فِي إعرَاب الحَدِيثِ
تأليف: جلال الدين السيوطي
تحقيق: الدكتور حسن موسى الشاعر
أستاذ مشارك بكلية اللغة العربية بالجامعة
مسند أنس بن مالك (١) (﵁)
٤٩- حديث الشفاعة، قوله: "يُجْمَعُ المُؤْمِنُونَ يَوْمَ القيامة فَيُلْهَمُونَ ذلك".
قال أبو البقاء: (ذلك) إشارة إلى المذكور بعده، وهو حديث الشفاعة. ويجوز أن يكون قد جرى ذكره قبل، فأشار بذلك إليه، ثم ذكر بعد منه طائفة.
وقوله: "فيقولون لو اسْتَشْفَعْنا على رَبِّنا".
عدّى (استشفعنا) بعلى، وهي في الأكثر تتعدّى بإلى، لأن معنى استشفعت توسلت، فتتعدى بإلى، ومعناها أيضًا استعنت، يقال: استشفعتُ إليه واستعنتُ عليه، وتحمّلت عليه بمعنى واحد. ومن هذا قول الشاعر:
إذا رَضيَتْ عَلىَّ بنو قُشَيرٍ
] لَعمرُ أبيكَ أعجبني رضاها [(٢)
_________________
(١) أنس بن مالك بن الخضر الأنصاري الخزرجى خادم رسول الله ﷺ وأحد المكثرين من الرواية عنه. خدمه عشرين سنين شهد الفتوح ثم قطن البصرة، وكان أخر الصحابة موتًا بالبصرة. أنظر: الِإصابة ١/ ٠٨٤ الأعلام ٢/ ٢٤.
(٢) حديث الشفاعة حديث طويل وفيه "يجمع المؤمنون يوم القيامة فيلهمون ذلك فيقولون لو استشفعنا على ربنا فأراحنا من مكاننا هذا فيأتون آدم فيقول لهم: لست هناكم، ويذكر ذنبه الذي أصابه فيستحي ربّه ﷿ من ذلك "أنظر: البخاري: كتاب التوحيد ١٣/٤٧٧. مسلم ٣/٥٤ مسند أحمد ٣/١١٦ مشكاة المصابيح ٣/٦٩.
(٣) هذا البيت من قصيدة قالها القُحيف العقيلي، وهو شاعر إسلامي مقل، يمدح بها حكيم بن المسيب القشيري. انظر: المقتضب ٢/ ٣٢٠ مغني اللبيب ١٥٣. خزانة الأدب ١٠/١٣٢ وما بعدها. قال ابن جني: "ذهب الكسائي إلى أنه عدّى رضيت بعلى لما كان ضد سخطت، وسخطت مما يعدّى بعلى. وكان أبو علي يستحسنه من الكسائي ". الخصائص ٢/٢٨٩.
[ ٣٢ / ٢٨٨ ]
فعدّاه بعلى. قال أبو عبيدة: "إنما ساغ ذلك لأن معناه أقبلت علىّ". انتهى.
قلت: في رواية للبخاري "لو استشفعنا إِلى ربّنا" بإلى على الأصل.
قال الكرماني: وجواب "لو" محذوف، أو هي للتمني.
وقال الطيبي: "لو" هي المتضمنة للتمني والطلب. وقوله (فَيُريحَنا) منصوب بأن المقدّرة بعد الفاء الواقعة جوابًا للو. وقوله: (أأنت آدم) من باب:
أنا أبو النجم وشِعْري شِعْري
ثم قال أبو البقاء: وقوله: "لَسْتُ هُنَاكمُ": (هنا) في الأصل ظرف مكان وقد استعملت للزمان، ومعناها هاهنا عند، أي لست عند حاجتكم أنفعكم، والكاف والميم لخطاب الجماعة. وقوله: "فيستحي ربَّه من ذلك" الأصل فيستحي من ربّه فحذف (من) للعلم بها، كقوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ (١) أي من قومه. ويجوز أن لا يكون فيه حذف، ويكون المعنى يخشى ربَّه أو يخاف ربَّه، لأن الاستحياء والخشية بمعنى واحد. وقوله: "ولكن ائتوا موسى عَبْدٌ" تقديره: هو عبد. ولو نصب جاز على البدل أو على الحال، والرفع أفخم. وقوله: "ائتوا عيسى عَبْد الله" الرفعِ فيه أجود كما رفع ما قبله على التعظيم، ويجوز النصب على الصفة. وقوله: "ائتوا محمدًا ﷺ عَبْدًا غفر الله له" فنصب هاهنا على البدل أو الحال أو على إضمار أعني، ولو رفع كما رفع (عَبْدٌ كلّمه الله) لجاز. وقوله: "أنتظر أُمتِي تَعْبُرُ الصِّراط" التقدير: أنتظر أمتي أن تعبر، فأن والفعل في تقدير مصدر موضعه نصب بدلًا من أمتي بدل اشتمال، ولما حذف (أن) رفع الفعل، ونصبه جائز.
وقوله: "فالخَلْقُ مُلْجَموُنَ في العَرَق" يجوز أن يكون المعنى أنهم في العرق ملجمون بغيره، فيكون (في العرق) خبرًاَ عن الخلق، و(مُلْجَمون) خبرًا آخر. ويجوز أن يكون (في) بمعنى الباء، ويكون العرق ألجمهم. هذا كلُّه كلام أبي البقاء
وقوله: "فَاحْمَدُهُ بِمَحامِدَ لا أقدر عليه الآن".
_________________
(١) الأعراف ١٥٥.
[ ٣٢ / ٢٨٩ ]
قال النووي: هكذا هو في الأصول "لا أقدر عليه" وهو صحيح، ويعود الضمير في (عليه) إلى الحمد.
وقوله في الرواية الأخرى: "لستُ لها".
قال الطيبي: اللام متعلقة بمحذوف. واللام هي التي في قولك: أنت لهذا الأمر، أي كائن له ونختص به. وعلى هذا قوله: "أنا لها" وقوله: "ليس ذلك لك".
٥٠ - حديث الغار، قوله: "إِنَّهُ كانَ لي والدان فكُنْتُ أَحْلِبُ لَهمُا في إنائِهما فآتيهما، فإذا وَجْدتُهما راقِدَيْن قُمْتُ عَلى رُؤُوسِهما كرَاهِيةَ أنّ أَرُدِّ سِنَتَهمُا في رُؤوسهما حتّى يستيقظان متى استيقظا".
قال أبو البقاء: هكذا وقع في هذه الرواية "حتى يستيقظان" بالنون، وفيه عدة أوجه: أحدها: أن يكون ذلك من سهو الرواة، وقد وقع ذلك منهم كثيرًا، والوجه حذفها بحتى، لأن معناها إلى أن يستيقظا، وتتعلق بقمت.
والثاني: أن يكون ذلك على ما جاء في شذوذ الشعر، كقوله:
أَنْ تقرآنِ عَلى أسْماء وَيحكُما
مِنيّ السَّلامَ وأَنْ لا تُخْبِرا أَحَدا (١)
والثالث: أن يكون على حذف مبتدأ، أي حتى هما يستيقظان.
وقوله: "متى استيقظ" تقديره: سقيتهما. ويجوز أن يكون المعنى أؤخر أو أنتظر أي وقت استيقظا. انتهى.
