د/ سليمان إبراهيم العايد
الأستاذ المشارك ورئيس قسم الدراسات العليا العربية في جامعة أم القرى
ملخص البحث
جمع هذا البحث آراء اللغويين، وما قالوه في الكلمات الواردة على وزن (فَعَل) مفيدًا الجمعية ودرس اشتقاقها وتصريفها من خلال:
مقدمة عن وزن (فَعَل) في العربية، وجموع التكسير، وأن دلالة الكلمة على الجمعية تكون بالمادة أو بالزيادة في آخرها، أو بتغيير صورتها ولو تقديرًا، أو بالاستعمال. ثم التفريق بين جمع التكسير واسم الجمع من حيث المعنى واللفظ.
ثم سرد الباحث ما جمعه من كلمات دالة على الجمعِ، وهي على (فَعَل) ومفردها (فاعل) وأورد فيها ما قاله أهل اللغة، ثم عرض لما ورد على (فَعَل) ومفرده ثلاثي قبل آخره حرف مدٍ زائد. ثم عرض لما جاء على (فَعَل) مما يفرق بينه وبين واحدة بالتاء، وهذا هو اسم الجنس الجمعي. ثم عرض لما جاء من الأسماء على (فَعَل) مفيدًا الجمعية، ولا واحد له من لفظه، وهو ضربان: ضرب وضع للدلالة على الجمع، وضرب يصلح للدلالة على الجمع وغيره وضعًا، والاستعمال يُعين المراد. ثم فرق الباحث بين اسم الجمع واسم الجنس الجمعي بما هو معروف عند أهل العربية.
ثم ذكر الباحث مسائل تتعلق بصيغة (فَعَل) وما ورد عليها من ألفاظ تفيد الجمع: فَعَل جمع تكسير أو اسم جمع؟ وعرض رأي الأخفش، والفرّاء، وما يرتب عليهما من أحكام، وانتهى من هذا إلى أن إطلاق الجمع على (فَعَل) من باب التجوز. ونوقش ما يفهم من كلام بعضهم من أن (فَعَل) أصله (فَعَلة) ثم نقص بحذف تائه.
ثم عرض لما ورد من أسماء الجمع على وزنين، أحدهما (فَعَل)، ونقل (فَعَل) عن المصدرية، وورود (فَعَل) على خلاف الأصل، في تصحيح عينه، وفك إدغامها مع استحقاقه.
ثم ختم البحث بدلالةْ (فَعَل) حين تفيد الجمعية، وأنها تفيد الكثرة.
[ ٣٥ / ٣٦٠ ]
مقدمة: عن فعل، والجمع، واسم الجمع، والتفريق بينهما:
من أوزان العربية الدَّوارة (فَعَل) وهو وزن كثير الشيوع في كلم العربية، ترد عليه الأسماء والأفعال، بل هو أم باب الأفعال الماضية، والأسماء ترد عليه، سواء كانت أسماء معنًى، أو أسماء ذاتٍ، مثل جَبَل وقَمَر، وكرم، وسَخَط، وهو من أخف أوزان العربية، ولهذا كثر استعماله، وورود الكلم عليه، وامتنعوا من تخفيفه إلى أخف منه، كأن تسكن عينه، وامتنعوا من التفريع فيه في الأفعال، فلا يقولون في (ضرَبَ): ضَرْبَ، كما امتنعوا من التفريع فيه في الأسماء، فلا يقولون في (جَبَل) و(قَمَر): جَبْل وقَمْر. وما ورد منه عنهم يحفظ ولا يقاس عليه.
ومجيء المفرد عليه أمر لا يستغرب، بل المستغرب ورود الجمع، وهو غير معدود من أوزانه؟ لأن الجمع الذي كُسرت فيه صورة المفرد: إما أن يكون جمع قلة، أو جمع كثرة. فالقلة له أوزان أربعة، جمعها ابن مالك بقوله:
ثُمّتَ أفعال جموعُ قِلّةْ [١]
أَفْعلَةٌ أَفْعلُ ثم فِعْلَةْ
وأما جمع الكثرة فقد حصروا أوزانه- غالبًا - في ثلاثة وعشرين وزنًا، هي: فُعْلٌ كحُمرِ، وفُعُل كحُمُر، وفُعَل كغُرفَ، وفِعَل كحِجَج، وفُعَلَة كقضاة، وفَعَلَة ككتبة، وفَعْلَى كقَتْلَىَ، وفِعَلَة كدِرَجَة وقِرَدَة، وفُعَّل كَرُكَّع، وفعَّال كصُوَّام، وفِعَال كجمَال، وفُعُول ككُعُوب، وفِعْلان كغِرْبان، وفُعْلان كقُضْبَان، وفُعَلاء كظُرَفاء، وأَفْعِلاء كأَغنِياء، وفَواعِل كجَواهِر، وفَعائل كرَسائِل، وفَعالي وفَعالَى كصَحاريَ، وفَعاليُّ ككَراسِيّ، وفَعالِل كَبراثِن، وشبه فَعالِل، وهو ما يُماثِل فَعالِل فَي عدد الحروف وضَبطها، وإن خالفها في الميزان الصرفي، كأفاضل ومساجد وصيارف.
[ ٣٥ / ٣٦١ ]
هذه هي الأوزان التي ترد عليها الجموع، ولكل وزن مواضع يرد فيها، قياسًا، أو غالبا، أو قليلًا، وهو مبين في موضعه من كتب العربية. وأنت ترى أنهم لم يعدوا (فَعَلًا) من أوزان جموع التكسير، وهي قد وردت دالة على الجمع، فهل هي جمع أو غير جمع؟.
إن ما يدل على الجمع في العربية أنه:
نوع يدل على الجمع بمادته مثل حزب، وفئة، وطائفة، وثُلَّة، وغير ذلك، فهذا لا يتناوله الجمع بالمصطلح الصرفي، وإن دل عليه.
ونوع يدل على الجمع بزيادة تزاد في آخره: واو أو ياء ونون، أو ألف وتاء، دون أن يحدث في صورة المفرد تغيير ما، فهذا النوع من الجمع يسمى جمع التصحيح، وهو نوعان: جمع مذكر سالم، وجمع مؤنث سالم.
ونوع يدل على الجمع بتغيير في صورة المفرد ولو تقديرًا، وهذا نوعان: نوع يكون من الأوزان المعروفة السبعة والعشرين، فهذا يسمى جمع التكسير، ونوع يكون من غير الأوزان المعروفة، فهذا يسمى اسم الجمع. ثم إن هذا النوع إما أن لا يكون له مفرد فالتفريق بينه وبين الجمع سهل، إذ يكون على غير أوزان الجمع. وإما أن يكون له مفرد، فيفرق بينه وبين جمع التكسير بأن يقال:
يتفق جمع التكسير قلة أو كثرة، واسم الجمع في الدلالة على ثلاثة فأكثر وضعًا، ويختلفان في الأحكام اللفظية، لأن اسم الجمع في حقيقتِه اسم مفرد وُضع لمعنى [٢] الجمع فقط، ولا فرق بينه وبين الجمع إلا من حيث اللفظ، وذلك لأن لفظ هذا مفرد، بخلاف لفظ الجمع. ولهذا أخذ أحكام المفرد اللفظية، مثل:
١- التصغير؛ إذ المسموع في تصغير نحو ركب: رُكيب، قال الشاعر:
إلى أهل نارٍ من أُناس بأسودا
وأين رُكَيْبٌ واضعون رحالهم
وأنشد أبو عثمان عن الأصمعي لأُحَيْحَةَ بن الجُلاح:
أخشى رُكَيبًا أو رُجَيْلًا عاديَا
بنيته بِعُصبَةٍ من مالِيَا
[ ٣٥ / ٣٦٢ ]
وهذا نص في محل النزاع، إذ لو كان جمعًا مكسرًا لرُد إلى الواحد، فأما قول أبي الحسن: رُويكبون فهو شيء يقوله على مقتضى قياس مذهبه، والمسموع غيره [٣] .
ولا يعترض على هذا بتصغير جموع القلة على لفظها، دون الرد إلى المفرد، لأن دلالة اسم الجمع على الكثرة، والقلة داخلةٌ فيها.
٢- الإخبار باسم الجمع عن (هو) بخلاف الجمع المكسر، لأن الجمع مؤنث، واسم الجمع مذكر، تقول: هو الرَّكْب، وهذا السَّفْر، وهو الجامِل والباقِر، والأدَم والعَمَد، ونحو ذلك، ولو كان مكسرًا لقلت: هي، وهذه [٤] . وتقول: هي الجمال، وهذه الجمال.
٣- الإشارة إليه بالمذكر، وهو مثل ما تقدم، تقول: هذا الركب الخ.
٤- عودة ضمير المفرد إليه، تقول: الرَّكْبُ رجع، قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [٥]
٥- النسب في اسم الجمع إلى لفظه، دون حاجة للرد إلى المفرد، وأما الجمع فالنسب فيه إلى المفرد، ثم يجمع بعد ذلك؟ إن كان المنسوب جمعًا [٦] .
