للشيخ عبد الرءوف اللبدي
أستاذ مساعد بكلية الشريعة
أختي العزيزة: (هل):
سوف أحدثك في هذه الرسالة السادسة عشرة عن همزة الاستفهام الداخلة على الفعل الماضي (رأى):
لقد وردت في القرآن الكريم على أربعة أساليب: أسلوب ﴿أَرَأَيْتَ﴾ وأسلوب ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾، وأسلوب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾، وأسلوب ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ .
وقد ذهب سيبويه وجماعة من النحاة إلى أن أرأيت في أساليبها المختلفة إذا جاءت بمعنى أخبرني كانت علمية تنصب مفعولين: المفعول الأول ملتزم فيه النصب، ولا يجوز فيه الرفع على اعتبار تعليق أرأيت، لأن أرأيت بمعنى أخبرني، وأخبرني لا تعلّق، فكذلك ما كان بمعناها، أما المفعول الثاني فجملة استفهامية.
وتفسير (أرأيت) بمعنى أخبرني تفسير معنى لا تفسير إعراب، لأن أخبرني تتعدى بعن فتقول أخبرني عن زيد، أما أرأيت فتتعدى بنفسها إلى مفعوله به صريح، وإلى جملة استفهامية هي في موضع المفعول الثاني.
وقد اعترض على سيبويه كثير من النحاة وخالفوه وقالوا كثيرا ما تعلق (أرأيت)، وفي القرآن الكريم كثير منه، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (الآية٤٠) الأنعام.
وذهب أبو الحسن الأخفش (١) إلى أن ﴿أَرَأَيْتَ﴾ قد تخرج عن معنى أخبرني في بعض أساليبها، فتكون بمعنى أَمّا، أو تنبّه، ولا تنصب مفعولا به ولا مفعولين، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوت﴾ (الآية٦٣) الكهف. فأرأيت هنا (على رأي أبي الحسن) بمعنى أمّا أو تنبِّه.
_________________
(١) البحر المحيط: جـ ٦ ص١٤٦.
[ ٣٢ / ٣١٠ ]
وسوف ألتزم في حديثي عن (أرأيت) في أساليبها المختلفة مذهب سيبويه، فأفسرها بمعنى أخبرني وأعربها على أنها علمية تنصب مفعولين: الأول منصوب، والثاني جملة استفهامية، وإذا لم يذكر أحدهما في الكلام أو لم يذكرا معا قدّرت ما لم يذكر.
والآن أبدأ، وأنا أسأل الله تعالى العون والتوفيق- بالحديث عن أسلوب (أرأيتم) لأنه أكثر ورودا، فقد ورد في إحدى وعشرين آية من آيات القرآن الكريم:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُون﴾ (الآية ٤٦) من سورة الأنعام.
في هذه الآية الكريمة يأمر الله ﷾ رسوله محمدا ﷺ أن يقول للمشركين ما يتضمن:
أخبروني أيها المشركون إن ذهب الله بسمعكم فأصمّكم، وذهب بأبصاركم فأعماكم، وختم على قلوبكم فأماتها، فصرتم لا تفقهون حجة، ولا تفهمون حديثا، أيّ إله غير الله يستطيع أن يردّ إليكم ما أخذه الله منكم.
ما أعجب أمرهم يا محمد!! نتابع عليهم الحجج الكثيرة، ونضرب لهم الأمثال والعبر المختلفة، ولكنهم مع هذا كله يعرضون عن الاعتبار والادّكار والإِنابة إلى الله.
هذا، و﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه هو السمع والأبصار والقلوب، ومتعلق الاستخبار ومناطه الجملة الاستفهامية: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ .
وتقدير الكلام: أخبروني أيها المشركون عن سمعكم وأبصاركم وقلوبكم مَن إله غير الله يأتيكم بها إن أخذها الله منكم.
[ ٣٢ / ٣١١ ]
أما إعراب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ شهي علمية تنصب مفعولين: الأولى محذوف، وتقديره: أرأيتم سمعكم وأبصاركم وقلوبكم، وقد تنازعه ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ و﴿أَخَذَ﴾ تنازعا سمعكم وأبصاركم وقلوبكم، فأعمل الثاني وحذف في الأول. أما المفعول الثاني فالجملة الاستفهامية: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾، وأما جواب الشرط (إن أخذ) فمحذوف لدلالة ما قبله عليه، والتقدير: إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وقلوبكم فأخبروني من يأتيكم بها. أما إعراب ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ فـ ﴿مَنْ﴾ اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، و﴿إِلَهٌ﴾ خبره، و﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ صفة للخبر، وجملة ﴿يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ في محل رفع صفة ثانية للخبر، والضمير ﴿بِهِ﴾ يعود على ما ذكر سابقا، وقد أُفرد وذُكِّر لأنه أجرى مجرى اسم الإشارة المفرد: (ذاك) .
وقد جاء استفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا مفيدا التقريع والتوبيخ والتهديد، والتنبيه:
تقريع المشركين وتوبيخهم على عبادتهم الأصنام وعلى إعراضهم عن عبادة الله المنعم عليهم بالسمع والأبصار والأفئدة.
وتهديدهم بأن يأخذ الله منهم هذه النعم التي أنعم بها عليهم، أن يأخذها منهم جزاء كفرهم، ولن تستطيع أصنامهم أن تردّ عليهم هذه النعم، فالأخذ والعطاء بيد الله وحده.
وتنبيههم على أنه ليس هناك إله غير الله يقدر على أن ينعم عليهم بهذه النعم، وأن يأخذها منهم حين يشاء، فالتعلق بغيره لا ينفع ولا يشفع.
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (الآية ٥٠) من سورة يونس.
في هذه الآية الكريمة يأمر الله ﷾ رسوله محمدا ﷺ أن يقول للمشركين ما يتضمن:
[ ٣٢ / ٣١٢ ]
أخبروني أيها المشركون الذين تستعجلون العذاب، أخبروني عن عذاب الله إن آتاكم ليلا وأنتم نائمون غافلون، أو نهارا وأنتم في طلب المعاش مشغولون، أي شيء تستعجلون منه أيها المجرمون وليس شيء من العذاب يستعجله عاقل؟! فالعذاب كله مرّ المذاق مفزع تنفر منه الطباع، والمجرمون أحق بأن يخافوا التعذيب على إجرامهم، وأن يهلكوا فزعا من ذكره ومن مجيئه وإن أبطأ عليهم، فكيف يستعجلونه؟!
و﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه عذاب الله، ومتعلق الاستخبار ومناطه الجملة الاستفهامية: ﴿مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ .
أما الإِعراب فـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ علمية تنصب مفعولين: الأول محذوف تقديره عذاب الله وقد تنازعه ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ و(أتاكم): أرأيتم يطلبه على أنه مفعول به، وأتاكم يطلبه على أنه فاعل، فأعمل الثاني وحذف في الأول، والمفعول الثاني لأرأيتم هو الجملة الاستفهامية: ﴿مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ والرابط الذي ربطها بالمفعول الأول هو ضمير (منه)، و(بياتا) و(نهارا) منصوبان على الظرفية الزمانية متعلقان بأتاكم، وإعراب ﴿مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾: (ما) استفهامية في محل رفع مبتدأ، و(ذا) بمعنى الذي خبره، وجملة (يستعجل منه المجرمون) صلته، وقد حذف الضمير العائد على الموصول؟ والتقدير: ما الذي يستعجله من العذاب المجرمون. ويجوز أن تكون (ماذا) كلمة واحدة وتكون في محل نصب مفعولا مقدما، ويكون التقدير: أيّ شيء من العذاب يستعجل المجرمون. وجواب الشرط ﴿إِنْ أَتَاكُمْ﴾ محذوف دلّ عليه ما قبله وهو ْ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ ومعمولها، والتقدير: إن أتاكم عذابه فأخبروني ماذا تستعجلون منه أيها المجرمون.
[ ٣٢ / ٣١٣ ]
هذا، وقال الزمخشري في تفسيره الكشاف: "وجواب الشرط ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ﴾ محذوف، وهو تندموا على الاستعجال أو تعرفوا الخطأ فيه "اهـ. وقد ردّ أبو حيان في تفسيره البحر المحيط قول الزمخشري هذا وقال:"وما قدّره الزمخشري غير سائغ، لأنه لا يُقدَّر الجواب إلا مما تقدمه لفظا أو تقديرا، تقول أنت ظالم إن فعلت، فالتقدير إن فعلت فأنت ظالم وكذلك (أيَ مما تقدمه تقديرا) ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ التقدير: إن شاء الله نهتد"اهـ. وقال الزمخشري أيضا عند تفسيره هذه الآية: "ويجوز أن يكون ﴿مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ جوابا للشرط كقولك إن أتيتك ماذا تطعمني"اهـ. وقد ردّ أبو حيان هذا الراقي أيضا بقوله: "وأما تجويزه أن يكون ماذا جوابا للشرط فلا يصحّ، لأن جواب الشرط إذا كان استفهاما فلابد فيه من الفاء، والمثال الذي ذكره وهو إن أتيتك ماذا تطعمني، هو من تمثيله لا من والأم العرب"اهـ.