٥١ - حديث الأوعية، قوله: "فالرصاص والقارورة، قال: ما بأس بهما".
_________________
(١) هذا ثالث ثلاثة أبيات لا يعرف قائلها،والشاهد فيها قوله (أن تقرآن) حيث أهمل (أن) ولم تنصب.قال ابن مالك:جاء على لغة من يرفع الفعل بعد (أن) حملًا على (ما) أختها. انظر:شواهد توضيح ص ١٨٠. شرح ابن يعيش ٧/ ١٥.مغني اللبيب ص ٢٨.شرح أبيات مغني اللبيب ١/ ١٣٥.حاشية الصبان ٣/ ٢٨٧.الإنصاف مسألة ٧٧. ٥١ – سُئل أنس عن الشرب في الأوعية فقال:"نهى رسول الله ﷺ المزفتة، وقال كل مسكر حرام. قال، قلت:وما المزفتة؟ قال: المقيّرة. قال، قلت: فالرصاص والقارورة؟ قال: ما بأس بهما "مسند أحمد ٣/ ١١٢.
[ ٣٢ / ٢٩٠ ]
قال أبو البقاء: جعل اسم (ما) نكرة والخبر جار ومجرور، والأكثر في كلامهم أن يقدّم هاهنا الخبر، فيقال: ما بهما بأس. وتقديم المبتدأ جائز لأن البأس مصدر، وتعريف المصدر وتنكيره متقاربان. وقد قالوا: "لا رجلٌ في الدار". فرفعوا بلا النكرة. و(ما) قريب منها. ويجوز أن يحمل (ما) على (لا) .
٥٢ - حديث "لا تَزالُ جَهَنَّمُ تقول "هَلْ مِنْ مَزيد" حتى يَضَعَ فيها رَبُّ العِزَّةِ قَدَمه، فتقول: "قَطْ قَطْ وعِزَّتِك".
قال الأندلسي في شرح المفصّل: (قَطْ) المخففة معناها حَسْب، وهي مبنية على السكون لوقوعها موقع فعل الأمر، وتدخلها نون الوقاية حرصًا على إبقاء سكونها. قال:
امتلأ الحَوْضُ وقال قَطْني
وربما حذفت نون الوقاية منها، مثله في عني ومني (١) . وإنما لم تُبنَ حَسْب وإن كانت في معناها لأنها لم توضع في أول أحوالها وضع الفعل كما فُعل بقط، لأنك تصرفها فتقول أحسبني الشيء إحسابًا، وهذا حَسْبُك أي كافيك، فلما تصرّف بهذه الوجوه دون قَط أُعرب ولم يُبْنَ، وتنون قَطْ هذه في التنكير لأنها بمنزلة صَهْ ومَهْ.
٥٣- حديث "قوموا فلأصلّي لكم".
قال أبو البقاء: لم يقل (بكم) لأنه أراد من أجلكم لتقتدوا بي. انتهى.
_________________
(١) ومن حذف نون الوقاية منهما قول الشاعر: أيّها السائل عنهُم وعني لستُ من قيسٍ ولا قيسُ مِني انظر: الأشموني والصبان ١/ ١٢٤.
[ ٣٢ / ٢٩١ ]
وقال إن مالك في التوضيح: يروي قوله (فلأصلّي) بحذف الياء وبثبوتها مفتوحة وساكنة، واللام عند ثبوت الياء مفتوحة لام كي، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة، وأن الفعل في تأويل مصدر مجرور، واللام ومصحوبها خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: قوموا فقيامكم لأصلي لكم. ويجوز على مذهب الأخفش أن تكون الفاء زائدة، واللام متعلقة بقوموا، واللام عند حذف الياء لام الأمر، ويجوز فتحها على لغة سُليم، وتسكينها بعد الفاء والواو وثُمّ على لغة قريش، وحذف الياء علامة الجزم. وأمر المتكلم نفسه بفعل مقرون باللام فيصح قليل في الاستعمال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ (١) . وأمّا في رواية من أثبت الياء ساكنة فيحتمل أن تكون اللام لام كي وسكنت الياء تخفيفًا، وهي لغة مشهورة، أعني تسكين الياء المفتوحة، ومنه قراءة الحسن ﴿وذروا ما بَقِيْ من الرّبا﴾ (٢) وقرىء ﴿فَنَسيْ﴾ (٣) و﴿ثانيْ اثنين﴾ (٤) بالسكون. ويحتمل أن تكون اللام لام الأمر وثبتت الياء في الجزم إجراء للمعتل مجرى الصحيح، كقراءة قُنْبُل. . ﴿إنه من يتقيْ ويصبر﴾ .
وقال الزركشي: قال ابن السّيد: يرويه كثير من الناس بالياء، ومنهم من يفتح اللام ويسكن الياء ويتوهمونه قَسَما، وذلك غلط، لأنه لا وجه للقسم، ولو كان لقال فلأصلينّ، بالنون. وإنما الرواية الصحيحة (فلأصلّ) على معنى الأمر. والأمر إن كان للمتكلم والغائب كان باللام أبدا، وإذا كان للمخاطب كان بلام وغير لام.
قوله: "وصَفَفْتُ أنا واليتيم وراءه".
_________________
(١) العنكبوت:١٢.
(٢) البقرة: ٢٧٨. قال العكبري: الجمهور على فتح الياء، وقد قرىء شاذًا بسكونها، ووجهه أنه خفّف بحذف الحركة عن الياء بعد الكسرة. انظر: إملاء ما منّ به الرحمن ١/١١٧، الدر المصون للسمين الحلبي ٢/٦٣٧.
(٣) طه: ١١٥.
(٤) التوبة: ٤٠. وانظر: إملاء ما منّ به الرحمن ١/١٥.
[ ٣٢ / ٢٩٢ ]
قال الزركشي: بنصب اليتيم ورفعه. ويروى "وصففت واليتيم"من غير توكيد. والأول أفصح، إذ لا يعطف غالبًا على الضمير المرفوع إلاّ مع التأكيد، كقوله تعالى: ﴿اسْ كُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (١) .
٥٤- حديث "مرّ النبي بِتمْرَةٍ مسقوطة".
قال الكرماني: القياس أن يقال سَاقطة، لكنه قد يجعل اللازم كالمتعدّي بتأويل، كقراءة من قرأ ﴿وعُموا وصُمّوا﴾ (٢) بلفظ المجهول.
التيمي: هي كلمة غريبة لأن المشهور أن (سقط) لازم، على أن العرب قد تذكرِ الفاعل بلفظ المفعول وبالعكس إذا كان المعنى مفهومًا. ويجوز أن يقال جاء (سُقِط) متعدياَ أيضًا بدليل قوله تعالى: ﴿سُقِطَ فِي أَيْدِيهِم﴾ . قال الخطابي: "يأتي المفعول بمعنى الفاعل كقوله تعالى: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ (٣) أي آتيا". [انتهى] .
وقال ابن مالك: (مسقوطة) بمعنى مُسقَطة، ونظيره مرقوق بمعنى مُرَقّ أي مسترق، عن ابن جني، ومثله أيضًا رجل مفؤود أي جبان، ولا فعل له، [إنما يقال فُئد بمعنى مرض فؤاده لا بمعنى جبن. وكما جاء مفعول ولا فعل له جاء فُعِلَ ولا مفعول له [(٤) كقراءة النخعي ﴿ثم عُمُوا وصُمُّوا﴾ ولم يجيء مَعْمِيّ ولا مَصمُوم استغناء بأعْمى وأَصَمّ.