وكل اسم جاء وقد دل على الجمع بغير مادته، أو زيادة في آخره، وهو على غير وزن من أوزان جمع التكسير المعروفة، وجازت عليه الأحكام اللفظية المتقدمة، فليس بجمع، وإنما هو اسم للجمع ومن ذلك ما ورد على (فَعَلٍ) .
الفصل الأول: ما ورد على (فَعَلٍ) دالا على الجمعية، وهو أنواع أربعة:
النوع الأول: ما ورد على (فَعَلٍ) ومفرده (فاعِل) وأقربه في التناول ما جمعه ابن مالك من ألفاظ، جمعت على (فَعَل) ومفردهَا على (فاعل)، في كتابه (نظم الفوائد)، قال:
فصل في فَعلٍ جمع فاعل
جمعًا بالنقلِ فخذ مثلا
فعلِ للفاعل قد جعلا
خدمًا رصداَ روحًا خَوَلًا
تبعاَ حرسًا حفدًا خبلا
غيبًا فرطًا قفلًا هملا [٧]
سلفًا طلبًا ظعنًا عسسًا
فهذه ألفاظ مفردها على ورن (فاعل) وبعضها ألفاظ قرآنية، مثل:
[ ٣٥ / ٣٦٣ ]
حَرَس: في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا﴾ [٨] .
قال الراغب: (الحرس والحراس: جمع حارس، وهو حافظ المكان) [٩] . وقال الزمخشري: الحرس: اسم مفرد في معنَى الحراس، كالخدم في معنى الخدام، ولذلك وُصف [بالمفرد] ولو ذهب إلى معناه لقيل: شدادًاَ، ونحوه:
أخشى رُجيلًا أو رُكيبًا عاديَا [١٠]
وقال أبو حيان: (الحرس: اسم جمع، الواحد حارس جمع على أحراس) [١١]
رصد: في قوله تعالى: ﴿مَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [١٢] وقوله: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ . قال الراغب: والرصد: يقال: للراصد الواحد، وللجَماعة الراصدينِ، وللمرصود واحدًا كان أو جمعًا. وقوله تعالى: ﴿يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [١٣] يحتمل كل ذلك [١٤] . وقال الزمخشري: "الرصد: مثل الحرس، اسم جمع للراصد على معنى: ذوي شهاب راصدين بالرجم، وهم الملائكة الذين يرجمونهم بالشهب، ويجوز أن يكون صفة للشهاب بمعنى الراصد" [١٥] .
تبع: وهي لفظة، قد وردت في قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ [١٦] قال الزمخشري: تبعًا: تابعين، جمع تابع على تبع، كقولهم: خادم وخدم، وغائب وغيب، أو ذوي تبع، والتبع: الأتباع) [١٧] . وقال أبو حيان: "تبعًا: يحتمل أن يكون اسم جمع لتابع كخادم وخدم، وغائب وغيب، ويحتمل أن يكون مصدرًا، كقوله: عدل ورضًا" [١٨] . وفي اللسان التبع: اسم للجمع، ونظيره: خادم وخدم، وطالب وطلب، وغائب وغيب، وسالف وسلف، وراصد ورصد، ورائح وروح، وفارط وفرط، وحارس وحرس، وعاس وعسس، وقافل من سفره وقَفَلٌ، وخائل وخول، وخابل وخبل، وهو الشيطان، وبعير هامل وهَمَل، وهو الضال المهمل، قال كراع: كل هذا جمع، والصحيح ما بدأنا به، وهو قول سيبويه فيما ذكر من هذا، وقياس قوله فيما لم يذكره منه.
[ ٣٥ / ٣٦٤ ]
والتبع يكون وٍاحدًا وجماعة. وقوله ﷿: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ يكون اسمًا لجمع تابع، ويكون مصدرا، أي: ذوي تبع، يجمع على أتباع [١٩] .
عبد: في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوت﴾ [٢٠] . قرأ ابن عباس وابن أَبي عبلة "وعبد الطاغوت"يريد: وعبدة جمع عابد كفاجر وفجرة، وحذف التاء للإضافة، أو اسم جمع كخادم وخدم، وغائب وغيب، وقُرِيء "وعبدة الطاغوت"بالتاء، نحو فاجر وفجرة [٢١] .
خدم: يأتي بمعنى خُدَّام، واحده خادم غلامًا كان أو جارية، وإنما وقع على الذكر والأنثى لإجرائه مجرى الأسماء غير المأخوذة من الأفعال كحائض وعاتق، وفي حديث عبد الرحمن: أنه طلق امرأته فمتعها بخادم سوداء، أي: جارية، وهذه خادمنا بغير هاء، لوجوبه، وهذه خادمتنا غدًا.
والخدم: اسم للجمع كالعزب والروح. والأنثى خادم وخادمة، عربيتان فصيحتان، والخدم أيضًا: جمع الخَدَمةِ، وهي السير الغليظ المحكم، مثل الحلقة، يشد في رسغ البعير، ثم يشد إليها سرائح نعلها [٢٢] .
الحفد والحفدة: الأعوان والخدمة، واحدهم حافد، مثل القاعد والقعد، قال ابن عرفة: الحفد عند العرب: الأعوان، فكل من عمل عملًا أطاع فيه وسارع فهو حافد قال:
لها حفَدٌ مما يُعَدُّ كَثِيرُ
فلو أن نفسي طاوعتني لأصبحت
أي: خدم، حافد وحَفَدٌ، وحَفَدَةٌ جميعا، ويقال: حفدت وأحفدت، وأنا حافد ومحفود، وحفد وحفدة جمع حافد [٢٣] .
الخبل: له معانٍ: الجنُّ، والإنس، والجراحة، والمزادة، وجودة الحُمق بلا جنون، والقربة الملأى، وخبلت يده: إذا شلت يده، والخبل، بالتحريك: الجنُّ وهم الخابل، وقيل: الخابل: الجنُّ، والخبل: اسم الجمع كالقعد والروح اسمان لجمَع قاعد ورائح، وقيل: هو جمع، قال ابن بري، ومنه قول حاتم:
مهلًا! ولو كنت أعطي الجن والخبلا
ولا تقولي لشيء كنت مهلكه
[ ٣٥ / ٣٦٥ ]
قال الخبل: ضرب من الجنَّ، يقال لهم: الخابل، أي: لا تعذليني في مالي ولو كنت أعطيه الجن، ومن لا يثني عليَّ [٢٤] .
الخلف: انظر السلف.
الخول: اسم لجمع خائل كرائح وروح، وليس بجمع خائل، لأن فاعلًا لا يكسر على (فَعَل) وقد خال يخول خولًا، وخال على أهله خولًا وخيالًا، ويقال: إنه لخال مال، وخائل مال، وخول مال، أي: حسن القيام على نَعَمِهِ، يدبره ويقم عليه.
وخول- كعرب- مفرده خوليّ كعربيّ، وهو الراعي الحسن القيام على المال والغنم. والخول أيضًا: أصل فأس اللجام. وخول الرجل: حشمه، الواحد خائل. وقد يكون الخول واحدًا، وهو اسم يقع على العبد والأمة، قال الفراء: هو جمع خائل، وهو الراعي، وقال غيره: هو مأخوذ من التخويل، وهو التمليك، قال ابن سيده: الواحد والجمع والمذكر والمؤنث في ذلك سواء، وهو مما جاء شاذًا عن القياس، وإن اطرد في الاستعمال [٢٥] .
الروح: مفرده الرائح اسم فاعل، من راح يروح رواحًا، مقابل قولك: غدا يغدو غدوًا، ورجل رائح من قوم رَوَحٍ، اسم للجمع. وطير رَوَحٌ: متفرقة، قال الأعشىَ:
من غراب البين، أو تَيس سنحْ
ما تعيف اليوم في الطير الروَحْ
ويروى: الروح، وقيل: الروح في هذا البيت: المتفرقة، وليس بقوي، إنما هي الرائحة إلى مواضعها، فجمع الرائح على رَوحٍ، مثل خادم وخدم.
قال الأزهري في هذا البيت: قيل: أراد الروحة، مثل الكفرة والفجرة، فطرح الهاء. قال: والروح في هذا البيت: المتفرقة [٢٦] .
سلف: سلف يسلف سلفًا، مثل طلب يطلب طلبًا أي: مضى وسلف الرجل: آباؤه المتقدمون، والجمع أسلاف وسُلافٌ. وقال ابن بَري: سُلاف ليس بجمع لسلف، وإنما هو جمع سالف للمتقدم، وجمع سالف أيضًا: سلف، ومثله خالف وخلف. ومنه قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلآخِرِينَ﴾ [٢٧] . والسلف: القوم المتقدمون في السير، قال قيس ابن الحطيم:
رَيْثَ يُضَحي جِمالَهُ السلفُ
[ ٣٥ / ٣٦٦ ]
لو عرَّجُوا ساعة نُسائلهم
وسمي الصدر الأول من التابعين السلف الصالحين [٢٨] .
طلب: يقال: طالب وطلب، مثل خادم وخدم [٢٩] .
