أولا: دلالة المعروف المعرف بأل
أولا: معاني المعروف في القرآن الكريم:
المعروف من المعاني القرآنية الشاملة لكل ما أمر الشرع به، وقد وردت في القرآن الكريم على صيغتين:
إحداهما: معرفة بالألف واللام الدالة على الشمول والاستغراق.
والثانية: مجردة عنهما. ولكل من هاتين الصيغتين دلالة ومعنى.
أما كلمة "المعروف"المعرفة بالألف واللام فقد وردت في القرآن الكريم في مواطن عدة ولها معان متنوعة. وسأذكر الموطن الذي ذكرت فيه والمعنى المراد منها.
الموطن الأول: وردت في قضية الحدود وفيما يخص القصاص في القتل:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وهو البقرة: ١٧٨.
وقد فسرأهل العلم المعروف ههنا بأن على العافي أن يحسن الطلب، وعلى المعفى عنه أن يحسن الأداء.
قال ابن كثير: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يقول: فعلى الطالب اتباع بالمعروف إذا قبل الدية.
﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ يعني من القاتل من غيرضرر ولامعْك يعنى المدافعة.
الموطن الثاني: فيما يتعلق بالوصية للأقارب عند الممات من غيرتقتير ولا إسراف، والمطلوب العدل من الموصي فيما أوصى به.
قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ البقرة: ١٨٠.
وهذه الآية الكريمة أوجبت الوصية لصنفين من الناس للوالدين والأقربين.
[ ٣٦ / ٢٠ ]
أما الوالدان فأوجب الله تعالى لهما الميراث الشرعي، ونسخ الوصية في حقهم، وأما الأقارب فبقي في حقهم الوصية، دون إجحاف بغيرهم، والنصوص الشرعية في البر بهم والإحسان إليهم كثيرة.
فالمراد بالمعروف في الآية العدل في الوصية بعيدًا عن الوكس والشطط.
وخوفًا من الحيف أو الجنف تولى الشرع الحنيف تعيين المقدار الموصى به من المال وهو الثلث. والثلث كثير.
فقد ثبت في الحديث الصحيح أن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: جاء النبي ﷺ يعودني وأنا بمكة وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجرمنها قال: "يرحم الله ابن عفراء". قلت: يارسول الله أوصى بمالي كلّه؟ قال: "لا". قلت: فالشطر؟ قال: "لا". قلت: الثلث؟ قال: "فالثلث. والثلث كثير" (١) الحديث.
قال القرطبي: "وحكم النبيﷺ - بأن الثلث كثير هو حكم بما أنزل الله فمن تجاوز ما حدّه رسول اللهﷺ - وزاد على الثلث فقد أتى على ما نهى النبي ﷺ عنه وكان بفعله ذلك عاصيًا إذا كان بحكم رسول الله عالمًا لما".
الموطن الثالث: ورد فيما يتعلق بأداء الحقوق بين الزوجن بالمعروف والحقوق بينهما قد تكون قبل الدخول، وقد تكون بعد الدخول وقد تكون بعد الفراق.
قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ البقرة: ٢٢٨.
_________________
(١) رواه البخاري في الوصايا باب أن يترك ورثته أغنياء٢٨٧/٣ ومسلم.
[ ٣٦ / ٢١ ]
وقال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوف ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ البقرة: ٢٣٣.
وقال تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ البقرة: ٢٣٦.
وقال تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ البقرة: ٢٤١.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ النساء: ١٩.
[ ٣٦ / ٢٢ ]
والمعروف في هذه الآيات متنوع ومختلف عن الاَخر، ففي قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوف﴾ يراد به الحق الذي لهن على أزواجهن من حسن الصحبة وطيب العشرة والتجمل والتزين لهن وعدم المضارة بهن وتطييب القول وتحسين الفعل وتزين الهيئة والبعد عن التضييق عليهن من الإِسلام، والقدوة في ذلك رسول اللهﷺ – القائل: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي" (١) الحديث "وكان من أخلاقه – ﷺ- أنه جميل العشرة دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف بهن، ويوسعهم نفقته، يضاحك نساءه حتى إنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين - ﵂- يتودد إليها بذلك، قالت: سابقني رسول اللهﷺ - فسبقته، وذلك قبل أن أحمل اللحم، ثم سابقته بعدما حملتُ اللحم فسبقني فقال: "هذه بتلك"، ويجمع نساءه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها رسول الله ﷺ، فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها، وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد، يضع على كتفيه الرداء، وينام بالإِزار، وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلا قبل أن ينام، يؤانسهم بذلكﷺ - وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٢) .
