للشيخ عبد الرءوف اللبدي
المدرس بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية
أختي العزيزة "هل"
هذه هي الرسالة الخامسة عشرة التي كنت قد وعدتك من قبل أن أحدثك فيها عن همزة الاستفهام الداخلة على أدوات الشرط:
"لو" و"كلّما"و"لمّا"وها أنا ذي منجزة ما وعدت:
أمّا همزة الاستفهام الداخلة على "لو"الشرطية فقد وردت في سبع آيات من آيات القرآن الكريم:
الآية الأولى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ . الآية (١٧٠) من سورة البقرة.
تتضمن هذه الآية الكريمة أنه إذا قيل لهؤلاء الكفّار من المشركين اتبعوا ما أنزل الله واتركوا ما أنتم عليه من الضلال قالوا لا نتبع ما أنزل الله بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، فردّ عليهم ﷾ منكرًا موبخًا: أتتبعون ما وجدتم عليه آباءكم ولو كان أولئك الآباء لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون؟!
وقد جاء هذا الاستفهام: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ جاء مفيدًا الإنكار (بمعنى لا ينبغي) ومفيدًا التوبيخ والتعجب:
فقد أنكر الله ﷾ على أولئك الكفرة المشركين ووبخهم أن يتبعوا آباءهم وقد كانوا ضالين جاهلين، ليس لديهم مُسْكة من عقل ولا أثارة من هداية، وأنَّى لهم العقل والهداية وهم يعبدون أصنامًا لا تملك نفعًا ولا ضرّا، ويحرّمون على أنفسهم ما أحلّه الله، ويحلّون لها ما حرّم الله؟!
لقد كان ذلك الإتباع عجيبًا كل العجب، فقد كان اتباعًا أعمى لآباء ضالين جاهلين، اتباعًا ليس فيه تبصر ولا تعّقل، ولا يقوم على حجة ولا برهان، اتباعًا على طريق الشرّ والضًر والمصير إلى جهنم.
[ ٣٢ / ٢٥٣ ]
أما إعراب جملة الاستفهام هذه: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ فاكتفى منه بما يلي:
الواو الواقعة بعد همزة الاستفهام واو الحال، و(لو) حرف شرط لا يجزم، وليست (لو) هنا وصلية زائدة للربط والتوكيد. و(كان) ماض ناقص هو فعل الشرط لا محل له من الإعراب. و(شيئًا) يجوز أن يكون مفعولًا به على معنى لا يعقلون شيئًا من الأشياء، فهو نكرة وقعت في سياق النفي فتعمّ، ويجوز أن يكون (شيئًا) منصوبًا على المصدرية على معنى لا يعقلون شيئًا من العقل. وجملة: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ في محل نصب على الحالية.
وهناك جملة مقدّرة بعد همزة الاستفهام مباشرةً دلّ عليها الكلام السابق والتقدير أيتبعونهم ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون.
وقد اشتملت هذه الجملة المقدّرة على صاحب الحال وهو الضمير المفعول به (هم) وعلى العامل في الحال وصاحبها وهو مضارع (يتبعون) .
وهذه الجملة المقدّرة دلت على جواب (لو) الشرطية وأغنت عنه، وهو مع متعلقها موضع الإنكار والتوبيخ والتعجب.
وقد أعرب العكبري [١] وابن عطية [٢] ومكي بن أبي طالب [٣] الواو الواقعة بعد همزة الاستفهام والداخلة على (لو) في قوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ أعربوها عاطفة، ولم يذكروا المعطوف عليه ولم يقدّروه، وذهب الزمخشري إلى أنها واو الحال [٤]، وحاول أبو حيان في تفسيره البحر المحيط [٥] أن يجمع بين الرأيين: فقال: "إنها حالية لأنها داخلة على جملة حالية، وهي في الوقت نفسه عاطفة لأنها عطفت الجملة الحالية بعدها على جملة حالية مقدّرة ولكنه لم يذكر تلك الجملة الحالية المقدّرة".
والذي يبدو لي أن الرأي مع الزمخشري، وهو أن الواو الداخلة على (لو) الشرطية واو الحال، وليست واو العطف، لأنه ليس هناك ما يصلح أو يحسن أن يكون معطوفًا عليه.
