الدكتور عبد الباسط بدر
أستاذ مشارك في كلية اللغة العربية
تمهيد
تثير قضية "الحداثة في الأدب"في أيامنا هذه ضجة كبيرة وتشتعل المعارك حولها بضراوة، ويستخدم المتخاصمون فيها منابر مختلفة، كقاعات الجامعات والكتب، وأعمدة الصحف والمجلات، والأشرطة الصوتية ذات الانتشار المذهل، وتتخذ هذه القضية ميدانين رئيسين لمعاركها هما: ميدان الشعر، بأنواعه كلها: الخليلي والتفعيلي، والغنائي والتمثيلي، وميدان النقد: الأدبي وغير الأدبي، والموضوعي والمتعسف، بينما تغيب أو تكاد عن القصة والمسرحية النثريتين.
ومن المعروف أن الشعر والنقد ميدانان عريقان لمعركة الحداثة، فمنذ العصر العباسي الأول شهد الشعر محاولات لتغيير بعض أعرافه وقواعده، بدأها بشار بن برد، واشتدت على يد شعراء آخرين كابن هرمة ومسلم بن الوليد والحسن بن هانئ، وبلغت ذروتها على يد أبي تمام، وقد سمّى النقاد شعر هؤلاء "شعر المحدثين"، ومن أهم ما جاء به: الصياغة المتقنة التي توائم بين العناصر الفكرية والعناصر الفنية. فالأدوات البديعية: من جناس وطباق ومشاكلة، تمتزج بالفكرة الفلسفية وتخدمها، والاستعارة تأخذ أطرافًا من المنطق، والقواعد الفلسفية تؤثر على الصورة الفنية، وعلى لغة القصيدة، وتجعل اللون العقلي أقوى من اللون العاطفي. وهذا الضرب من "الصناعة الفنية"لم يألفه الشعر العربي من قبل.
وأما موسيقى الشعر، فلم يلحقها تغيير كبير، وظلت تعتمد على الأوزان المعهودة والقافية، وظهرت تنويعات محدودة تتمثل في المسمطات والمزدوجات والمخمسات، ولكنها لم تلق تشجيع النقاد، حتى أن ابن رشيق عدّها مظهرا من مظاهر ضعف الشاعر [١] . وعندما شاعت في وقت متأخر لم تحدث سوى تلوين محدود في التنغيم الأساسي لموسيقى الشعر
[ ٣٣ / ٣٧١ ]
وفي ميدان النقد الأدبي أحدث شعر المحدثين ردة فعل قوية عند النقاد اللغويين فرفضوه لسببين: الأول أنه ليس من العصور التي يحتج بها في اللغة والنحو والصرف، والثاني أنه يتضمن خروجا على "عمود الشعر" الذي ألفوه في شعر الجاهلية وصدر الإسلام، ويمثل هذه الطائفة ابن الأعرابي في قوله المشهور عن شعر أبي تمام: "إن كان هذا شعرا، فما قالته العرب باطل" [٢] .
ولك ن النقاد الآخرين أسقطوا السبب الأول فألغوا عنصر الزمن من مقاييس المفاضلة، ورفضوا أن يعطوا القديم أية ميزه إضافية بسبب قدمه، وأعلن ابن قتيبة أنه "لم يقصر الله العلم والشعر على زمن دون زمن، ولا خص به قوما دون قوم، بل جعل ذلك مشتركا مقسوما بين عباده في كل دهر، وجعل كل قديم حديثا في عصره " [٣] .
وأما السبب الثاني - خروج شعر المحدثين على عمود الشعر العربي- فقد أثار معارك نقدية واسعة، اتخذت شكل الخصومة حول أبي تمام والبحتري، فأبو تمام رأس المحدثين والبحتري رأس العموديين آنئذ. وقد انحاز لكل منهما عدد من النقاد: فكان الصولي وبشر ابن يحيى والحاتمي من أنصار أبي تمام، وكان ابن عمار القطربلي وابن الأعرابي من أنصار البحتري، وما لبث أن ظهر أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي، ونصب الموازين النقدية ليوازن بين الشاعرين ويبين حسنات كل منهما وعيوبه، ويقوم- من ثم - الحداثة ممثلة في شعر أبي تمام.
وقد ظل كثير من النقاد من بعد يستأنسون بموازنة الآمدي كلما عرضوا لمذهب البديع أو لعمود الشعر العربي [٤] .
ويبدو أن قضية الحداثة في نقدنا القديم قد نضجت عند هذا الحد، ذلك أن عددا كبيرا من النقاد في القرون التالية قد تمسكوا بالمقاييس التي أعلنها ابن قتيبة، والتي تتلخص فيما يلي:
أ- ليس الزمن قيمة تفضيلية بين الشعراء، فليس للمتقدم فضل مطلق على المتأخر، ولا العكس.
[ ٣٣ / ٣٧٢ ]
ب- لا تنتهي المعاني في زمن معين، والشعراء في كل زمن يجدون مجالا للقول والإبداع.
ج- مقياس التفاضل الأمثل بين الشعراء هو: "الجودة الفنية".
وقد تكررت هذه المقاييس بصياغات مختلفة عند أعلام النقد العربي على امتداد العصور التالية، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: المبرد، والآمدي، والمرزباني، والقاضي الجرجاني، وابن رشيق، وابن سنان الخفاجي، وابن بسام الشنتريني، وابن الأثير، وحازم القرطاجني وغيرهم [٥]
لذلك علينا أن نعبر القرون إلى العصر الحديث، لنرى قضية الحداثة تظهر وتنمو، وتشتد، بدلالات كثيرة، بعضها مشابه لدلالتها التراثية، وبعضها مختلفة عنها، وفي ميادين كثيرة متفاوتة.
قضية الحداثة في العصر الحديث
يَعدّ بعض النقاد الشاعر خليل مطران (١٢٨٨-١٣٦٩ هـ ١٨٧١-١٩٤٩م) رائد الحداثة في العصر الحديث، "حتى ليكاد يختط طريقا يشبه الطريق الذي اختطته في العصر العباسي مدرسة البديع- وعلى رأسها أبو تمام-" [٦]، ذلك أن خليل مطران كان أكثر شعراء جيله تأثرا بالثقافة الفرنسية، فقد ترجم عدة قصائد من الشعر الفرنسي، وعارض قصائد أخرى، وتأثر ببعض قواعد القصيدة الغنائية الفرنسية، وخصوصا استبطان المشاعر الذاتية، والحزن الرومانسي، والتعلق بالطبيعة، وبناء القصيدة على دفقة شعورية واحدة، وربط أجزائها بوحدة عضوية، وقد تحمس لهذه القضايا، ودعا الشعراء العرب إلى الأخذ بها [٧] .
[ ٣٣ / ٣٧٣ ]
غير أن تحديث خليل مطران محدود، وأثره فيمن حوله أو بعده من الشعراء والنقاد ضئيل لا يرفعه إلى درجة الريادة، فصياغته الشعرية تداني الصياغة التقليدية التي يريد الخروج عليها، وموضوعات شعره تتراوح بين الموضوعات الوجدانية، التأمل والشكوى والغزل، والموضوعات التقليدية التي يهاجمها الحداثيون: المديح والرثاء وشعر المناسبات والمجاملات، كما أن ظهور الديوانيين الثلاثة: عبد الرحمن شكري (١٣٠٤-١٣٧٨هـ ١٨٨٦-١٩٥٨م) وعباس محمود العقاد (١٣٠١-١٣٨٣ هـ ١٨٨٩-١٩٦٤م) وإبراهيم عبد القادر المازني (١٢٩٨-١٣٦٩ هـ ١٨٨٠-١٩٤٩م)، أضاع عليه فرصة التأثير في الساحة الأدبية، فقد شد هؤلاء الثلاثة إليهم الأنظار، وأثاروا زوبعة كبيرة غطى ضجيجها على مطران وغير مطران. والحق أن الديوانيين الثلاثة هم الذين جعلوا إدخال التغييرات على الشعر قضية كبيرة، وهم الذين قادوا أول انعطاف حقيقي في النقد العربي الحديث، وهيئوا المناخ لتضخم قضية الحداثة وانتشارها فيما بعد. وقد وقفت في مقالة سابقة نشرت في هذه المجلة على جوانب من تحديثهم ومدى إسهامهم في دفع القضية [٨]، لذلك أكتفي هنا بإيجاز نتائجها فيما يلي:
[ ٣٣ / ٣٧٤ ]
كان الأعلام الثلاثة على قدر كبير من الثقافة - ولا سيما الثقافة الإنجليزية - وقد درسوا آدابها وأخذوا من شعرها ونقدها عددا من الأصول والمفهومات، وأدخلوها في شعرهم ودعوا إليها في نقدهم، فكانوا كما يقول العقاد نفسه: "مدرسة لا شبه بينها وبين من سبقها في تاريخ الأدب العربي الحديث، فهي مدرسة أوغلت في القراءة الإنكليزية، ولم تقتصر قراءتها على أطراف من الأدب الفرنسي- كما كان يغلب على أدباء الشرق الناشئين في أواخر القرن الغابر- وهي على إيغالها في قراءة الأدباء والشعراء الإنجليز لم تنس الألمان والطليان والروس والأسبان واليونان واللاتين الأقدمين، ولعلها استفادت من النقد الإنجليزي الحديث فوق فائدتها من الشعر وفنون الكتابة الأخرى، ولا أخطئ إذا قلت إن "هازلت"هو إمام هذه المدرسة كلها في النقد لأنه هو الذي هداها إلى معاني الشعر والفنون وأغراض الكتابة ومواضع المقارنة والاستشهاد" [٩] .
وأهم جوانب تحديث الديوانيين هي: إضافات في مفهوم الشعر ومحتواه وبعض قواعد الشكل فيه.