وقد أفاد استفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا تقريع المشركين وتوبيخهم على استعجالهم العذاب مع أنهم قوم مجرمون، فهم أحقاء أن يخشوه وأن يفزعوا من ذكره، فكيف يستعجلونه. وأفاد أيضا تهديد المشركين بأن الله تعالى قادر على أن ينزل بهم العذاب في أي وقت يشاء.
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُون﴾ (الآية ٥٩) من سورة يونس.
في هذه الآية الكريمة يأمر الله ﷾ رسوله محمدا ﷺ أن يقول للمشركين ما يتضمن:
أخبروني أيها المشركون عما خلق الله لكم من رزق فحرّمتم بعضه على أنفسكم وحللتم بعضه لها، آلله أذن لكم أن تحرّموا ما حرّمتم من هذا الرزق، وأن تحلّلوا ما حلّلتم منه، أم لم يأذن الله لكم فأنتم تكذبون على الله وتفترون.
[ ٣٢ / ٣١٤ ]
و﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم بعضه حراما وبعضه حلالا، ومتعلق الاستخبار ومناطه الجملة الاستفهامية: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُون﴾ .
أما إعراب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فهي علمية تنصب مفعولين: الأول اسم الموصول (ما) والجملة بعد (ما) صلتها، والعائد محذوف، والتقدير: ما أنزله، والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُون﴾، والرابط الذي ربط جملة المفعول الثاني بالأول محذوف، والتقدير: آلله أذن لكم فيه.
وجوّز الزمخشري في تفسيره الكشاف، جوّز في (ما) الموصولة هذه وجها ثانيا وهو أن تكون استفهامية منصوبة المحل على أنها مفعول مقدم لأنزل، وهي حينئذ معلّقة لأرأيتم، والجملة في محل نصب سدّت مسدّ مفعولها.
وقال أبو حيان في تفسيره البحر المحيط "والوجه الأول وهو أن تكونا (ما) موصولة أولى، لأن فيه إبقاء ﴿أَرَأَيْتَ﴾ على بابها من كونها تتعدى إلى الأول فتؤثر فيه، بخلاف جعلها استفهامية، فإن أرأيت إذ ذاك تكون معلّقة، وتكون (ما) قد سدّت مسدّ المفعولين"اهـ.
و﴿قُلْ﴾ الثانية توكيد لفظي للأولى، و(أم) الظاهر فيها أنها متصلة عطفت ما بعدها على ما قبلها، والتقدير: آلله أذن لكم فيه أم لم يأذن.
وجوّز الزمخشري أن تكون منقطعة بمعنى بل أتفترون على الله، أي أنتم تفترون على الله.
وجملة ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا﴾ معطوفة على جملة ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْق﴾ و﴿حَلالًا﴾ مفعول ثان لجعلتم، والمفعول الأول هو ﴿مِنْهُ﴾ باعتبار معناه أي بعضه، والتقدير: فجعلتم بعضه حراما وجعلتم بعضه حلالا.
وقد جاء استفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا مفيدا تقريع المشركين وتوبيخهم على تحريمهم بعض ما رزقهم الله، وتحليلهم بعضا آخر، يفعلون ذلك من عند أنفسهم، ثم ينسبون إلى الله كذبا وافتراء.
[ ٣٢ / ٣١٥ ]
وقد أفاد الإنكار أيضا بمعنى لا ينبغي لكم أن تحرموا ما تحرمون وأن تحلّلوا ما تحلّلون كذبا وافتراء على الله تعالى.
الآية الرابعة: في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ الآيات (٢٥- ٢٨) من سورة هود.
تتضمن هذه الآيات الكريمة أن الله ﷾ قد أرسل نوحا إلى قومه فقال لهم إني رسول الله إليكم أخوفكم من عذاب الله وعقابه، وأبيّن لكم أن لا تعبدوا إلا الله، وأن لا تشركوا به شيئا، وإني لأخشى عليكم أن يعذبكم الله عذابا أليما يوم القيامة إن لم تؤمنوا به وحده وتخلصوا له العبادة.
فقال الكبراء والأشراف الذين كفروا بالله من قوم نوح وجحدوا أنه نبي مرسل: ما نراك يا نوح إلا بشرا آدميا مثلنا، فكيف أُوحي إليك من دوننا؟! وما نراك اتبعك إلا أراذلنا، وما كان اتباعهم لك عن تروٍّ وتدبر وإنعام نظر، وإنما كان رأيا عارضا ابتدرهم أولا ما دعوتهم، ثم ما نرى لكم بعد أن تركتم عبادة الأوثان وصرتم إلى عبادة الله، ما نرى لكم فضالا علينا يغرينا باتباعكم ويحبّب إلينا دينكم الجديد، وما نظنكم إلا كاذبين فيما تدّعونه لأنفسكم من البر والصلاح والعبادة والسعادة في الآخرة التي تتحدثون عنها وتصفون.
[ ٣٢ / ٣١٦ ]
وقد ردّ نوح على قومه ردًّا رفيقا ليّنا بعيدا عن الفظاظة والغلظة، فذلك أبعث على تخفيف ما في قلوبهم من حقد وغلّ وعداوة، وأدعى إلى ترقيق قلوبهم وحسن إصغائهم وتخلّيهم عن التمادي في العناد والمكابرة، قال: يا قوم أرأيتم إن كنت على بيّنة من ربي وآتاني النبوة من عنده رحمة منه تعالى بي وبكم، أنلزمكم قبولها وأنتم لها كارهون؟! لا، لا نفعل ذلك، بل نكل أمركم إلى الله ﷿ يقضى فيكم بما يشاء، إنه الهادي إلى سواء السبيل.
هذا، و﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا بمعنى أخبروني والمستخبر عنه هو البيّنة، ومتعلق الاستخبار ومناطه الجملة الاستفهامية، والتقدير: أخبروني عن البينة من ربي إن كنت عليها أنلزمكم قبولها وأنتم لها كارهون.
أما إعراب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فهي علمية تنصب مفعولين: وقد تنازع ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ وفعل الشرط ﴿كُنْتُ﴾، تنازعا ﴿بَيِّنَةٍ﴾ فأرأيتم يطلبها منصوبة على أنها مفعول به، وفعل الشرط يطلبها مجرورة بعلى، فأعمل الثاني وحذف في الأول، والجملة الاستفهامية: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ هي المفعول الثاني لأرأيتم، وجواب (إِنْ) الشرطية محذوف دلّ عليه وأغنى عنه أرأيتم ومفعولها، والتقدير: إن كنت على بيّنة من ربي وآتاني رحمة من عنده فأخبر وني عنها أنلزمكموها وأنتم لها كارهون.
وإعراب ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾: الهمزة حرف استفهام، ونُلزم مضارع ألزم وهو متعد إلى مفعولين: الأول ضمير المخاطبين (كمو)، والثاني الضمير (ها) العائد على البيّنة، وجملة ﴿وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ في محل نصب على الحال من ضمير المخاطبين (كمو)، والجملة الاستفهامية كلها سبق القول إنها المفعول الثاني لأرأيتم.
[ ٣٢ / ٣١٧ ]
وقد جاء استفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا مفيدا التنبيه: تنبيه نوح قومه على أن النبوة التي آتاه الله تعالى إياها رحمة به وبهم لا يُلزمهم قبولها ولا يُكرههم على الإيمان بها، وإنما عليه أن يبلغها إليهم، والله تعالى وحده هو الذي يتولى حسابهم وهو الهادي إلى سبيل الرشاد.
الآية لخامسة: في قوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِير﴾ الآيات: (٦١-٦٣) من سورة هود.
تتضمن هذه الآيات الكريمة أن الله ﷾ أرسل النبيّ صالحا إلى قومه ثمود فقال لهم: يا قوم اعبدوا الله وحده لا شريك له، وليس هناك من إله يستحق العبادة غيره، فهو الذي خلقكم من الأرض وجعلكم قادرين على عمارتها، فاطلبوا منه تعالى أن يغفر لكم ذنوبكم بالإِيمان به وإخلاص العبادة له، واتباع ما أرسلت به إليكم، ثم اطلبوا منه أن يتوب عليكم بترك ما يكرهه من الأعمال إلى ما يرضاه ويحبه، إن الله قريب ممن أخلص له العبادة ورغب إليه في التوبة، مجيب له إذا دعاه.
فقالت ثمود لصالح: يا صالح لقد كنا نرجو أن تكون فينا مقدَّمًا مسوَّدًا قبل أن تقول لنا: ما لكم من إله غيره، أما بعد هذا فلا، أتنهانا أن نعبد الآلهة التي كان آباؤنا يعبدونها من قبل؟!