٥٥ -: حديث "ما صَلَّيْتُ ورَاء إمامٍ قَطّ أَخَفَّ صَلاةً".
قال الكرماني: (أخفّ) صفة للإِمام. و(صلاة) تمييز له. وقوله: "وإنْ كانَ لَيَسْمَعُ بكاء الصبي"أصله: وإنّه كان، مخفف وفيه ضمير الشأن.
٥٦- حديث: "إن النبيَّ ﷺ وأَبا بكرٍ وعمرَ كانوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلاةَ بالحمدُ لله ربّ العالمين".
قال الزركشي والكرماني (٥)
_________________
(١) البقرة:٣٥.
(٢) المائدة: ٧١. وهي قراءة إبراهيم النخعي كما سيأتي.
(٣) مريم:٦١.
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من النسخ، وهو مثبت في شواهد التوضيح لابن مالك ص ١٩٧.
(٥) صحيح البخاري بشرح الكرماني ٥/ ١١١.
(٦) عن أنس قال:"صلى لنا النبي ﷺ ثم رقا المنبر فأشار بيديه قِبَل قبلة المسجد ثم قال: لقد رأيت الآن- منذ صليت لكم الصلاة- الجنة والنار ممثلتين في قبلة هذا الجدار، فلم أرَ كاليوم في الخير والشر- ثلاثًا". البخاري: كتاب الأذان. فتح الباري ٢/٢٣٢. مسند أحمد ٣/١٦٢.
[ ٣٢ / ٢٩٣ ]
: (الحمدُ) بضم الدال على سبيل الحكاية.
٥٧- حديث: "لقد رأيتُ الآنَ مُنْذُ صَلَّيْتُ لَكمُ الَجنَّةَ والنّار".
قال الكرماني: فإن قلت (الآن) للحال، و(رأيتُ) للماضي، فكيف يجتمعان؟ قلت: دخول (قد) عليه قرّبه إلى الحال. فإن قلت: فما قولك في (صَلَّيتُ) فإنه للمضيّ البتة؟ قلت: قال ابن الحاجب: كل مخبر أو منشئ فقصده الحاضر، فمثل (صليت) يكون للماضي الملاصق للحاضر. أو أريد بالآن ما يقال عرفًا إنه الزمان الحاضر، لا اللحظة الحاضرة الغير المنقسمة المسماة بالحال. فإن قلت: (منذ) حرف أو اسم؟ قلت: جاز الأمران. فإن كان اسمًا فهو مبتدأ وما بعده خبر، والزمان مقدّر قبل (صليت) . وقال الزجاج بعكس ذلك.
قوله: "فَلَمْ أَرَ كالْيَومِ في الخير والشرّ".
قال الطيبي: الكاف في موضع الحال. وذو الحال المفعول به، وهو الجنة والنار. والمعنى: لم أر الجنة والنار في الخير والشر يومًا من الأيام مثل ما رأيت اليوم. أي رأيتها رؤية جليّة ظاهرة مثبتًا في مثل هذا الجدار، ظاهرًا خيرها وشرّها. ونحوه قولِ الشاعر:
حتى إذا الكلاّبُ قالَ لها
كاليومِ مَطْلوبًا ولا طَلَبا
٥٨- حديث "يُؤْتَي بالرَّجلِ يَوْمَ القِيامةِ مِنْ أَهلِ الجنَّة، فيقولُ له: يا بْنَ آدم كيفَ وَجَدْتَ مَنْزِلَك؟ فيقول: أيْ رب خيْرَ مَنزِل".
قال أبو البقاء: النصب هو الوجه، أي وجدته خيرَ منزل.
٥٩- حديث "إن رسول الله ﷺ صَعِدَ أُحُدًا فَتَبِعَه أبو بكر وعمرُ وعثمانُ فرَجَفَ بهم، فقال: اسكُنْ نَبيٌّ وصدّيقٌ وشَهيدان".
قال أبو البقاء: تقديره عليك نبيٌّ. وقد جاء مفسّرًا في حديث آخر.
٦٠- حديث "لا عَدْوَى ولا طِيْرة".
[ ٣٢ / ٢٩٤ ]
قال ابن مالك في شرح التسهيل: "أكثر ما يحذف الحجازيون خبر لا مع إلاّ نحو: لا إله إلاّ الله". ومن حذفه دون إلاّ قوله تعالى: ﴿قَالُوا لا ضَيْر﴾ وقوله ﷺ: "لا ضَرَرَ ولا ضِرار" (١) و"لا عدوى ولا طيرة" (٢) .
٦١ - حديث "إنّه الإيمان حُبّ الأنْصارِ وإنَّهُ النِّفاقُ بُغْضُهم".
قال أبو البقاء: " (إنَّ) المؤكدة، والهاء فيها ضمير الشأن مثل قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ﴾ (٣) وليست ضميرًا عائدًا على مذكور قبله، إذ ليس في الكلام ذلك. و"الإِيمان حبّ الأنصار" مبتدأ وخبر، وهو خبر إن كأنه قال: إنّ الأمر والشأن الإِيمان حبّ الأنصار. ويروى (آية الإيمان) وهو ظاهر". انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر: " (آية) بهمزة ممدودة وياء تحتية مفتوحة وهاء تأنيث. و(الإِيمان) مجرورة بالإضافة. هذا هو المعتمد في ضبط هذه الكلمة في جميع الروايات في الصحيحين والسنن والمستخرجات والمسانيد. والآية العلامة".
قال: "وما ذكره أبو البقاء من أنه بهمزة مكسورة ونون مشدّدة وهاء، و(الإيمان) بالرفع، تصحيف منه".
قلت: ويؤيد ذلك أن في رواية النسائي "حبّ الأنصار آية الإيمان". و(الأنصار) أصله جمع ناصر كأصحاب وصاحب. أو جمع نصير كأشراف وشريف. صار علمًا عليهم بتسمية النبي ﷺ.
٦٢- حديث "إنّي لأوَّلُ الناسِ تَنْشَقُ الأرض عن جُمْجُمَتي يَوْمَ القِيامةِ ولا فَخْرٌ".
كان مقتضى اللفظ (عن جمجمته) لكنه جاء على نسق الضمير في (إني) على حدّ قول الشاعر:
_________________
(١) مسند أحمد ٥/٣٢٧.
(٢) مسند أحمد ١/١٧٤، ٢/١٥٣، ٣/١٣٠،١٧٣.
(٣) البخاريَ: الكتاب الإيمان ١/ ٦٢. ومسلم ٢/ ٦٣ مسند أحمد ٣/ ١٣٠، ١٣٤. وفي هذه المصادر جميعها (آية الإيمان.. وآية النفاق..) أما (إنه الِإيمان. وإنّه النفاق..) فهي رواية كتاب جامع المسانيد لابن الجوزي الذي اعتمد عليه العكبري في إعراب الحديث
(٤) سورة الحج. آية ٤٦.
[ ٣٢ / ٢٩٥ ]
أنا الرَّجُلُ الضَّرْبًّ الذي تَعْرِفُونَني
وقوله: "ولا فخر".
