الأداء الواقعي والخيالي جعل في الواقعي شاعرية وجاذبية لا تقل عن الخيالي لما امتاز به الشاعر من تدقيق في تحديد الأوضاع والصفات الحقيقية كما قال في صفة الناقة:
ل مروح تغلو من الغلواء
٢٧ - بسبوح اليدين عاملة الرجـ
وفي الفتى الوصيف:
باع صَلْتَ الخدين غضَّ الفَتاء
٤٠ - وحباني به أغر طويل إلى الـ
فهذه الصورة المخططة باللفظ الحقيقي ليست، في سياق الأداء، دون الصورة التي رسمها التشبيه للوصيف:
ث غاداك خارجًا من ضراء
٤٤ - فتنجزته أشم كجرو الليـ
[ ٣٤ / ٣٢٩ ]
وكنا بيّننا في غير هذا الموضع الآثار السلبية والإِيجابية لعاهة العمى في تناوله معانيه، وهي آثار تنسحب على الملكة الخيالية أيضًا.
(١٢) لمسات بديعية:
وأما الصنعة البديعية فهي في بواكير إقبالها من جناس وطباق عفوي لا يكاد يشعرك بموقعه لولا أنك تتحرّى عنه، فهو من اقتضاء المعنى لا من قصد التزيين، ولذلك لا يدخل في جوهر العمل. ومن يدعي على الشاعر أنه يجتلب من بعيد مثل قوله "داء ودواء - الدجى والضياء - الثناء والذم "؟.
استنبطنا من القصيدة كثيرا من أصول الإصدار الفني وخططه لدي الشاعر، فإذا تتابعت الجهود على دراسة عدة قصائد له تمثل مختلف فنون شعره وأغراضه أمكن تكوين صورة موضوعية لبواعث الإبدال ومظاهره وقيمته الفنية عند بشار بن برد.
والحمد الله رب العالمين
مقدمة: دواعي الدراسة.
القصيدة.
الشاعر والقصيدة.
بناء القصيدة.
- المقدمة: (أ) ١لغزل (ب) الرحلة.
- الغرض (المدح) .
التقويم النقدي:
١ - عمود شعري مُعدل. ٧ - النزعة التجريدية واللغة.
٢ - صياغة فكرية فنية. ٨ - الجزالة والإيقاع.
٣ - الترتيب والموالاة. ٩ - القوافي.
٤ - توليد المعاني. ١٠ - أصالة الأداء.
٥ - الإحكام والربط. ١١ - الخيال.
٦ - أشكال التوليد وأسبابه. ١٢ لمسات بديعية.
راجع الدراسة
(١) الأغاني: أبو الفرج الأصبهاني، المجلد الثالث. طبعة دار الكتب.
(٢) أمالي المرتضي، الشريف المرتضي، علي بن الحسن. ت: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب. القاهرة سنة ١٩٥٤م.
(٣) بروكلمان: ١: ٧٢، الملحق ١: ١٠٨ - ١١٠.
[ ٣٤ / ٣٣٠ ]
(٤) بشار بن برد: طه الحاجري، دار المعارف. بيروت سنة ١٩٥٠ م.
(٥) بشار بن برد: عبد القادر المازني. دار إحياء الكتب العربية. القاهرة سنة ٩٤٤ م.
(٦) بشار بن برد: عمر فروخ. بيروت سنة ١٩٤٩م.
(٧) بشار بن برد: ديوان بشار بن برد. ت: الشيخ محمد طاهر عاشور، الشركة التونسية للتوزيع سنة ١٩٧٦ م.
(٨) بشار بن برد: محمد النويهي. مكتبة النهضة المصرية. سنة١٩٥١ م.
(٩) تاريخ بغداد: الخطيب البغدادي، المجلد السابع.
(١٠) جمهرة أشعار العرب، أبو زيد القرشي، تحقيق علي محمد البجاوي. دار نهضة مصر للطبع والنشر.
(١١) دلائل الإعجاز. عبد القادر الجرجاني. ت: محمود محمد شاكر. القاهرة.
(١٢) ديوان امرئ القيس. ت: أبو الفضل إبراهيم. دار المعارف. مصر ١٩٦٩ م.