[ ٣٢ / ٣١٨ ]
ولكن صالحا ردَّ على قومه ردًّا ليّنا بعيدا عن الفظاظة والغلظة، دون أن يستفزّه ما في جوابهم من جفوة وتكذيب:
قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بيّنة من ربي وآتاني منه النبوة، فمن ذا الذي يدفع عنى عقابه إن أنا عصيته فلم أبلغكموها واتبعتكم فيما تدعونني إليه من الكفر، إنكم لا تزيدونني حين أتباعكم إلا خسرانا وضياعا لما أنعم الله عليّ من رحمته.
والتعبير بحرف الشك (إِنْ) في قول صالح لقومه: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ وفي قول نوح لقومه في الآية السابقة: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ وفي قول شعيب لقومه في الآية التالية: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾، تعبير هؤلاء الأنبياء بهذا الحرف (إِنْ) الذي كثيرا ما يستعمل في شك المتكلم في الفعل الواقع بعده، تعبير هؤلاء الأنبياء بهذا الحرف في مخاطبتهم لأقوامهم مع أنهم كانوا على يقين من أنهم على بينة من ربهم، لأنهم كانوا يخاطبون قوما جاحدين، ففيه رعاية لحسن المحاورة، واستنزال عن العناد والمكابرة، واستدراج لطيف لهؤلاء المشركين لعلهم يذّكرون.
و﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه هو البينة، ومتعلق الاستخبار ومناطه الجملة الاستفهامية: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾، والتقدير: أخبروني عن البينة من ربي إن كنت عليها فمن ينصرني من الله إن عصيته فلم أبلغكموها وكتمتها عنكم.
[ ٣٢ / ٣١٩ ]
أما إعراب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فهي علمية تنصب مفعولين: الأول هو البينة، على نحو ما مرّ في قول نوح لقومه: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ في الآية الثامنة والعشرين من سورة هود. وأما المفعول الثاني فهو الجملة الاستفهامية: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ والرابط الذي ربط المفعول الثاني بالأول مقدر، والتقدير: فمن ينصرني من الله إن عصيته بكتمانها.
وكون الجملة الاستفهامية هذه هي المفعول الثاني لـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ رأي نقله صاحب الفتوحات الإلهية، وعلى هذا الرأي تكون الفاء الداخلة على الجملة الاستفهامية زائدة للتوكيد، وَعلى هذا الرأي أيضا يكون جواب الشرط ﴿إِنْ كُنْتُ﴾ محذوفًا دل عليه ما قبله، والتقدير: إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فأخبروني عنها من ينصرني من الله إن عصيته بكتمانها.
وقد ذهب أبو حيان في تفسيره البحر المحيط إلى أن الجملة الاستفهامية: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ واقعة في جواب الشرط، وليست هي المفعول الثاني لأرأيتم، وفى رأيه أن المفعول الثاني محذوف دل عليه هذه الجملة الاستفهامية وقدّره: أأعصيه في ترك ما أنا عليه من البينة.
أما الرأي القائل: إن الشرط والجملة الاستفهامية الواقعة في جوابه، يسدّان مسدَّ مفعولي ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ .
فقد ردّه أبو حيان، وقال: إن الشرط وجوابه لا يقعان ولا يسدّان مسدّ مفعولي ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ .
وذهب أبو الحسن الأخفش إلى أن ﴿أَرَأَيْتَ﴾ إذا جاء بعدها الشرط، وجاء بعد الشرط جملة استفهامية مقترنة بالفاء كما في هذه الآية- تكون حينئذ بمعنى أمّا ولا يكون لها مفعولان ولا مفعول واحد.
وقد ردّ أبو حيان في تفسيره البحر المحيط هذا الرأي بأنه إخراج أرأيت عن مدلولها بالكلية.
[ ٣٢ / ٣٢٠ ]
الآية السادسة: في قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ الآيات: (٨٤-٨٨) من سورة هود.
تتضمن هذه الآيات الكريمة أن الله ﷾ قد أرسل إلى قوم مدين أخاهم شعيبا فقال: يا قوم اعبدوا الله وحده لا شريك له وانبذوا عبادة الأصنام، فليس لكم من إله يستحق العبادة سوى الله. ولا تنقصوا الناس حقوقهم إذا كلتم لهم أو وزنتم، إني أراكم في سعة من العيش وكثرة من المالي تغنيكم عن هذا التطفيف في المكيال والميزان.
وإني أخاف عليكم من جراء عبادتكم الأصنام وهذا التطفيف أن ينزل الله بكم عذاب يوم يحيط بكم من كل جانب فلا ينجو منه أحد.
[ ٣٢ / ٣٢١ ]
ويا قوم أوفوا الكيل والميزان حقهما بالعدل والقسط، سواء أكان الكيل والوزن لكم أم عليكم، ولا تبخسوا الناس أشياءهم سواء أكانت هذه الأشياء مما يكال أو يوزن أو يذرع أو يعدّ أم كانت غير ذلك. ويا قوم لا تسعوا في الأرض مفسدين مصالح الآخرين. هذه البقية التي تبقى لكم من الكسب الحلال- وإن قلّت- خير لكم من كثير تبقونه لأنفسكم بالتطفيف، خير لكم عند الله ثوابا، وأحسن عقبى إن كنتم مؤمنين. ويا قوم ما أنا عليكم بحفيظ أحفظ عليكم أعمالكم وأجازيكم عليها، وإنما عليّ أن أبلغكم رسالة ربي وأن أنصح لكم بما يرضى الله، وقد فعلت وأعذرت حين أنذرت.
فقال قوم شعيب: أصلاتك يا شعيب تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا من الأوثان والأصنام، وتأمرك أن لا نتصرف في أموالنا كما نشاء؟! إنك لأنت الحليم الذي لا يستفزه الغضب، وإنك لأنت الرشيد الذي لا يركبه الجهل والطيش!! وما كنّا لنتوقع أن تأمرنا بأن نخرج على دين آبائك وأجدادك، وتنهانا عما نهيت فلا نربح في تجاراتنا إلا القليل!!
فقال لهم شعيب: يا قوم أرأيتم إن كنت نبيًّا مرسلا من الله تعالى إليكم لأدعوكم إلى عبادته تعالى وحده وأنهاكم عن عبادة الأصنام، وأحذركم التطفيف وكسب أموال الناس بالباطل، ورزقني الله رزقا حلالا طيبا، أيحق لي بعد ذلك أن أكتم الرسالة وأن أترك تبليغ ما أمرني ربي ﷿ أن أبلغكموه، وأن أضل ضلالكم فأعبد ما تعبدون وأكسب الحرام كما تكسبون، لا، لا يحق لي ذلك، إني أخاف الله رب العالمين، فما كنت لأنهاكم عن أمر أركبه وآتيه، وما أريد فيما آمركم به وأنهاكم عنه إلا إصلاحكم وإصلاح أموركم ما استطعت إلى ذلك سبيلا، وما توفيقي فيما أحاول من هذا الِإصلاح إلا بالله، فهو المعين على ذلك، وعلى الله أتوكل وإليه أنيب.
[ ٣٢ / ٣٢٢ ]
هذا، و﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه هو البينة، ومتعلق الاستخبار ومناطه جملة استفهامية مقدرة، والتقدير: أخبروني عن البينة الواضحة والنبوة الصادقة التي آتانيها الله أيحق لي أن لا أبلغكموها وأن لا أعمل بمقتضاها؟!
أما إعراب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فهي علمية تنصب مفعولين: المفعول الأول محذوف وهو البيّنة (وقد سبق بيان ذلك في الآية الثامنة والعشرين من سورة هود وهي الآية الرابعة من آيات هذه الرسالة) . والمفعول الثاني محذوف أيضا وهو جملة استفهامية يدل عليها المعنى والسياق وتقديرها: أيحق لي أن أكتمها وأن لا أبلغكموها.
أما جواب الشرط ﴿إِنْ كُنْتُ﴾ فمحذوف، وقد دلّ عليه وأغنى عن ذكره ما تقدم عليه وهو أرأيتم ومعمولها والتقدير: إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا فأخبروني أيحق لي أن أكتمها وأن لا أبلغكموها.
وقد جاء استفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا مفيدا التنبيه: تنبيه شعيب قومه على أن النبوة التي آتاه الله إياها وأن الرسالة التي أمره الله بتبليغها بأن يدعوهم إلى عبادة الله وحده، وإلى ترك عبادة الأصنام، وإلى الكف عن تطفيف الكيل والميزان، لا يحق له أن يكتمها وأن يترك تبليغها، وأن يضل ضلالهم الذي ليس وراءه ضلال.
[ ٣٢ / ٣٢٣ ]
الآية السابعة: في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِين وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ الآيات: (٦٩-٨٢) من سورة الشعراء.