ظعن: الظُّعُنُ والظَّعَنُ:- الظاعنون، فالظُّعُنُ جمع ظاعن، والظَّعَنُ: اسم الجمع- ظعن يظعَن ظَعْنًا، وظَعَنًا بالتحريك، وظعُونًا: ذهب وسار [٣٠] .
عزب: العزب اسم للجمع كخادم وخدم، ورائح وروح، وكذلك العزيب اسم للجمع كالعزيّ. والعزب: الرجل لا أهل له، والمرأة لا زوج لها [٣١]، قال الشاعر:
وللعَزَب المسكين ما يَتَلَمَّسُ [٣٢]
هنيئًا لأرباب البيوتِ بيوتُهُم
عَسَس: اسم من العَسِّ، كالطلب، وقد يكوَن جمعًا لعاس كحارس وحرس، ورجل عاس جمعه عُسَّاسٌ وعَسَسة ككافر وكفار وكفرة، والعسس: اسم للجمع، كرائح وروح، وخادم وخدم، وليس بتكسير، لأن فعلًا ليس مما يكسر عليه فاعل، وقيل: العسس جمع عاس، وقد قيل: إن العاس أيضًا يقع على الواحد والجمع، فإن كان كذلك فهو اسم للجمع أيضًا كقولهم: الحاج والداج، ونظيره من غير المدغم: الجامل والباقر، وإن كان على وجه الجنس فهو غير متعدًّى به، لأنه مطرد، كقوله:
أو تصبحي في الظاعن المولِّي [٣٣]
إن تهجري يا هند، أو تعتلي
غيب: قوم غُيَّبٌ وغُيَّابٌ وغَيَبٌ: غائبون، والأخيرة اسم للجمع، وصحت الياء فيها تنبيهًا على أصل غاب، وإنما تثبت فيه الياء مع التحريك، لأنه شبه بصيد، وإن كان جمعًا، وصيد: مصدر قولك: بعير أصيد، لأنه يجوز أن تنوي به المصدر، وفي حديث أبي سعيد: إن سيد الحي سليم، وإن نفرنا غيب، أي: رجالنا غائبون، والغيب بالتحريك: جمع غائب كخادم. وخدم [٣٤] .
الفرط: فعل بمعنى فاعل، مثل تبع بمعنى تابع، ومنه قول النبي ﷺ: "أنا فرطكم على الحوض"، أي: أنا متقدمكم إليه، رجل فرط، وقوم فرط، ورجل فارط، وقوم فراط، قال:
أصواتها كتراطن الفُرسِ
فأثار فارطهم غطاطًا جثمًا
[ ٣٥ / ٣٦٧ ]
والفرط: اسم للجمع، وفي الحديث: "أنا والنبيون فُرَّاطٌ لقاصفين"جمع فارط، أي: متقدمون إلى الشفاعة، وقيل: إلى الحوض، القاصفون: المزدحمون. وفي حديث ابن عباس قال لعائشة ﵃: تَقْدَمينَ على فَرَطِ صِدْقِ، يعني رسول الله ﷺ وأبا بكر ﵁، وأضافهما إلى صدق وصفًا لهما ومدحًا، وقولهَ:
إن لها فوارسًا وفرطا
يجوز أن يكون من الفَرَط الذي يقع على الواحد والجمع، وأن يكون من الفَرَطِ الذي هو اسم لجمع فارط، وهو أحسن، لأن قبله: فوارسًا، فمقابلة الجمع باسم الجمع أولى، لأنه في قوة الجمع. والفرط: الماء المتقدم لغيره من الأمواه [٣٥] .
قَعَدٌ: القَعَد: الذين لا ديوان لهم، وقيل: القعد الذين لا يمضون إلى القتال، وهو اسم للجمع، وبه سمي قعد الحرورية، ورجل قعدي منسوب إلى القعد كعربي وعرب، وعجمي وعجم. ابن الأعرابي: القَعَدُ: الشّراة الذين يُحَكِّمون ولا يحاربون، وهو جمع قاعد، كما قالوا: حارس وحَرَسٌ [٣٦] .
قَفَلٌ: من القفول، وهو الرجوع من السفر، رجل قافل من قوم قُفَّال، والقَفَل: اسم للجمع، قال الأزهري: وهم القفل بمنزلة القعد، اسم يلزمهم، والقفل- أيضًا-: القفول، تقول: جاءهم القَفَلُ والقُفُول، واشتق اسم القافلة من ذلك، لأنهم يقفلون. وقد جاء القفل بمعنى القفول، قال الراجز:
عِلباء، أبْشِرْ بأبيكَ! والقَفَلْ
أتاك، إن لم ينقطَع باقي الأجَلْ
هَوَ لْوَلٌ، إذا ونى القوم نَزَل [٣٧]
نَهَل: إبل نواهِلُ ونِهالٌ ونَهَلٌ ونُهُولٌ ونَهِلَةٌ ونَهْلَى قال أبو الهيثم: ناهِلٌ ونَهَلٌ مثل خادِم وخَدَم، وغائبِ وغيَبِ، وحارِسٍ وحَرَس، وقاعِدٍ وقَعَد [٣٨] .
[ ٣٥ / ٣٦٨ ]
هَمَل: بعير هَامل، مَن إبل هوامل وهُمَّلِ وهَمَلٍ، وهو اسم الجمع، كرائح ورِوَح، لأن فاعلًا ليس مما يكسر على فَعَل، وفي حديث الَحوض "فلا يخلص إليهم مثل هَمَل النّعَم" الهمل: ضوال الإبل، واحدها هامل، أي: أن الناجي منهم قليل في قلة النعم اَلضالةَ، والهَمَل بالتحريك: الإبل بلا راع، مثل النَّفَش، إلا أن الهَمَلَ بالنهار، والنَّفَش لا يكون إلا ليلًا، يقال: إِبلٌ هَمَلٌ وهامِلَة، وهُمَّالٌ وهَوَامِلِ، وفي الحديث: فسألته عن الهَمَل يعني الضوال من النعم، واحدها هامل مثل حارس وحرس، وطالب وطَلَب [٣٩] .
ضَأَن: في ضائن، وسيأتي الحديث عنها.
مَعَز: في ماعز [٤٠]، وسيأتي الحديث عنها.
نشَأٌ: الناشئ هو الحدث الذي جاوز الصغر، أو فويق المحتلم والأنثى ناشئ بغير هاء أيضًا، والجمع منهما نَشَأٌ مثل طالب وطَلَب، وكذلك النّشْءُ مثل صاحِبٍ وصَحْبٍ، وناشئ ونَشَأٌ: جماعة مثل خادم وخَدَم، قال نُصَيْبٌ:
لقلت: بنفسي النَشَأُ الصِّغارُ
ولولا أن يقال: صبًا نصيب
وقال ابن السكيت: النَشَأُ: الجواري الصِّغار.
وفي الحديث "نشأ يتخذون القرآن مزامير" يروى بفتح الشين: جمع ناشئ، كخادم وخدم، يريد جماعة أحداثًا، وقال أبو موسى (الأصفهاني): المحفوظ بسكون الشين، كَأَنَّهُ تسمية بالمصدر.
وقال أبو عمرو: النَّشَأُ: أحداث الناس، غلام ناشئ، وجارية ناشئة، والجمع نشأٌ [٤١] .
نَبَهٌ: اسم جمع، يحتمل أن يكون جمع نابه أو نبيه، أو منقولا من المصدر [٤٢] .
فهذه الألفاظ كلها- كما ترى- لها مفرد على وزن (فاعل) وهذا هو النوع الأول مما ورد له اسم جمع على وزنِ (فَعَلً) .
والنوع الثاني:
مما ورد جمعه على (فعل) الاسم الثلاثي الذي قبل آخره حرف مد، سواء أكان ذلك الحرف ألفًا أو ياءً أو واوًا.
[ ٣٥ / ٣٦٩ ]
وقد حصر ابن دريد ذلك في أربعة، حيث قال: "ولم يجيء فعيل وفعال على (فَعَل) إلا أربعة أحرف: أديم وأدم، وأفيق وأفق، وهو الأديم أيضا، وإهاب وأهب، وعمود وعماد وعَمَد، وقد قالوا: عُمُدٌ في هذا وحده" [٤٣] .
وهذا الذي قاله ابن دريد مقارب، وقد وقفت على حرفين لم يوردهما، وهما: بَعَدٌ وقَضَم.
وبالتأمل في الأمثلة التي أوردها يمكن قسمها إلى ثلاثة أنواع:
١- ما كان ثلاثيًا قبل آخره ألف زائدة، وفيه كلمتان: إهاب وعماد، قالوا فيهما: أهب وعمد.
والإهاب: الجلد من البقر والغنم والوحش ما لم يدبغ، والجمع القليل الآهبة، والكثير: أُهَب وأَهب، على غير قياس، مثل أدم وأفق وعمد، جمع أديم وأفيق وعمود، وقد قيل: أُهب، وهو قياس، وقال سيبويه: "أَهب اسم للجمع، وليس بجمع إهاب، لأن فعلًا ليس مما يُكسر عليه فِعالٌ" [٤٤] .