(١٣) ديوان الخنساء. دار صادر. بيروت.
(١٤) ديوان شعر الخوارج، تحقيق وجمع. د إحسان عباس. دار الشروق. بيروت سنة ١٩٨٢ م.
(١٥) ديوان عمر بن أبي ربيعة. دار صادر. بيروت.
(١٦) ديوان كعب بن زهير، صنعة السكري. ط دار الكتب سنة١٩٥٠ م.
(١٧) ديوان النابغة الذبياني. ت: عاشور. تونس سنة ١٩٧٦ م.
(١٨) ديوان جرير: تحقيق الصاوي. ط النوري. دمشق.
(١٩) شرح ديوان علقمة الفحل. السيد أحمد الصقر. المطبعة المحمدية. القاهرة.
(٢٠) شرح القصائد السبع الطوال. أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري. تحقيق عبد السلام محمد هارون. ط ٢. دار المعارف بمصر.
(٢١) الشعر والشعراء ابن قتيبة. ت: أحمد محمد شاكر. ط ٣. سنة١٩٧٧ م.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] نصًا كاملا من ديوان بشار بن برد: ١/١٣٢. ت: عاشور، تونس١٩٧٦ م.
[٢] أم العلاء: امرأة وهمية، وحوراء صفة من الحور: شدة بياض العين في شدة سوادها (الصحاح)
[ ٣٤ / ٣٣١ ]
[٣] مُلم: ألم بالمكان: داناه وبالقوم نزل بهم.
[٤] إزاء: اسم الرجل الرقيب على تلك المرأة.
[٥] أصبت عيني بداء: كناية عن امتناع النوم عليها.
[٦] حماء: اسم امرأة والحماء والأحم السوداء والأسود.
[٧] مشرفات: من نساء ذوات طول أو ذوات شرف ومكانة.
[٨] الوأي: الوعد.
[٩] الروحاء: مكان.
[١٠] العبرة: الدمعة، واستهلت: بكت، والسراء: شجر تتخذ منه القسيّ ظله مديد، أرادت عهدًا قصيرا لم يدم إلا الظل.
[١١] السُرْسورة: المقربة إليها المؤتمنة على سرها، والخلطاء: الأصحاب الذين تخالطهم ويخالطونك.
[١٢] فلاة زوراء: مترامية الأطراف، والعين: بقر الوحش الواحدة عيناء. ورفاضا: متفرقة.
[١٣] من بلاد الخافي: بلاد الجن، وتغوّل: مخففة من تتغول، أي يختفي فيها الركب فلا يهتدي إليه لاتساعها.
[١٤] تجشمتها: تحملت أخطار السير فيها، والجندب ضرب من الجراد إذا اشتد الحر صوَّت.
[١٥] قال: هجع في القيلولة، عند الظهر، واليعفور: حمار الوحش، والآل: السراب وريعانه: شدته، وارتكض: اضصرب. والنهاء: جمع نهى آخر الماء الوادي.
[١٦] السبوح: السريعة تسبح في مشيها كأنها الحوت في الماء، مروح: نشيطة تغلو: تزداد حيوية ونشاطًا، والغلواء مصدر تغلو.
[١٧] الدلاء: جمع دلو يستقي به الماء.
[١٨] مالكي: نسبة إلى جده مالك بن فهم، تنشق عن وجهه الحرب: يتقدم الصفوف ويخرج منها منتصرًا منير الوجه.
[١٩] الخلال: السجايا والأخلاق، الغناء: النفع والكفاية.
[٢٠] خراج السماء: غيثها.
[٢١] أريحي: مهتز لفعل الخير والمعروف، والنيل: العطاء.
[٢٢] الخز: نوع من الحرير، الحور: جمع حوراء أراد المرأة الجميلة خلا: ترك الحلاء: الحلية.
[ ٣٤ / ٣٣٢ ]
[٢٣] حباني به: أعطاني مملوكا والضمير في به يعود إلى غير مذكور، صلت: واسع عريض، الفتاء: القوة والشباب.
[٢٤] النجاء: المناجاة أي قال علنا مصرحًا.
[٢٥] المنصف: الخادم والوصيف.