قال الطيبي: حال مؤكدة، أي أقول هذا ولا فخر.
٦٣ - حديث "إنَّ الشَّيْطانَ يَجْري مِن ابْنِ آدمَ مَجْرَى الدَّم".
قال الطيبي: "عدّى (يجري) بمن على تضمنه معنى التمكن، أي يتمكن من الإنسان في جريانه مجرى الدم. وقوله (مجرى الدم) يجوز أن يكون مصدرًاَ ميميًا، وأن يكون اسم مكان".
٦٤ - حديث "إِن اسْتَطَعْتَ أَنْ تُصْبحَ وتُمسِيَ لَيْسَ في قَلْبِكَ غِشٌّ لأَحَدٍ مِن المسُلمين فَافْعَل".
قال الطيبي: (تصبح) أي تدخل في وقت الصبح. و(ليس) حال تنازع فيه الفعلان. والمراد بهما الديمومة.
وقوله (فافعل) جزاء. كناية عما سبق في الشرط من المعنى. أي إن فعلت ما نصحتك به فقد أتيت بأمر عظيم.
٦٥ - حديث "قَدِمَ عَليٌّ على النبيِّ خيالها من اليمن، فقال: بِما أَهْلَلْتَ؟ ".
قال ابن مالك في توضيحه: شذ ثبوت الألف في (بما أهللت) لأن (ما) استفهامية مجرورة، فحقّها أن تحذف ألفها فرقًا بينها وبين الموصولة. هذا هو الكثير نحو ﴿لِمَ تَلْبِسُون﴾ و﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (١) و﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ (٢) . ونظير هذا الحديث قوله ﷺ: "ليأتينّ علَى الناَس زمان لا يبالي المرء مما أخذ المال أمن حلال أم من حرام" (٣) . وقول سهل بن سعد وقد امتروا في المنبر ممّ عوده "إني لأعرف مما عوده". ونظير ثبوت الألف في الأحاديث المذكورة ثبوتها في ﴿عَمَّا يتساءلون﴾ (٤) في قراءة عكرمة وعيسى. ومن ثبوتها في الشعر قول حسان:
على ما قام يَشْتمُني لئيمِّ
كخِنْزيرٍ تَمرّغَ في رَمادِ
وقول عمر بن أبي ربيعة:
عَجَبا ما عَجبْتُ ممّا لو ابْصَر
ْتَ خَليلي ما دُونه لَعجِبْتا
لمقالِ الصًّفِيِّ فِيمَ التَجنّي
_________________
(١) النمل: آية ٣٥.
(٢) النازعات: آية ٤٣.
(٣) فتح الباري شرح البخاري ٤/٣١٣.
(٤) النبأ: آية ١.
[ ٣٢ / ٢٩٦ ]
ولما قد دعوتَنا وهَجَرْتا (١)
وفي عدول حسّان عن (علام يقوم يشتمني) وعدول عمر عن (ولماذا) مع إمكانهما دليل على أنهما مختاران لا مضطران
٦٦ - حديث "ولا تَنْقُشُوا في خَواتيمكم عربي".
قالت أبو البقاء: "إنما رفع (عَربي) لأنه حكاية لقوله (محمد رسول الله) فهو على الحكاية. أي لا تنقشوا ما صورته عربي".
قلت: رواه النسائي بلفظ (عربيًا) بالنصب. ويمكن أن يكون في رواية أحمد منصوبًا، ولكنه كتب بغير ألف، كما قدرناه في موضع آخر من هذا الكتاب.
٦٧ - حديث "وايم الذي نَفْسي بيده لو رَأَيْتم ما رَأَيتُ لَضحِكْتُم قليلًا ولَبكيتم كثيرًا".
قال ابن يعيشْ في شرح المفصل: " (اَيْمُن الله) اسم مفرد موضوع للقسم مأخوذ من اليمن والبركة، كأنهم أقسموا بيمن الله وبركته، وهو مرفوع بالابتداء وخبره محذوف للعلم به، كما كان كذلك في لَعَمْرُ الله. وتقديره: آيْمن الله قسمي أو يميني ونحوهما. وفتحت الهمزة منه لأنه غير متمكن، لا يستعمل إلا في القسم وحده، فضارع الحرف بقلة تمكنه، ففتح تشبيهًا بالهمزة اللاحقة لام التعريف، وذلك فيه دون بناء الاسم لشبه الحرف، ويؤكد حال هذا الاسم في مضارعته الحرف أنهم قد تلاعبوا به فقالوا مرة اَيْمُن الله، بالفتح، ومرة اِيمُن الله بكسر الهمزة، ومرة اَيْمُ الله بحذف النون، ومرّة اِيمُ الله بالكسر، ومرة مُ الله، ومرة مَ الله، ومرة مُنِ ربي، ومرة مُنُ ربي".
وقال في النهاية: " (ايمُ الله) من ألفاظ القسم، كقولك: لَعمُر الله وعَهْدُ الله. وفيها لغات كثيرة: وتفتح همزتها وتكسر، وهمزتها همزة وصل، وقد تقطع". انتهى.
٦٨ - حديث "إنه أنزلت عليَّ آنفا سورة" وفي حديث جرير "ذكرك آنفا".
_________________
(١) ديوان عمر بن أبىِ ربيعة ص ٧٣ طبعة صادر.
[ ٣٢ / ٢٩٧ ]
قال أبو البقاء: " (آنفا) منصوب على الظرف، تقديره ذكرك زمانًا آنفا، أي قريبًا من وقتنا، حذف الموصوف وأقام الصفة مقامه. ويجوز أن يكون حالًا من ضمير الفاعل، أي ذكرك مستأنفًا لذكرك. ومنه قوله تعالى: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ ". انتهى.
ومثله حديث "إلاّ الدَّيْن سارَّني به جبريلُ آنفا". وحديث "هل قرأَ أَحدٌ منكم معي آنفا" وحديث "عرضت علي الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط" (١) .
وقال أبو حيان: " (آنفا) منصوب على الحال، تقديره مؤتنفًا مبتدئًا. قالَ: وأعربه الزمخشري ظرفًا، أي الساعة، ولا أعلم أحدًا من النحويين عدّه من الظروف". انتهى.
٦٩ - حديث "تلك صلاةُ المنافقِ، يَجْلسُ يرقُبُ الشَّمْسَ حتى إِذا اصْفَرَّتْ قام فنَقَر أَرْبَعًا لا يذكر الله فيها إلاّ قليلا".
قال الطيبي: (تلك) إشارة إلى ما في الذهن من الصلاة المخصوصة، والخبر بيان ما في الذهن. و(يجلس) إلى آخره جملة مستأنفة بيان للجملة السابقة. ويجوز أن تكون حالًا. و(الشمس) مفعول (يرقب)، و(إذا) ظرف معمول بدل اشتمال من الشمس، كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ﴾ (٢) . يعني يرقب وقت اصفرار الشمس. وعلى هذا (قام) استئناف. ويجوز أن يكون (إذا) للشرط، و(قام) جزاؤه. والشرطية استئنافية.
وقال الشيخ ولي الدين العراقي: "الإشارة بـ (تلك) إلى صلاة العصر التي تؤخر إلى اصفرار الشمس، وكأنه كان تقدم ذكرها من لفظ النبي ﷺ أو بحضرته، فأعاد الإشارة إليه".