العِماد: ما أقيم به الشيء، والأبنية الرفيعة، ومنه: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [٤٥] أي: ذات الطول، وجمعه عُمُد، والعمد: اسم للجمع ويقال لأصحاب اَلأخبية الذين لا ينزلون غيرها: هم أهل عمود، وأهل عماد. والعماد والعمود: الخشبة التي يقوم عليها البيت، وأعمد الشيءَ: جعل تحته عَمَدًا، ويجمع جمع قلة على أعمدةٍ.
وقد يراد بالعمود الخباء المعمَّد، وقيل: كل خباء كان طويلا في الأرض يُضرب على أعمدة كثيرة، فيقال لأهله: عليكم بأهل ذلك العَمُود، ولا يقال: أهل العَمَد.
وقرئ قوله: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [٤٦] في عُمُد بضمتين، وهو جمع عماد، كما قالوا: إِهاب وأَهَب وأُهُب. ومعناه: أنها في عمد من النار [٤٧] .
وقال سيبويه في باب: "ما هو اسم يقع على الجميع لم يُكَسَّرْ عليهِ وَاحِدُة ولكنه بمنزلة قوم ونَفَرٍ وذَوْدٍ، إلا أَنَّ لفظه من لفظ واحدِه": "ونظيره أفيق وأفق، وعمود وعمد، وقال يونس: يقولون: هو العَمَدُ" [٤٨] .
[ ٣٥ / ٣٧٠ ]
وقال الفراء: العَمَدُ والعُمُد جميعًا جمعان للعمود، مثل أديم وأَدم وأُدم، وقضيم وقَضَم وقُضُم [٤٩] .
وقال أبو حيان: العَمَدُ: "اسم جمع، ومن أطلق عليه جمعًا، فلكونه يفهم منه ما يفهم مِن الجمع، وهي الأساطين والمفرد عِماد كإهاب وأَهب، وقيل عمود وعمد كأديم وأدَم" [٥٠] .
وقد عاد الضمير إليها مؤنثًا في قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [٥١] .كما سبق وصفه بالمؤنث، وتقدم نقل يونس عن العرب تذكيره.
٢- ما كان ثلاثيًا قبل آخره واو زائدة، وفيه كلمة عمود، ومضى القول فيها في عماد، فلا داعي لإعادته.
٣- ما كان ثلاثيًا قبل آخره ياء زائدة، وفيه كلمات: أديم وأدم، وأفيق وأفق، وبعيد وبعد، وقضيم وقضم، ونبيه ونبه.
فالأدم: مفرده الأديم، وهو الجلد ما كان، وقيل: الأحمر، وقيل: هو المدبوغ. وقيل: هو بعد الأفيق، وذلك إذا تَمَّ واحْمَرَّ، وجمعه آدِمَةٌ وأَدَمٌ بضمتين، ويجوز تخفيفه، فيقال: أدْم بإسكان الدال، والأدم: اسم للجمع عند سيبويه [٥٢] مثل أفيق وأفق، والآدام جمع أديم كيتيم وأيتام، وإن كان هذا في الصفة أكثر، وقد يجوز أن يكون جمع أَدَمِ.
وقد يجوز أن يكون الأدم جمعًا للأدمة، وهي باطن الجلد الذي يلي اللحم، والبشرة ظاهرها، وقيل: ظاهره الذي عليه الشعر، وباطنه البشرة والقياس أن يجعل جمعًا للأدمة إلا أن سيبويه جعله اسمًا للجمع، ونَظَّره بأفيق وأفق، وهو الأديم أيضًا. الأصمعي: يقال للجلد: إهاب، والجمع أُهُب وأَهَب، مؤنثة، فأما الأدم والأفق فمذكران إلا أن يقصد قصد الجلود، والآدِمَة. فتقول: هي الأدم والأفق، وآدِمَةٌ جمع القلة، مثل رغيف وأرغفة، والمشهور في جمعه أُدَمٌ [٥٣] .
[ ٣٥ / ٣٧١ ]
والأفق: مفرده أفيق، وهو الجلد الذي لم يدبغ، أو الذيِ لم تتم دباغته، وجمعه أفق، مثل أديم وأدم، أو هو اسم للجمع وليس بجمع، لأن فعيلًا لا يكسر على (فَعَلٍ) قال اللحياني: لا يقال في جمعه: أفق البتة، وإنما هو الأفق بالفتح، فأفيق- على هذا- له اسم جمع، وليس له جمع. وقال الأصمعي: يقال للأديم إذا دبغ قبل أن يخرز: أفيق، والجمع آفِقة، مثل أديم وآدمة، ورغيف وأرغفة.
والأفَقَة: المرقة من مرق الإهاب، والأفَقَة: الخاصرة، وجمعها أَفَقٌ، قال ثعلب: هي الآفِقَةُ، مثل فاعلة [٥٤] .
والقَضَم: مفرده القضيم، وهو الجلد الأبيض يُكتب فيه، وقيل: هو الأديم ما كان، وقيل: غير ذلك، والجمع من كل ذلك أَقْضِمَة وقَضَمٌ، فأمّا القَضَم فاسم للجمع عند سيبويه. وفي اللسان- أيضًا- قضيم يجمع على قَضَمٍ بفتحتين كأديم وأدم وقال ابن سيده: والقضيمة: الصحيفة البيضاء كالقَضِيم، عن اللحياني قال: وجمعها قُضُم كصحيفة وصُحُف، وقَضَمٌ أيضًا، قال: وعندي أَنَّ قَضمًا اسم لجمع قضيمة، كما كان اسما لجمع قضيم [٥٥] .
والنَّبَهُ: تطلق على المفرد والجمع، فتحتمل في حال دلالتها على الجمع أن يكون مفردها نابه أو نبيه. أو منقولًا عن المصدر [٥٦] .
والنوع الثالث:
ما جاء على (فَعَلٍ) مما يفرق بينه وبين واحده بالتاء وذلك مثل بقرة وبقر، وهذا عند أهل العربية ليس جمعًا، بل هو اسم جنس، أو اسم جنس جمعي، كما هو عند المتأخرين، تنطبق عليه أحكامه.
[ ٣٥ / ٣٧٢ ]
ويفرق بينه وبين الجمع أن دلالة الجمع على الجمعية وضعية، وأما دلالة اسم الجنس على الجمعية فراجعة إلى الاستعمال، أي: أن هذا النوع (وضع في الأصل للدلالة على الماهية، فهو صالح للقليل والكثير، ويفرق بينه وبين مفرده عند قصد التنصيص على الوحدة بالياء، مثل عرب وعربيّ، أو بالتاء، مثل بقر وبقرة، والأكم والأكمة) . وقد يعرض له في الاستعمال ما يوجب إطلاقه على معنى الجمع كالكلم، والأكم (المواضع المرتفعة) إلا أن هذا قليل [٥٧] .
وهذه التاء التي تدخل أسماء الأجناس لا تفيد التأنيث، وإنما تفيد الوحدة أو التنصيص على الوحدة، لصلاحية هذه الأسماء للقليل والكثير. ولحاق التاء قياسي في أسماء الأجناس من المصادر، كما هو معروف في اسم المرة، وغالبي في أسماء الأجناس من المخلوقات، كتمر ونخل وحمام. وسماعي في أسماء الأجناس من المصنوعات كسفينة وسفن، ولبن ولبنة، وقَلنسوة وقَلنس [٥٨] .
وهذا الضرب ليس من الضروري التفريق بين جمعه وواحده بالياء أو التاء؛ لأن التفريق راجع إلى الاستعمال، ومراد المتكلم كما تقدم.
وقد ورد على وزن (فَعَل) من هذا الضرب ألفاظ منها:
الأسل: وهو نبات له أغصان كثيرة دِقاق، بلا ورق، واحدته أسل، والأسل: الرماح، والنبل، وشوك النخل، واحدته أسلة.
وروي عن علي (﵁) أنه قال: (لا قود إلا بالأسل) فالأسل عند علي: كل ما أُرِقَّ من الحديد، وحُدِّدَ من سيف أو سكين أو سنان.
وجمع الفرزدق الأسل: الرماح أسلات، فقال:
عَضْبٌ برونقه الملوك تُقَتَّلُ
قَدْ مات في أسلاتنا، أو عَضَّهُ
أي: في رماحنا، وقيل للقنا: أَسَلٌ لما ركب فيها من أطراف الأسنة [٥٩] .
[ ٣٥ / ٣٧٣ ]
البقر: اسم جنس، والبقرة من الأهلي والوحشي، يكون للمذكر والمؤنث، ويقع على الذكر والأنثى، وإنما دخلته الهاء على أنه واحد من جنس، والجمع البقرات قال ابن سيده: الجمع بقر، وجمع البقر أبقر، كزمن وأزمن، عن الهجري، فأما بقر وباقر وبقير وبيقور وباقور وباقورة، فأسماء للجمع، ونقل عن الأصمعي: بواقر [٦٠] .
الخدم: واحدته الخدمة، وهي السَّير الغليظ المحكم، مثل الحلقة، يشد في رسغ البعير، ثم يشد إليها سرائح نعلها، والخَدَمَة: الخلخال، وقد تسمى الساق خدمة حملًا على الخلخال، لكونها موضعه، والجمع خَدَمٌ وخِدامٌ [٦١] .