أمر الله ﷾ نبيّه محمدا ﷺ أن يقص على قومه المشركين نبأ إبراهيم الذي تضمنته هذه الآيات الكريمة، وقد تضمنت:
قال إبراهيم لأبيه وقومه: أي شيء تعبدون؟ فقالوا له: نعبد أصناما فنظل على عبادتها عاكفين، فقال لهم إبراهيم: أتسمع هذه الأصنام التي تعبدونها دعاءكم إذ تدعون؟ وهل تستطيع هذه الأصنام أن تنفعكم أو تضركم إن أرادت لكم النفع أو أرادت بكم الضر؟ فأجابوا: هم لا يسمعوننا إذا دعوناهم ولا ينفعوننا شيئا ولا يضرون، ولكننا عبدناهم لأننا وجدنا آباءنا من قبلنا يعبدون هذه الأصنام فاتبعناهم واقتدينا بهم وفعلنا مثل ما كانوا يفعلون.
[ ٣٢ / ٣٢٤ ]
فقال لهم إبراهيم: أفرأيتم هذه الأصنام التي تعبدونها أنتم وآباؤكم الأولون، إنها عدوّ لي وأنا بريء مما تعبدون، ولا أعبد إلا رب العالمين الذي خلقني فهو يهديني، وهو الذي يطعمني ويسقيني، وإذا مرضت فهو يشفيني، وهو الذي يميتني ثم يحييني، وهو الذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الحساب. إن الذي يفعل هذه الأفعال هو الذي يستحق أن يكون إلها يعبد، أما أصنامكم هذه التي اتخذتموها آلهة فلا تستحق العبادة، إنها لا تملك نفعا ولا ضرا، ولا تستطيع شيئا.
هذا، و﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه هو اسم الموصول: ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾، ومتعلق الاستخبار ومناطه جملة استفهامية مقدرة يدل عليها المعنى والسياق، والتقدير: أخبروني عن الأصنام التي تعبدونها أنتم وآباؤكم الأقدمون أيستحقون أن تعبدوهم.
أما إعراب (أرأيتم) فهي علمية تأخذ مفعولين: الأول اسم الموصول ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ والثاني جملة استفهامية مقدرة: (أيستحقون أن تعبدوهم) .
وقد أفاد استفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ التنبيه: تنبيه إبراهيم أباه وقومه على أنهم يعبدون آلهة لا تضر ولا تنفع، ولا تعقل ولا تسمع، ولذلك فهولا يحبها وإنما يحب أن يعبد إلها قادرا على كل شيء هو رب العالمين. نبههم على ذلك لعلهم يتبيّنون أنهم على خطأ وأن آباءهم من قبلهم كانوا على خطأ.
ولا يخلو هذا الاستفهام من تودّد وملاطفة واستدراج للوصول إلى الغرض وهو الإيمان بالله والإِعراض عن عبادة الأصنام. وقد كان هذا سبيل الأنبياء نوح وهود وشعيب في الآَيات المتقدمة حين خاطبوا أقوامهم ب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾
الآية الثامنة: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ﴾ الآية (٧١) من سورة القصص.
[ ٣٢ / ٣٢٥ ]
في هذه الآية الكريمة يأمر الله ﷾ نبيّه محمدا ﷺ أن يقول للمشركين ما يتضمن:
أخبروني أيها المشركون عن الليل إن جعله الله عليكم مستمرا متواصلا لا يعقبه نهار إلى يوم القيامة مَنْ إله غير الله يأتيكم بضياء بعده تبصرون فيه معايشكم ويصلح فيه نباتكم وثماركم.
أفلا تسمعون هذا الكلام سماع فهم وندبر فتدركوا أن لا إله يستحق العبادة إلا الله.
و﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه هو الليل، ومتعلق الاستخبار ومناطه هو الجملة الاستفهامية: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء﴾ . وتقدير الكلام: أخبروني- أيها المشركون- عن الليل إن جعله الله عليكم مستمرا لا ينقطع إلى يوم القيامة مَنْ إله غير الله يأتيكم بضياء بعده تصلح به حياتكم.
أما إعراب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فهي علمية تأخذ مفعولين: الأول محذوف وهو الليل، وقد تنازعه ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ و﴿جَعَلَ﴾، فكل منهما يطلبه على أنه مفعول به، فأُعمل الثاني وهو (جعل) وحذف في الأول، والمفعول الثاني لـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هو الجملة الاستفهامية: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء﴾ والرابط الذي يربط هذه الجملة الاستفهامية بالمفعول الأول ضمير محذوف، والتقدير: من إله غير الله يأتيكم بضياء بعده.
[ ٣٢ / ٣٢٦ ]
و﴿جَعَلَ﴾ إذا كانت بمعنى صيّر أخذت مفعولين، فيكون الليل هو المفعول الأول، و﴿سَرْمَدا﴾ هو المفعول الثاني، وإذا كانت بمعنى خلق وأنشأ أخذت مفعولا به واحدا هو الليل، ويكون ﴿سَرْمَدا﴾ حالا منه. وجواب الشرط (إن جعل) محذوف دلّ عليه ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ ومعمولها، والتقدير: إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة فأخبروني عنه مَنْ إله غير الله يأتيكم بضياء بعده. وإعراب ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء﴾: (مَنْ) اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، و﴿إِلَهٌ﴾ خبره، و﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ صفة أولى لإِله، وجملة ﴿يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء﴾ في محل رفع صفة ثانية لإِله. وقد سبق أن هذه الجملة الاستفهامية كلها في محل نصب مفعول ثان لـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ .
واستفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ في هذه الآية الكريمة يفيد التوبيخ: توبيخ المشركين على عبادتهم غير الله وتركهم عبادة الله الذي يعلمون أنه هو الذي يأتيهم بالضياء بعد الليل ليبتغوا فيه من فضله.
ويفيد أيضا التنبيه: تنبيه المشركين على أن الله وحده هو الذي يقدر على أن يأتي بالنهار بعد الليل ليبتغوا فيه من فضله، وأن أصنامهم التي يعبدونها من دون الله لا تقدر على ذلك. فعليهم أن يسمعوا آية الله هذه وأن يتدبروها فينصرفوا عن عبادة الأصنام، ويجعلوا عبادتهم خالصة لله الذي أنعم عليهم بهذه النعمة العظمى.
الآية التاسعة: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ الآية (٧٢) سورة القصص.
في هذه الآية الكريمة يأمر الله ﷾ رسوله محمدا ﷺ أن يقول للمشركين ما يتضمن:
[ ٣٢ / ٣٢٧ ]
أخبروني أيها المشركون عن النهار إن جعله الله عليكم مستمرًّا متواصلا لا يعقبه ليل إلى يوم القيامة مَنْ إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه وتستريحون من عناء طلب المعاش الذي كان في النهار، أفلا تبصرون في اختلاف الليل والنهار عليكم رحمة من الله لكم، وحجة منه عليكم، فتعلموا أن العبادة لا تجب إلا لمن أنعم عليكم بذلكم، ولمن هو القادر عليه.
و﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه هو النهار، ومتعلق الاستخبار ومناطه الجملة الاستفهامية، وتقدير الكلام: أخبروني- أيها المشركون عن النهار إن جعله الله عليكم سرمدا إلى يوم القيامة مَنْ إله غير الله يأتيكم بليل بعده تسكنون فيه.
أما إعراب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ وما بعدها فقد سبق مثله في الآية التي قبل هذه.
وأما استفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا فيفيد التوبيخ: توبيخ المشركين على عبادتهم غير الله وتركهم عبادة الله الذي يعلمون أنه هو الذي يأتيهم بالليل من بعد النهار ليجدوا فيه السكينة والطمأنينة، فالله وحده هو الذي يستحق العبادة.
ويفيد أيضا التنبيه: تنبيه المشركين على أن الله وحده هو الذي يقدر على أن يأتيهم بالليل من بعد النهار ليسكنوا فيه ويذوقوا طعم الراحة، فعليهم أن يبصروا آية الله هذه وأن يتدبروها، فيعرضوا عن عبادة الأصنام، ويخلصوا العبادة لله الذي أنعم عليهم بهذه المنة الكبرى.
الآية العاشرة: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلاَّ غُرُورًا﴾ الآية (٤٠) من سورة فاطر.
في هذه الآية الكريمة يأمر الله ﷾ رسوله محمدا ﷺ أن يقول للمشركين ما يتضمن:
[ ٣٢ / ٣٢٨ ]
أخبروني- أيها المشركون- عن هؤلاء الذين تزعمونهم شركاء لله وتدعونهم من دونه، أخبروني أي شيء من الأرض استبدوا بخلقه، أم لهم شركة مع الله في خلق السموات، أم أن الله تعالى آتاهم كتابا من عنده فهم على حجة وبرهان منه بأنه تعالى قد اتخذهم شركاء له.
