للدكتور صالح بن عبد الله العبود
رئيس قسم العقيدة بالجامعة الإسلامية
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا لله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله وأصلى وأسلم على محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين.
أما بعد: فإن هذا العدد من مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة هو بداية تحديد اتجاه المجلة إلى الاقتصار على نشر الأبحاث العلمية التي يسهم فيها أساتذة المجامعة، ولذا جاء عددنا هذا حافلًا ببحوث علمية في العلوم الإسلامية والعربية لعدد من الأساتذة الفضلاء.
وما من شك أن البحث والنظر والاستدلال والتوثيق يفيد العلم وهو من خصائص الإسلام التي اقتبسها رواد الكشوفات العلمية فاستضاء بها العلم كله. وهذا المنهج من طرق التَماس العلم. فسلوكه سلوكًا يلتزم بالإِسلام وينبثق منه ويستند في دقته ونتائجه على عقيدته الحية كما يستمد مناهجه وخططه من شريعته هو سلوك راشد مشروع يرجى لصاحبه أن يسهل الله له به طريقًا إلى الجنة.
ذلك أن العقيدة الإسلامية هي التي جمعت الصدق والصلاح وسلمت من الضلال والفساد وتضمنت جميع الحَكمة والعلم النافع والعمل الصالح وهذا هو سر السيادة وسبب العز والظهور والنصر والغلبة والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة.
[ ٣١ / ٧٠ ]
إن العقيدة الإِسلامية هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره من الله تعالى تصديقَا وِإقرارًا وتسليما وانقيادًا بالقلب واللسان، والجوارح وأعلى ذلك شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ثم إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا، وعمومَا فالإِيمان هو طاعة الله تعالى وتحقيق امتثال أمره وأمر رسوله ﷺ ابتداء من أعلى شعب الإِيمان وهي شهادة أن لا إله إلا الله إلى أدناها وهى إماطة الأذى عن الطريق كما شرع الله في كتابه وسنة رسوله ﷺ والتعبد لله تعالى بهذه الطاعة حبا ورجاء وخوفا لله ومنه ﷾ تعبدا يصل على درجة المراقبة والإحسان وهي أن يعبد الإِنسان ربه بذلك كأنه يراه فإن لم يكن يراه استشعر أن الله يراه شعورا لا يغيب عن باله في جميع أحواله التعبدية أو غالبها فيثمر تقوى الله في السر والعلن.
إن عقيدةً هذه ماهيتها تثمر الأمن والهداية في الدنيا والآخرة وبقدر اعتقادها يتحقق ثمرها من الأمن والهداية فمن اعتقدها اعتقادا تاما كان له الأمن التام والهداية التامة ومن كان اعتقاده دون التمام حصل له من الأمن والاهتداء بقدر اعتقاده. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام:٨٢) .
[ ٣١ / ٧١ ]
وإن من يتأمل الواقع الذي نعيشه في المملكة العربية السعودية يدرك أن ما نحن فيه من أمن يفوق ما فيه أهل عصرنا من الدول وغيرها هو من أثر العقيدة الإسلامية التي دعا إليها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وناصره آل سعود عليها ووازروه على إعلاء كلمة الله تعالى فأقَبلوا على معرفة ما عند الشيخ من العلم والإرادة حتى إذا عرفوا صدق موافقته للحق نفذوا ذلك بالسلطان والإدارة والسيف والعزيمة يريدون ما عند الله تعالى، فصنع لهم الله من عظيم صنعه، وأظهر لهم من الدولة ما ظهروا به على سائر العرب، وكلما كان الأمر على ذلك العهد المبارك كلما كان في بحبوحة العز والنصر والظهور، ولا نزال ولله الحمد، ننعم بوارف ظلال عقيدة السلف الصالح المبنية على صحة العلم وصلاح العمل تحت دوحتي أهل العلم وأهل العمل من علماء الدعوة وأنصارها.
هذا وإن اقتصار المجلة على نشر البحوث العلمية الموثقة من الأساتذة الجامعيين ليرجى منه أن يجمع قوتها ويركزها على التخصص العلمي النافع فما ذلك إلا استجابة لمتطلبات المسيرة العلمية التي تسيرها الجامعة الإسلامية لتفي بسد بعض حاجات المجتمع الإسلامي العالمي للتخصص العلمي حسبما يُمليه وجودها إذ هي مؤسسة إسلامية عالمية من حيث الغاية، وعربية سعودية من حيث التبعية، ذات شخصية اعتبارية مستقلة، ومن أهدافها إعداد البحوث العلمية وترجمتها ونشرها وتشجيعها في مجالات العلوم الإسلامية والعربية خاصة، وسائر العلوم وفروع المعرفة الإنسانية التي يحتاج إليها المجتمع الإسلامي عامة، وتجميع التراث الإسلامي والعناية بحفظه وتحقيقه ونشره.
ونسأل الله التوفيق لما يحبه ويرضاه وأن يسلك بنا سبيل أتباع رسوله ﷺ أهل البصيرة والصدق والإخلاص في العلم والعمل وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه.
[ ٣١ / ٧٢ ]