الحصى: وهي صغار الحجارة، الواحدة منه حصاة، جمعها حصيات، وحصىً، وحُصِيٌ، وحِصيُّ.
الحلق: جنس، والواحد حلقة بالتحريك، وهي حلقة الباب والأذن، وقد أنكر بعضهم التحريك، وقال: إنما يقال: حلقة بالإسكان لا غير، حكى يونس عن أبي عمرو ابن العلاء: حلقة بالتحريك، والجمع حلق، قال ثعلب: كلهم يجيزه على ضعفه، وحكى ابن السكيت عن أبي عمرو الشيباني قال: ليس في الكلام حلقة بالتحريك إلا في قولهم: هؤلاء قوم حلقة، للذين يحلقون الشعر، فمن قال: حلقة وحلق، كان مثل تمرة وتمر، فهو جنس [٦٢] .
والألفاظ من هذا الضرب كثيرة، يصعب حصرها في هذا الموضع، وذلك مثل بعر وبعرة، وقنًا وقناة، ونوىً ونواة، وثمر وثمرة، وهي مطردة في كل ما كان واحده على فعلة، بل عُدَّ هذا الموضع من مواضع القصر القياسي، قال الشيخ الطنطاوي: الخامس (يعني من مواضع القصر القياسي): اسم الجنس الجمعي الذي على وزن (فَعَل) ويفرق بالتاء بينه وبين واحده، نحو: حصىً وحصاة، وقطًا وقطاة، وصفًا وصفاة (الصخرة الملساء)، وأضًا وأضاة (المستنقع من سيل وغيره)، ولهًا ولهاة (اللحمة المشرفة على الحلق)، وسفًا وسفاة (شجر له شوك)، لأنها نظيرة مدر ومدرة (الطين المتحجر) [٦٣] .
والنوع الرابع:
[ ٣٥ / ٣٧٤ ]
ما جاء من الأسماء على (فَعَل) مفيدًا الجمعية ولا واحد له من لفظه ورد من ذلك ألفاظ، منها:
الوَلَد: وهي من ألفاظ القرآن، قال الراغب: "الولد: المولود، يقال للواحد وللجمع، وللصغير وللكبير"، قال أبو الحسن: "الولد: الابن والابنة، والولد هم الأهل والولد" [٦٤] وقال أبو حيان: "على قراءة الجمهور"يقصد في قوله ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ يكون المعنى على الجنس لا ملحوظًا فيه الإِفراد، وإن كان مفرد اللفظ) [٦٥] وقال أبي خالويه: "الوَلد والوُلد سواء، مثل السَّقم والسُّقم، وقال آخرون: الولد جمع ولد، كأسد وأُسد، وأن يكون لغة في الولد" [٦٦] .
والولد في القرآن لم يوصف، ولم يعد عليه ضمير أو خلافه [٦٧] .
بَشَر: قال الراغب: البشرة: ظاهر الجلد وجمعها بشر وأبشار، وعبر عن الإنسان بالبشر واستوى في لفظ البشر الواحد والجمع، وثنى، فقال تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْن﴾ [٦٨] وقال أبو حيان: "البشر يطلق على الواحد والجمع، والمراد هنا النفي العام، وسمي بشرًا لظهور بشرته، وهو جِلْدُهُ" [٦٩] .
النعَمُ: هي المال الراعية، وقيل: النعم: الإبل والشاء، يذكر ويؤنث، جمعه أنعام، وأناعيم جمع الجمع. وقال ابن الأعرابي: "النعم: الإبل خاصةً، والأنعام: الإبل والبقر والغنم" [٧٠] . والنعم لفظ مفرد، دل على الجمع، لا واحد له من لفظه، يجمع في القلة على أنعام " [٧١] .
نَفَر: بالتحريك بمعنى الرَّهط، وهو ما دون العشرة من الرجال، ومنهم من خصص، فقال للرجال دون النساء، والجمع أنفار. قال أبو العباس: "النفر والقوم والرهط هؤلاء معناهم الجمع، لا واحد لهم من لفظهم". قال سيبويه: "والنسب إليه نفري ويقال: هؤلاء عشرة نفر، أي عشرة رجال. وقيل: النفر: الناس كلهم، عن كراع" [٧٢] .
وهذا النوع من الأسماء على ضربين:
[ ٣٥ / ٣٧٥ ]
ضرب وضع للدلالة على الجمع. وضرب يصلح للدلالة على الجمع وغيره، والاستعمال هو الذي يعينه.
فالضرب الأول: مثل نفر، وهذا اسم جمع، وهو يوافق الجمع في أنه وضع للدلالة على الجمع، ويخالفه في أنه جاء على غير صور الجمع المعروفة، والأحكام اللفظية من تصغير، ونسب، وعودة ضمير، وإشارة إليه، كما تقدم.
والضرب الآخر: مثل ولد وبشر، وهذا اسم جنس جمعي، وهو يخالف الجمع، واسم الجمع في "أنه في الأصل وضع للماهية، سواء أكانت مشخصاتها قليلة أو كثيرة، فالقلة والكثرة فيه غير داخلتين في نظر الواضع، بل إنما وضعه صالحًا لهما، بخلاف اسم الجمع " [٧٣] .
ولزيادة الإيضاح نفرق بين الجمع واسم الجنس الجمعي، فنقول: إن اسم الجنسي الجمعي يوافق اسم الجمع في الناحية اللفظية، لأن لفظه لفظ المفرد مثل روم وتمر. ويخالف الجمع في هذا، لأن للجمع صيغًا معدودة، واسم الجمع، واسم الجنس الجمعي يردان على خلافها لأنه مفرد لفظًا. أما الناحية المعنوية فقد تقدمت.
واسم الجمع واسم الجنس الجمعي- وإن اتفقا في عدم ورودهما بلفظ الجمع- يختلفان لفظا ومعنىً. أما اللفظ فاسم الجمع لا يتميز من واحدة بالتاء أو الياء. وأما المعنى فكما تقدم من أن دلالة اسم الجمع وضعية، بخلاف اسم الجنس الجمعي. هذا رأي جمهور البصريين، وخالفهم الكوفيون، فعدوا اسم الجنس الجمعي من جموع التكسير. وهو مردود عليهم من جهة اللفظ والمعنى، إذ يصغر وينسب إليه على لفظه، ويعود الضمير إليه مفردًا. كما تقدم في اسم الجمع، وأما المعنى فبتغاير المدلولين، كما سبق [٧٤] .
والمتأخرون حين قيدوا اسم الجنس بوصف (الجمعي) أرادوا التفريق بينه وبين اسم الجنس الإفرادي، وهو ما صدق على القليل والكثير، ولم يفرق بينه وبين واحدة بالتاء أو الياء كعسل ولبن وماء وخل وتراب. والتفريق بينه وبين اسم الجنس الأحادي، وهو ما أريد به واحد غير معين، مثل أسد [٧٥] .
[ ٣٥ / ٣٧٦ ]
الفصل الثاني: مسائل تتعلق بطبيعة فَعَلٍ.
وإذا انتهينا إلى هذا من العرض، فإنا نورد هذا السؤال:
هل (فَعَلٌ) الذي مفرده (فاعل) جمع تكسير أو اسم جمع؟.
الجواب: أنه اسم جمع وإن ورد تجوزًا في عبارة الأقدمين: فَعَل جمع فاعل، أو فَعَل مفرده فاعل، وقول ابن مالك المتقدم في نظم الفوائد:
فصل في فَعَلٍ جمعِ فاعل.
جمعًا بالنقل فخذ مثلا الخ
فعل للفاعل قد جُعلا
فهذا من باب التجوز، وقد سبق إيضاح الفرق بين الجمع واسم الجمع بما يغني عن إعادته، فليرجع إليه هناك. وهذا الحكم ليس خاصًا ب (فَعَل) بل يشاركه ما كان مثله، مثل (فَعْلٍ) التي لها مفرد على (فاعل)، مثل رَكْبٍ ورَاكِبٍ، وجَلْسٍ وجالسٍ، وغيرهما.
بل إن هذا الحكم في كل ما دلَ على الجَمع وضعًا، وأخذ أحكام المفرد اللفظية، وليس على صيغة من صيغ جمع التكسير.
وما نسب إلى الأخفش من القول بأن ما كان من هذا الضرب فهو جمع تكسير قول باللازم والمقتضى لأنه قال: كل ما يفيد معنى الجمع على وزن (فعل) وواحده اسم فاعل، كصحب وشرب في صاحب وشارب، فهو جمع تكسير، واحدة ذلك الفاعل
ومقتضى مذهب الأخفش- وإن لم يصرح به- أن يكون مثلِ صُحْبة في صاحب، وظُؤار في ظِئْرِ، وجامل في جمل، وسَراة في سري، وفُرْهة في فاره، وغزِيّ في غاز، وتُؤَام في تَوْأَم، وغَيَبَ وخَدَم وأَهَب في خادم وغائب وإهاب، وبَعَد في بعيد، ومشيوخاء ومعيوراء ومأتوناء في شيخ وعير وأتان، ومَعِيز وكَلِيب في معز وكلب، ومشيِخة في شيخ، وعمد في عمود، كل ذلك جمع مكسر، إذ هي مثل ركب وسفر ونحوهما لأنّ الجمع من تركيبه لفظًا يقع على مفرده [٧٦] .