٧٠ - حديث "يَتْبَعُ الميّتَ ثلاثٌ أَهْلُه ومالهُ وعَملُه، فيرجعُ اثنان ويبقى واحد".
_________________
(١) مسند أحمد ٣/١٦٢.
(٢) ٩- مسلم بشرح النووي ٥/١٢٣. مسند أحمد ٣/ ١٨٥. وفي مشكاة المصابيح: كتاب الصلاة- باب تعجيل الصلوات. مريم: آية ١٦.
[ ٣٢ / ٢٩٨ ]
قال أبو البقاء: الوجه أن يقال (ثلاثة)، لأن الأشياء المذكورة مذكرات كلها، ولذلك قال: "فيرجع اثنان ويبقى واحدا"فذكرّ. والأشبه أنه من تغيير الرواة من هذا الطريق. ويحتمل أن يكون الوجه فيه ثلاث عُلَق، والواحدة عُلْقة، لأن كلًاّ من هذه المذكورات علقة، ثم إنّه ذكرّ بعد ذلك حملًا على اللفظ بعد أن حمل الأوّل على المعنى. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾ (١) بتأنيث الأول وتذكير الثاني.
قلت: رواه البُخاري ومسلم والترمذي والنسائي بلفظ (ثلاثة)، وكذا هو في النسخة التي عندي من المسند.
٧١ - حديث "لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُم حتّى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لِنَفْسِه".
قال الحافظ ابن حجر: " (يحبَّ) بالنصب، لأن (حتى) جارة، فأَنْ بعدها مضمرة، ولا يجوز الرفع على أن (حتى) عاطفة، لأن المعنى غير صحيح، إذ عدم الإيمان ليس سببًا للمحبّة".
٧٢ - حديث "سألتُ الله ﷿ أَيّما إنسانٍ مِنْ أُمّتي دَعَوْتُ عليه أن يَجْعلَها له مغفرة".
قال أبو البقاء: " (أيّما) يجوز النصب على معنى سببته، وما بعده تفسيرٌ له، والرفع على الابتداء وما بعده خبر".
٧٣ - حديث "كان يَدْخُلُ الخَلاء".
قال ابن الحاجب وغيره (٢) هو منصوب على الظرفية، لأن (دخل) من الأفعال اللازمة، بدليل أن مصدره على فُعول، وما كان مصدره على فُعول فهو لازم. ولأنه نقيض خرج، وهو لازم فيكون هو أيضًا كذلك.
_________________
(١) سورة الأحزاب: آية ٣١- قال العكبري ﴿ومن يقنت﴾ يقرأ بالياء حملًا على لفظ مَنْ، وبالتاء على معناها ومثله ﴿وتعمل صالحًا﴾ . ومنهم من قرأ الأولى بالتاء والثانية بالياء. انظر: إملاء ما منّ به الرحمن ٢/١٩٢.
(٢) قال الرضي: اعلم أن دخلت وسكنت ونزلت تنصب على الظرفية كل مكان دخلت عليه، مبهمًا كان أولا، نحو: دخلت الدارانظر شرح الكافية ١/١٨٦.
[ ٣٢ / ٢٩٩ ]
واختار قومٌ أنه مفعول به. وعن سيبويه (١) أنه منصوب بإسقاط الخافض. وجعله الجرمي من الأفعال المتعدية تارة بنفسها وتارة بحرف الجر.
وقال أبو حيان: " (دخل) يتعدّى عند سيبويه لظرف الزمان المختص الحقيقي بغير واسطة في، فإن كان مجازيًا تعدّى إليه بواسطة في، نحو: دخلتُ في الأمر".
٧٤ - حديث "لَغَدْوةٌ في سَبيل الله أو رَوْحَةٌ خَير من الدنيا وما فيها".
قال الزركشي: (الغدوة) بالفتح المرة من غدا يغدو. و(روحة) بالفتح المرة من راح يروح. أي الخرجة الواحدة في هذا الوقت من أول النهار وآخره في الجهاد. أي ثواب ذلك في الجنة خير من الدنيا.
٧٥ - حديث "مَنْ نَسِىَ صَلاةً أَوْ نامَ عَنْها".
قال الطيبي: ضمت (نام) معنى غفل، أي غفل عنها يا حال نومه.
قوله: "فكفّارتها".
قال الطيبي: "الكفارة عبارة عن الفعلة أو الخصلة التي من شأنها أن تكفّر الخطيئة، وهي فعّالة للمبالغة كقتّالة وضرّابة، وهي من الصفات الغالبة في الاسمية".
٧٦ - حديث "العيادَةُ فُواقُ ناقَة".
قال الطيبي: (فُواق) خبر المبتدأ، أيَ زمان العيادة مقدار فواق (٢) ناقة.
٧٧ - حديث "لَبَّيْكَ عُمْرةً وحَجًّا".
قال أبو البقاء: النصب بفعل محذوف تقديره أريد عمرةً وحجا، أو نويت عمرةً وحجا.
٧٨ - حديث "كان النبي ﷺ يُصَلّي في نَعْلَيه".
قال ابن مالك: (في) هنا بمعنى باء المصاحبة، كقوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِه﴾ (٣) .
٧٩ - حديث الإِسراء، قوله: "قالوا مَرْحَبًا بِه وأَهْلًا".
هما منصوبان بفعل مضمر وجوبًا، أي صادفت رُحبًا، بضم الراء، أي سعة، ووجدت أهلًا، فاستأنس.
_________________
(١) قال سيبويه: وأما دخلته دخولًا وولَجته ولوجًا فإنما هي ولَجْتُ فيه ودخلتُ فيه، ولكنه ألقى (في) استخفافًا.. أنظر: الكتاب ٤/١٠.
(٢) الفواق ما بين الحلبتين من الوقت، أو ما بين فتح يدك وقبضها على الضرع (القاموس المحيط)
(٣) القصص: آية ٧٩.
[ ٣٢ / ٣٠٠ ]
وقال القاضي عياض والنووي: " (مرحبا) نصب على المصدر، وهو لفظ استعملته العرب وأكثرت منه، تريد به البرّ وحسن اللقاء. ومعناه صادفت رُحبًا وسعةًَ وبِرًّا".
وقال الزركشي: "هو منصوب بفعل لا يظهر. وقيل على المصدر. وقال الفراء: معناه رحب الله بك، كأنه وضع موضع الترحيب".
قوله: "فلمّا مرَّ جِبرْيلُ بالنبي ﷺ بإِدريس".
قال الكرماني: "الباء الأولى للمصاحبة، والثانية للإِلصاق".
قوله: "ونعْمَ المجَيء، جاء".
قال المظهري: "المخصوص بالمدح محذوف، وفيه تقديم وتأخير، تقديره: جاء فنعم المجيء مجيئه".
وقال ابن مالك في توضيحه: فيه شاهد على الاستغناء بالصلة عن الموصول، أو بالصفة عن الموصوف، في باب نِعْمَ، لأنها تحتاج إلى فاعل هو المجيء، وإلى مخصوص معناها، وهو مبتدأ مخبر عنه بنِعْم وفاعلها، وهو في هذا الكلام وشبهه موصول أو موصوف بجاء، والتقدير: ونعْمَ المجيء الذي جاء، أو نعم مجيء جاء. وكونه موصولًا أجود لأنه مخبر عنه، وكون المخبر عنه معرفة أولى من كونه نكرة.