أ- في مفهوم الشعر: كان الشعر عند البارودي وتلاميذه صناعة متقنة تقوم على مجموعة من القواعد والقوانين، وقد رفض الديوانيون هذا المفهوم، وقرروا أن الشعر إبداع يعبر عن ذات الشاعر، ويصور عالمه الداخلي، بكافة مناحيه وطاقاته النفسية، ويصدر عن الشعور ويضطرب بالعاطفة، يقول عبد الرحمن شكري في تعريف الشعر: "هو كلمات العواطف والخيال والذوق السليم، فأصوله الثلاثة متزاوجة " [١٠] .
ب- في مضمون الشعر: اهتم الديوانيون بالقضايا الوجدانية، ووجهوا الشعر نحو استبطان الذات والتعبير عن الاحساسات الفردية، وقلما اهتموا بالقضايا العامة التي كان يهتم بها شوقي وحافظ وأحمد محرم.. الخ.
ج- في شكل الشعر:
[ ٣٣ / ٣٧٥ ]
دعا الديوانيون إلى الوحدة العضوية في القصيدة لتكون "كالجسم الحي يقوم كل قسم فيها مقام جهاز من أجهزته، ولا يغني عنه غيره في موضعه" [١١]، ودعوا إلى تطوير الصورة الشعرية لتكون تعبيرا عن شعور أو قضية، وهاجموا الصورة الشعرية عند شوقي، واتهموها بالافتعال والمبالغة والسطحية والحسية.
كما دعوا إلى التحرر من القافية الموحدة، ورأوا أنها قيد على الإبداع، يقول العقاد: "ليس بين الشعر العربي وبين التفرع والنماء إلا هذا الحائل، فإذا اتسعت القوافي لشتى المعاني والمقاصد وانفرج مجال القول، بزغت المواهب الشعرية على اختلافها، ورأينا بيننا شعراء الرواية، وشعراء الوصف، وشعراء التمثيل" [١٢] .
تلك هي أهم ملامح الحداثة التي دعا إليها الديوانيون. ويعزو النقاد أصول دعوتهم إلى الرومانسية الإنجليزية التي تأثروا بها، فيذهب الدكتور محمد مندور إلى أن المنهج الشعري الذي اختارته هذه المدرسة ودعت إليه هو نفس المنهج الشعري الذي صدر عنه جامع "الكنز الذهبي" [١٣] في اختيار ما اختاره من الشعر الغنائي الإنجليزي. وقد قام الباحث محمد عبد الهادي محمود بتتبع هذه الأفكار عند عدد من الشعراء والنقاد الإنجليز، وأثبت أنها منقولة عنهم [١٤] .
ولم ينكر الديوانيون هذا التأثير، بل أعلنوه على رؤوس الأشهاد، كما رأينا في حديث العقاد عن مصادر ثقافتهم الإنجليزية قبل قليل.
[ ٣٣ / ٣٧٦ ]
ولاشك أن الديوانيين قد جاؤوا الشعر العربي في هذا العصر بعدد من القيم الفنية، استمدوا معظمها من الأدب الغربي، وأفادوه في عدة جوانب منها: إعادته إلى التعبير عن الوجدان الفردي بإِخلاص وصدق، كما كان في شعر معظم الشعراء الجاهلين والإسلاميين، والشعراء الغزليين، والصوفيين، وأصحاب الاتجاهات الفردية، كابن الرومي والمتنبي (في غير مدائحه) وأبي فراس الحمداني وأبي العلاء المعري وغيرهم من الفرديين الذين لم يخل منهم عصر من العصور. وعلى ذلك فإن دعوة الديوانيين ليست جديدة كل الجدة على الشعر العربي، وليست نابعة - أيضا - من التيار الوجداني العربي، وإنما من الرومانسية الغربية.
وكذلك الأمر بالنسبة لآرائهم النقدية، فهي أيضا نتيجة من نتائج تأثرهم العميق بثقافتهم الإنجليزية، ولعل هذا هو الذي يفسر لنا التفاوت الكبير بين دعوتهم النظرية وتطبيقهم العملي، فشعرهم - ولاسيما شعر العقاد، ثم شعر المازني - لا يحقق أحيانا المبادئ التي دعوا إليها، ولا يخلوا من المعاني التي هاجموها بشدة. والطريف أن العقاد نفسه - وهو أعنف زملائه في الهجوم على الشعر التقليدي - وقع في الفخ الذي نصبه من قبل لأمير الشعراء أحمد شوقي، فقد أخذه الناقد محمد مندور بجريرة تفكك القصيدة وضياع وحدتها العضوية، وطبق عليه الطريقة نفسها التي اتبعها هو في تحليل قصيدة شوقي، وكال له بالمكيال الذي استخدمه في الهجوم على شوقي! [١٥] .
والأمر الذي يحسب للديوانيين أنهم فتحوا الباب لرياح الحداثة أوسع مما فتحه أية داعية من قبل، وأنهم جرؤوا من بعدهم أن يدفعوا الباب بحدة أكثر، إلى أن جاء من يقتلعه نهائيا.
[ ٣٣ / ٣٧٧ ]
وقبل أن نتحدث عن تلك المراحل، نلتفت قليلا إلى بيئة أدبية ساندت حداثة الديوانيين وعززت أثرها في الساحة الأدبية، تلك هي بيئة المهجريين، الذين رفعوا أصواتهم من خلف الآفاق، فآزروا الديوانيين، وشاركوهم في التأثير على الجيل التالي من الشعراء والنقاد.
تحديث المهجريين:
لقي الأدب العربي الذي أنشأه المهاجرون العرب إلى الأمريكتين عناية فائقة في بلادنا. فقد اهتمت به المؤسسات الثقافية الرسمية والخاصة، وعكف عليه عدد من الدارسين يحللونه ويظهرون جوانب الإِبداع فيه، ونسبوا إليه فضل السبق والريادة في عدد من الجوانب، فجعلوه مرحلة مهمة من مراحل الحداثة في عصرنا الحاضر [١٦] .
ويجمع هؤلاء الدارسون على أن الموجهين الحقيقيين للحركة الأدبية في المهجر، ورواد الحداثة فيها، أربعة أدباء هم: أمين الريحاني (١٢٩٣-١٣٦٥هـ ١٨٧٦-١٩٤٥م) وجبران خليل جبران (١٣٠١-١٣٥٠هـ ١٨٨٣-١٩٣١م) وميخائيل نعيمة (١٣٠٧-١٤٠٨هـ ١٨٨٩-١٩٨٨م) وإيليا أبو ماضي (١٣٠٨-١٣٧٧هـ ١٨٩٠-١٩٥٧م) . وكان هؤلاء الأربعة على درجة عالية من الثقافة الغربية، أما ثقافتهم العربية فلم تكن واسعة، لأنهم انقطعوا عن مصادرها في تلك الأصقاع النائية، ولم تكن دراستهم في بلادهم- قبل الهجرة - واسعة. يقول ميخائيل نعيمة في ذلك: "إن أدباء المهجر - بما فيهم أعضاء الرابطة القلمية - لم يكونوا من ذوي الثقافات العميقة، ولم تهيئهم مدارسهم في وطنهم للمركز الممتاز الذي شغلوه في عالم الأدب" [١٧] .
[ ٣٣ / ٣٧٨ ]
وقد اتخذ الأدب المهجري منذ نشأته سمة التمرد والثورة على التراث، وكان رائده الأول- أمين الريحاني - ذا مزاج ثوري حاد، وهو صاحب أول دعوة إلى الشعر المنثور في الأدب العربي، ومن أشد المتحمسين له، وكان الرائد الثاني - جبران خليل جبران - ثورة عارمة على المقاييس اللغوية والشعرية التراثية كلها. وكان ميخائيل نعيمة - فيلسوف الحركة المهجرية وناقدها الأول - يدعو إلى تغييرات مهمة في مفهوم الأدب ووظيفته، وقد سجل معظم المبادئ التي دعا إليها المهجريون في كتابه النقدي "الغربال"، أما إيليا أبو ماضي فقد آثر أن يكون تجديده عمليا، يطبقه في قصائده المتوالية دونما ضجة.
وقد أدخل المهجريون - ولا سيما الرواد - إلى الشعر العربي ونقده عدة مفهومات جديدة، ووجهوا محتوى الشعر وجهة جديدة، وتركوا في أسلوبه بصمات خاصة، أثرت في جيل ما بين الحربين في المهجر وفي البلاد العربية.
وكان تجديدهم في موضوعات الشعر أقوى من أي تجديد آخر، فقد ثاروا. على الموضوعات التقليدية الصلدة كالمديح والهجاء والنسيب، واتجهوا إلى استبطان النفس البشرية وكشف صراعاتها الداخلية، والتأمل العميق في الكون والحياة وتوثيق الصلة بالطبيعة، والتفكير من خلالها، وتحايلوا على أشد الموضوعات الفلسفية صلابة فصبغوها بلون شعري، كقضايا الموت والخلود والروح، ونمت في قصائدهم نزعة إنسانية قوية، تدافع بضراوة عن حقوق الإنسان، وتنشد العدالة المطلقة، وتدعو إلى المحبة. كما ظهرت في أشعارهم الروابط الأسرية، ومن الطبيعي أن تظهر وتشتد، فالغربة والحنين إلى الوطن ومن فيه يجعلان أوهن الروابط قويًا متينًا، لذلك كانت الغربة والحنين المحورين اللذين تلتقي عندهما قصائد المهجريين بعامة.