[ ٣٢ / ٢٥٤ ]
لا يصلح أن يكون المعطوف عليه هو جملة ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ لأنها محكية عن المشركين والعطف عليها يجعل المعطوف وهو جملة الاستفهام محكيًّا عنهم، مع أن جملة الاستفهام ليست من كلامهم.
ولا يحسن أن يكون المعطوف عليه جملة شرطية أخرى مخالفة لجملة الشرط المذكورة، فيكون تقدير الكلام معها: أيتبعون آباءهم لو كانوا يعقلون شيئًا ويهتدون، ولو كانوا لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون.
لا يحسن ذلك لأنه تقدير متكلف لا يستدعيه المعنى ولا يتطلبه.
ثم إن الجملة الاستفهامية كلام مستأنق جاء ردًّا على الكافرين وتوبيخًا لهم.
هذا، وقبل أن أنتقل إلى الآية الثانية أحب أن أنقل إليك ملاحظات لأبى حيان تفسيره البحر المحيط [٦] تدل على دقة فهم وحسن تذوق لما جاء في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾، وهذه هي الملاحظات:
١- (وإذا) الواردة في قوله تعالى المتقدم تدل على التكرار، تكرار القول لهم أن يتبعوا ما أنزل الله وتكرار جوابهم برفض هذا الإتباع والإصرار على اتباع آبائهم، وفي هذا دلالة على أن الدعوة إلى الإيمان بالله يجب أن لا تيأس وأن لا تتراجع وأن لا تقف أمام إعراض المدعوين عن الحق وشدة تماديهم في الباطل.
٢- وبُني (قِيل) لما لم يسمّ فاعله لأنه أخصر، فلو ذكر الفاعل وهو الرسول ﷺ ومن يتبعه من المؤمنين لطال الكلام طولًا لا يستدعيه غرض بلاغي.
٣- وقد ذكر لفظ الجلالة (الله) في (ما أنزل الله) للإعلام بعظم ما أمِروا باٍتباعه، فقد نسب إنزاله إلى الله تعالى، فكان ينبغي أن يتلقّى بالقبول وأن لا يُعارَض باتباع آبائهم رؤوس الضلالة.
[ ٣٢ / ٢٥٥ ]
٤- وقد قدِّم العقل في قوله تعالى: ﴿لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ لأن العقل هو الذي تصدر عنه جميع التصرفات، وآخر نفي الهداية في قوله ﴿وَلا يَهْتَدُونَ﴾ لأن ذلك مترتب على نفي العقل، فالهداية للصواب ناشئة عن العقل، وعدم العقل عدم لها.اهـ- مع تصرف بالزيادة والحذف.
الآية الثانية قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ . الآية (١٠٤) من سورة المائدة.
تتضمن هذه الآية الكريمة أن هؤلاء الكفرة المشركين كانوا إذا دعوا إلى دين الله وشرعه واتباع ما أنزل الله في كتابه وما يحكم به رسوله، قالوا يكفينا ما وجدنا عليه آباءنا وما كانوا يعملون به من تحليل وتحريم.
فردّ الله ﷾ عليهم: أيكفيهم ما وجدوا عليه آباءهم وقد كان أولئك الآباء جاهلين لا يعلمون شيئًا من الحق، ضالين لا يهتدون إلى الصواب، هل يكتفي بما كان عليه أولئك الآباء الضالون الجاهلون إلاّ مَنْ هو أجهلُ منهم وأضل سبيلًا؟!!
وقد جاء هذا الاستفهام: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ جاء مفيدًا الإنكار (بمعنى لا ينبغون) ومفيدًا التوبيخ والتعجب:
فقد أنكر الله ﷾ عليهم ووبخهم وتعجب أن يكفيهم ما وجدوا عليه آباءهم من شرك وضلال وجهالة، وأن يجدوا في أعمال آبائهم وسلوكهم وطرائقهم غِنىً عمّا أنزله الله في كتابه من بيان للحق وهدى للناس.