أما المعروف المذكور في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ .
فالمراد به ما تعارف عليه أهل البلد، وجرت به العادة في الكسوة والنفقة شرعًا، من غير إسراف ولا تقتير.
_________________
(١) حديث صحيح انظرسلسلة الأحاديث الصحيحة١/١٦٩.
(٢) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٢٩) . ط دار الفكر.
[ ٣٦ / ٢٣ ]
قال ابن كثير: "وعلى والد الطفل نفقة الوالدات وكسوتهن بالمعروف. أي بما جرت به عادة أمثالهن من غير إسراف ولا إقتار بحسب قدرته في يساره وتوسطه وإقتاره كما قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (١) وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال في حجة الوداع: "فاتقوا الله في النساء ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف" (٢) . وأما المعروف في قوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ففسره الحافظ ابن جرير: "بالإجمال والإحسان وترك البغض والظلم فيما وجمب للمراضع".
وقال ابن كثير: "إذا اتفقت الوالدة والوالد على أن يتسلم منها الولد إما لعذر منها، أو عذر له، فلا جناح عليه".
وأما المعروف في قوله تعالى: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ فهويتعلق بحق المرأة المطلقة التي لم يُدخل بها، ولم يفرض لها صداق، فلها المتعة من زوجها تعويضًا لها عما فاتها منه وذلك بحسب حاله كما في قوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُه﴾ وفسر المعروف "بما عرف في الشرع من الاقتصاد" وأن يتناسب مع حال الزوج، وأن يدفع إليها بغير ظلم ولا مدافعة.
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم (١/٥٠٣) . ط دار الفكر، وانظر زاد السير ١/٢٧٢، وتفسير البغوي ١/٢١٢، والقرطبي (٣/١٦٣) .
(٢) رواه مسلم من حديث جابر بن عبد الله.
[ ٣٦ / ٢٤ ]
وأما المعروف المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فهو يتعلق بشأن المتعة للمطلقة عمومًا سواء كانت مدخولا بها أو لا وسواء كانت مفروضًا لها أو مفوضة وإن كان هناك قول لبعض أهل العلم أن المراد بالمطلقة في هذه الآية المدخول بها، وأن المراد بالمتعة لها، ما تستمتع به من ثياب وكسوة ونفقة أو خادم وغير ذلك مما يستمتع به.
الموطن الرابع: ورد في قضية المرأة المطلقة طلاقًا رجعيًا وانقضت عدتها ولم يراجعها زوجها، إلا أنه حنّ إليها وحنت إليه، فأبى وليها إرجاعها.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ البقرة: ٢٣٢.
ورد في سبب نزول الاَية أن معقل بن يسار قال: كانت لي أخت فأتاني ابن عم فأنكحتها إياه فكانت عنده ما كانت، ثم طلقها تطليقة لم يراجعها حتى انقضت العدة فهويها وهويته ثم خطبها مع الخطاب فقلت له: يا لكع أكرمتك بها وزوجتك فطلقتها ثم جئت تخطبها والله لا ترجع إليك أبدا- وكان رجلا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه فعلم الله حاجته إليها وحاجتها إلى بعلها فأنزل الله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية. قال: ففيّ نزلت هذه الآية فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه.
وقد فسر المعروف بالعقد المستأنف والمهر الجائز المماثل لسواها.
[ ٣٦ / ٢٥ ]
الموطن الخامسِ: ورد في شأن المرأة التي انقضت عدتها سواء من طلاق أو وفاة، وإن كانت الآية نصاَ في المتوفى عنها زوجها قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ البقرة: ٢٣٤.