[ ٣٣ / ٣٧٩ ]
ومن المؤكد أننا نجد صورا لهذه الموضوعات في الشعر العربي القديم، ولكن هذه الصور قليلة، تزاحمها الموضوعات التقليدية السائدة آنئذ، وهذا ما يجعلنا نقول: إن المهجريين قد وجهوا الشعر العربي في العصر الحديث إلى العناية بهذه الموضوعات، وأعطوها صدارة القصائد، وجعلوا شعرهم مثالا عمليا يحتذيه كثيرون من بعدهم. ولا شك أن مرارة الغربة والصعوبات الكثيرة التي واجهتهم في سبيل لقمة العيش، والروح الشرقية التي صدمتها الحضارة الغربية، والثقافة النصرانية التي يصدر عنها هؤلاء، هذه العوامل كلها قد ساعدت على تألق الموضوعات الجديدة في الأدب المهجري. يضاف إلى ذلك أن اطلاعهم على جانب من الفلسفة التي تُعنى بالروح من وجهة نظر غربية، كفلسفة امرسون، والأعمال الأدبية المتأثرة بها، قد ضاعف اهتمامهم بالموضوعات الإنسانية الجديدة، يقول صاحبا كتاب "الشعر العربي في المهجر"في هذا الشأن: وربما سمعوا أو قرأوا شيئا من فلسفة امرسون عن الطبيعة، "المعلم الأكبر"أو عن "غاب ثورو" وربما يأتي إليهم- بطريقة ما- صوت الشاعر "ويتمان"وهو يرى أن الإنسان قد يستطيع تحقيق حريته فيحرر عقله وجسمه عن طريق الديمقراطية، ويحرر قلبه عن طريق الحب، ويحرر روحه بالدين ولكننا نعلم أن هذا الاتجاه الأمريكي نفسه هو وليد اتجاه أوربي عند "كانت"و"كولريدج" و"بليك"و"وردزورث"و"روسو"، وقد اتصل جبران بهذا الموروث من خلال "بليك"و"نيتشه" [١٨] . والمعروف أن جبران هو أكثر الشعراء المهجريين استبطانا لذاته، وأكثرهم التصاقا بالطبيعة، وأنه أغرم - أثناء وجوده في فرنسا - بوليم بليك، وقرأ مؤلفاته، وتأثر بها في اختيار موضوعاته [١٩]، ولاسيما موضوعات العناية بالنفس والروح والعالم العلوي - حسب التصور النصراني - ومن جبران سرت هذه الموضوعات إلى عدد من الشعراء المهجريين، ومن ثم إلى عدد من الشعراء المشرقيين.
[ ٣٣ / ٣٨٠ ]
وفي ميدان الشكل يتمثل تحديث المهجريين في عدة جوانب، أهمها جانبان هما: التشكيل الموسيقي والمعجم الشعري.
أ- تحديث المهجريين في الشكل الموسيقي:
كثيرا ما تحدث الدارسون عن أثر المهجريين في موسيقى الشعر العربي الجديدة، وكثيرا ما عدوهم ممهدين للتغييرات الواسعة التي نادى بها الحداثيون فيما بعد، والحقيقة أن تجديدهم في هذا الميدان ليس كبيرا، وأنه في معظمه دعوة نظرية لم تطبق تطبيقا كاملا قط. فقد دعا أمن الريحاني إلى الشعر المنثور، وكتب نماذج منه، وظل متمسكا به إلى آخر حياته [٢٠]، ولكن دعوته لم تنتشر بين الشعراء المهجريين، وظل هؤلاء مخلصين لإطاري القصيدة والموشح، يدخلون عليهما في بعض الأحيان تنويعات بسيطة لا تخرجهما عن بنيتهما الأساسية [٢١] .
وهاجم ميخائيل نعيمة الأوزان والقوافي، ونادى بالتخلص منها، لأنها في اعتباره زخارف لا قيمة لها، تشبه زخارف المعابد. قال: لقد وضع الناس للشعر أوزانا مثلما وضعوا طقوسا للصلاة والعبادة، فكما أنهم يتأنقون في زخرفة معابدهم لتأتي لائقة بجبروت معبودهم، هكذا يتأنقون في تركيب لغة النفس، لتأتي لائقة بالنفس، وكما أن الله لا يحفل بالمعابد وزخرفتها، بل بالصلاة الخارجة من أعماق القلب، هكذا النفس لا تحفل بالأوزان والقوافي، بل بدقة ترجمة عواطفها وأفكارها. فلا الوزن ولا القوافي من ضرورة الشعر، كما أن المعابد والطقوس ليست من ضرورة الصلاة والعبادة. فرب عبارة منثورة، جميلة التنسيق، موسيقية الرنة، كان فيها من الشعر أكثر مما في قصيدة من مئة بيت بمئة قافية [٢٢] .
[ ٣٣ / ٣٨١ ]
وتط رف في هجومه على موسيقى الشعر العربي، فعد الزحافات والعلل أوبئة تصيب القصيدة، ولم يحسبها تنويعا موسيقيا يثري نغمها، فقال: "والزحافات والعلل أوبئة تتنزل بأوزان الشعر العربي فتحرك ساكنا أو تسكن متحركا، وتقضم حرفا هنا ومقطعا هناك، وقد عني بها الخليل عناية خاصة، فأعطى لكل منها اسما ورتبها في أبواب وفصول، وهي أكثر عدا من خطاياي! " [٢٣] .
غير أن نعيمة يناقض نفسه في قضية الوزن، فهو يهاجمه في مكان من غرباله ويشيد به في مكان آخر منه، فيقول مبينا أهميته وأثره في تنسيق موسيقى الشعر: "الوزن والتناسب أخوان لا ينفصلان، والشاعر الذي يعانق روحه روح الكون يدرك هذه الحقيقة أكثر من سواه. لذلك نراه يصوغ أفكاره وعواطفه في كلام موزون منتظم. الوزن ضروري، أما القافية فليست من ضروريات الشعر لاسيما إذا كانت كالقافية العربية بروي واحد يلزمها في كل القصيدة" [٢٤] .
وبذلك يتراجع عن رأيه السابق الذي يجعل الوزن كالنقوش في المعابد لا قيمة لها، ويقترب من الديوانيين الذين يتمسكون بالوزن ويتساهلون في أمر القافية.
وقد قام الباحث شفيع السيد بدراسة شعر نعيمة دراسة مستفيضة، وتوصل إلى أن نعيمة الشاعر غير نعيمة الناقد، فهو لا يطبق دعوته النقدية في شعره، ولا يتخلى عن الأوزان الخليلية [٢٥]، وكل ما فعله هو الخروج على ما أثر عن العرب في الزحافات والعلل، وعمل تشكيلات موسيقية جديدة لا تخرج عن الوحدة النغمية القديمة، كما أنه استغل إطار الموشح استغلالا كبيرا.
كذلك فعل جبران خليل جبران، وإيليا أبو ماضي، ونسيب عريضة، وسائر المجددين من شعراء المهجر [٢٦] .
[ ٣٣ / ٣٨٢ ]
وبوجه عام لم تخرج موسيقى القصيدة المهجرية عن الأسس التي يقوم عليها نظام الموشح من حيث التزام التماثل التام في الوزن والقافية بين المقاطع، فالمقطع في القصيدة المهجرية يقوم مقام البيت في القصيدة التقليدية وفي الموشح معا. الأمر الذي يجعل الباحثين يجزمون بأن هذه الظواهر امتداد لما جاءت به الموشحات الأندلسية، فهم كما يقول عنهم عيسى الناعوري: وجدوا الطريق أمامهم مشقوقة وليس عليهم إلا أن يطوروها التطور الذي يقتضيه الفن الرفيع، ويبلغ بها المرحلة التي تجعل من الشعر رفيقا للنفس وتصويرا للإحساس، ولكن وعلى الرغم من ارتباطهم بأنظمة الموشحات فثمة أنغام خاصة في موسيقاهم الشعرية، وصلوا إليها بتفننهم في نغم الموشح، وخروجهم على نظامه الرتيب. كما أنهم مع اعتمادهم على نظام المقطوعة، أحدثوا تنويعات موسيقية في قصائدهم، فقد تكون هذه المقطوعة ثنائية أو ثلاثية أو رباعية أو خماسية غير أن هناك تنويعًا داخل الثنائية أو الثلاثية في بعض الأحيان [٢٧] .
وفي ميدان اللغة، كانت ثورة المهجريين عارمة في التنظير، ومحدودة في التطبيق. فقد دعا ميخائيل نعيمة إلى تطوير اللغة، وفتح الباب أمام الشعراء والأدباء ليدخلوا الكلمات التي يرونها دون عائق. وهاجم بعنف أحد النقاد المصريين لأن هذا الناقد أخذ على جبران استخدامه كلمة (تحمم) مكان استحم، ورفض الاحتكام إلى القواميس، وجعل ذوق الشاعر الحكم الفيصل في هذه القضايا قال: "لماذا جاز لبدوي لا أعرفه ولا تعرفونه أن يجعلها تحمم، ولا يجوز لشاعر أعرفه وتعرفونه أن يجعلها تحمم؟ وأنتم تفهمون قصده، بل تفهمون تحمم قبل استحم" [٢٨] .
[ ٣٣ / ٣٨٣ ]
وفي يقيني أن الذوق وحده لا يكفي حكما لقبول الكلمات الجديدة، وهو معيار شخصي جدا، ولا يجوز أن يتدخل في لغة لها قواعدها وأصولها التي استقرت منذ قرون عديدة. لذلك لم يرض العقاد عن رأي نعيمة، وأعلن مخالفته الصريحة له في المقدمة التي كتبها للغربال فقال: "الأديب في حل من الخطأ في بعض الأحيان، ولكن على شرط أن يكون الخطأ خيرا وأوفى من الصواب، وأن يكون مجاراة التطور فريضة وفضيلة، ولكن يجب أن نذكر أن اللغة لم تخلق اليوم فنخلق قواعدها وأصولها في طريقنا، وأن التطور إنما يكون في اللغات التي ليس لها ماض وقواعد وأصول. ومتى وجدت القواعد والأصول فلماذا نهملها أو نخالفها؟ إلا لضرورة قاسرة لامناص منها؟ [٢٩] .