إن رؤساء الكفر والشرك حين يقولون لأتباعهم إن هذه الأصنام التي نعبدها شفعاء لنا عند الله، حين يقولون لهم ذلك إنما يقولون أباطيل تغرّ وتخدع.
و﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه شركاؤهم الذين يدعونهم من دون الله، ومتعلق الاستخبار ومناطه الجملة الاستفهامية: ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ﴾، وتقدير الكلام: أخبروني عن هؤلاء الشركاء الذين تدعونهم من دون الله ماذا خلقوا من الأرض.
أما إعراب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فهي علمية تتعدى إلى مفعولين: الأول شركاءكم، والثاني الجملة الاستفهامية ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ﴾، وعلى هذا الِإعراب تكون جملة ﴿أَرُونِي﴾ معترضة بين المفعولين لتأكيد الكلام وتقويته، ويحتمل أن يكون ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ و﴿أَرُونِي﴾ قد تنازعا الجملة الاستفهامية فأعمل الثاني وحذف الأول.
وقد ذهب الزمخشري في تفسيره الكشاف إلى أن ﴿أَرُونِي﴾ بدل من ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ . ولم يرتض أبو حيان في تفسيره البحر المحيط هذا الرأي وردّه من وجوه عدة، وقد حاول الألوسي في تفسير روح المعاني الانتصار لرأي الزمخشري هذا، ولكن هذه الرسالة لا تتسع لذاك الردّ وهذا الانتصار.
واستفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ في هذه الآية الكريمة يفيد التنبيه والتوبيخ: تنبيه المشركين على خطئهم في اتخاذهم الأصنام شركاء لله، فالاستفهام يلفت أنظارهم إلى أن هذه الأصنام لم تكن شريكا لله في خلق شيء من الأرض، ولا في خلق شيء في السموات، ولم ينزل كتاب من عند الله يثبت هذه الشركة، فأنى يكونون شركاء لله؟!!
[ ٣٢ / ٣٢٩ ]
ويفيد أيضا توبيخ هؤلاء المشركين وتقريعهم على اتخاذهم الأصنام شركاء لله تعالى وهم لا يقدرون على شيء، مع أن الله ﷻ على كل شيء قدير.
الآية الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ الآية (٣٨) من سورة الزمر.
تتضمن هذه الآية الكريمة: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين الذين يعبدون الأصنام: مَنْ خلق السموات والأرض، ليقولن خلقهن الله.
وفي هذه الآية الكريمة يأمر الله ﷾ رسوله محمدا ﷺ أن يقول للمشركين ما يتضمن: أخبروني- أيها المشركون- عن هذه الأصنام التي تدعونها من دون الله وتعبدونها هل هن قادرات- إن أرادني الله بضر- أن يكشفن ذلك الضر وهل هن قادرات - إن أرادني الله برحمة- أن يمسكن عني تلك الرحمة.
وإذا كانت هذه الأصنام لا تملك نفعا ولا ضرا، فالله الذي خلق السموات والأرض وهو القادر على كل شيء هو وحده الذي يستحق أن يفرد بالعبادة، وهو حسبي في إصابة الخير ودفع الضر، وعليه وحده يتوكل كل متوكل، لأن الأمر كله بيده جل وعلا.
و﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه ﴿مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ومتعلق الاستخبار ومناطه الجملة الاستفهامية: ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّه﴾، ﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِه﴾، وتقدير الكلام: أخبروني- أيها المشركون- عن هذه الأصنام التي تدعونها من دون الله، هل هن كاشفات الضر عنى إن أرادني الله بضر، وهل هنّ ممسكات الرحمة عني إن أرادني الله برحمة.
[ ٣٢ / ٣٣٠ ]
أما إعراب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فهي علمية تتعدى إلى مفعولين: المفعول الأول اسم الموصول ﴿مَا تَدْعُونَ﴾، والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: هل هن كاشفات ضره، هل هن ممسكات رحمته. والرابط الذي يربط المفعول الثاني بالأول ضمير ﴿هُنَّ﴾ وقد أُنث بالنظر إلى المعنى المراد من ﴿مَا تَدْعُونَ﴾ وهو الأصنام، وكثيرا ما كانوا يسمونها بأسماء الإناث كاللات والعزى ومناة.
وجواب الشرط ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرّ﴾، ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَة﴾ محذوف يدل عليه ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ ومعمولها وتقديره: فأخبروني هل هن كاشفات ضره أو ممسكات رحمته.
واستفهام ﴿أَفَرَأَيْتُمْ﴾ هنا يفيد التنبيه والتوبيخ:
تنبيه المشركين على خطئهم في اتخاذهم الأصنام آلهة تعبد من دون الله، فالاستفهام يلفت أنظارهم إلى أن أصنامهم التي يعبدونها لا تدفع ضرا ولا تجلب نفعا، وإذن فهي لا تستحق العبادة ولا الألوهية، وأن الذي يستحق العبادة دون غيره هو الله وحده.
ويفيد تقريع المشركين وتوبيخهم على عبادتهم أصناما لا قدرة لها على الخير ولا على الشر، على حين يكفرون بوحدانية الله تعالى وإخلاص العبادة له وهو القادر على كل شيء القاهر فوق عباده.
الآية الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ الآية (٥٢) من سورة فصلت.
تتضمن هذه الآية الكريمة أن الله ﷾ أمر رسوله ﷺ أن يقول للمشركين المكذبين بالقرآن الكريم ما يتضمن:
أرأيتم إن كان هذا القرآن الذي تكذبون به قد جئتكم به من عند الله ثم كفرتم به من غير نظر ولا اتباع دليل، أرأيتم أحدا أضل منكم، لا أحد أضل منكم أيها المكذبون الذين أبعدتم في الشقاق وأوغلتم في العداوة.
[ ٣٢ / ٣٣١ ]
و﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه هم المخاطبون المكذبون بالقرآن، ومتعلق الاستخبار ومناطه هو الجملة الاستفهامية: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ . وتقدير الكلام: أخبروني- أيها المشركون- عن حالكم إن كان هذا القرآن من عند الله ثم كفرتم به- من أضل منكم.
أما إعراب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فهي علميه تأخذ مفعولين: المفعول الأول- في رأي أبي حيان- محذوف، وتقديره: أرأيتم أنفسكم، والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيد﴾، والرابط الذي ربط المفعول الثاني بالمفعول الأول هو اسم الموصول ﴿مَنْ﴾ الذي خلف الضمير، إذ المعنى مَنْ أضل منكم.
أما جواب الشرط إِنْ ﴿كَانَ﴾ فمحذوف يدل عليه ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ ومعمولها، والتقدير: إن كان من عند الله ثم كفرتم به فأخبروني من أضل منكم.
ويفيد استفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا توبيخ المشركين وتقريعهم على كفرهم بالقرآن أن يكون من عند الله دونما تبصر وتدبر، دونما دليل عقلي أو نقلي.
ويفيد أيضا تنبيه المشركين على أن إنكارهم أن يكون القرآن من عند الله لم يكن مبنيا على دليل عقلي أو نقلي أو ناشئا عن بعد نظر وطول تدبر وإنما كان ضلالا وعنادا.
الآية الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ الآية (٤) من سورة الأحقاف.
في هذه الآية الكريمة يأمر الله ﷾ رسوله محمدا ﷺ أن يقول للمشركين ما يتضمن:
[ ٣٢ / ٣٣٢ ]
أخبروني- أيها المشركون- عن هذه الأوثان التي تعبدونها من دون الله، أخبروني أيّ شيء خلقوا من الأرض فيكون لكم بذلك حجة في عبادتكم إياها، أم كان لهذه الأصنام مشاركة في خلق السموات فيكون لكم بذلك حجة في تلك العبادة؟!!
ائتوني أيها المشركون بكتاب من عند الله جاء قبل هذا القرآن يشهد بصحة ما أنتم عليه من عبادة غير الله، أو ائتوني ببقية من علم الأولين تثبت ذلك.
إن كنتم أيها المشركون صادقين فيما تدعون فهاتوا برهانكم فإن الدعوى بدون دليل لا تغني من الحق شيئا.
و﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه ﴿مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، ومتعلق الاستخبار ومناطه الجملة الاستفهامية: ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْض﴾ . والمعنى: أخبروني أيها المشركون محن هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله، أي شيء خلقت من الأرض فاستحقت به أن تعبد.
أما أعراب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فهي علمية تأخذ مفعولين: الأول اسم الموصول ﴿مَا﴾ في ﴿مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، والثاني الجملة الاستفهامية: ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْض﴾، و﴿أَرُونِي﴾ جملة معترضة بين المفعولين مؤكدة لأرأيتم، لأنهما على معنى واحد: فأرأيتم بمعنى أخبروني، وأروني بمعنى أخبروني.