قوله: "أَصَبْتَ الفِطْرةَ أَنْتَ وأُمَّتُك" (١) .
قال الكرماني: "فإن قلت كيف تقدّر العامل هنا، إذ لا يصح أن يقال أصبت أمتُك؟ قلت: يقدر على وجه ينصبُّ إلى صحة المعنى، كما يقال في قوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ " (٢) إن تقديره: ولتسكن زوجُك.
قوله: "قَدْ والله راوَدْتُ بني إسرائيل".
قال الكرماني: فإن قلت (قد) حرف لازم دخوله على الفعل. قلت: هو داخل عليه، والقسم مقحم بينهما لتأكيده.
قوله: "بيت المقدس".
قال أبو علي الفارسي: لا يخلو إما أن يكون مصدرًا أو مكانًا، فإن كان مصدرًا كان كقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُم﴾ (٣) ونحوه من المصادر. وإن كان مكانًا فمعناه بيت المكان الذي جعل فيه الطهارة، أو بيت مكان الطهارة".
_________________
(١) البخاري: كتاب الأشربة- باب شرب اللبن.
(٢) البقرة: آية ٣٥.
(٣) الأنعام: آية ٦٠. يونس: آية ٤
[ ٣٢ / ٣٠١ ]
وقال الزجاج: "أي بيت المكان الذي يطهر فيه من الذنوب".
قوله: "فإذا أنا بابني الخالة".
قال الأزهري: "قال ابن السكيت (١): يقال هما ابنا عمّ ولا يقال ابنا خال، ويقال هما ابنا خالة ولا يقال ابنا عمة" (٢) .
قوله: "إذا هو قد أُعطي شَطر الحسن".
قال الطيبي: "بدل من الأول في معنى بدل الاشتمال".
قوله: "مسندًا ظهره".
قال الطيبي: "منصوب على الحال. وروي بالرفع على حذف المبتدأ".
قوله: "يدخلُه كلَّ يَوْمٍ سبعون ألفَ مَلَكٍ إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه آخر ما عليهم".
قال النووي: "قال صاحب المطالع (٣): (آخر) برفع الراء ونصبها، فالنصب على الظرف، والرفع على تقدير ذلك آخر ما عليهم من دخوله. قال: والرفع أَوْجَه".
قوله: "كُتبت له حسنة".
قال الطيبي: " (كتبت) مبني للمفعول، والضمير فيه راجع إلى قوله (حسنة) . و(حسنةً) وضعت موضع المصدر، أي كتبت الحسنة كتابة واحدة، وكذا (عشرا) وكذا (شيئًا) منصوبان على المصدر".
قوله: "فشُقّ من النَّحرْ إلى مَراقِّ البطن".
قال الجوهري:" [مراق [، لا واحد لها".
وقال الواحدي: "واحدها مَرَق".
٨٠- حديث "رُصُّوا صُفُوفَكُم وقارِبوا بَيْنَها وحاذُوا بالأَعْناق، فوالذي نَفْسي بيده إني لأرى الشَّيطانَ يَدْخُلُ مِنْ خَلَلِ الصفّ كأَنَّها الحَذَف".
قال المظهري في شرح المصابيح: الضمير في (كأنها) راجع إلى مقدر، أي جعل نفسه شاة أو ما عزة كأنها الحذف.
_________________
(١) إصلاح المنطق ص ٣١٢.
(٢) من قوله (بيت المقدس) إلى هنا، الكلام كفُه في مسلم بشرح النووي ٢/ ٢١١ وما بعدها.
(٣) مطالع الأنوار على صحاح الآثار: في فتح ما استغلق من كتاب الموطأ ومسلم والبخاري، في غريب الحديث، لابن قرقول إبراهيم بن يوسف المتوفى سنة ٥٦٩ هو وضعه على منوال مشارق الأنوار للقاضي عياض. انظر: كشف الظنون ٢/ ١٧١٥.
[ ٣٢ / ٣٠٢ ]
وقال الطيبي في شرح المشكاة: الضمير إذا وقع بين شيئين أحدهما مذكر والآخر مؤنث يجوز تذكيره وتأنيثه، كما في قولهم: من كانت أمَّك، ومن كان أمَّك. وهنا الحَذَف مؤنث، والشيطان شُبّه بها، فيجوز تأنيث الضمير باعتبار الحَذَف وتذكيره باعتبار الشيطان.
٨١ - حديث "ما مِنْ أَحدٍ يومَ القِيامة غَنِيّ ولا فَقير إلاّ وَدَّ أَنما كان أُوتي مِنَ الدّنيا قوتا".
قال أبو البقاء: (مِنْ) زائدة. و(غني) بالرفع صفة لأحد على الموضع، لأن الجار والمجرور في موضع رفع. ونظيره قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ بالرفعٍ على الموضع وبالجر على اللفظ. ويجوز في الحديث (غنيٍ ولا فقيرٍ) بالجر على اللفظ أيضًا.
٨٢ - حديث "كان لا تشاء أَنْ تَراه مِنَ الليل مُصَلِّيًا إلاّ رأَيْتَه".
قال المظهري: " (لا) بمعنى ليس، أو بمعنى لم، أي لست تشاء أولم تكن تشاء، أو تقديره لا زمان تشاء".
وقال الطيبي: "لعل هذا التركيب من باب الاستثناء على البدل، وتقديره على الإثبات أن يقال: إن تشأ رؤيته متهجدًا رأيته متهجدًا، وإن تشأ رؤيته نائمًا رأيته نائمًا، يعني كان أمره قصدًا لا إسراف ولا تقصير".
٨٣ - حديث "الصَّلاةَ وما مَلكَتْ أَيْمانكُم".
هو منصوب على الإغراء.
قال ابن مالك في شرح الكافية: "معنى الإغراء إلزام المخاطب العكوف على ما يحمد العكوف عليه من مواصلة ذوي القربى والمحافظة على عهود المعاهدين، ونحو ذلك. كقولك لمن تغريه برعاية الخلة وهي المودّة: الخلّةَ الخلِّةَ. أي إلزام الخلة. والثاني من الاسمين بدل من اللفظ بالفعل. وكذا المعطوف كقولك لمن تغريه بالذبّ والحميّة: الأهلَ والولدَ. أي الزم الذبّ عنهم. وقد يجاء باسم المغرى به مع التكرار مرفوعًا، قال الشاعر:
إِن قَوْمًا مِنْهمُ عُميرٌ وأشبا
هـ عُمَيْرٍِ ومنهُمُ السَّفّاحُ
لجَديرونَ بِالوفاء إذا قا
ل أَخُو النًجدةِ السِّلاحُ السِّلاحُ"
[ ٣٢ / ٣٠٣ ]
٨٤ - حديث "اللهمَّ إنّي أَشْهَدُ أَنَّك أَنْتَ الله لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ أَحَدًا صَمَدا ".
قال الطيبي: " (أحدًا صمدًا) منصوبان على الاختصاص، كقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ إلى قوله: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ (١) . وروي مرفوعان معرّفان صفتان لله".