وفي الحقيقة كانت ثورة المهجريين على اللغة نظرية أكثر منها تطبيقية أيضا، فقد كتبوا أشعارهم بالفصحى وقلما خرجوا عنها. لكن معظمهم كان يعاني من ضعف محصوله اللغوي، وكان يقع في الخطأ، فتحول ضعفهم وتساهلهم إلى دعوة للتجديد، ولقبول الاستعمالات غير الفصيحة ما داموا قد استعملوها.
وقد ساعدهم على التساهل في اللغة مزاجهم الرومانسي، فمن طبيعة هذا المزاج رفض القيود في كل شيء، وإيثار اللغة اللينة ولو أدى الأمر إلى استخدام بعض الكلمات العامية في القصائد، كما أنه ينفر من قوة التركيب وجزالته.
ومن الضروري أن نتحرز - ونحن نذكر هذا - فنؤكد أن المجيدين منهم كنعيمة وجبران والريحاني وعريضة وإيليا أبو ماضي.. ونفر آخر قليل من المهجريين كانوا رغم أخطائهم يحسنون استخدام اللغة في شعرهم، حتى أن الدكتور مندور أعجب بها إعجابا شديدا، وعدها القمر التي لا يصل إليها إلا الأفذاذ من الشعراء [٣٠] .
[ ٣٣ / ٣٨٤ ]
ولاشك أن هؤلاء الشعراء استطاعوا أن يصفّوا لغتهم ويخلصوها من النبرة الخطابية، كما استطاعوا أن يصقلوا عباراتهم لتعبر عن أعماق ذواتهم، ولكنهم في اعتقادي لم يصلوا إلى القمة التي يشير إليها الدكتور محمد مندور.
وأخيرا نشير إلى التجاوب الكبير الذي قام بين جماعة الديوان في مصر، وجماعة المهجريين في المهجر الأمريكي، ولاسيما جيل نعيمة ومن بعده، وتبدو صورة التجاوب في المقدمة التي كتبها العقاد لغربال نعيمة، حيث رحب العقاد بالغربال ووافق على المبادئ النقدية التي وردت فيه، باستثناء تحفظ واحد في قضية اللغة [٣١] .
وقد أثمر هذا التجاوب مساندة قوية لآراء الديوانيين، وأسهم في دفع عملية التغيير في الأدب العربي الحديث ونقده، فتضافرت جهود جماعة الديوان مع دعوة المدرسة المهجرية في توجيه الشعر وجهة وجدانية لا تزال آثارها تلازمه حتى اليوم، كما أثرت جهود المدرستين في إنتاج "جماعة أبولو"، وفي إنتاج شعراء ما بين الحربين في عدد من البلاد العربية. فكان شعراء أبولو مثالا لاستمرار عملية التحديث في الشعر العربي. وهذا ما سنقف عليه في الفقرة القادمة.
تحديث (جماعة أبولو) [٣٢]:
تضافرت جهود خليل مطران والديوانيين والمهجريين في إدخال قيم حديثة إلى الشعر العربي، وتعاونت على توجيهه نحو الخط الرومانسي، فكان التيار الرومانسي العربي في الشعر، يبدأ بخليل مطران، ويقوى بشعر الديوانيين والمهجريين، ويتكامل في شعر جماعة أبولو ونظرائهم.
ويمثل شعر جماعة أبولو تطور الحركة الشعرية في الثلاثينيات من هذا القرن الميلادي.
وعلى الرغم من تباين اتجاهات شعرائها، فثمة سمات عامة تغلب على معظمهم أهمها: الرغبة في تحديث الشعر ودفعه خطوة أخرى بعد الديوان، والتأثر القوي بالثقافة الغربية، والإعجاب الكبير بمبادئ الرومانسية الغربية.
[ ٣٣ / ٣٨٥ ]
وقد سار شعراء جماعة أبولو المجددون في ركب الديوانيين، وقدموا الصورة التطبيقية الناجحة لدعوتهم، فاهتموا بتناسق الشكل والمضمون في العمل الشعري، وعنوا بالوحدة العضوية عناية خاصة، حتى أننا لنرى هذه الوحدة تنتظم معظم شعرهم، وسعوا إلى التجديد في موسيقى الشعر، فتابعوا عبد الرحمن شكري في تلوين القافية وإرسالها، وكتبوا الشعر المرسل، والمتعدد القافية، فضلا عن الشعر المقفى، ثم اندفعوا خطوة أبعد من ذلك ودعوا إلى الشعر الحر.
ومن المفيد أن نتوقف هنيهة عند الشعر الحر الذي دعوا إليه لتداخله - في الاصطلاح - مع الشعر الحر الذي دعت إليه نازك الملائكة فيما بعد.
الشعر الحر - كما نظمه بعض شعراء جماعة أبولو - شعر يخرج في تشكيله الموسيقي عن قواعد العروض في شيئين: الأول أنه يجمع بين بحور مختلفة في قصيدة واحدة، بحيث يمكن أن يكون كل بيت على وزن يختلف عن وزن البيت الذي يجاوره، ولكنه لا يخرج على الأوزان الخليلية المقررة، بل يلتزم بها التزاما تاما في البيت الواحد على الأقل.
والثاني أنه يتحرر من القافية تحريرا تاما. فلا تجد في القصيدة أية قافية تربط بين الأبيات. ومثال هذا الشعر قول الدكتور أحمد زكي أبو شادي في قصيدته "مناظرة وحنان"حيث يقول [٣٣]:
وجلسن بين تناظر متأملات في المرائي
فلم التناظر
الحسن وحدته تجل وإن تنوع أو تباين
فله الجلالة
وللمحبين أشواق وتقديس
هيهات يحصرها داع إلى حصر
فالحسن سلطان والجوهر الأسنى
لا قسمة المظهر
مهما ازدهى وغلا
وكأنما الأزهار وقد حنن إلى التناظر
ويعد هذا اللون من الشعر أول محاولة لكتابة الشعر الحر بإيقاع شعري لا نثري، إذ أن محاولة أمين الريحاني في الشعر المنثور لم تكن تهتم بالوزن على الإِطلاق.
[ ٣٣ / ٣٨٦ ]
وقد تبنى هذه الدعوة الدكتور أحمد زكي أبو شادي، ودافع عنها بحماسة فائقة. ويرى الباحث س. موريه أن أبا شادي استقى فنية الشعر الحر من الشاعر "الجرنون تشارلز سونيرن" وأن دفاعه عن هذا النمط في وجه منتقديه مقتبس من كتاب "هاربيت مونور" (الشعراء وفن الشعر) حيث ناقشت المؤلفة حركة الشعر الحر في إنكلترا وأمريكا، وأن بعض عباراته منقولة عنها كلمة بكلمة [٣٤]
لكن أبا شادي - كما يقول موريه - لم يصل في قصائده الحرة إلى تلك التكتيكات الخفية التي يتقنها الشعراء الغربيون أمثال: أزرا باوند وهيلدا دولتيل وريتشارد الدينجتون، وبخاصة ما يتعلق باختيار البحور المناسبة للتجربة، وطريقة استخدامها، وتنويعها في القصيدة بتوقيت دقيق حسب تغير الحالة الشعورية، مع إضافة مجموعة من الحيل الموسيقية المعوضة عن فقدان القافية وتغير الوزن [٣٥] .
لذا لم تكن قصائده نموذجا يشجع جمهور الشعراء على احتذائه، كما لم يكن أنصاره كثيرين، فقد كانت الاستجابة لدعوته محدودة، لا تجاوز عددا من شعراء جماعة أبولو، في حين رفضها معظم الشعراء والنقاد. أما أبوشادي نفسه فقد دافع عن دعوته بحرارة، وعدها تحديثا للشعر العربي يساعده على الانتقال من الغنائية إلى الدرامية، وهاجم خصمه، وعلل إعراضهم عن دعوته بجهلهم، أو بسبب خصومة شخصية، قال: وإني إذا عذرت من لا يقدِّرون قيمة الشعر الحر والشعر المرسل وتنويع الأوزان والابتداع فيها، وأثر كل ذلك في تحرير التعابير الشعرية من القيود الثقيلة، ودفعها حرة لتكون للأدب العربي شعرا دراميا قويا بعد أن حرم من ذلك طويلا في ماضيه، إذا عذرت هؤلاء، فإني لا أعذر من يجازفون بأحكامهم تبعا للمحبة والكراهية
[ ٣٣ / ٣٨٧ ]
وإذا جاوزنا الشعر الحر باحثين عن جوانب أخرى لحداثة جماعة أبولو فلن نعثر على كثير. ذلك أن هذه الجماعة لم تخرج في أهدافها عن الأسس العامة التي وضعها الديوانيون، ولم تضف جديدا إلى دعوتهم، فضلا عن تباين اتجاهات شعرائها، وقد عدها الدكتور محمد مندور صورة مكررة للديوانيين، فقال: إننا لا نستطيع أن نحدد لهذه المدرسة - ولأبي شادي رائدها خاصة - مذهبا محددا من مذاهب الشعر التي عرفها الأوربيون، كالرومانسية أو الواقعية أو الرمزية، وإنما الذي يتفقون عليه هو نفسه ما اتفقت عليه جماعة الديوان من قبل أي: الدعوة للتجديد والتحرر من التقاليد العربية التي تحجرت [٣٧] .
ويرجع الفضل إلى أبي شادي في تعميق الرغبة في الحداثة عند عدد من شعراء جماعة أبولو، فهو الذي تولى النقد والتوجيه على صفحات مجلتها، معتمدا على ثقافته الواسعة واتصاله الوثيق بالأدب الإنجليزي.
والملحوظ أن ثقافة أبي شادي تشبه ثقافة الديوانيين، ولعل هذا سر تشابه دعوته مع دعوة الديوانيين، فقد استقى من المنابع التي وردوها، وتأثر بمنهجهم في النقد.