ويجوز في ﴿أَرُونِي﴾ أن لا تكون معترضة، وحينئذ تكون المسألة من باب التنازع: فأرأيتم وأروني تنازعا الجملة الاستفهامية: ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْض﴾ فأرأيتم تطلبها على أنها مفعولها الثاني، أروني تطلبها كذلك على أنها المفعول الثاني لها، فأعمل الثاني، وحذف في الأول. وأما إعراب ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْض﴾ فقد مرّ في إعراب الآية العاشرة. وقد جاء استفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا مفيدا التقريع والتوبيخ ومفيدا التنبيه:
[ ٣٢ / ٣٣٣ ]
تقريع المشركين وتوبيخهم على عبادتهم غير الله مع علمهم أن الأصنام وغير الأصنام مما يعبد من دون الله ليست على شيء تستحق به أن تعبد، فهي لم تخلق شيئا في الأرض ولا شيئا في السماء، ولم يُنزَّل بصحة عبادتها كتاب من عند الله، ولم يؤثر عن الأولين ما يثبت صحة تلك العبادة.
وقد نبّه هذا الاستفهام المشركين ولفت أنظارهم إلى أن هذه الأصنام التي يعبدونها لم تخلق شيئا في الأرض ولا شيئا في السموات، ولم تثبت صحة عبادتها في كتاب منزل ولا في علم أُثِر عن الأولين، فكيف تصح عبادتها، وبأي شيء تستحق هذه العبادة؟!
الذي يستحق العبادة هو الذي خلق الأرض السموات وحده، والذي أُنزلت الكتب من لدنه تثبت وحدانيته جلّ وعلا.
الآية الرابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ الآية (١٠) من سورة الأحقاف.
في هذه الآية الكريمة يأمر الله ﷾ نبيّه محمدا ﷺ أن يقول للمشركين الكافرين بالقرآن ما يتضمن:
أخبروني أيها الكافرون- إن كان هذا القرآن س عند الله وكذبتم به وشهد شاهد عظيم الشأن من بنى إسرائيل على التوراة التي هي مثل القرآن في أنها من عند الله، فآمن هذا الشاهد بالقرآن أنه من عند الله، واستكبرتم أنتم عن الإيمان به، أخبروني من أظلم منكم؟! إن الله لا يهدى القوم الظالمين الذين يظلمون أنفسهم فيكذبون بالقرآن وبمن أنزل عليه هذا القرآن.
و﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه محذوف، ومتعلق الاستخبار ومناطه جملة استفهامية محذوفة أيضا، والتقدير: أخبروني عن حالكم- إن كان هذا القرآن من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بنى إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم- ألستم ظالمين.
[ ٣٢ / ٣٣٤ ]
أما إعراب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فهي علمية تنصب مفعولين، وقد حذفا لدلالة المعنى عليهما، وتقديرهما: أرأيتم حالكم ألستم ظالمين، فحالكم هو المفعول الأول، والجملة الاستفهامية: (ألستم ظالمين) هي المفعول الثاني. وجواب الشرط ﴿إِنْ كَانَ﴾ محذوف، يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ . وقدّره أبو حيان: فقد ظلمتم.
وفي جواب الشرط هذا آراء أخرى ذكرها أبو حيان في تفسيره البحر المحيط، وذكرها صاحب الفتوحات الإلهية في حاشيته على تفسير الجلالين (١)، ولكن هذه الرسالة لا تتسع لذكرها، ولا طائل تحتَها.
وجيء في الشرط ﴿إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ بحرف (إِنْ) الذي من شأنه أن يكون في الشرط غير المجزوم بوقوعه مراعاة لحال المخاطبين على نحو ما سبق بيانه (في الآية الخامسة من آيات هذه الرسالة) في قول الأنبياء: نوح وصالح وشعيب لأقوامهم: ﴿إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ مع أنهم كانوا على يقين من تلك البينة.
واستفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا يفيد توبيخ المشركين على كفرهم بالقرآن أن يكون من عند الله مع أنه قد شهد شاهد عظيم الشأن من علماء بني إسرائيل على كتاب آخر مماثل للقرآن وهو التوراة بأنه من عند الله.
وكانت شهادة علماء بنى إسرائيل حجة لأن هؤلاء المشركين كانوا يثقون فيهم ويصدقونهم.
ويفيد أيضا التنبيه تنبيه المشركين على أن كفرهم بالقرآن لا يقوم على حجة، وفيه مخالفة لشهادة شاهد من بنى إسرائيل الذين كانوا يظنون فيهم الصدق.
_________________
(١) الفتوحات الإلهية: جـ٤ ص٥٧.
[ ٣٢ / ٣٣٥ ]
الآية الخامسة عشرة: في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ الآيات: (١٩-٢٣) من سورة النجم.
جاء في تفسير ابن كثير لهذه الآيات الكريمة ما ملخصه:
كان للمشركين العرب أصنام وطواغيت كثيرة يعظمونها ويتخذون لها البيوت والحجاب والسدنة، ويطوفون بها، ويجعلونها أندادا وشركاء لله تعالى، ويعبدونها من دونه ﷿، وقد أفرد القرآن الكريم هذه الأصنام الثلاثة: اللات والعزى ومناة، أفردها بالذكر لأنها كانت أشهر من غيرها، وقد أنث المشركون هذه الأصنام وسموها بأسماء الإناث وجعلوها بنات الله ﷾، وقد قرّع الله تعالى هؤلاء المشركين ووبّخهم بما يتضمن: أتجعلون لله أولادا وتجعلون هؤلاء الأولاد إناثا، والإناث في زعمكم نوع مذموم، وتختارون لأنفسكم النوع الذي تستحسنونه وتفضلونه وهو الَذكور، فلو كانت هذه القسمة بينكم وبن مخلوق مثلكم لكانت قسمة جائرة فيها جهالة وسفاهة، فكيف وقد جعلتموها بينكم وبين ربكم!!
ثم قال تعالى منكرا عليهم ما ابتدعوه من الكذب والافتراء والكفر في عبادة الأصنام وتسميتها آلهة، وقد تضمن قوله تعالى: ما هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم من تلقاء أنفسكم، ما أنزل الله بها من حجة، وإنما تعتمدون في ذلك على حسن ظنكم بآبائكم الذين سلكوا هذا المسلك الباطل من قبلكم، وعلى حب أنفسكم للرئاسة وتعظيم آبائكم الأقدمين، ولقد أرسل الله إليكم الرسل بالحق المنير والحجة القاطعة، ولكنكم لم تتبعوها ولم تهتدوا بهديها. اهـ.
[ ٣٢ / ٣٣٦ ]
و﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه واللات والعزى ومناة، ومتعلق الاستخبار، ومناطه هو الجملة الاستفهامية: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى﴾، والمعنى:
أخبروني- أيها المشركون- عن هذه الأصنام الثلاثة، كيف جعلتموهن بنات الله، والبنات في زعمكم معرّة وذم، ثم خصصتم أنفسكم بالنوع الأفضل فيما تزعمون وهم الذكور، والله ﷾ منزّه عن الولد ذكرًا كان أم أنثى؟!!
إن هذه القسمة لو كانت بينكم وبين مخلوقين أمثالكم لكانت قسمة جائرة فيها ظلم وسفاهة، فكيف وقد جعلتموها بينكم وبن ربكم ذي الجلال والإِكرام؟!
أما إعراب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فهي علمية تأخذ مفعولين: الأول: اللات وما عطف عليها، الثاني: الجملة الاستفهامية: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى﴾ - وهذا رأي أبي حيان في تفسيره البحر المحيط، والرابط الذي يربط المفعول الثاني بالأول قوله: ﴿الأُنْثَى﴾ لأن المعنى: ألكم الذكر وله هنَّ أي تلك الأصنام، فأغنى هذا الاسم الظاهر عن الضمير، وإنما أوثر هذا الاسم الظاهر لوقوعه رأس فاصلة روعي فيها الفواصل الأخرى.
وهناك آراء أخرى كثيرة في تقدير المفعول الثاني المحذوف ذكرها الألوسي في تفسير روح المعاني، ولكن هذه الرسالة لا تتسع لذكرها.
واستفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا جاء مفيدا الإنكار والتوبيخ:
فالله ﷾ ينكر على المشركين ويوبخهم أن يجعلوا اللات والعزى ومناة بنات الله، مع أن البنات في زعمهم مذمومات يستنكفون منهن، فكيف يخصون الله خالقهم بهن، ويخصون أنفسهم بمن هم أفضل في زعمهم وهم الذكور، مع أن الله ﷾ منزه عن الولد سواء أكان ذكرا أم أنثى.
[ ٣٢ / ٣٣٧ ]
الآية السادسة عشرة: في قوله تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ الآيات: (٥٧-٦٢) من سورة الواقعة.
تتضمن هذه الآيات الكريمة الردّ على أهل الزيغ والإلحاد الذين كانوا يكذبون بالبعث، ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ﴾ .