وموضع الإنكار والتوبيخ والتعجب هو الفعل المقدّر بعد الهمزة مع متعلقه، والتقدير: أيكفيهم ما وجدوا عليه آباءهم ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا ولا يهتدون، وقد دلّ على هذا الفعل المقدّر بعد الهمزة الكلام المتقدم عليها.
[ ٣٢ / ٢٥٦ ]
أمّا إعراب هذا الاستفهام فقد سبق إعراب مثله في الآية الأولى، ولا حاجة إلى الإعادة والتكرار.
الآية الثالثة قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ . الآية (٨٨) من سورة الأعراف.
تتضمن هذه الآية الكريمة أن أشراف قوم شعيب الذين استكبروا عن الإيمان بالله وعن الإيمان بأن شعيبًا رسول الله قالوا في عتوّ وغرور وتهديد: لنخرجنّك يا شعيب من قريتنا هذه التي هي موطنك الذي نشأت فيه وترعرعت، لنخرجنّك عقابًا لك على هذه التفرقة التي أحدثتها في صفوفنا، وخشية أن يزداد افتتان الناس بهذا الدين الذي تدعونا إليه، ولست بمخرَج وحدَك، لنخرجنَّ معك هؤلاء الذين آمنوا بالله وصدقوك واتبعوك، أو لتعودن أنت ومن اتبعك في ملتنا التي نحن عليها!!
وقد أجابهم شعيب: أنعود في ملتكم ولو كنّا كارهين لتلك العودة؟! إن هذا لن يكون، وما ينبغي أن يكون!!
وقد جاء هذا الاستفهام: ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ جاء مفيدًا الإنكار (بمعنى لا ينبغي) ومفيدًا النفي: فقد أنكر شعيب ونفى أن يعود هو ومن اتبعه إلى ملة الكفر ملّة أولئك الذين استكبروا عن الإيمان بالله وعن اتباع ما دعاهم إليه.
والواو الواقعة بعد همزة الاستفهام في هذا الاستفهام واو الحال، ولو شرطية غير جازمة، وجواب الشرط محذوف دلّ عليه وأغنى عنه الفعل المقدّر بعد الهمزة، والتقدير: أنعود في ملتكم ولو كنّا كارهين وقد دل على هذا الفعل المقدر بعد الهمزة الكلام المتقدم عليها، وجملة ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ في محل نصب على الحالية، وصاحب الحال الضمير المستتر في الفعل المضارع المقدّر بعد الهمزة وهو (نعود) وهذا الفعل (نعود) هو العامل في الحال وصاحبها. وهو مع متعلقه موضع الإنكار والنفي.
[ ٣٢ / ٢٥٧ ]
الآية الرابعة في قوله تعالى: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ الآيات (٢٩- ٣٣) من الشعراء.
تتضمن هذه الآيات الكريمة جانبًا من المحاجّة التي دارت بين فرعون وموسى ﵇ حين أتى هو وأخوه هارون فرعون فقالا له: إنّا رسول ربّ العالمين.
وفي هذه الآيات يقول فرعون بعد أن هُزم في هذه المحاجّة، يقول استكبارًا عن الحق وتماديًا في الغي مهدًدًا موعدًا: لئن اتخذت يا موسى إلهًا غيري لأجعلنّك من المسجونين الذين لم تنس بعد كيف يسجنون، وفي أي مكان يحشرون، وأي موت يلاقون!!.
قال له موسى معرضًا عن تهديده ووعيده: أتجعلني يا فرعون من المسجونين ولو جئتك بشيء يبيّن صدق ما أقول لك ويشهد أني رسول ربِّ العالمين، قال له فرعون: فأت بذلك الشيء إن كنت صادقًا في أن لك بيّنة تشهد وبرهانًا يؤيّد.
أذن له فرعون أن يأتي بالشيء المبين ظانًّا أنه لا يستطيع أن يبطل ما يجيء به، ولكن موسى فاجأه بما لم يكن يخطر له على بال:
ألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ليس فيه خيال ولا خداع، ونزع يده السمراء من جيبه فإذا هي بيضاء ذات نور وشعاع.