وهكذا يجتمع دعاة التجديد من شعراء جماعة أبولو مع الديوانيين، ومع المهجريين، للعمل على "تحديث الشعر العربي"ومضمون هذا التحديث هو: إدخال عدد من مبادىء الرومانسية الغربية إلى الشعر العربي ونقده، فهؤلاء الشعراء - ابتداء بخليل مطران وانتهاء بعلي محمود طه - اطلعوا بنسب متفاوتة على الأدب الغربي، وأعجبوا بالشعر الرومانسي ونقده، وأسهموا في ترجمة الآثار الأدبية الرومانسية إلى الأدب العربي، وكتبوا المقالات للتعريف بالرومانسية وأدبائها، وطبقوا عددا من مبادئها الرئيسة في أشعارهم.
نخلص من ذلك كله إلى القول: إن قضية الحداثة قد نمت عند "الرومانسيين العرب": الديوانيين والمهجريين وجماعة أبولو، وان مفهومها الأساسي هو: الاستفادة من بعض القيم الفنية في الشعر الغربي ونقده.
[ ٣٣ / ٣٨٨ ]
وقد استمرت قضية الحداثة خلال الحرب العالمية الثانية، وتكررت الكتابات فيها، وكانت الآراء متناقضة، تعيد صورة الخلاف بين الديوانيين وخصومهم. إذ أثيرت قضية الشعر المرسل في سلسلة من المقالات كتبها دريني خشبة [٣٨] وتحول العقاد عن مناصرته لها، ورأى أن القضية حلت نهائيا باعتماد القافية المنوعة [٣٩]، ودخل الدكتور محمد مندور حلبة النقد بعد عودته من فرنسا، فأثار قضية القاموس الشعري الجديد من خلال دعوته إلى الشعر المهموس، وتخطى المفهوم التقليدي للشعر، وهاجم شعر العقاد، وعد الشعر المهجري - في نماذجه الجيدة - مثالا لما يجب أن يكون عليه الشعر العربي الحديث [٤٠] . وما لبث أن دعا الأدباء صراحة إلى الأخذ بأدب أوربا في أنواعه المستحدثة [٤١]، وكتب سلسلة من المقالات درس فيها قضايا الوزن والقافية في موسيقى الشعر الغربي وموسيقى الشعر العربي وشرح الفروق بينهما [٤٢] .
وهكذا ترتبط الحداثة في الشعر العربي - إلى حد بعيد - بالأخذ عن الشعر الغربي ونقده بعض المبادىء الجديدة على الشعر العربي، حتى أن نعيمة يقول بصراحة تامة: إن ما تعود البعض (كذا) أن يدعوه نهضة أدبية عندنا ليس سوى نغمة هبت على بعض شعرائنا وكتابنا من حدائق الآداب الغربية، فدبت في مخيلاتهم وقرائحهم كما تدب العافية في أعضاء المريض بعد إبلاله من سقم طويل [٤٣] .
[ ٣٣ / ٣٨٩ ]
ولا تخلو دعوة من دعوات التجديد في هذه الفترة من شيء مما قاله نعيمة، حتى "العقاد"الذي وقف مواقف ثابتة من الشعر الغربي، يستند فيها إلى فهم عميق للشعر العربي، وارتباط كبير به، فإن دعوته إلى تحديث الشعر العربي ليست في الحقيقة إلا دعوة لإدخال عدد من القيم الغربية - والإنجليزية الرومانسية بخاصة - إلى القصيدة العربية. حتى الآن اقتصر حديثنا في قضية الحداثة على الحركة الشعرية في مصر، والحقيقة أن الحركة الشعرية لم تكن محصورة في مصر وحدها. ولم يكن التطور وقفا على إنتاج شعرائها. بل كان موزعا هنا وهناك في أطراف البلاد العربية. ولكن من الواضح تماما أن قيادة الحركة الشعرية في مطلع العصر الحديث، بدءًا بانعطاف محمود سامي البارودي إلى قمم الشعر العربي الأصيل ووصولا إلى الدعوة الرومانسية، كان في مصر، أو لنقل كان صوتها القوي في مصر، وذلك لأسباب كثيرة: فمصر كانت أسبق البلاد العربية إلى الاحتكاك بأوربا، جاءتها الحملة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي، وخرجت منها في مطلع التاسع عشر، ومصر أسبق البلاد العربية إلى تكوين حكم ذاتي قوي، ينافس الدولة العثمانية إلى درجه كاد أن يزحزحها عن بلاد الشام، وأسبق شقيقاتها إلى إرسال البعثات العلمية والاتصال بالثقافة الغربية. لذا من الطبيعي أن تزدهر حركة الثقافة فيها، وأن تتسرب إليها ألوان من الثقافة الغربية، ثم تنتقل منها إلى البلاد العربية الأخرى. وقد سهل هذا الانتقال تنقل المثقفين بين الأقطار العربية، ورحيل عدد منهم إلى مصر، سواء للإقامة فيها - كما فعل الكواكبي ومطران وغيرهما - أو مرورا بها للتزود من مواردها الثقافية، كما فعل جميع طلاب الأزهر من غير المصرين، ومنذ منتصف القرن الماضي، أو لنقل منذ ظهور البارودي في مصر ظهرت في الأقطار العربية الأخرى بوادر التغير في الشعر. لكنها لم تلق النجاح الذي لقيته حركة البارودي. لذا نقول بثقة واطمئنان إن ريادة
[ ٣٣ / ٣٩٠ ]
تحديث الشعر كانت في مصر، وإن انتشارها بدأ في مصر، على الرغم من وجود مظاهر لها في البلاد العربية الأخرى، وإن هذه الريادة استمرت حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم انتقلت منها إلى البلاد العربية الأخرى، وبالذات إلى العراق ولبنان. ذلك أن سيطرة المحتلين الأوربيين على معظم البلاد العربية ولا سيما بلاد الشام والعراق، وشيوع الثقافة الغربية في هذه البلاد، أثر في ريادة مصر، وجعل المثقفين يتحولون عنها ليصيبوا من الموارد التي أصابها المجددون في مصر. حتى إذا كانت نهاية الحرب العالمية الثانية، أخذ هؤلاء المثقفون ينقلون النزعات الحديثة في الغرب عن أصحابها مباشرة دون المرور بمصر، واستطاعوا أن يأخذوا في بعض القضايا الشعرية دور الريادة، لذا، واستكمالا لقضية الحداثة في الشعر العربي، أرى من الضروري أن أعرض (خطفًا) الحركة الشعرية في بعض البلدان العربية، لنصل الي رؤية شاملة لقضية حداثة الشعر العربي.
قبل النهضة كان التشابه بين الأقطار العربية كبيرا، فجميعها متخلفة علميا وأدبيا واجتماعيا، والشعر في جميعها متشابه في جموده وارتباطه بالأسلوب البديعي المتكلف.
وكما بدأت بوادر التغيير في مصر إثر رحيل الحملة الفرنسية، فإن بوادر التغيير في سورية بدأت إثر انتشار المدارس التبشيرية في الساحل وفي عدد من المدن الكبرى، فقد أعدت هذه المدارس طلابها ليكونوا طلائع التغيير القادم.
[ ٣٣ / ٣٩١ ]
غير أن ريادة هؤلاء لم تنجح، لأنها حاولت أن تقفز من مرحلة التخلف الشديد إلى مرحلة تقليد الشعر الغربي وتطعيم الأدب العربي بالمفهومات الغربية، ولم يكن لخريجي المدارس التبشيرية هؤلاء صفات الريادة المؤثرة، ولم يكن في المجتمع من يتحمس لآرائهم ودعواتهم. ومن أشهر أولئك "الرواد": بطرس البستاني (١٣١٦- ١٣٨٩هـ - ١٨٩٨-١٩٦٩م) وسليم البستاني (١٢٦٥-١٣٠١هـ - ١٨٤٨-١٨٨٤م) وإبراهيم اليازجي (١٣١٦-١٣٧٢هـ - ١٨٩٨-١٩٥٣م) ورزق الله حسون (١٢٤١-١٢٩٨هـ - ١٨٢٥-١٨٨٠م) وقسطاكي حمصي (١٢٧٥-١٣٦٠ هـ - ١٨٥٨-١٩٤١م) .
ويعد رزق الله حسون أسبقهم إلى الدعوة للتحديث، فقد نادى في وقت مبكر بإهمال القافية في الشعر، لأنها في اعتقاده ليست من عناصر الشعر الأساسية، قال: "فالشعر نظم موزون، وليست القافية تشترط إلا لتحسينه، فقد كان الشعر شعرا قبل أن تُعرف القافية" [٤٤] .
وقد طبق رزق الله حسون دعوته هذه في إحدى قصائده، فنظم جزءا من "نشيد الإنشاد"في قصيدة غير مقفاة [٤٥] (٤٣)، وتبعه بولس شحادة الذي دعا صراحة إلى وجوب اقتفاء الشعراء الأوربيين في انتشار الشعر غير المقفى، وطبق دعوته أيضا في قصيدة ترجم فيها جزءا من مسرحية "يوليوس قيصر"لشكسبير [٤٦] .
ولم تلق هذه الدعوات أية استجابة لدى الأدباء، ولا لدى الجمهور، وربما يكون السبب في ذلك- إضافة إلى ما قدمته عن صعوبة الانتقال من مرحلة الجمود إلى مرحلة الشعر الأوربي مباشرة، وعدم وجود جمهور يستسيغ التقنية الأدبية الأوربية - هو ضعف القصائد التي قدمها حسون وشحادة لتكون نماذج للدعوة الجديدة، وفي الحقيقة فإن شعر هؤلاء في جملته ضعيف لا يملك قوة شعر البارودي وإشراقة ديباجته.