[ ٣٥ / ٣٧٧ ]
وقال ابن يعيش: "وذهب أبو الحسن إلى أنه تكسير" [٧٧] ثم ألزموه بمقتضى قوله، وما يلزمه، فقالوا: تجري عليه أحكام جمع التكسير، ولأنه لا يدل على القلة، وإنما يدل على الكثرة، أخذ أحكام جمع الكثرة، فإذا صُغر على مذهبه رُد إلى الواحد، وصُغر عليه، ثم تلحقه الواو والنون إن كان مذكرًا، والألف والتاء إن كان مؤنثًا، فنقول في تصغير ركب: رويكبون، وفي سفر: مسيفرون، ورويكبات، ومسيفرات، إذا كان مؤنثًا" [٧٨] .
وقال الرضي: "فعلى هذا القول تُصَغِّرُ لفظ الواحد، ثم تجمع جمع السلامة، كما في رجال ودور، فتقول في تصغير ركب وسفر: رويكبون وسويفرون، كما يقال: رجيلون، ودويرات في تصغير رجال ودور، وقول الشاعر:
أخشى ركيبًا أو رجيلًا عاديا
رد عليه [٧٩] . وقال ابن جني: (فهذان تحقير ركب ورجل، وهما اسمان للجمع بمنزلة رُكَّاب ورَجَالة" [٨٠] .
ولعل قول ابن جني: "وكان أبو الحسن يقول في تحقير ركب: رويكبون، لأنه عنده جمع كسر عليه راكب، وقوله: ركيب يدل على خلاف مذهبه، وهو قول سيبويه، وهو الصواب" [٨١] . لعل هذا القول قول بما يلزم ما قاله أبو الحسن، وإن لم يصرح به. وقول الرضي المتقدم أدق وأصوب.
وهل شارك أبا الحسن أحد غيره في القول بهذا أولا؟.
نعم، "وافقه ابن الأثير في البديع، قال: يجمع فَعُول على فَعَل، نحو عَمُود وعَمَد، وقيل: هو اسم الجمع" [٨٢] . وقال: "فَعَل جمع- وعلى (فَعَلٍ) بفتح الفاء والعين قالوا: أديم وأدم، وقيل: إنه اسم الجمع" [٨٣] . وقال: "فِعال يجمع على (فعل) - بفتح الفاء والعين، نحو إهاب وأهب" [٨٤] .
وقد ذهب الفراء مذهبًا فيه تفريق وتفصيل، فقال: "كل ماله واحد من تركيبه، سواء كان اسم جمع كباقر وركب، أو اسم جنس كتمر وروم، فهو جمع، وإلا فلا" [٨٥] .
[ ٣٥ / ٣٧٨ ]
وعلى هذا لنا أن نعد قول من قال: فَعَل جمع فاعل قولًا فيه شيء من التجوز والتسامح، وأنهم لا يقصدون بالجمع هنا الجمع المكسر الذي له صيغ معروفة وأحكام خاصة، وإنما يقصدون به مطلق الجمع، ولو لم يكن على تلك الصيغ، وخالف في الأحكام.
ثم هل لنا بعد هذا أن نقول: إن (فَعَل) كان في الأصل (فعلة)، ثم نُقص بحذف التاء، كما قد يفهم من بعض النصوص المتقدمة [٨٦]؟.
فالجواب: لا، ليس لنا أن نقول ذلك، لأنه قول ينقصه الدليل، ويمكن أن ينقض بما يأتي:
١- فعل لم يقتصر ورودها على فاعل كما تقدم، بل وردت جمعًا لفِعال وفَعول وفَعيل، كما تقدم، فلو سلمنا جدلًا بأن (فَعَل) منقوصة من (فَعَلة) فيما كان له مفرد على (فاعل) فما العمل في غيره؟.
٢- أن ما جمع على (فَعَل) ورد أحيانًا جمعه على (فَعَلة) وأحيانًا لم يرد، بل يمتنع قياسًا، فنحن لو سلمنا جدلًا بإمكانه في الأول، فما القول في الآخر؟.
٣- أن (فَعَل) إذا كان أصله (فَعَلة) فلابد أن يشترط فيه ما اشترط في أصله، والمعروف أنَّ (فَعَلة) ينقاس في الوصف المستوفي أربعة شروط: على وزن فاعل، صحيح اللام، للمذكر، العاقل، نحو: كامل، وساحر، وكافر وفاجر، وخازن، فتقول في جمعها: كملة إلى آخره. قال تعالى: ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ﴾ [٨٧]، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [٨٨] ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ [٨٩] . ومن هذا جَوَلة وخَوَلة جمعي جائل (ذاهب في الأرض) وخائل (متكبر)، إلا أن هذين الجمعين لم يعلا شذوذًا، غير أنه يقل هذا الجمع في المضاعف. قال ابن خالويه: "ليس في كلام العرب من المضاعف فاعل وفعلة إلا شاب وشَبَبة، وبار وبَرَرة، وعاق وعَقَق". وشذ جمع ما ليس على فاعل كسيِّد وخبيث [٩٠] .
ثم إن فاعلًا إن كان اسمًا فله إذا جمع ثلاثة أمثلة: فواعل، فُعلان، فِعلان، نحو: كواهل، وحُجران، وجنان [٩١] .
[ ٣٥ / ٣٧٩ ]
"وللصفة تسعة: فُعَّل، فُعَّال، فَعَلة، فُعَلة، فُعَّل، فُعَلاء، فُعلان، فِعال، فُعُول، نحو: شُهَّد، وجُهَّال، وفَسَقة، وقُضاة، وتختص بالمعتل اللام، وبُزَّل، وشُعَرَاء، وصُحْبان، وتجَار، وقُعُود، وقد شذ نحو: فوارس" [٩٢] .
هذا، و(فَعَل) في فاعل سماعي، لا قياس، يوقف فيه على ما سمع عن العرب، ويحفظ ما ورد عنهم منه.
ورود اسم الجمع على وزنين أحدهما (فَعَل):
قد يرد اسمه الجمع على وزنين، أحدهما (فَعَل) والآخر غيره، مثل: الضَّأْن، والمَعْزَ. فالضَّأْن لغة في الضأْن على وزن (فَعْل) قال ابن مالك:
"فصل: لغات في الضأن
وقُلْ: ضَئينٌ أَوِ الفا اكْسِرْ، وقُلْ: ضَانَا" [٩٣]
في الضأْن ضَين وضيِنٌ مع ضوائن قُلْ
والضَّأَن مما فات ابنَ مالك، وقد وردت في اللسان والقاموس، ففي اللسان " الضائن: خلاف الماعز، والجمع الضأْن والضأَن، مثل المَعْز والمَعَز، والضَّئين والضِّئين تميمية، والضَّين والضِّينُ غير مهموزين، عن ابن الأعرابي: كلها أسماء لجمعهما، فالضأْن كالركْب، والضَّأَن كالقَعَدِ، والضَّئين كالغزيّ والقَطِين، والضِّئين داخل على الضَّئين، أتبعوا الكسر الكسر، يطرد هذا في جميع حروفِ الحلق إذا كان المثال فَعِلًا أو فَعِيلًا، وأما الضَّين والضِّين فشاذ نادر، لأن ضائنًا صحيح مهموز، والضِّين والضَّين معتلّ غير مهموز قال أبو الهيثم: جمع الضائن ضَأَنٌ، كما يقال: ماعزٌ ومَعَزٌ، وخادم وخَدَم، وغائب وغَيَبٌ، وحارس وحَرَس، وناهِل ونَهَلٌ، والضَّان أصله الضًّأن، فخفف" [٩٤] .
المَعَز: مفرده الماعز: ذو الشعر من الغنم، خلاف الضأْن، وهو اسم جنس، وهي العنز، والأنثى ماعزة ومِعْزَاة، والجمع مَعْز ومَعَز ومَواعِزُ ومعيز، مثل الضئِين، ومِعاز [٩٥] . نَقْل (فَعَل) عن المصدرية:
بعض ما جاء على (فَعَل) وهو يدل على الجمع يمكن أن يكون منقولًا عن المصدر، ومن ذلك:
[ ٣٥ / ٣٨٠ ]
عَزَبٌ: قال الشاعر:
وللعَزَب المسكين ما يتلمس [٩٦]
هنيئًا لأرباب البيوت بيوتهم
والعزب: الذي لا أهل له، أي: لا زوج، وزعَم الشنتمري: أن عَزَبًا في الأصل مصدر وصف به ولا فعل له يجري عليه. وفي معاجم اللغة: العزب اسم للجمع، كخادم وخَدَم [٩٧] .