لم يستطع فرعون أمام هاتين المعجزتين اللتين أذهلتاه إلاّ أن يلتفت إلى أشراف قومه ويقول لهم كذبًا وافتراء: ما هذا إلاّ سحر مبين، وإن موسى لساحر عليم. وخوّف قومه بأن موسى يريد بسحره هذا أن يخرجهم من أرضهم وأن يجعلهم غرباء أذلاء.
ثم قال فرعون لقومه وقد أذهلته أدلة موسى الباهرة وأنسته ربوبيته الكاذبة، قال يتودد إلى قومه ويشعرهم أن لهم عنده مقامًا عظيمًا ومنزلة عالية: ماذا تأمرون في موسى، وبماذا تشيرون فيه؟
[ ٣٢ / ٢٥٨ ]
وفي الآيات (٣٦- ٥١) من سورة الشعراء تمام ما حدث بين فرعون وموسى ﵇ أمّا استفهام موسى: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ فهو على تقدير جملة محذوفة بعد الهمزة دلّ عليها الكلام السابق، والتقدير: أتجعلني من المسجونين ولو جئتك بشيء مبين، وهذه الجملة المقدّرة مع متعلقها الحال هي موضع الاستفهام، وهو استفهام حقيقي ساقه موسى إلى فرعون بعد أن استشاط فرعون من غضب وامتلأ من غيظ، وبهذا الاستفهام استطاع موسى أن يخفف من غلواء فرعون وأن يستدرجه إلى الاستماع إليه، فسكت عن فرعون غيظه وغضبه ووعيده، وهدأ ولان وسكن، وأجاب موسى: فأت به إن كنت من الصادقين.
أمّا إعراب هذه الصيغة الاستفهامية: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ فقد مضى إعراب مثلها في الآية الأولى، ولكنني أقول- زيادة في الإيضاح-: همزة الاستفهام داخلة على محذوف دلّ علية الكلام السابق والتقدير: أتجعلني من المسجونين ولو جئتك بشيء مبين، والواو الداخلة على (لو) حالية، و(لو) شرطية جوابها محذوف دلّ عليه وأغنى عنه الجملة المقدّرة بعد الهمزة، والواو وما دخلت عليه في محل نصب على الحال، وصاحب الحال ياء المتكلم في جملة (أتجعلني من المسجونين) المقدّرة بعد الهمزة، والعامل في الحال وصاحبها الفعل المضارع (تجعل) .
الآية الخامسة قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ . الآية (٢١) من سورة لقمان.
تتضمن هذه الآية الكريمة أن أولئك الذين يجادلون في الله عن جهالة وضلال كانوا إذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله على رسوله وصدقوا به، فهو الذي يهدي إلى الحق ويبعد عن الباطل- أبوا هذا الإتباع، وقالوا: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا من عبادة أصنام وحلال وحرام.
[ ٣٢ / ٢٥٩ ]
فردً الله جلّ وعلا عليهم: أيتبعون ما وجدوا عليه آباءهم ولو كان الشيطان يدعو أولئك الآباء إلى ما يكون عقباه عذاب السعير؟!
وقد جاء هذا الاستفهام: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ . جاء مفيدًا الإنكار (بمعنى لا ينبغي) ومفيدًا التوبيخ والتعجب:
فقد أنكر الله ﷾ على أولئك المشركين من كفار مكة وأمثالهم ممن يجادلون في الله ﷿ عن جهل وضلال، أنكر عليهم أن يتبعوا آباءهم في عبادة أصنام وجهالات وضلالات وأباطيل زيّنها الشيطان لأولئك الآباء فقادهم إلى عذاب الجحيم، وأن يتركوا ما أنزل الله ﷿ على رسوله ﷺ من الحق والهدى والرشاد الذي يقود إلى نعيم الجنّة، لقد أنكر الله ﷿ عليهم ذلك ووبخهم عليه وتعجب منه.
وهمزة الاستفهام داخلة على محذوف دلّ عليه الكلام السابق، والتقدير: أيتبعون آباءهم ولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير، وهذا المحذوف المقدّر مع متعلقه هو موضع الإنكار والتوبيخ والتعجب.
الآية السادسة قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ﴾ الآية (٤٣) من سورة الزمر.