[ ٣٣ / ٣٩٢ ]
وعندما جاء الجيل الثاني، جيل محمد البزم (١٣٠٥-١٣٧٥هـ - ١٨٨٧-١٩٥٥م) وتامر الملاط (١٢٣٧-١٣٣٣هـ - ١٨٥٦-١٩١٤م) وإلياس صالح (١٢٥٤-١٣٠٣هـ ١٨٣٩م) وشفيق جبري (١٣١٦-١٤٠٠هـ - ١٨٩٨-١٩٧٠م) وشكيب أرسلان (١٢٨٦-١٣٦٦هـ- ١٨٦٩-١٩٤٦م) وشبلي الملاط (١٢٩٣-١٣٨٠هـ - ١٨٧٦-١٩٦١م) وبشارة الخوري (١٣٠٨-١٣٨٨هـ ١٨٩٠-١٩٦٨م) .. الخ كان شعر البارودي وتلاميذه في أيديهم، إضافة إلى الدواوين التراثية التي كانت المطابع تخرجها واحدا تلو الآخر. فتهيأت الظروف لحركة إحياء في سورية، تتأثر خطى حركة الإِحياء التي قامت في مصر.
ولكن سرعان ما تسللت النزعة الرومانسية المتأثرة بالأدب الغربي الرومانسي من جهة، وبالديوانيين من جهة أخرى، واختلطت بالصفات التراثية "الكلاسيكسة"عند بشارة الخوري وعمر أبي ريشة وبدر الدين حامد وبدوي الجبل، ثم ظهرت قوية وحادة في شعر علي الناصر، الذي كان يعب ومن الثقافة الفرنسية بنهم شديد، ويجتهد في صياغة شعره على هديها.
وطبيعي أننا نجد أصداء دعوات العقاد وشكري والمازني في محاولات الشعراء السوريين للاهتمام بالذات الفردية، وأن نجد أصداء دعوة المهجريين وجماعة أبولو أيضا في تنويع القافية أو تركها، ذلك أن التأثر الكبير بتلك المدارس لابد أن يدفع الشعراء السورين إلى تجريب ما يجدونه في شعر النماذج التي يتطلعون إليها [٤٧] .
[ ٣٣ / ٣٩٣ ]
وفي فلسطين والأردن [٤٨]، كانت الصورة مشابهة للصورة التي رأيناها في سورية فقد بدأت حركة الإحياء مع ظهور الشعراء: محمد إسعاف النشاشيبي (١٣٠٢-١٣٦٨هـ ١٨٨٥-١٩٤٨م) وفؤاد الخطيب (١٢٦٩-١٣٧٦هـ ١٨٧٩-١٩٥٧م) وعادل أرسلان (١٣٠٤-١٣٧٣هـ - ١٨٨٧-١٩٥٤م) . وهؤلاء جميعا تأثروا بحركة الإِحياء في مصر. ثم ظهرت امتدادات الإحياء في اتجاه جديد، قاده خير الدين الزركلي ووديع البستاني، وكان موازيا لاتجاه شوقي وحافظ ومتأثرا به إلى حد كبير. وما لبثت النزعة الرومانسية أن خالطت الاتجاه الجديد بفضل شيوع الثقافة الإنكليزية بين الشعراء. ثم غلبتها في شعر إبراهيم طوقان ومطلق عبد الحق، ليكون مسار حركة الشعر في الأردن وفلسطين موازيا تماما لمسار حركة الشعر في سورية.
وفي السودان كان الشعر فاترا في مطلع القرن التاسع عشر، تغلب عليه آثار التصنع الذي ساد في العصر العثماني، باستثناء خيط من الشعر الصوفي حافظ على شيء من الحيوية [٤٩] . فلما كانت الثورة المهدية تأثر الشعر بها، وبدت بوادر التغير في أسلوبه وموضوعاته، فقد لانت لغته، وتخلصت - إلى حد ما - من التصنع والبديع، وكثرت فيه الملامح العباسية الحماسية، فكان أسبق من شعر البارودي في الالتفات إلى الشعر العباسي والتتلمذ على شعرائه. ولكن لفتته هذه لم تطل، ولم تؤثر في الشعر العربي، وسرعان ما انتهت مع خمود الحركة المهدية، فعاد الشعر سيرته الأولى، منزويا في قصائد المديح والغزل والتصوف، وظل على حالته حتى الحرب العالمية الأولى [٥٠] .
[ ٣٣ / ٣٩٤ ]
وبعد الحرب العالمية الأولى، ظهر الجيل الأول من المثقفين من خريجي كلية غوردون، وقد درس هؤلاء المثقفون التراث الشعري العربي كما درسوا الشعر المعاصر في مصر، وتأثروا بهما تأثرا كبيرا، ونبغ من بينهم شعراء مجيدون أمثال: عبد الرحمن شوقي، وعبد الله عبد الرحمن، ومحمد سعيد العباسي، وأحمد محمد صالح. فكانوا أعمدة الاتباعية، وكان شعرهم صورة للشعر الاتباعي في مصر، سواء في أسلوبه أو في موضوعاته، وإن كان لا يحوي براعة شعر شوقي ورشاقة شعر حافظ.
وقد تألق الشعر الاتباعي في السودان لأن الشعراء هناك لم يتأثروا بالثقافة الغربية، فكانت ديباجتهم عربية أصيلة. وكان الجمهور مفتونا بها، وقد بلغ افتتانه به - كما يقول الدكتور إبراهيم الشوشي - حدا من التقديس جعل التجديد عسيرا [٥١] .
ولكن ما لبث الخط الرومانسي أن تسرب إلى الشعر السوداني. فقد ظهر الشاعر "حمزة الملك طنبل"، الذي تأثر بالرومانتيكي الإنكليزي "ماثيو أرنولد"، وكانت ظروف الرجلين متشابهة، فأثر في الوسط الشعري بقصائده الرائعة. ثم ظهر عدد من الشعراء الذين تأثروا به وبالحركة الرومانسية العربية والغربية، أمثال: صالح عبد القادر، وعثمان حسن بدري، والشيخ حسيب علي حسيب، فملؤوا ساحة الشعر بدواوين ذات نزعة رومانسية واضحة، يظهر فيها آثار محمود علي طه وإبراهيم ناجي وأحمد زكي أبو شادي [٥٢] .
وهكذا تتبع الشعر السوداني - كما تتبع من قبله الشعر السوري- خطوات التطور التي ظهرت في مصر، وحافظ على الترتيب ذاته.
أما العراق، فأجدني متجها للوقوف عند ظروف الشعر فيه وقفة أطول من ذي قبل، لسبب يسير هو أنه البلد الذي احتضن حركة الشعر التفعيلي في بدايتها.
[ ٣٣ / ٣٩٥ ]
فقد كان الشعر في العراق متخلفا طوال القرن التاسع عشر، يقوم في جملته على تقليد الشعراء المتأخرين، أمثال: صفي الدين الحلي والشاب الظريف وابن نباته، وكان الشعراء آنئذ يحاكونهم في أغراضهم وأساليبهم وعنايتهم بالمحسنات البديعية عناية شديدة. يقول الدكتور يوسف عز الدين عن الشعر العراقي في تلك الفترة: "فمنذ سقوط بغداد إلى أوائل القرن العشرين بقي الشعر العراقي ألفاظا مجردة، بعيدة عن الموسيقى الشعرية. لا أثر للحس والعاطفة فيها" [٥٣] وما لبث أن ظهر جيل من الشعراء، عاد إلى الثقافة العربية، وتعمق دراستها ولم يتصل اتصالا مباشرا بآثار الغربيين، فظهر في شعره حركة إحياء تقف عند حدود هذا التراث ولا تتجاوزه إلا قليلا. وكان على رأس هذا الجيل جميل صدقي الزهاوي (١٢٨٠-١٣٥٥هـ - ١٨٦٣-١٩٣٦م)، ومحمد مهدي البصير (١٣١٣-١٣٩٤هـ - ١٨٩٥-١٩٧٤م) .. وما لبث الزهاوي أن انفصل عن زملائه واندفع بدعوة جديدة هي: دعوة الشعر المرسل.
فقد نشر في جريدة المؤيد القاهرية عام ١٩٠٧م مقالة يدعو فيها إلى الشعر المرسل، وأيد دعوته بقصيدة جعل عنوانها (الشعر المرسل) يقول فيها [٥٤]:
لموت الفتى خير له من معيشته
يكون بها عبئا ثقيلا على الناس
يعيش رضى العيش عشر من الورى
وتسعة أعشار الورى مناكيد
أما في بني الأرض العريضة قادر
يخفف ويلات الحياة قليلا
أفي الحق أن البعض يشبع بطنه
وأن بطون الأكثرين تجوع
والمعروف أن الزهاوي لا يتقن لغة أجنبية غير التركية، وليس له اتصال بالشعر الغربي، فمن أين استمد مصادر دعوته؟
[ ٣٣ / ٣٩٦ ]
يرجح موريه أن يكون الزهاوي قد تأثر بمقدمة سليمان البستاني لترجمة "الإلياذة"والتي قارن فيها بين الشعر العربي والشعر الغربي، وعرض الأشكال المختلفة للعروض الغربي، بما فيها الشعر المرسل [٥٥] . والجدير بالذكر أن دعوة الزهاوي لم تنتشر في بيئة الشعر العراقية، لأن الشعر المرسل الذي كتبه ضعيف لم يشد إليه الجمهور أو النقاد. فيما عدا ذلك لا نجد للزهاوي اتصالا مباشرا بعالم الحداثة في الشعر العربي. رغم أنه عاصر حركتي الديوانيين والمهجريين، وقرأ شيئا من كتابات أعلامها، وكتب يرحب بهم فقال: "أما الذين يزفون الشعر إلى الأسماع عربيا في زي عصري، أو أنهم حذوا حذو الإفرنج في الابتكارات أو الإحسان في العرض والوصف والاستبعاد عن المبالغات، وأفرغوا معانيهم في قالب عربي، وحوروا الشعر الأفرنجي حتى جعلوه موافقا للشعر العربي، وحافظوا على الأسلوب العربي بتمامه متفرقين في أمريكا ومصر، فهؤلاء يكسبون الشعر رونقا فوق رونقه، وثراء فوق ثرائه" [٥٦] . وعلى الرغم من قوله هذا فإنه لم يتزحزح عن موقفه الاتباعي.