واختلف أهل العلم في تفسير المعروف المذكور في الآية وهو اختلاف تنوع فابن عباس ﵄ فسره بأنه التزين والتصنع والتعرض للزواج، ومجاهد فسره بأنه النكاح الحلال الطيب. ونسبه ابن كثير إلى جمع من السلف. وذهب ابن جرير إلى أن المراد به "ما أذن الله لهن فيه وأباحه لهن". وهذا يشمل الأقوال السابقة، والله أعلم.
الموطن السادس: ورد في شأن الدعوة إلى الإسلام، وامتثال شرائعه والنهي عن الكفر وطرائقه.
قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ آل عمران: ١٥٤.
وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ آل عمران: ١١٠.
وقال تعالى: ﴿ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ آل عمران: ١١٤.
والخير في الآية الأولى فسر "بالإسلام وشرائعه التي شرعها الله لعباده". وما بعده معطوف عليه "من باب عطف الخاص على العام".
وفسر هذا الخاص بأمر الناس باتباع محمد ﷺ وما جاء به من عند الله ولا شك أن هذا داخل في الخير العام.
[ ٣٦ / ٢٦ ]
وقد ذكر في الآيات عمومًا أمران متقابلان، المعروف والمنكر، وفسر المنكر بالكفر والشرك وتكذيب الرسول ﷺ وهذا تفسير عام فكذلك المعروف عام وإنما خص بالذكر لأهميته وشرفه وعلو منزلته، ولذا فسره عبد الله بن عباس ﵄ بالدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار بما أنزل الله، والمقاتلة عليه ".
المعنى السابع: ورد في معالجة مالك اليتيم عند وليّه وعدم الأكل منه إلا لحاجة قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ النساء:٦.
وفي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أنها نزلت في مال اليتيم وفي رواية: في والي اليتيم. إذا كان فقيرًا أنه يأكل منه مكان قيامه عليه بمعروف.
وقد فسر المعروف في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ الإِسراء: ٣٤.
قال ابن كثير: "أي لا تقربو إلا مصلحين له، وإن احتجتم إليه أكلتم منه بالمعروف".
والنصوص الشرعية دالة على إباحة الأكل لولي اليتيم من مال يتيمه بقدر الحاجة إذا كان فقيرا.
وأخرج أهل السنن وغيرهم ماعدا الترمذي عنِ عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال إن عندي يتيماَ له مال وليس عندي شيء أفآكل من ماله؟ قال: "بالمعروف " قال ابن حجر: وإسناده قوي.
[ ٣٦ / ٢٧ ]
قلت: هكذا ذكر ابن حجر لفظه في الفتح إلا أنه في السنن: "أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: إني فقير وليس لي شيء ولي يتيم، قال: "كل من مال يتيمك غيرمسرف ولا مباذر ولا متأثل" هكذا عند النسائي وأبى داود، أما ابن ماجه فبنحوه.
فالمعروف هو الحاجة والأكل بالتي هي أحسن، واختلف أهل العلم هل على الولي القضاء إذا أيسر أم لا؟ على قولين؟ وليس هذا موضع بسط القول فيهما.
ثانيا: دلالة المعروف المجرد عن أل
ثانيا: وردت كلمة (المعروف) مجردة عن الألف واللام في عدة مواضع في كتاب الله ﷿، واختلف في المعنى المراد منها:
ا- المعنى الأول: قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوف ﴾ البقرة: ٢٣١.
قيل المراد به: الإِشهاد على الرجعة، وذلك قبل انقضاء العدة، وهذا القول مروي عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة، وأخذ به ابن جرير والبغوي وابن كثير. وقيل المراد به: القيام بحقوقها الواجبة على زوجها، وسطر هذا القول الطبري وابن الجوزي.
٢- المعنى الثاني: قال تعالى: ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ البقرة: ٢٣١.
قيل المراد به: عدم الإضرار بها، أو أن لا يقصد الإضرار بها، سواء في عدتها، أو فيما لها من الحقوق والواجبات.
٣- المعنى الثالث: قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾ البقرة: ٢٣٥.
قيل إن المراد به: التعريض لها.
وهذا مروي عن ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء، وابن زيد، والثوري، والسدي، والقاسم بن محمد، والشعبي، وقتادة، وإبرا هيم.
وذكر ابن الجوزي قولا آخر في هذه الآية، وهو أن المراد به: إعلام وليها برغبته فيها، ونسبه إلى عبيدة.