٨٥ - حديث "إنَّ الحَمْدَ لله وسُبْحانَ الله ولا إِله إِلاّ الله والله أَكْبرُ تُساقِطُ ذُنَوبَ العَبْدِ كما يتساقطُ وَرَقُ الشجَّر".
قال الطيبي: (تُساقط) بضم التاء. وقوله: (كما يتساقط) إن جعل صفة مصدر محذوف لم تبق المطابقة بين المصدرين، وإن جعل حالًا من الذنوب استقام، ويكون تقديره: تساقط الذنوب، مشبهًا تساقطها بتساقط الورق.
٨٦ - حديث "قُلت: يا رسولَ الله وَلَدَتْ أُمُّ سُلَيم، قال: الله أكبر، ما وَلَدَت؟ قلت: غُلامًا. قال: الحَمْدُ لله، هاتِه".
سئل أبو محمد بن السِّيد البطليوسي عن قولهم: "ما ولد لفلان؟ ولم يقولوا: مَنْ ولد لفلان؟ فأجاب بأن هذا توهمّ من السائل، وأن (مَن) أكثر استعمالًا وأذهب في القياس". انتهى.
وقوله: (غلامًا) بالنصب لأنه جواب ما المنصوبة بولدت، على حدّ قوله تعالى: ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرا﴾ (٢) .
وقوله: (هاته) يحتمل أن تكون هاء السكت، وأن تكون هاء المفعول، فيستدل به على أن (هات) فعل.
وقوله في الطريق الآخر "لعلّ أم سُلَيم ولدت" (٣) .
الظاهر أن (لعل) للاستفهام كقوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ (٤) . وقال النبي ﷺ لبعض الأنصار وقد خرج إليه مستعجلًا: "لعلَّنا أعجلناك".
_________________
(١) آل عمران: آية ١٨.
(٢) ٦- مسند أحمد ٣/١٨١. سورة النحل. آية ٣٠.
(٣) الطريق الآخر للحديث في مسند أحمد ٣/١٩٦.
(٤) عبس: آية ٣.
[ ٣٢ / ٣٠٤ ]
٨٧ - حديث "إنّ رَجُلَين مِنْ أَصْحاب النبيِّ ﷺ خرَجا مِنْ عند رسول الله ﷺ في ليلة مُظلمة ومعهما مِثلُ المِصباحَينِ يُضيئانِ بًينَ أيديهما".
قال الكرماني: "قال الزمخشري: (أضاء) إما متعدّ بمعنى نوّر، وإما غير متعدّ بمعنى لَمعَ". قال: "فقوله: (بين أيديهما) مفعول فيه إن كان فعل الإضاعة لازمًا، ومفعول به إن كان متعديًاَ".
٨٨ - حديث "أما تَرْضَى أَنْ تكونَ لهم الدُّنيا ولَنا الآخِرة".
ليست (أما) هذه الاستفتاحية، وإنما هي (ما) النافية دخلت عليها همزة الاستفهام. ولهذا قال عمر في الجواب: "بلى".
ومثله حديث "أما يخشى أحدُكم إذا رفع رأسه في الصلاة أن لا يرجع إليه بصره". وحديث "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحوّل الله رأسه رأس حمار". وحديث "أنه رأى رجلًا شعثًا فقال: أما كان يجد هذا ما يسكِّن به رأسه".
قالت ابن هشام في المغني: زاد المالقي لِـ (أَمَا) معنى ثالثًا، وهو أن تكون حرف عرض بمنزلة لولا، فتختص بالفعل، نحو: أما تقوم، أما تقعد، وقد يُدّعى في ذلك أن الهمزة للاستفهام التقريري مثلها في: ألم، وألا، وأنّ (ما) نافية.
٨٩ - حديث "لما ثَقُلَ رسَولُ الله ﷺ جَعلَ يتغشَّاه الكَرْب. فقالت فاطمة: واكَرْبَ أَبَتاه. فلما مات قالت: يا أَبتاه، أجاب ربًّا دَعاه، يا أبتاه مِنْ رّبه ما أدناه".
قال الزركشي: "رواه مبارك بن فضالة عن ثابت (واكرباه) ".
وقال الطيبي: " (يا أبتاه) أصله يا أبي، فالتاء بدل من الياء لأنهما من حروف الزوائد، والألف للندبة لمدّ الصوت، والهاء للسكت".
قال: وقوله: " (مَنْ جَنّةُ الفِرْدَوس) وقع مَنْ موصولة، وفي بعض النسخ وقعت جارة. والأول أنسب لأنه من وادي قولهم: وامَنْ حفر بئر زمزماه".
[ ٣٢ / ٣٠٥ ]
٩٠ - حديث "لمَّا قَدِمَ رسولُ الله ﷺ المدينةَ أَتاه المهاجرون فقالوا: يا رسولَ الله ما رأينا قومًا أَبْذَلَ مِنْ كثيرٍ ولا أَحْسَنَ مواساةً من قليلٍ من قَوْمٍ نَزَلْنا بَيْنَ أَظْهُرِهم".
قال الطيبي: الجاران والمجروران- أعنى قوله: (من كثير ومن قليل) - متعلقان بالبذل والمواساة. وقوله (من قوم) صلة لأبذل وأحسنَ على سبيل التنازع، وقوم هو المفضّل.
٩١ - حديث "إِذا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ فَقَد اسْتكْمَلَ نِصْفَ دينه فَلْيَتَّقِ الله في النِّصفِ الآخر".
قال الطيبي: قوله: (فقد استكمل) يحتمل أن يكون جوابًا للشرط، و(فليتق الله) عطف عليه. ويجوز أن يكون الجواب الثاني والأول عطف على الشرط، فعلى هذا السبب مركب والمسبب مفرد. فالمعنى أنه معلوم أن التزوج نصف الدين، فمن حصّل هذا فعليه بالنصف الباقي. وهذا أبلغ لما يؤذن أنه مقرر ومعلوم أن التزوج يحصّن نصف الدين.
وعلى الوجه الآخر إعلام بذلك فلا يكون مقررًا. وعلى الأوّل السبب مفرد والمسبب مركب. وفيه إعلام أن التزوج سبب لاستكمال نصف الدين المترتب عليه تقوى الله تعالى.
٩٢- حديث "اللهُمَّ إِنَّكَ إنْ تَشأْ لا تُعْبَد بَعْدَ اليوم".
قلت: الفصيح في مثل هذا جزم (تعبدْ) جوابًا للشرط، وجملة الشرط وجوابه خبر إنّ.
ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا﴾ . وقد يرفع كقول الشاعر:
يا أقرعُ بْنَ حابسٍ يا أقرعُ
إنّك إنّ يُصْرَعْ أخوك تُصْرَعُ
وقال الكرماني: "مفعول (إن تشأْ) محذوف، وهو نحو: إنّ تشأْ هلاكَ المؤمنين. إذ (لا تعُبدْ) في حكم المفعول، والجزاء محذوف".
٩٣ - حديث "مَنْ يَشْتري العبد؟ فقال: يا رسول الله، إذن والله تجِدَني كاسدا".
فيه الفصل بين إذن والفعل بالقسم وهو شائع مغتفر.
٩٤ - حديث "لَوْ خَرَجْتُم إِلى ذَوْدٍ لَنا فَشَرِبْتُم مِنْ أَلْبانِها".