والردّ الذي تضمنته هذه الآيات: أن الله ﷾ قد خلقكم أيها الكافرون ابتداء بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا، والذي يقدر على البدء يقدر على الإعادة، فهلا تصدقون بالإعادة وتقرون بها كما أقررتم بالنشأة الأولى.
أخبروني عن المنيّ الذي تريقونه في الأرحام أأنتم تخلقونه وتنشئون أم الله؟ ولا مفر من أن تقروا بأن الله هو خالق هذا المني، فكيف تنكرون قدرته على البعث؟!
والله هو الذي يصرّف الموت بينكم كيف يشاء، فيجعل لموت كل إنسان موعدا لا يتقدم عليه ولا يتأخر، ولا يستطيع أحد أن يغلب الله تعالى على هذا التصريف فيطيل عمر من يقصر الله عمره، أو يقصر عمر من يطيل الله عمره، أو يهرب من الموت فيكون من الخالدين.
والله تعالى قادر على أن يميتكم وينشئ بدلا منكم آخرين أمثالكم، وقادر على أن يغير كم خَلْقًا وخُلُقًا وينشئكم في صفات لا تعلمونها ولا تخطر لكم على بال.
ولقد علمتم النشأة الأولى وهى خلق آدم من طين، فهلا تتذكرون وتعتبرون فتعلموا أن الذي أنشأكم النشأة الأولى قادر على أن يعيدكم أحياء من بعد الممات والفناء.
[ ٣٢ / ٣٣٨ ]
هذا، و﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه ﴿مَا تُمْنُونَ﴾، ومتعلق الاستخبار ومناطه الجملة الاستفهامية: ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾، والمعنى: أخبروني عن المنيّ الذي تمنونه في الأرحام، أأنتم تخلقونه أم الله.
أما إعراب ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾: فأرأيتم علمية تأخذ مفعولين: الأول اسم الموصول (ما) وجملة تمنون صلته، والعائد محذوف تقديره ما تمنونه، والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾، و﴿َأَنْتُمْ﴾ مبتدأ وجملة تخلقونه خبره، و(أم) عاطفة متصلة، وقد اعترض على كونها متصلة بأن المتصلة هي التي تعطف المفردات، وهنا جاء بعدها جملة من مبتدأ وخبر، وأجيب عن هذا بأن ﴿الْخَالِقُونَ﴾ جاء توكيدا للفعل السابق وهو (تخلقون)، وجاء أيضا لمراعاة الفواصل، فلو قيل أأنتم تخلقونه أم نحن لا كتفي به وتمّ المعنى المراد، وعلى هذا فالجملة بعد أم في تأويل المفرد.
وجَوّز بعض العلماء أن تكون (أم) منقطعة بمعنى بل، والكلام معها يفيد التقرير، والمعنى: بل نحن الخالقون. وفي رأيي أن هذا لا يخلو من بعد وتكلف، وهو خلاف المعنى المتبادر.
واستفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا يفيد التقرير والتوبيخ: التقرير بمعنى طلب الاعتراف بالإجابة عن السؤال الذي تضمنته ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ مع معمولها وهو: أخبروني مَنْ خالق المني الذَي تمنونه في الأرحام: أأنتم أم الله؟
ولما كانت إجابتهم عن هذا السؤال معلومة لا يشك فيها، وهي أن الله هو الخالق- استغنى عن ذكرها.
ويفيد توبيخ هؤلاء المشركين على إنكارهم البعث، وتكذيبهم بقدرة الله تعالى عليه، مع أنهم يعترفون بأنه تعالى هو الذي خلقهم وأنشأهم أول مرة، وكان مقتضى اعترافهم هذا أن يؤمنوا بالبعث، لأن القادر على الخلق ابتداء قادر على الإعادة.
[ ٣٢ / ٣٣٩ ]
الآية السابعة عشرة: في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ َوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ الآيات: (٦٣-٦٧) من سورة الواقعة.
يردّ الله ﷾ على المشركين الذين ينكرون البعث فيقول لهم ما يتضمن:
أخبروني عن البذر اليابس الميت الذي تبذرونه في الأرض التي تحرثون، أأنتم تنبتونه وتجعلونه زرعا حيًّا ناميا يزهو ويرفّ، أم نحن؟ فإذا أقررتم بأن الله هو الذي يفعل ذلك- ولا محيص لكم عن هذا الإقرار- فكيف تنكرون قدرته على إخراج الأموات من الأرض وإعادتهم أحياء؟!!
لو يشاء الله لجعل هذا الزرع الأخضر اليانع حطاما لا خطير فيه، فتصيبكم الحسرة والندم مما نزل به، وتظلون على ذلك تقولون إنّا لمهلكون، قد ذهب الذي بذرناه في الأرض سدي من غير عوض، وحُرمنا ما كنّا نرجوه من رزق وغلال وطعام.
و﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا بمعنى أخبروني والمستخبر عنه البذر الذي يبذرونه في الأرض التي يحرثون، ومتعلق الاستخبار ومناطه الجملة الاستفهامية: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ .
والمعنى: أخبروني أيها المشركون عن البذر الذي تبذرونه في الأرض التي تحرثون، أأنتم تنبتونه وتجعلونه زرعا أخضر ينمو ويرفّ وُيعجب أم الله؟
وقد جاء استفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ مفيدا التقرير والتوبيخ:
التقرير بمعنى طلب الاعتراف بالإجابة عن السؤال الذي تضمنته أرأيتم مع معمولها، وهو أخبروني عن البذر اليابس اَلميت الذي تلقونه في الأرض التي تحرثونها، من يُنبته لكم فيجعله زرعا حيًّا ناميا زاهيا؟ أأنتم أم الله؟
ولما كانت الإجابة عن هذا السؤال معلومة لا يشك فيها، وهي اعترافهم بأن الله جلّت قدرته هو الذي يفعل ذلك- استغنى عن ذكر هذه الإجابة.
[ ٣٢ / ٣٤٠ ]
ويفيد التوبيخ توبيخ هؤلاء المشوكين على إنكارهم البعث وتكذيبهم بقدرة الله ﷿ على إحيائهم بعد الموت، مع أنهم يشاهدون الدلائل والبراهين تملأ عليهم أبصارهم، ومنها هذا البذر الذي يلقونه في الأرض ميتا يابسا فيجعله الله تعالى زرعا حيًّا ناميا زاهيا.
وإعراب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ ومعمولها هنا قد مضى مثله في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ من سورة الواقعة.
الآية الثامنة عشرة: في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ الآيات: (٦٨- ٧٥) من سورة الواقعة.
يخاطب لله جلّ وعلا في هذه الآيات الكريمة المشركين الذين كانوا ينكرون البعث، يخاطبهم بما يتضمن: أخبروني عن هذا الماء الذي تشربون، أأنتم خلقتموه عذبا صالحا للشرب وأنزلتموه من السحاب أم نحن الخالقون المنزلون؟
إنّا نحن الخالقون المنزلون، وهذا ما لا سبيل إلى إنكاره، ولو شئنا لأمسكناه عنكم، أو جعلناه مِلْحا زُعاقا لا تنتفعون منه في شرب ولا زرع ولا في شيء غير ذلك.
فهلاّ تشكرون الله الذي أنشأ لكم هذا الماء وأنزله عليكم عذبا فُراتا سائغا تشربون منه وتحيون ويحيا به كل شيء حي.
فهلاّ تشكرون الله وتنبذون هذا الكفر الذي أنتم فيه وهذا الشرك الذي أنتم عليه، وهلا تعترفون بقدرة الله تعالى على أن يخلقكم مرة ثانية كما تعترفون بأنه الذي يخلق الماء في السحاب وينزله عليكم فيكون سببا في حياتكم وحياة ما حولكم من زرع وحيوان ونبات!!
[ ٣٢ / ٣٤١ ]
و﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه الماء الذي يشربونه، ومتعلق الاستخبار ومناطه الجملة الاستفهامية: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾، والمعنى: أخبروني أيها المشركون الذين تنكرون البعث وقدرة الله على هذا البعث، أخبروني عن هذا الماء الذي تشربونه عذبا فُراتا فيكون به حياتكم، أأنتم أنشأتموه في السحاب وأنزلتموه منه أم نحن المنشئون المنزلون؟!!
وقد جاء استفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا مفيدا التقرير والتوبيخ:
التقرير على معنى طلب الاعتراف بالإجابة عن السؤال الذي تضمنته ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ ومعمولها وهو: أخبروني عن الماء الذي تشربونه، أأنتم خلقتموه عذبا صالحا للشرب وأنزلتموه من السحاب أم نحن المنزلون؟
ولما كانت الإجابة عن هذا السؤال معروفة لا يشك فيها وهي اعترافهم بأن الله تعالى هو الذي يفعل ذلكَ- استغنى عن ذكر هذه الإجابة.