[ ٣٦ / ٢٨ ]
وقد ذكر هذا أيضا ابن كثير، وأسنده إلى ابن أبى حاتم من طريق محمد بن سيرين قال: قلت لعبيدة: ما معنى قوله: ﴿إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾؟ قال: يقول لوليها: لا تسبقني بها، يعني: لا تزوجها حتى تعلمني. وهذا أيضا من التعريض.
المعنى الرابع: قال تعالى: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ البقرة: ٢٤.
قيل المراد به: التزين والتشوف للنكاح بما يوافق الشرع.
وقيل المراد به: ترك الحداد، وهذا قول ابن جرير.
قلت: ويلزم من ترك الحداد: التزين والتطيب والتشوف، فيكون هذا موافقا لما سبقه، وقد بين ابن جرير ذلك.
وقيل المراد به: الخروج من المنزل الذي اعتدت فيه.
وهذا القول ذكره ابن كثير، وقال عنه: وهذا القول له اتجاه وفي اللفظ مساعدة له، وقد اختاره جماعة، ومنهم الإِمام أبو العباس ابن تيمية.
٥- المعنى الخامس: قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ البقرة: ٢٦٣.
المراد به: الكلمة الطيبة والدعاء الحسن ومنه الحديث الصحيح: "لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا ولوأن تلقى أخا لك بوجه طلق" رواه مسلم.
ومثل هذا قوله سبحانه: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ النساء ٥.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ النساء ٨.
٦- المعنى السادس: قال تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ النساء: ١١٤.
قيل المراد به: أفعال البر عموما.
[ ٣٦ / ٢٩ ]
٧- المعنى السابع: قال تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ لقمان: ١٥.
المراد به: المعاملة الحسنة قولا وفعلا.
٨- المعنى الثامن: قال تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ الأحزاب: ٦.
المراد به: الإحسان والوصية، الإحسان في حالة الحياة والوصية عند الممات.
وقال مجاهد: أراد بالمعروف النصرة وحفظ الحرمة لحق الإيمان والهجرة.
٩- المعنى التاسع: قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ الأحزاب: ٣٢.
المراد به: القول الصحيح العفيف الذي لا يطمع الفاجر.
" الإِحسان إلى الوالدين ""في القرآن الكريم "
تعريف الإِحسان:
نقل الأزهري عن الليث أنه قال: الحسن نعت لما حسن، تقول: حسن الشيء حسنا، وقال الله ﷿: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ وقرئ ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حَسَنًا﴾ (١) . ووجه القراءتين بأن القراءة بالفتح المراد بها: قولا حَسَنا، وقراءة الضم والسكون (حُسْنا) المراد بها: المصدر من حسن يحسن حسنا، فتكون أعم من قراءة الفتح.
وأما تعريفه في الاصطلاح: فالإحسان ضد الإساءة، ولما سئل النبي ﷺ في حديث جبريل ﵇ فسره بقوله: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك" (٢) . وقد فسر الحافظ ابن رجب ﵀ هذا الجزء من الحديث بأن المراد منه استحضار مراقبة العبد ربه في كل ما يقول ويعمل، كأنه بين يديه سبحانه، بما ينتج عن ذلك الخوف والخشية والإخلاص والنصح في العبادة عمومًا.
_________________
(١) تهذيب اللغة (٤/ ٢١٤) .
(٢) جزء من حديث طويل، رواه مسلم في الإِيمان رقم ١ عن عمر بن الخطاب ﵁.
[ ٣٦ / ٣٠ ]
وقد تنوع ورود الإِحسان في القرآن الكريم وتكرر على معان متعددة، "تارة مقرونًا بالإِيمان، وتارة مقرونًا بالإِسلام، وتارة مقرونًا بالتقوى أو العمل الصالح"، وغير ذلك من المعاني الأخرى.
وسأقصر الحديث في هذا الموضع على الإِحسان فيما يتعلق بشأن الوالدين، وإن شأنهما لعظيم عند الله، والدليل على ذلك كون الله سبحانه ربط الوالدين بعبادته سبحانه في قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ الآية.