تتضمن هذه الآية الكريمة أن المشركين من قريش قد اتخذوا أصنامهم التي يعبدونها من دون الله ويزعمونها آلهة، قد اتخذوها شفعاء تشفع لهم عنده تعالى في حاجاتهم.
قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك: أتتخذون أصنامكم شفعاء ولو كانوا لا يملكون نفعًا ولا ضرًّا ولا شفاعة ولا شيئًا غير ذلك، أتتخذونهم شفعاء ولو كانوا لا يعقلون شيئًا ولا يدركون؟!
[ ٣٢ / ٢٦٠ ]
وقد جاء هذا الاستفهام: ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ﴾ جاء مفيدًا الإنكار (بمعنى لا ينبغي) ومفيدًا التوبيخ والتعجب: فقد أنكر الله ﷾ على المشركين أن يتخذوا من أصنامهم التي لا تملك شيئًا ولا تعقل، أن يتخذوا منهم شفعاء تشفع لهم عنده تعالى، ووبخهم على ذلك الاتخاذ وتعجب منه.
فموضع الإنكار والتوبيخ والتعجب هو الجملة المقدّرة بعد الهمزة مع متعلقها، وتقديرها: أتتخذونهم شفعاء ولو كانوا لا يملكون شيئًا ولا يعقلون. وقد دلّ على هذه الجملة المحذوفة المقدّرة قوله ﴿أم اتخذوا﴾ .
الآية السابعة في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ الآيات (٢٣- ٢٥) من سورة الزخرف.
تتضمن هذه الآيات الكريمة:
لم نرسل يا محمد من قبلك رسولًا إلى قرية يدعو أهلها إلى عبادة الله ويحذرهم من عبادة الأصنام ويخوفهم من سخط الله وعقابه إلاّ قال رؤساؤها المترفون معرضين عمّا جاءهم به ذلك الرسول: إنّا وجدنا آباءنا على ملة وإنّا على آثارهم مقتدون، نفعل كالذي يفعلون ونقول كالذي يقولون، ونعبد ما كانوا يعبدون.
فلم يكن بدعًا يا محمد أن يسلك مشركو قومك طريق من قبلهم مِن أهل الشرك بالله في إجابتهم إياك بما أجابوك به، وفي احتجاجهم بما احتجوا به للإقامة على دينهم الباطل والإستمرار على عبادة الأصنام.
[ ٣٢ / ٢٦١ ]
كان كلّ رسول يقول لأهل القرية التي أرسل إليها بعد أن يجيبوه بأنهم سوف يظلون على دين آبائهم، كان يقوله لهم: أتتبعون آباءكم ولو جئتكم من عند ربكم بدين أهدى إلى طريق الحق وأدل على سبيل الرشاد من دين آبائكم الباطل وملتهم الخاسرة.
كان أهل تلك القرى يقولون لأولئك الرسل الذين أرسلوا إليهم:
إنّا بما أرسلتم به جاحدون منكرون ولو كان أهدى مما وجدنا عليه آباءنا.
لقد انتقمنا من أولئك المكذبين بالرسل، فانظر يا محمد كيف كان عاقبة المكذبين، ولا تكترث بما يفعل المشركون، وسوف يرون أيَّ منقلب ينقلبون!!
وقد جاء هذا الاستفهام ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ جاء مفيدًا الإنكار (بمعنى لا ينبغي) ومفيدًا التعجب:
فقد أنكر الرسل على أقوامهم الكافرين أن يتبعوا دين آبائهم الباطل، وأن يعرضوا عمّا جاؤهم به من الدين الحق، أنكروا على الكافرين ذلك، وعجبوا أن يقلدوا آباءهم تقليدًا أعمى لا يقوم على تفكير سليم، ولا على حجة من كتاب منزل.
وهناك جملة محذوفة مقدَّرة بعد همزة الاستفهام دلّ عليها ما قبل الهمزة والتقدير أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بأهدى ممّا وجدتموهم عليه، وهذه الجملة المحذوفة المقدّرة هي ومتعلقها موضع الإنكار والتعجب.
أختي العزيزة:
أمّا همزة الاستفهام الداخلة على (كلّما) الشرطية فقد وردت في آيتين اثنتين:
الآية الأولى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ . الآية (٨٧) من سورة البقرة.