ويبدو أن الاتباعية كانت ثابتة الأقدام في البيئة العراقية، فقد ظلت مسيطرة على ساحات الشعر حتى الحرب العالمية الثانية، وهاجم أعلامها حركات التجديد واتهموها بالتغريب، فكتب الرصافي يقول: "نعم إن هنالك فريقا من أهل الأدب يدعون إلى التجديد في الشعر، وكلما حاولت أن أفهم معنى صحيحا للتجديد الذي يدعون إليه، لم أستطع، ولم أفهم ماذا يريدون من التجديد، ثم قرَّ رأيي على ما استنتجته من أقاويلهم: إن التجديد هو تقليد الغربيين في شعرهم وأدبهم مع أن هذا الشعر هو الوحيد الذي يستحيل فيه التقليد"
[ ٣٣ / ٣٩٧ ]
وقد كتب للاتجاه الاتباعي أن يعمر في العراق أكثر مما عمر في بقية البلاد العربية عندما تسلم الجواهري ريادته، إذ تمكن هذا الشاعر من استصفاء التراث ثم تقديمه في أعلى مستويات الأصالة. فمنح الاتجاه الاتباعي مسوغ الاستمرار، في الوقت الذي كاد فيه يتهاوى في مصر.
ومع ذلك، لم يخل الجو من دعوة هنا ورأي هناك حول ضرورة نبذ الصياغة الاتباعية. كما ظهرت حملات على الشعراء الذين يقلدون شعراء مصر وسورية، فقد كتب عنهم أحد مهاجميهم يقول: "يزعمون التجديد، ويدعون الابتكار، وقد وضعوا نصب أعينهم شاعرا مصريا أو سوريا وأصبحوا يقتفون آثاره فكرة وتعبيرا. وقد نتج عن ذلك أن النتاج الأدبي في العراق اليوم ما هو إلا نتاج تقليدي مبتذل لا يستحق إعجابا أو تقديرا".
بعد ئذ تعرض الشعر العراقي لمرحلة تداخل الرومانسية مع الاتباعية، ومر بفترة قلق كانت الاتجاهات فيها غير واضحة، وكان المثل الأعلى أمام الشعراء هو الشاعر المصري أو السوري.
ولعل الشاعر عبد القادر الناصري (١٣٣٨-١٣٨١هـ - ١٩٢٠-١٩٦٢م) خير من يمثل طابع الشعر العراقي في هذه المرحلة. وهو نموذج الشاعر الذي كونته قراءات مجلة الرسالة، ودواوين شعراء المهجر، وقصائد علي محمود طه وإبراهيم ناجي. لذا راح يقلدهم في عرض تجاربهم الشعرية شكلا وموضوعا [٥٨] .
كانت هذه المرحلة في فترة ما بين الحربين، وكان معظم الشعراء العراقيين يقلدون الشعراء في مصر وسورية، لذا كانت رؤيتهم مشوشة ومضطربة بين القديم والجديد، تجتمع في شعرهم النزعتان الاتباعية والرومانسية غالبا.
[ ٣٣ / ٣٩٨ ]
وقد أخذ عدد من الشعراء الشباب يدرسون بتوسع قصيدة الشاعر الغربي، ويتتبعون تجاربه المتعاقبة، منذ إرهاصات الرومانسية، وإلى آخر الحركات التي ورثتها، فاطلعوا على ما أحدثه التصويريون، والتعبيريون، والواقعيون، أمثال: إيليوت وأزرا باوند، وإيديت ستويل، وكيتس.. وغيرهم. وتتلمذوا بإعجاب شديد على هذا الشعر، كما تتلمذوا أيضا على أعلام الشعر الرومانسي الغربي. وجاء تأثرهم أول الأمر بالشعر الرومانسي الغربي أقوى من تأثرهم بالاتجاهات التالية، فقد بلغ إعجابهم بشعرائه درجة جعلتهم يهدونهم قصائدهم المبكرة، ويترجمون أشعارهم في قالب شعري، على نحو ما فعل الديوانيون من قبل. فنازك الملائكة تكتب في ديوانها الأول "عاشقة الليل"قصيدة بعنوان "إلى الشاعر كيتس" [٥٩] مشيرة إلى تأثرها بقصيدته، وتترجم قصيدتين من الشعر الإنكليزي: الأولى قصيدة البحر للشاعر بيرون [٦٠] والثانية مرثية في مقبرة ريفية للشاعر توماس غراي [٦١] . وبدر شاكر السياب يهدي خمسا من قصائده المبكرة إلى روح الشاعر الرومانسي ورد زورث [٦٢] ويهدي مطولته بين الروح والجسد إلى روح الشاعر بودلير [٦٣]، وعبد الوهاب البياتي يسجل إعجابه الشديد بالشعراء الرومانسيين فيقول: "إنني لأذكر كيف ألهبت مشاعري في ذلك الوقت - وقت دخوله دار المعلمين (عام ١٩٤٤م) - كتابات أودن وأشعاره بغنائيتها الواقعية التي سبقت إليوت إلينا. ولم يكن أدباء التعبير عن الأزمة من عرفناهم وحدهم، ولكننا عرفنا بيرون وشيلي وكيتس ورامبو وهوغو " [٦٤] .
وهكذا بدأت إرهاصات وتغيرات جديدة وعميقة تظهر في شعر هؤلاء، وتنذر بعاصفة حداثية كبيرة قادمة.. وهذا ما كان.. وهو ما سنراه في الحلقة القادمة إن شاء الله.
--------------------------------------------------------------------------------
[ ٣٣ / ٣٩٩ ]
[١] أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني: العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده ١/١٨٢ تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد ط-٣ المكتبة التجارية الكبرى القاهرة ١٩٦٣م.
[٢] أبو بكر محمد بن يحيى الصولي: أخبار أبي تمام ٢٤٤ تحقيق خليل عساكر ومحمد عبده عزام ونظير الإسلام الهندي. مطبعة لجنة التأليف والنشر. القاهرة ١٩٣٧٠م.
[٣] أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري: الشعر والشعراء٧ تحقيق أحمد محمد شاكر. دار إحياء الكتب العربية. القاهرة ١٣٦٤هـ
[٤] انظر ما كتبه الدكتور إحسان عباس عن أثر كتاب الموازنة في كتاب الوساطة وذلك في كتابه: تاريخ النقد الأدبي عند العرب ص٣٢٢ ط٢ دار الثقافة. بيروت ١٩٧٨م.
[٥] انظر تكرر هذه المقاييس- سواء مع الإِشارة إلى ابن قتيبة أو دونها- في كتابات أعلام النقد العربي في القرون الماضية، في المصادر التالية: المبرد. الكامل: ١/ ٢٩. ت محمد أبو الفضل إبراهيم والسيد شحاته. مكتبة نهضة مصر، المرزباني: الموشح ٣٨٤ ت علي محمد البجاوي. دار نهضة مصر ١٩٦٥، القاضي الجرجاني: الوساطة بين المتنبي وخصومه ١٦ و٥٠-٥٣ ت محمد أبو الفضل إبراهيم وعلي محمد البجاوي. مكتبة عيسى البابي الحلبي ١٣٨٥هـ، ابن رشيق القيرواني: العمدة: ١/ ٩١، ٢/٢٣٨-٢٤٢ ت محمد محيى الدين عبد الحميد ط ٣ المكتبة التجارية الكبرى بمصر، ابن سنان الخفاجي: سر الفصاحة ٢٦١ ت علي فودة: مكتبة الخانحي بمصر ١٣٥٠هـ، ابن الأثير: المثل السائر ٣/٢١٩ ت أحمد الحوفي وبدوي طبانة مكتبة نهضة مصر ١٣٨٦هـ الحازم القرطاجني: منهاج البلغاء ٢٦٥ ت محمد الحبيب خوجة دار الكتب الشرقية تونس ١٩٦٥م.
[٦] د. محمد مندور: محاضرات عن خليل مطران ١١ مطبعة دار الهناء بمصر ١٩٥٤م
[٧] انظر: خليل مطران: ديوان الخليل ٨ و٩ مطبعة الهلال بمصر ١٩٤٩م.
[ ٣٣ / ٤٠٠ ]
[٨] انظر: د. عبد الباسط بدر: حداثة الشعر العربي. مجلة الجامعة الإِسلامية س ١٣ ع ٥٠ و٥١ ص ٢٨٤-٢٩٣.
[٩] عباس محمود العقاد: شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي ١٩١ مطبعة حجازي. القاهرة ١٩٣٧م.
[١٠] عبد الرحمن شكري: ديوان عبد الرحمن شكري ٤/٢٨٨ جمع وتحقيق نقولا يوسف دار المعارف بالإسكندرية: ١٩٦٠م.
[١١] عباس محمود العقاد وإبراهيم عبد القادر المازني: الديوان ١/١٣ ط-٣ دار الشعب القاهرة د. ت.
[١٢] عباس محمود العقاد: مطالعات في الكتب والحياة ٢٨٠ القاهرة ١٩٢٤م.
[١٣] د. محمد مندور: الشعر المصري بعد شوقي ١/٥٤ مكتبة نهضة مصر ١٩٧٣م.
[١٤] انظر: محمد عبد الهادي محمي "مقدمة لدراسة العقاد"المطبعة العالمية بمصر ١٩٧٥م. والكتاب جزء من رسالة ماجستير مقدمة إلى جامعة القاهرة عام ١٩٧٣م بعنوان: "نظرية الصورة الشعرية عند مدرسة الديوان".