[٢٦] تنجزته: وفى بوعده لي، أي أخذته منه بوعده لي، والضراء: الشجر الكثير.
[٢٧] السر: الخالص من كل شيء.
[٢٨] الحية الرقشاء: ذات النقط، وهي شديدة السم.
[٢٩] يفرع المنابر: يعلوها.
[٣٠] ثر السماء: كثير السحاب والتهطال.
[٣١] الأغاني: ٣/١٩٤.
[٣٢] الشعر والشعراء: ١/ ٨٠- ٨١، ابن قتيبة،: أحمد محمد شاكر، ط٣، ١٩٧٧ م.
[٣٣] شرح القصائد السبع الطوال: ص ٢٣٧، الأنباري أبوبكر، ت: عبد السلام محمد هارون، ط ٢، دار المعارف بمصر.
[٣٤] جمهرة أشعار العرب. ص ٢٠٢، أبو زيد القرشي، ت: علي محمد البجاوي، القاهرة.
[٣٥] كذاك كان وصف الناقة في شعر كعب صحراويًا بحتًا.
[٣٦] انظر جمهرة أشعار العرب: ص ٦٤٣، ت: البجاوي، ط دار نهصة مصر.
[٣٧] ديوان امرئ القيس: ص ١٣، ت: أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف بمصر ١٩٦٩ م.
[٣٨] ديوان النابغة الذبياني: ص ٩٥، ٥٧، ت: عاشور، تونس ١٩٧٦ م.
[٣٩] ديوان جرير: ص ٥٩٤، ط الصاوي.
[٤٠] الأغاني: ٣/ ١٥٤.
[٤١] أمالي المرتضي: ٢/ ١٣٩، ت: أبو الفضل إبراهيم. القاهرة.
[٤٢] دلائل الإِعجاز: ص ٤١١، الجرجاني ت: محمود محمد شاكر، القاهرة.
[٤٣] ديوان امرئ القيس: ص ٩.
[٤٤] شرح القصائد السبع الطوال: ٢٣٩.
[٤٥] ديوان النابغة: ص ١٤٢.
[٤٦] شرح ديوان علقمة الفحل، السيد أحمد صقر، المطبعة المحمودية بالقاهرة.
[٤٧] ديوان عمر بن أبي ربيعة: ص ١٢٠، ط. دار صادر، بيروت.
[٤٨] ديوان كعب بن زهير: ص ٩.
[٤٩] جمهرة أشعار العرب: ١٦١- ١٦٢.
[ ٣٤ / ٣٣٣ ]
[٥٠] جمهرة أشعار العرب: ١٦١- ١٦٢.
[٥١] انظر رأي بلال بن أبي بردة الأشعري في جمهرة أشعار العرب، المقدمة ص ٦٧-٦٨ ورأي أبي عبيدة ص٩٩.
[٥٢] الترابط: بمعنى الربط، من قولهم ماء مترابط: دائم لا ينزح (الصحاح) .
[٥٣] تاريخ بغداد: ج٧ ص ١١٤، الخطيب البغدادي.
[٥٤] في قصائد فحول الجاهليين أسماء الأمكنة في القوافي يرشح لها بذكر مواضع قبلها. انظر معلقة امرئ القيس (اللامية) ومعلقة زهير بن أبي سلمي وليد.
[٥٥] دلائل الإعجاز: ٩٦، الجرجاني، ت: محمود محمد شاكر، القاهرة.
[٥٦] ديوان الخنساء: ص ٧٦، دار صادر، بيروت. الحضر: عدو الفرس. والملاءة: ريطة تلبسها المرأة.
[٥٧] الأغاني: ٣/ ١٥١.
[٥٨] سورة إبراهيم الآية (٤٣) . ومعنى هواء في الآية. أفئدتهم ذات فراغ مجوفة، يملها الهواء لا الحكمة ولا الخير.
[٥٩] سورة الحج الآية (٣١) .
[٦٠] الصحاح (شعع) .
[٦١] ديوان الخوارج: ص ١٢٢ جمع وتحقيق إحسان عباس. دار الشروق بيروت.
[ ٣٤ / ٣٣٤ ]