[ ٣٢ / ٢٦٢ ]
يتضمن هذه الآية الكريمة: يا بني إسرائيل قد نزّلنا التوراة على موسى رسولًا إليكم، وأرسلنا إليكم من بعده الرسل تترى رسولًا بعد رسول، يسيرون على شريعته ومنهاجه، ويعملون بما كان يعمل، ثم بعثنا إليكم من بعدهم عيسى بن مريم يأمركم بإقامة التوراة والعمل بما جاء فيها، وآتيناه الآيات التي تدل على أنه رسول من عند الله إليكم كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وأعطيناه الإنجيل ونصرناه بجبريل، فكنتم كلما جاءكم رسول بما لا تهواه أنفسكم استكبرتم عن الإيمان به واتباعه إحتقارًا له وإعجابًا، بأنفسكم، ففريقًا من هؤلاء الرسل كنتم تكذبون، وفريقًا كنتم تقتلون.
وقد جاء هذا الاستفهام: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ جاء مفيدًا الإنكار (بمعنى لا ينبغي) ومفيدًا التوبيخ والتعجب: فقد أنكر الله ﷾ على بني إسرائيل ووبخهم على تكبرهم على الرسل واحتقارهم إياهم، وعلى قتل من يستطيعون قتله، وعلى تكذيب من لا يستطيعون إلى قتله سبيلًا.
ولقد كانت حالهم هذه التي استحقوا التوبيخ عليها والإنكار من الله ﷿، كانت مدعاة أيضًا إلى التعجب، فقد كانوا سفهاء في استقبالهم دعوة الحق والصدق، جهلاء سفّاكين للدماء في معاملتهم رسل الله الداعين إلى الخير والهدى.
وإعراب هذا الاستفهام: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾:
الفاء الواقعة بعد همزة الاستفهام عاطفة، عطفت الجملة التي بعدها على الجملة التي قبل الهمزة، فكأنه قيل لقد آتيناكم يا بني إسرائيل ما آتيناكم فكلّما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم.
[ ٣٢ / ٢٦٣ ]
و(كلّما) أداة شرط لا تجزم، وهي ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب على الظرفية، وجملة (جاءكم) جملة الشرط، وجملة استكبرتم جملة الجواب، والعامل في كلما هو جوابها، ولا يكون شرطها وجوابها إلاّ فعلًا ماضيًا.
و(كلما) تفيد التكرار: تكرار الشرط وتكرار الجواب [٧] .
وموضع الإنكار والتوبيخ والتعجب هو جواب كلّما مع متعلقه، فموضع الإنكار والتوبيخ والتعجب في هذه الآية الكريمة هو تكبر بنى إسرائيل على الرسل وقتلهم وتكذيبهم كلما جاءوا إليهم.
الآية الثانية التي دخلت فيها همزة الاستفهام على (كلّما) الشرطية جاءت في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلا الْفَاسِقُونَ أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ الآيات: (٩٩- ١٠١) من سورة البقرة.
تتضمن هذه الآيات الكريمة:
لقد أنزلنا إليك يا محمد هذا القرآن مشتملًا على آيات واضحات تبين لعلماء بني إسرائيل وأحبارهم الجاحدين نبوّتك، المكذبين برسالتك، تبين لهم أنك رسول الله حقًا وصدقًا، وما يجحد تلك الآيات الدالة على صدق نبوّتك وصدق رسالتك إلاّ الخارجون منهم من دينهم الكافرون بما اشتملت عليه توراتهم.
ومن قبائح يهود بني إسرائيل أيضًا أنهم كانوا كلّما عاهدوا ربهم عهدًا لَيعملُنَّ به نقض فريق منهم ذلك العهد، ولقد كانت تلك المعاهدات التي يعاهدون عليها الله ثم ينقضونها كثيرة جدًا، حتى لكأنما أصبح إعطاء العهود ثم نقضها سجية فيهم وخليقة. وما كان أولئك اليهود الذين يعاهدون فينقضون قلة في العدد، بل كان أكثرهم يعاهد فينقض ويكفر بالله ورسوله.