ويفيد توبيخ هؤلاء المشركين على إنكارهم قدرة الله تعالى على بعثهم بعد الممات، على حين يعترفون بقدرته تعالى على خلق الماء في السحاب وإنزاله عليهم فيكون سببا في حياتهم.
وقد سبق إعراب مثل هذا الاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ .
الآية التاسعة عشرة: في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ الآيات: (٧١-٧٤) من سورة الواقعة.
في هذه الآيات الكريمة يردّ الله ﷾ على المشركين الذين ينكرون البعث ويكذبون بقدرة الله تعالى عليه، يردّ عليهم بما يتضمن:
أخبروني أيها المشركون عن هذه النار التي تخرج من الشجر الأخضر بحكّ بعضه ببعض، أأنتم أنشأتم شجرتها وخلقتم النار التي فيها أم نحن المنشئون الخالقون؟
[ ٣٢ / ٣٤٢ ]
نحن جعلنا تلك النار تذكرة وتبصرة لمن يذّكّر ويعتبر ويفكر فيدرك أن القادر على أن يجعل النار تخرج من الشجر الأخضر المضادّ لها قادر على أن يجعل الأموات أحياء يوم القيامة.
ونحن جعلناها أيضا نافعة ومتاعا لأولئك الذين هم في أشد الحاجة إليها، أولئك الذين يعيشون في القفار بعيدين عن حياة الحضر والاستقرار.
وبعد أن ذكر الله ﷻ الأمور الأربعة السابقة وهي: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾، ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ . هذه الأمور المتضمنة أمر خلقهم والنعم التي بها قوام حياتهم، هذه الأمور الدالة على قدرته تعالى على الإبداع والإنشاء والخلق، وعلى قدرته تعالى على بعث الأموات أحياء يوم القيامة، بعد ذلكَ أمر رسوله ﷺ (وكل من كان له أسوة حسنة برسوله مأمور كذلك) أمره بالاستمرار والمداومة على تنزيه الله تعالى عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله، وعما يزعمه الكافرون من الأنداد والشركاء والعجز عن البعث، فقال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ .
و﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه النار التي يورونها، ومتعلق الاستخبار ومناطه الجملة الاستفهامية: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ .
وقد أفاد استفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ التقرير والتوبيخ:
التقرير بمعنى طلب الاعتراف بالإجابة عن السؤال الذي تضمنته ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ مع معمولها وهو: أخبروني عن النار التي تَخرج من الشجر الأخضر، أأنتم أنشأتم شجرتها وخلقتم النار فيها أم نحن الخالقون المنشئون؟
ولما كانت إجابتهم عن هذا السؤال معلومة لا يشك فيها، وهي الاعتراف بأن الخالق المنشئ هو الله- استغنى عن ذكرها.
[ ٣٢ / ٣٤٣ ]
ويفيد التوبيخ أيضا: توبيخ المشركين على إنكارهم البعث وتكذيبهم بقدرة الله تعالى على إحيائهم بعد مماتهم مع اعترافهم بقدرة الله تعالى على إخراج النار من الشجر الأخضر الرطب المضادّ لها، وهو من الدلائل العظيمة على انفراده تعالى بالخلق والإنشاء.
أما إعراب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا فقد مضى إعراب مثله في قوله تعالى المتقدم: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ .
الآية العشرون: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ الآية: (٢٨) من سورة الملك.
يُروى أن كفار مكة كانوا يدعون على رسول الله ﷺ وعلى من آمن به، يدعون عليهم بالهلاك، فأمر الله ﷾ رسوله محمدا ﷺ أن يقول لهم ما يتضمن:
أخبروني- أيها الكافرون- إن أهلكني الله تعالى ومن آمن بي فأماتنا أو رحمنا فأخّر آجالنا فمن ذا الذي يستطيع أن يجيركم من عذاب الله الأليم، ومن ذا الذي يستطيع أن يمنعكم من عقابه جزاء كفركم.
و﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه محذوف، ومتعلق الاستخبار ومناطه الجملة الاستفهامية: ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ والتقدير: أخبروني أيها الكافرون عن أنفسكم من يحميكم من عذاب الله الأليم إن أماتني الله ومن معي أو رحمنا فأخر آجالنا.
أما إعراب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فهي علمية تأخذ مفعولين، وهما هنا محذوفان دلّ عليهما الشرط وجوابه، وتقديرها: أرأيتم أنفسكم أينجيكم أحد من العذاب إن أهلكنا الله أو أبقانا. أما الجملة الاستفهامية: ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ فقد أعربها أبو حيان في تفسيره البحر المحيط واقعة في جواب الشرط: ﴿إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ﴾، وقد اعترض في حاشية الفتوحات- على هذا الرأي بأن تسبب الجواب على الشرط فيه بُعد.
[ ٣٢ / ٣٤٤ ]
والذي يبدو لي- والله أعلم- أن جملة ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ هي المفعول الثاني لأرأيتم، وأن الرابط الذي يربطها بالمفعول الأول هو الضمير الذي أقيم الاسم الظاهر وهو ﴿الْكَافِرِينَ﴾ مقامه، والتقدير: أرأيتم أنفسكم من يجيركم من عذاب الله الأليم، وتكون الفاء على هذا زائدة للتوكيد، ويكون جواب الشرط محذوفا، دلّ عليه وأغنى عن ذكره أرأيتم ومعمولها، والتقدير: إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا فأخبروني أي فائدة لكم في ذلك وهل ينجيكم هذا من العذاب.
وقد أفاد استفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا التنبيه، والإنكار والتوبيخ:
تنبيه المشركين على أن إماتة الرسول ﷺ قيم ومن آمن به لا تفيدهم شيئا ولا تحميهم من عذاب كفرهم، وأن عليهم بدل هذا الدعاء أن يوحدوا الله وأن يؤمنوا برسوله.
ويفيد الإنكار على المشركين وتوبيخهم أن يدعوا على رسول الله ﷺ ومن آمن به- بالهلاك، وأن يتربصوا به ريب المنون، مع أن هذا الهلاك لا ينفعهم شيئا، ولا يحميهم من عذاب الله تعالى جزاء كفرهم، ولا يضرّ برسول الله ﷺ.
الآية الحادية والعشرون: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ الآية: (٣٠) من سورة الملك.
في هذه الآية الكريمة يأمر الله ﷾ نبيه محمدا ﷺ أن يقول للمشركين ما يتضمن:
أخبروني أيها المشركون عن مائكم إن أصبح متواريا في جوف الأرض، لا تستطيعون أن تنالوا منه شيئا، أخبروني من يأتيكم بماء ظاهر تراه العيون، تشربون منه وتحيون.
[ ٣٢ / ٣٤٥ ]
و﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه محذوف، ومتعلق الاستخبار ومناطه الجملة الاستفهامية: ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ . والتقدير: أخبروني عن مائكم- إن أصبح غائرا في جوف الأرض- من غير الله يستطيع أن يأتيكم بماء ظاهر تراه العيون ومنه تشربون.
أما إعراب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فهي علمية تنصب مفعولين: الأول ضمير محذوف يعود على َ ﴿مَاؤُكُمْ﴾ وتكون المسألة من باب التنازع: تنازع ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ و﴿أَصْبَحَ﴾ في َ ﴿مَاؤُكُمْ﴾ فأرأيتم تطلبه على أنه مفعول به، وأصبح تطلبه على أنه اسم لها، فأعمل الثاني وأضمر في الأول وحذف. وأما المفعول الثاني لـ ﴿أرأيتم﴾ فجملة استفهامية محذوفة دلّ عليها جملة جواب الشرط: ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ . وتقدير المفعولين: أرأيتم ماءكم (إن أصبح غائرا) أيستطيع أحد غير الله أن يأتيكم ببدل منه.
وقد جاء استفهام ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هنا مفيدا التنبيه والتوبيخ:
تنبيه المشركين على أن الله تعالى هو وحده الذي يأتيهم بالماء الذي منه يشربون ويحيون، وأن الأصنام لا تستطيع ذلك، فكان عليهم أن يؤمنوا بالله تعالى وأن يفردوه بالعبادة.
وتوبيخ هؤلاء المشركين على تركهم عبادة الله الذي يأتيهم بالماء الذي منه يشربون ويحيون، وتوبيخهم على عبادتهم أصناما لا تستطيع أن تأتيهم بالماء إن أصبح ماؤهم غورا.
أختي العزيزة:
أرى رسالتي إليك قد طالت، وما كان لي يد في أن تطول، لقد آن لها أن تنتهي، وسوف أحدثك- إن شاء الله تعالى- عن بقية أساليب (أرأيت) في الرسالة التالية، وعن خصائص ومزايا جاءت في هذه الأساليب.
اللهم سدّد خطاي، ووفقني إلى الصواب، فعليك أتوكل، وبك أستعين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أختك
همزة الاستفهام
[ ٣٢ / ٣٤٦ ]