قلت: فيه حذف جواب لو، أي لنفعكم أو لشفيتم.
[ ٣٢ / ٣٠٦ ]
قال ابن يعيش: "قد يحذف جواب (لو) كثيرًا. قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ الجواب محذوف تقديره أي لرأيت سوء منقلبهم، ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَال﴾ (١) أي لكان هذا القرآن. ومن ذلك (لَوْ ذاتُ سِوارٍ لَطَمْتني) لم يأت بجواب، والمراد لانتصفْتُ. وذلك كلّه للعلم بموضعه. وقال أصحابنا إن حذف الجواب في هذه الأشياء أبلغ في المعنى من إظهاره، لأن الإِبهام أوقع في النفس".
٩٥ - حديث "إنه ﷺ أُتي بالبُراقِ فاسْتَصْعَبَ عليه، فقال له جبريل: أبمحمد تفعلُ هذا؟ فو الله مَا رِكِبَكَ أَحدٌ قطُّ أكرم على الله منه. قالت: فأرْفَض عَرَقا".
] عرقا [هو منصوب على التمييز المحوّل عن الفاعل.
٩٦ - حديث "آتي بابَ الجنَّةِ فأَسْتَفتحُ، فيقولُ الخازِنُ: مَنْ؟ فأقول: مُحَمّد. فيقول: بِكَ أُمِرْتُ أَنْ لا أفتح لأحدٍ قَبْلَك".
قال الطيبي: " (بك) متعلق بأمرت، والباء للسببيّة قدّمت للتخصيص.
المعنى: بسببك أمرت بأن لا أفتح لغيرك لا بشيء آخر. ويجوز أن يكون صلة للفعل، و(أن لا أفتح) بدلًا من الضمير المجرور، أي أمرت بأن لا أفتح لأحدٍ غيرك". اهـ.
٩٧ - حديث "وإذا صلَّى جالِسًا فصلُّوا جُلوسًا أجمعون".
قال الزركشي:] أجمعون [هو تأكيد لضمير الفاعل في قوِله (فصلوا) . ويروى (أجمعين) وفيه وجهان، أحدهما: أن يكون حالًا أي مجتمعين، أو تأكيدًاَ لقوله (جلوسًا) . ولا يجيء عند البصريين لأن ألفاظ التأكيد معارفْ.
٩٨ - حديث "مَنْ صَلَّى الضُّحى ثنْتي عَشْرةَ رَكْعَةً بَنَى الله له قَصْرًا في الجنّة".
قال الحافظ زين الدين العراقي في شرح الترمذي: "يحتمل أن يكون (الضحى) مفعول صلَّى، أقي صلاة الضحى. و(ثنتي عشرة) تمييز. ويحتمل أن يكون مفعول صلّى قوله (ثنتي عشرة ركعة) وأن يكون (الضحى) ظرفًا، أي من صلِّى وقت الضّحى".
٩٩ - حديث "إنّي لأَخْشاكُم لله".
_________________
(١) الرعد: آية ٣١.
[ ٣٢ / ٣٠٧ ]
قال الطيبي: (لله) مفعوٍل لأخشاكم. وأفَعْلَ لا يعمل في الظاهر إلاّ في الظرف.
قال: "وقوله: "ولكنّي أصومُ وأفْطِر" المستدرك منه مقدّر، أي أخشاكم لله فينبغي أن أقوم في العبادة إلى أقصى غايتها، لكني أقصد فيها فأصوم وأفطر وأصلي وأنام. وقوله: "فَمَنْ رَغِبَ عن سُنّتي" الفاء متعلقة بمحذوف، أي لكني أفعل ذلك لأبين للناس الطريقة المثلى والسنة العظمى، فمن رغب عنها فليس مني. و(مِنْ) في (مِنّي) إيصالية كما في قوله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْض﴾ (١) . وقوله: "مَنْ لم يوتر فليس منّا" (٢) أي فليس بمتصل بنا وبهدينا وطريقتنا. وقول الشاعر:
فإني لستُ منك ولسمتَ منّي" انتهى.
١٠٠ -حديث "أنه ﷺ قال: يا معاذ بْنَ جَبَل".
هو بنصب (ابن) لا غير، ويجوز في (معاذ) الضمّ والفتح.
قال ابن مالك في شرح الكافية (٣)
_________________
(١) التوبة. آية ٦٧
(٢) مسند أحمد ٢/٤٤٣، ٥/ ٣٨٥.
(٣) نظر: ديوان النابغة الذبياني ص ١٢٣- طبعة دار صادر- بيروت شرح أبيات سيبويه لابن السيرافي- تحقيق د. محمد علي سلطاني ٢/٣٣٥. وقد أستشهد سيبويه بالبيت على حذف ياء المتكلم تشبيهًا بياء القاضي، قال سيبويه ٤/١٨٦: (ودلك قولك هذا غلامْ وأنت تريد هذا غلامي،.. وقال النابغة: إذا حاولت في أسدٍ فجورًا فإني لستُ منكَ ولست منْ يريد منيّ. وقال النابغة. وهم وردوا الجفار على تميمٍ وهم أصحابُ يوم عكاظ إنْ يريد. إنّي سمعنا ذلك ممن يرويه عن العرب الموثوق بهم. وترك الحذف أقيس)
(٤) الحديث عن أنس: "أن نبي الله ﷺ كان في بعض أسفاره، ورديفه معاذ بن جبل، ليس بينهما غير أخرة الرحل، إذا قال نبي الله ﷺ يا معاذ بن جبل". مسند أحمد ٣/ ٢٦٠ البخاري: كتاب العلم- باب من خصّ بالعلم قومًا ١/٢٢٦. مسلم بشرح النووي ١/٢٣٠. شرح الكافية الشافية لابن مالك ٣/١٢٩٧.
[ ٣٢ / ٣٠٨ ]
: "يجوز في العلم المضموم في النداء أن يفتح إذا وصف بابن متصل مضافًا إلى علم نحو: يا زَيْدَ بْنَ عَمْرو. ولا يمتنع الضمّ، وهو عند المبردّ أولى من الفتحً".
وقال الأبَّدَي في شرح الجزولية: الضمّ على أصله يا النداء، ونصب الابن على النعت، لأنه لا يستعمل في الخبر إلاّ نعتًا فكذا يكون في النداء، والفتح على التركيب وجعلهما اسمًا واحدًا، وكأن حرف الإعراب على هذا في آخر النعت.
وقوله: "ما مِنْ أحدٍ يَشْهَدُ أًنْ لا إِله إلاّ الله وأنّ محمدًا رسول الله صِدْقا مِنْ قلبه إلاّ حرَّمَه الله على النار".
قال الكرماني: "هو استثناء من أعمّ الصفات، أي ما أحد يشهد كائنًا بصفة إلاّ بصفة التحريم".
وقوله: "أَفَلا أً خبرُ بِه الناسَ فيَسْتبْشِروا".
هو منصوب في جواب العرض. وروي (فيستبشرون) بالرفع، أي فهم يستبشرون، كقوله تعالى: ﴿وَلا يُؤْذَنُ ل َهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (١) .
[مسند أنس بن مالك يتبع في العدد القادم]
_________________
(١) المرسلات: آية ٣٦.
[ ٣٢ / ٣٠٩ ]