النَّهَل: أول الشرب نَهلَتِ الإبل نَهَلا، وإبل نوِاهل، ونهال، ونَهَلٌ، ونُهُول، ونهَلَة، ونَهْلَىَ قال أبو الهيثم: نَاهل ونَهَل، مثل خادم وخدَم وجمع الناهل نَهَل، مثَل طالب وطَلَب [٩٨] .
الطَّلَبُ: تحتمل النقل عن المصدر كذلك.
تَبَعٌ: تحتمل النقل عن المصدر كذلك.
نبه: رجل نبه وقوم كالواحد، عن ابن الأعرابي، كأنه اسم للجمع، والنبه يطلق على الضالة، والمشهور، ومصدرٌل (نَبهَ) [٩٩] .
وغير هذه مما تقدم في أثناءَ الحديث عن الألفاظ.
تصحيح (فَعَل) وترك إدغامه:
رأيت فيما مضى أن بعض ما ورد من أسماء الجمع على (فَعَلِ) ومفرده فاعل ورد مصححًا، والقواعد الصرفية تقتضي إعلالهُ، بقلب الواو والياء ألفًا لتحركهما وانفتاح ما قبلها، فما الحكمة في ورودهما خلاف الأصل؟. وما الحكمة في ترك الإدغام فيما استحق الإدغام من (فَعَل)؟.
[ ٣٥ / ٣٨١ ]
مجيئه هكذا شاذ عن القياس، وإن اطرد في الاستعمال، ولا يكون مثل هذا في الياء، أعني أنه لا يجيء مثل البَيَعَةِ والسًّيرَة في جمع بائع وسائر، وعلة ذلك قرب الألف من الياء، وبعدها عن الواو، فإذا صحت نحو: الخولِ والحوكة والخونة، كان أسهل من تصحيح نحو البيعة، وذلك أن الألف لما قربت من الياء أسرع انقلاب الياء إليها، وكان ذلك أسوغ من انقلاب الواو إليها لبعد الواو عنها، ألا ترى إلى كثرة قلب الياء ألفًا استحسانًا لا وجوبًا قالوا: في طيء: طائي، وفي الحيرة: حاري، وفي عيعيت وحيحيت وهيهيت: عاعيت وحاحيت وهاهيت؟. وقلما يرى في الواو مثل هذا، فإذا كان مثل هذه القربى بين الألف والياء، كان تصحيح نحو: بيعة وسيرة أشق عليهم من تصحيح نحو: الخول، والحوكة، والخونة، لبعد الواو من الألف، وبقدر بعدها عنها يقل انقلابها إليها، ولأجل هذا الذي ذكرنا كثر عنهم نحو: اجْتَوِروا واعْتَوُنوا واحتوشوا" [١٠٠] .
والعلة في القلب ألفًا موازنة الفعل، وطلب الخفة، فقلبتا للاستثقال، والمراد بمشابهة الفعل أو موازنته مساواته له في عدد الحروف والحركات المعينة وإن باينه في تعيين الزيادات وأمكنتها، فمَفْعَل على وزن يَفْعَل، وإن كانت زيادته غير زيادته، وفاعل موازن ليفعل، وزيادته غير زيادته، ومكانها غير مكانها [١٠١] .
"وإنما اطرد قلب العين في (فَعَل) نحو: دار وباب ونار وناب، لأن القلب لا يوجب التباس فَعَلٍ بفَعْل، إذ بالألف يعرف أنه متحرك العين لا ساكنها وقد جاء لأجل الخفة كثير من المعتل على (فَعَل) غير مُعل، نحو: قود وميل، وغيب، وصيد، وخونة، وحوكة" [١٠٢] . (وقولهم الروح والغيب والخول، والقود شاذ" [١٠٣] .
[ ٣٥ / ٣٨٢ ]
وتصحيح الواو والياء مع تحركهما وانفتاح ما قبلهما- وإن كان القياس يقْتَضي قَلْبَهُمَا- "لا يورد نقضًا على ما أصَّلوه من أن حرف العلة متى تحرك وانفتح ما قبله وجب أن يقلب ألفًا، لقلته وشذوذه ، لأن القواعد الكلية لا تنقض بالصور الشاذة النادرة.
فإن قيل: فما الفائدة في مجيء هذه الشواذ في كلامهم، وهي ترجع على العلة، بالإبطال؟.
قيل: الفائدة في مجيئها التنبيه على الأصول المرفوضة بالعللِ الموجبة ألا ترى أنّ في تصحيح القود والحوكة تنبيهًا على أن الأصل في دار: دَوَر، وفي باب بوَب ومخالفة القياس للتنبيه على الأصول كثيرة في كلامهم" [١٠٤] .
ونحو من هذا يقال في ترك إدغام (عَسَس) [١٠٥]، بل الثقل في ترك التضعيف أكثر من ثقلِ ترك الإعلالَ [١٠٦] .
خاتمة: في دلالة (فَعَل):
إذا كانت (فَعَلٌ) اسم جنس، فدلالتها على الكثرة، يقول المرزوقي: " وأما الخامس- وهو ما يفيد الكثرة، ولفظه لفظ الواحد- فهي الأسماء المصوغة للجمع، نحو: كل من جزء وبعض، ونحو: قوم من رجل، ونساء من امرأة، وإبل من ناقة وجمل، وأولاء من ذا.
والثاني: أن يكون من لفظ المجموع بالاسم المفرد المصوغ للكثرة، وذلك نحو: الجامل من جمل، والباقر من بقر، ونحو: الضئين والكليب من ضأن وكلب) [١٠٧] . و(فَعَلٌ) التي مفردها فاعل من هذا الضرب، فتدل دلالته.
[ ٣٥ / ٣٨٣ ]
وتقدم في البحث ما يؤذن بهذا من أن (فَعَلاَ) ونحوها من الصيغ ليست تدل على القلة، وإنما تدل على الكثرة، وتأخذ أحكام جمع الكثرة. قال ابن يعيش: "اعلم أن هذا الضرب من الأسماء- وإن دل على الكثرة- فليس بجمع كسر عليه، على حد رجل ورجال"وقال- أيضًا: "فثبت بما ذكرناه: أنه اسم مفرد دال على الجمع، وليس بجمع على الحقيقة" [١٠٨] . وقال الرضي: "اسم الجمع اسم مفرد موضوع لمعنى الجمع فقط، ولا فرق بينه وبين الجمع إلا من حيث اللفظ، وذلك لأن لفظ هذا مفرد، بخلاف لفظ الجمع، والدليل على إفراده جواز تذكير ضميره " [١٠٩] .
هذا ما تيسر لي من صيغة فعل الدالة على الجمعية أرجو أن ينفع الله به.
دليل المراجع والمصادر
-الأشباه والنظائر / السيوطي (٩١١) تحقيق طه عبد الرءوف سعد / مكتبة الكليات الأزهرية ١٣٩٥/ القاهرة.
- ألفية ابن مالك (٦٧٢) مكتبة المؤيد/ الطائف ط أولى ١٣٨٩.
- البحر المحيط / أبو حيان النحوي (٧٤٥) مكتبة النصر/ الرياض/ صورة.
- البديع في علم العربية / المبارك بن محمد مجد الدين بن الأثير (٦٠٦) القسم الثاني منه / رسالة دكتوراه من تحقيق د/ صالح بن حسين العايد / جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية /كلية اللغة العربية.
- تصريف الأسماء محمد الطنطاوي () ط الخامسة/ ١٣٧٥ كلية اللغة العربية/ الأزهر.
- تهذيب اللغة/ أبو منصور الأزهري (٣٧٠) تحقيق جماعة / القاهرة.
- جمهرة اللغة / ابن دُريد (٣٢١) صورة عن طبعة الهند.
- الخلاصة / ألفية ابن مالك.
- دراسات لأسلوب القرآن الكريم / محمد عبد الخالق عضيمة (١٤٠٤) جامعة الإمام محمد بن سعود / الرياض.
- رسالة الملائكة / أبو العلاء المعري (٤٤٩) الناشر المكتب التجاري / بيروت.
- سيبويه عمرو بن عثمان (١٨٠ تقريبًا) / تحقيق عبد السلام هارون.
[ ٣٥ / ٣٨٤ ]
- شرح الشافية / رضي الدين الإستراباذي (٦٨٦) تحقيق محمد نور الحسن ورفيقيه / صورة.
- شرح الكافية / الرضي الإستراباذي (٦٨٦) صورة عن الطبعة الأولى/ دار الكتب العلمية / بيروت.
- شرح المفصل / يعيش بن علي بن يعيش (٦٤٣) صورة.
- القول في ألفاظ الشمول والعموم والفصل بينهما / أبو علي أحمد بن محمد المرزوقي (٤٢١) تحقيق د/ إبراهيم السامرائي ضمن رسائل في اللغة / سنة ١٩٦٤ مطبعة الإرشاد/ بغداد.
- كتاب سيبويه = سيبويه.
- الكشاف / الزمخشري (٥٣٨) ط طهران.
- الكلام على عصي ومغزو/ أبو البركات بن الأنباري (٥٧٧) تحقيق د/ سليمان العايد.
- لسان العرب/ ابن منظور (٧١١) بيروت/ دار لسان العرب.