[ ٣٢ / ٢٦٤ ]
ولمّا جاء اليهود رسول الله ﷺ من عند الله بتصديق ما اشتملت عليه التوراة التي معهم من أن محمدًا نبي الله- نبذ علماؤهم الذين أعطاهم الله العلم بالتوراة، نبذوا هذه التوراة ورفضوا العمل بما جاء فيها وهو التصديق بمحمد ﷺ.
لقد رفض علماء بني إسرائيل الذين يعلمون ما في التوراة من الأمر باتباع محمد ﷺ وتصديقه، رفضوا التصديق به واتباعه، ورفضوا الوفاء بما عاهدوا الله عليه، كأنهم لا يعلمون التوراة ولا يعلمون ما جاء فيها، وكأنما التوراة لم تخطر لهم على بال.
ولقد جاء هذا الاستفهام: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ جاء مفيدًا الإنكار (بمعنى لا ينبغي) ومفيدًا التوبيخ:
فقد أنكر الله ﷿ على اليهود ووبخهم أن ينقض أكثرهم ما عاهدوا الله عليه مرة بعد مرة وكرة بعد أخرى حتى أصبح نقض العهود خلقًا لازمًا فيهم لا يبرح، وسجية أصيلة لا تنفك.
فموضع الإنكار والتوبيخ هو جواب كلما مع متعلقه: وهو نبذ فريق منهم العهد كلّما عاهدوا الله عليه.
و(عهدًا) في قوله تعالى: ﴿عَاهَدُوا عَهْدًا﴾ مفعول ثان لعاهد، لأن عاهد هنا تضمنت معنى أعطى فتأخذ مفعولين، والمفعول الأول محذوف لدلالة السياق عليه، والتقدير: أو كلّما عاهدوا الله عهدًا.
أختي العزيزة:
أمّا همزة الاستفهام الداخلة على (لمّا) الشرطية فقد وردت في آية واحدة هي قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . الآية (١٦٥) من سورة آل عمران.
[ ٣٢ / ٢٦٥ ]
تتضمن هذه الآية الكريمة أن المؤمنين في معركة أحد قد أصيبوا بأن قَتل المشركون منهم سبعين نفرًا، وكان المؤمنون من قبل قد أصابوا من المشركين في معركة بدر ضعفي ما أصابه المشركون منهم ومع ذلك فقد عظم على المؤمنين ما أصابهم في معركة أحد، فقد هُزموا فيها وكثر فيهم القتلى، فأخذوا يعجبون ويقولون: كيف حدث هذا ونحن مسلمون وهم مشركون وفينا نبي الله وعدوّنا أهل كفر وشرك؟!!
فأمر الله جلّ وعلا رسوله محمدًا ﷺ أن يجيبهم:
هذا الذي أصابكم كان من عند أنفسكم، كان بمخالفة أمري، وبترككم طاعتي، ولم يكن بسبب أحد سواكم، والله ﷾ ذو قدرة على أن يفعل بخلقه ما يريد، فينصر من يشاء، ويمنع النصر عمن يشاء.
وقد جاء هذا الاستفهام: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ جاء مفيدًا لإنكار والتقريع:
الإنكار بمعنى ما كان ينبغي لكم أن تقولوا متعجبين: كيف وقعت هذه المصيبة، ومن أين جاءت، وقد كنتم السبب فيها، فقد تركتم موضع الرماة مخالفين أمر الرسول طامعين في الغنائم.
وجاء مفيدًا التقرح أيضًا على تعجبهم من لحاق الهزيمة بهم وكثرة القتلى منهم، مع أنه لا عجب فيما وقع لهم بعد أن عصوا أمر الرسول ﷺ، وخالفوا عن أمره.
[ ٣٢ / ٢٦٦ ]
أمّا إعراب ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ فالهمزة حرف استفهام، والواو الواقعة بعدها عاطفة عطفت الجملة التي بعدها على ما قبل الهمزة، و(لمّا) أداة شرط لا تجزم مبنية على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية، وهي منصوبة بجوابها (قلتم) أمّا جملة الشرط (أصابتكم) . فهي في محل جر بإضافة (لمّا) إليها. و(أنَّا هذا): (أنَّى) اسم استفهام يفيد التعجب مبني على السكون في محل خبر مقدم، و(هذا) في محل رفع مبتدأ مؤخر، وجملة (أنّى هذا) في محل نصب مفعول به لـ (قلتم) وجملة ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ كما محل رفع صفة لمصيبة.