[١٥] كان العقاد قد اتهم شعر شوقي بالتفكك، وضرب مثالا على ذلك بقصيدته "في رثاء مصطفى كامل"حيث حللها وأظهر أنها مثل كومة الرمل، يمكن إعادة ترتيبها بشكل آخر دون أن يتأثر المعنى. وقد عمد الدكتور محمد مندور إلى قصيدة العقاد "رفيق الصبا المعسول"التي رثى بها حسن الحكيم وحللها بالطريقة نفسها ووصل إلى النتائج التي وصل إليها العقاد من قبل، انظر تحليل العقاد لقصيدة شوقي في: الديوان ١٣٠-١٤٠ وتحليل د. محمد مندور لقصيدة العقاد في: النقد والنقاد المعاصرون ١١٨ مكتبة نهضة مصر. د. ت.
[١٦] انظر مثلا: جورج صيدح. أدبنا وأدباؤنا في المهاجر الأمريكية. القاهرة ١٩٥٦م، د. احسان عباس: الشعر العربي في المهجر. دار صادر بيروت ١٩٧٥م، د. أنس داود. التجديد في شعر المهجر. دار الكاتب العربي القاهرة ١٩٦٧م
[ ٣٣ / ٤٠١ ]
[١٧] أدبنا وأدباؤنا في المهاجر الأمريكية ٥٨، وأما الرابطة القلمية فهي: جماعة أدبية تأسست في نيويورك عام ١٩٢٠م، ومن أبرز أعضائها: جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، ونسيب عريضة، وإيليا أبو ماضي، ورشيد أيوب، وندرة حداد، تولى جبران رئاستها، وقد أصدرت مجلة أدبية دورية باسمها، وكانت تدعو إلى التجديد في اللغة والبيان، وكان معظم أعضائها متأثرين بالرومانسية، ولهذه الرابطة أثر كبير في الأدباء المهجريين بخاصة.
[١٨] د. إحسان عباس ود. محمد يوسف نجم: الشعر في المهجر: ١٦٨ عالم الكتب. القاهرة ١٩٧٢م.
[١٩] د. محمد عبد المنعم خفاجي: قصة الأدب المهجري ٣٧١ ط٢ دار الكتاب اللبناني. بيروت ١٩٧٣م.
[٢٠] انظر س. موريه: حركات التجديد في موسيقى الشعر العربي ٧٠-٧١ ترجمة سعد مصلوح. عالم الكتب. القاهرة ١٩٦٩م.
[٢١] انظر د. حسن جاد حسن: الأدب العربي في المهجر ٤٢٨ دار قطري بن الفجاءة قطر ١٩٨٥م والتجديد في شعر المهجر ٢٥١.
[٢٢] ميخائيل نعيمة: الغربال ١٠٠ المطبعة العصرية. القاهرة ١٩٢٢م.
[٢٣] السابق ١٠١
[٢٤] السابق ٧٣.
[٢٥] انظر: شفيع السيد: ميخائيل نعيمة. منهجه في النقد واتجاهاته في الأدب ٦٨ا-١٧٧ عالم الكتب. القاهرة ١٩٧٢م.
[٢٦] د. رجاء عيد: الشعر والنغم ٤٦ دار الثقافة للطباعة والنشر. القاهرة ١٩٧٥م.
[٢٧] انظر: الأدب العربي في المهجر ٤٣٠، ٤٣٤ والتجديد في شعر المهجر ٣٥٢.
[٢٨] الغربال ٨٤.
[٢٩] السابق ٨.
[٣٠] د. محمد مندور. في الميزان الجديد ٦٩ مكتبة نهضة مصر القاهرة ١٩٦٣م.
[٣١] انظر: مقدمة الغربال للعقاد ٨.
[ ٣٣ / ٤٠٢ ]
[٣٢] جماعة أبولو: اسم لجماعة من الشعراء تألفت في مصر عام ١٩٣٢م وأصدرت مجلة أدبية باسم (أبولو) خصصتها للشعر والنقد، وكانت تدعو إلى الارتقاء بالشعر العربي وتحديثه والاهتمام بالشعراء. وقد ضمت حين تأليفها شعراء من اتجاهات مختلفة وأسندت رئاستها إلى أمير الشعراء أحمد شوقي، ولكنه توفي بعد اجتماعها الأول فأسندت إلى خليل مطران. وكان سكرتير الجماعة والرجل النشيط فيها ورئيس تحرير مجلتها الدكتور أحمد زكي أبو شادي. وقد غلب عليها الشعراء المتأثرون بالنزعة الرومانسية. أمثال أبو شادي وعلي محمود طه وأبو القاسم الشابي وإبراهيم ناجي الخ.
انظر عبد العزيز الدسوقي: جماعة أبولو وأثرها في الشعر الحديث الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر ١٣٩١هـ.
د. كمال نشأت: أبو شادي وحركة التجديد في الشعر الحديث دار الكتاب العربي للطباعة والنشر القاهرة ١٩٦٧م.
[٣٣] د. أحمد زكي أبو شادي: مختارات وحي العام ٤٤ دار العصور للطباعة والنشر القاهرة ١٩٢٨م.
[٣٤] حركات التجديد في موسيقى الشعر العربي ٨٣، ٨٤.
[٣٥] السابق ٨٧.
[٣٦] د. أحمد زكي أبو شادي: الشفق الباكي ١٢٤٠ المطبعة السلفية بمصر ١٩٢٦م.
[٣٧] د. محمد مندور. محاضرات في الشعر المصري بعد شوقي، الحلقة الثانية ٦٥٦ دار نهضة مصر ١٩٧١م.
[٣٨] انظر: دريني خشبة: الشعر المرسل والشعر الحر. مجلة الرسالة ع ٥٣٨، ٥٣٩ اكتوبر، نوفمبر ١٩٤٣م ومقالته: الشعر المرسل وشعراؤنا الذين حاولوه. مجلة الرسالة ع ٥٤٠ نوفمبر ١٩٤٣م.
[٣٩] انظر: عباس محمود العقاد: في الشعر العربي، مجلة الرسالة ع ٥٤١ نوفمبر ١٩٤٣م.
[٤٠] انظر: د. محمد مندور، الأدب المهموس، مجلة الرسالة ع ٥٠٩، ٥١٠، ٥١١ مايو ١٩٤٣م.
[٤١] انظر: د. محمد مندور: الأخذ عن أوربا، مجلة الرسالة عدد ٥٧٤ يوليو ١٩٤٤م.
[ ٣٣ / ٤٠٣ ]
[٤٢] انظر: د. محمد مندور، الشعر الأوربي، مجلة الرسالة العددان، ٥٤٠، ٥٤١ نوفمبر ١٩٤٣م.
[٤٣] الغربال: ٢٩.
[٤٤] رزق الله حسون: أشعر الشعر ٣ بيروت ١٨٧٠م.
[٤٥] السابق ٣١.
[٤٦] انظر: حركات التجديد في موسيقى الشعر العربي ٣١.
[٤٧] للتوسع في هذا الموضوع انظر: أحمد الجندي شعراء سورية بيروت ١٩٦٥م. سامي الدهان: الشعر الحديث في الإقليم السوري، معهد الدراسات العربية العليا. القاهرة، ١٩٦٠م. سامي الكيالي: الأدب العربي المعاصر في سورية دار المعارف القاهرة ١٩٦٨م، صلاح لبكي: التيارات الأدبية الحديثة في لبنان، معهد الدراسات العربية العليا، القاهرة ١٩٥٥م، د. عمر دقاق: فنون الأدب المعاصر في سورية، دار الشرق حلب ١٩٧١م.
[٤٨] للتوسع في هذا الموضوع انظر: د. ناصر الدين الأسد: الشعر الحديث في فلسطين والأردن، معهد الدراسات العربية العليا القاهرة ١٩٦١م.
[٤٩] للتوسع في هذا الموضوع انظر: د. إبراهيم الشوش: الشعر الحديث في السودان، معهد الدراسات العربية العليا القاهرة ١٩٦٢ م.
د. محمد مصطفى هدارة: تيارات الشعر المعاصر في السودان، دار الثقافة بيروت ١٩٥٧م.
[٥٠] الشعر الحديث في السودان، ٤٧.
[٥١] السابق، ٤٨.
[٥٢] السابق، نفسه.
[٥٣] د. يوسف عز الدين: الشعر العراقي: أهدافه وخصائصه في القرن التاسع عشر ص ١٨٩ الدار القومية للطباعة والنشر. القاهرة ١٩٦٥م.
[٥٤] انظر: عبد الرزاق الهلالي: الزهاوي، الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة ١٩٧٦م.
[٥٥] انظر: حركات التجديد في موسيقى الشعر العربي ٣٠.
[٥٦] هذا النص أورده روفائيل بطي في كتابه سحر الشعر ٤١، المطبعة الرحمانية بمصر ١٩٢٢م.
[٥٧] هذا النص أورده رؤوف جبور في مقالته التجديد في الأدب، مجلة الحكمة العدد الثاني بغداد ١١/ ١٩٣٦م.
[ ٣٣ / ٤٠٤ ]
[٥٨] انظر ديوان عبد القادر رشيد الناصري، بغداد ١٩٦٥ م وانظر د. سهير القلماوي: شاعر أخطأ عصره، مجلة الهلال مايو ١٩٦٦م.
[٥٩] ديوان نازك الملائكة ١/ ٦٥٥، دار العودة بيروت ١٩٧١م.
[٦٠] السابق ١/٦٧٠.
[٦١] السابق ١/٦٧٨.
[٦٢] بدر شاكر السياب: قيثارة الريح، بغداد ١٩٧١م.
[٦٣] السابق ٣٤.
[٦٤] عبد الوهاب البياتي: تجربتي الشعرية ١٣ دار العودة بيروت ١٩٧٢م.
[ ٣٣ / ٤٠٥ ]