- ليس في كلام العرب/ ابن خالويه (٣٧٠) نشر أحمد عبد الغفور عطار/ ط ثانية ١٣٩٩.
- المحكم لابن سيده (٤٥٨) تحقيق جماعة/ ط أولى/ الناشر مصطفى الحلبي/ مصر.
- معجم مفردات ألفاظ القرآن/ الراغب الأصفهاني (٥٠٣) تحقيق نديم مرعشلي/دار الكاتب العربي.
- المفردات = معجم المفردات.
- المنصف/ابن جني (٣٩٢) تحقيق إبراهيم مصطفى وعبد الله أمين/ ١٣٧٣/ القاهرة.
- نظم الفوائد/ ابن مالك (٦٧٢) مجلة جامعة أم القرى/ العدد الثاني لعام ١٤٠٩هـ/ تحقيق د/. سليمان العايد.
- النحو الوافي/ عباس حسن/ دار المعارف/ مصر.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] الخلاصة ٦٥.
[ ٣٥ / ٣٨٥ ]
[٢] وقد يقال في اسم الجمع ما يقال في اسم المصدر، إذ قال بعضهم في اسم المصدر: إنه يدل على لفظ المصدر، والمصدر يدل على الحدث، ويمكن أن يقال في اسم الجمع: إنه لا يدل على ما يدل عليه الجمع مباشرة، فلا يدل على ثلاثة إلى عشرة أو على عشرة فأكثر، كما هو معروف في تقسيم الجمع إلى قلة وكثرة، وإنما يدل على اللفظ الذي يدل على الجمع، فخدم لا يدل على الجمع، وإنما يدل على اللفظ الذي يدل على الجمع. وبعضهم لم يعتد بهذا في اسم المصدر، فجعله دالًا على الحدث كالمصدر، وعلى هذا يقال: إن اسم الجمع دال على ما يدل عليه جمع الكثرة، كالجمع. والله أعلم.
[٣] شرح المفصل لابن يعيش ٥/٧٧.
[٤] انظر شرح المفصل ٥/٧٧ والأشباه والنظائر ٢/٢١٦.
[٥] سورة القمر آية: ٢٠.
[٦] انظر تصريف الأسماء (٢٣٥) .
[٧] مجلة جامعة أم القرى (١/٢) لعام ١٤٠٩/. ص٧٥.
[٨] سورة الجن آية: ٨
[٩] المفردات (حرس) (١١٢) .
[١٠] الكشاف ٤/١٦٨.
[١١] البحر المحيط ٨/ ٣٤٤.
[١٢] سورة الجن آية: ٩.
[١٣] سورة الجن آية: ٢٧.
[١٤] المفردات (رصد) ٢٠٢.
[١٥] الكشاف ٤/١٦٨.
[١٦] سورة إبراهيم آية: ٢١. وغافر آية: ٤٧.
[١٧] الكشاف ٢/٣٧٣.
[١٨] البحر المحيط ٥/٤١٦.
[١٩] اللسان (تبع) .
[٢٠] سورة المائدة آية: ٦٠.
[٢١] البحر المحيط ٣/ ٥١٩.
[٢٢] اللسان (خدم) .
[٢٣] اللسان (حفد) .
[٢٤] اللسان (خبل) .
[٢٥] اللسان (خول) وانظر المحكم ٥/ ١٨١ وانظر في شذوذه ص ٣٧ من هذا البحث.
[٢٦] اللسان (روح)، والتهذيب ٥/ ٢٢٢.
[٢٧] سورة الزخرف آية: ٥٦.
[٢٨] اللسان (سلف) .
[٢٩] اللسان (طلب) .
[٣٠] اللسان (ظعن) .
[٣١] اللسان (عزب) .
[٣٢] رسالة الملائكة ٧١.
[٣٣] اللسان (عسس) .
[ ٣٥ / ٣٨٦ ]
[٣٤] اللسان (غيب) .
[٣٥] اللسان (فرط) .
[٣٦] اللسان (قعد) .
[٣٧] اللسان (قفل)، والتهذيب ٩/ ١٦٠.
[٣٨] اللسان (نهل)، والتهذيب ٦/ ٣٠١.
[٣٩] اللسان (همل) .
[٤٠] سيبويه ٣/ ٦٢٦.
[٤١] اللسان (نشأ) .
[٤٢] انظر: اللسان والقاموس (نبه) .
[٤٣] الجمهرة ٣/٥١٢.
[٤٤] اللسان (أهب)، وسيبويه ٣/٦٢٦.
[٤٥] سورة الفجر آية: ٧.
[٤٦] الهمَزَة الآيتان: الثامنة والتاسعة.
[٤٧] اللسان (عمد)، وانظر التهذيب ٢/ ٢٥١.
[٤٨] سيبويه ٣/٦٢٥.
[٤٩] اللسان (عمد) .
[٥٠] البحر المحيط ٥/٣٥٧.
[٥١] سورة لقمان آية: ١٠.
[٥٢] سيبويه ٣/٦٢٥.
[٥٣] انظر اللسان (أدم) .
[٥٤] اللسان (أفق) .
[٥٥] اللسان (قضيم) .
[٥٦] انظر اللسان والقاموس (نبه) .
[٥٧] انظر تصريف الأسماء ٢٣٤-٢٣٥.
[٥٨] انظر شرح الشافية ٢/ ١٩٩-٢٠٠ وتصريف الأسماء ١٤٩، ٢٣٥.
[٥٩] اللسان (أسل) .
[٦٠] اللسان (بقر) والمحكم ٦/ ٢٤١ والتهذيب ٩/ ١٣٧.
[٦١] اللسان (خدم) .
[٦٢] شرح المفصل ٥/٧٧.
[٦٣] تصريف الأسماء ١٦٥.
[٦٤] المفردات (ولد)
[٦٥] البحر المحيط ٦/٢١٣، والآية من آل عمران ٤٧.
[٦٦] البحر المحيط ٥/ ٤٣٥، ودراسات لأسلوب القرآن ٢/ ٤/٣٩٣.
[٦٧] دراسات لأسلوب القرآن ٢/ ٤/ ٣٩٣.
[٦٨] سورة المؤمنون آية: ٤٧.
[٦٩] البحر ٢/٤٦٢.
[٧٠] اللسان (نعم) .
[٧١] شرح المفصل ٥/٧٥.
[٧٢] اللسان (نفر) .
[٧٣] شرح الشافية ٢/ ٢٠١.
[٧٤] تصريف الأسماء ٢٣٥-٢٣٧.
[٧٥] تصريف الأسماء ٢٣٧.
[٧٦] شرح الشافية ٢/٢٠٣-٢٠٤.
[٧٧] شرح المفصل ٥/٧٧.
[٧٨] نفس المصدر السابق.
[٧٩] شرح الشافية ٢/٢٠٣.
[٨٠] المنصف ٢/١٠١
[ ٣٥ / ٣٨٧ ]
[٨١] المنصف ٢/ ١٠١ وانظر سيبويه ٣/ ٦٢٤.
[٨٢] البديع ٢/ ٢٩٨.
[٨٣] البديع ٢/٢٩٧.
[٨٤] البديع ٢/ ٢٩٥.
[٨٥] شرح الكافية للرضي ٢/١٧٨.
[٨٦] انظر ما نقلته عن الأزهري ص ١٣١، ١٣٣، وما نقلته عن البحر المحيط ص ١٣٠ من هذا البحث.
[٨٧] سورة الأعراف آية: ١١٣.
[٨٨] سورة عبس آية: ٤٢.
[٨٩] سورة الزمر الآيتان: ٧١، ٧٣.
[٩٠] تصريف الأسماء٢١٦ وليس في كلام العرب ٣٥٩.
[٩١] شرح المفصل ٥/٥٣.
[٩٢] شرح المفصل ٥/٥٤.
[٩٣] نظم الفوائد (ضمن العدد الثاني من مجلة جامعة أم القرى) ٧٩.
[٩٤] اللسان (ضأن) .
[٩٥] اللسان (معز) .
[٩٦] رسالة الملائكة ٧١ وانظر ص ١٣٢ من هذا البحث.
[٩٧] انظر لسان العرب (عزب) وما تقدم ص ١٣٢.
[٩٨] اللسان (نهل) .
[٩٩] انظر اللسان والقاموس (نبه) .
[١٠٠] المحكم ٥/ ١٨١ وانظر اللسان (خول) .
[١٠١] شرح الشافية ٣/ ٩٥-١١٢.
[١٠٢] شرح الشافية ٣/ ٢٤٢.
[١٠٣] شرح الشافية ٣/١٠٣.
[١٠٤] الكلام على عصي ومغزو ٢٧ ٢٨.
[١٠٥] انظر شرح الشافية ٣/١٠٨، ٢٤٠، ٢٤١، ٢٤٢، ٢٤٣.
[١٠٦] انظر شرح الشافية ٣/ ٢٤٤.
[١٠٧] القول في ألفاظ الشمول والعموم ٧٦-٧٧.
[١٠٨] شرح المفصل ٥/٧٨.
[١٠٩] شرح الشافية ٢/ ٢٠٢.
[ ٣٥ / ٣٨٨ ]