والقول بظرفية (لمّا) رأي ابن السراج والفارسي وابن جني وجماعة من النحاة منهم ابن مالك [٨]، أمّا سيبويه [٩] فقد ذهب إلى أنها حرف وجود لوجود، وتقتضي جملتين وجدت ثانيتهما عند وجود أولاهما، وهي مختصة بالدخول على الفعل الماضي.
أختي العزيزة "هل":
بهذه الرسالة ينتهي حديثي إليك عن همزة الاستفهام الداخلة على أدوات الشرط، وسوف أحدثك في الرسالة القادمة إن شاء الله تعالى عن همزة الاستفهام الداخلة على الفعل الماضي "رأي".
أسأل الله تعالى أن يعين وأن يسدّد الخطا، وأن يهديني سبيل الرشاد.
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
أختك
همزة الاستفهام
مراجع ما جاء ني هذه الرسالة
المراجع على وجه الإجمال:
١- تفسير أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، الطبعة الثانية، الناشر، الحلبي بمصر.
٢- تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي، الناشر: مكتبة النصر الحديثة بالرياض.
٣- تفسير أبي السعود، الناشر: مكتبة عبد الرحمن محمد بالقاهرة.
٤- تفسير القرطبي: نسخة مصورة عن طبعة دار الكتب المصدرة.
٥- تفسير الفخر الرازي، الطبعة الثانية. الناشر: دار الكتب العلمية بطهران.
[ ٣٢ / ٢٦٧ ]
٦- الفتوحات الإلهية المعروفة بحاشية الجمل على الجلالين، الناشر: الحلبي بمصر.
٧- تفسير ابن كثير، الناشر: الحلبي بمصر.
٨- الكشاف للزمخشري الناشر: الحلبي بمصر.
٩- تفسير البيضاوي ومعه تفسير الجلالين، طبعة ثانية، الناشر: الحلبي بمصر.
١٠- إملاء ما منّ به الرحمن للعكبري، الطبعة الأولى، الناشر: الحلبي بمصر.
١١- مشكل إعراب القرآن لمكي بن أبى طالب، تحقيق محمد السواس، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق.
١٣- مغني اللبيب لأبي هشام الأنصاري، تحقيق الدكتور/ مازن المبارك وزميله الطبعة الثانية، الناشر: دار الفكر.
١٣- شرح الرضى على كافية ابن الحاجب في النحو، نسخة مصورة، الناشر: دار الكتب العلمية: بيروت- لبنان.
١٤- همع الهوامع للسيوطي، نسخة. مصورة، الناشر: دار الصرفة: بيروت.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] إملاء ما مَنّ به الرحمن للعكبري ج ١ص ٧٥.
[٢] البحر المحيط لأبي حيان ج ١ ص ٤٨٠
[٣] مشكل إعراب القرآن لمكي ج ١ ص ٨٠.
[٤] الكشاف للزمخشري ج ١ ص ٣٣٨.
[٥] البحر المحيط لأبي حيان ج ١ ص. ٤٨٠.
[٦] البحر المحيط لأبى حيان ج ١ ص. ٤٨٠.
[٧] البحر المحيط لأبى حيان ج ١ ص ٣٠٠- همع الهوامع ج ٢ص ٧٤، مشكل إعراب القرآن لمكي ج ١ ص ٢٩- شرح الرضي على الكافية ج ٢ ص ١١٤.
[٨] المغني لابن هشام ج ١ ص ٣١٠، همع الهوامع للسيوطي ج ١ ص ٢١٥، شرح الرضي على الكافية ج ٣ ص ١٢٧.
[٩] المغني لابن هشام ج ١ ص ٣١٠، همع الهوامع للسيوطي ج ١ ص ٢١٥، شرح الرضي على الكافية ج ٣ ص ١٢٧.
[ ٣٢ / ٢٦٨ ]