والإحسان إلى الوالدين: معاشرتهما بالمعروف، والتواضع لهما، وامتثال أمرهما، والدعاء بالمغفرة لهما بعد مماتهما، وصلة أهل ودهما، وبرهما وحفظهما وصيانتهما، وإزالة الرق عنهما وترك السلطنة عليهما وفي الحديث الصحيح عن عبد الله قال:"سألت النبي ﷺ: أي العمل أحب إلى الله ﷿؟ قال: "الصلاة على وقتها"، قال: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين"، قال: ثم أي؟ قال: ا"لجهاد في سبيل الله" (١) .
قال القرطبي: فأخبر ﷺ أن بر الوالدين أفضل الأعمال بعد الصلاة، التي هي أعظم دعائم الإسلام، ورتب ذلك بـ (ثم) التي تعطي الترتيب.
"عناية القرآن الكريم بالإحسان للوالدين "
تتجلى عناية القرآن الكريم بالإحسان إلى الوالدين في أمور عدة منها:
أولا: أن الله سبحانه لما أمر الخلق بعبادته، جعل بر الوالدين مقرونًا بعبادته، فقال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الإسراء: ٢٣. قال ابن كثير: أي: وأمر بالوالدين إحسانا.
وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ النساء: ٣٦.
ثانيًا: أن الله سبحانه قرن شكر الوالدين بشكره جل شأنه:
_________________
(١) رواه البخاري في مواقيت الصلاة باب فضل الصلاة لوقتها ١/ ١٨٤.
[ ٣٦ / ٣١ ]
قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ لقمان: ١٤.
ثالثًا: أن البر بالوالدين والإحسان إليهما لا يختص بهما إذا كانا مسلمين، بل حتى إذا كانا كافرين:
قال تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ الممتحنة: ٨.
والحديث الصحيح يفسر هذه الآية الكريمة، الوارد في صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت:"قدمت أمي، وهى مشركة في عهد قريش ومدتهم، إذ عاهدوا النبي ﷺ مع أبيها، فاستفتيت النبي ﷺ، فقلت: إن أمي قدمت وهي راغبة، أفأصلها؟ قال: "نعم صلي أمك" (١) . وأقوى من هذا في الدلالة على صلة الأبوين الكافرين قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا..﴾ لقمان: ١٥.
قال القرطبي ﵀: والآية دليل على صلة الأبوين الكافرين بما أمكن من المال إن كانا فقيرين، وإِلانةِ القول، والدعاء إلى الإِسلام برفق.
رابعًا: إن الأمر بالإِحسان للوالدين قد كتبه الله سبحانه على الأمم السابقة، مما يدل على عظم حقهما وعلو شأنهما:
قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ﴾ البقرة: ٨٣.
_________________
(١) أخرجه في الجزية والموادعة ٦/ ٢٨١ وفي الأدب باب صلة الوالد المشرك وباب صلة المرأة أمها ولها زوج ١٠/٤١٣ مع الفتح. ورواه مسلم في الزكاة رقم ٥٠.
[ ٣٦ / ٣٢ ]
قال القرطبي: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، أي: وأمرناهم بالوالدين إحسانا وقرن الله ﷿ حق الوالدين بالتوحيد في هذه الآية، لأن النشأة الأولى من عند الله، والنشء الثاني - وهو التربية- من جهة الوالدين.
وقال ابن كثير: وهذا هو أعلى الحقوق، وأعظمها، وهو حق الله ﵎ أن يعبد وحده لا شريك له، ثم بعده حق المخلوقين، وآكدهم وأولاهم بذلك حق الوالدين، ولهذا يقرن ﵎ بين حقه وحق الوالدين أهـ. ويعني بالمقارنة بين حق الله سبحانه وحق الوالد ما جاء في هذه الآية وآية الإِسراء والنساء وغيرهن من الأمر بعبادته وحده، ثم بالإحسان إلى الوالدين، وكذلك ما جاء في قضية الشكر لله سبحانه ومقارنته بشكرهما في قوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ .
خامسًا: إن الله سبحانه جعل العقوق للوالدين قرينا للشرك في قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا ﴾ الأنعام: ١٥١.
ففي هذه الآية نهى عن الشرك بالله سبحانه، ثم أتبعه بالأمر بالإحسان للوالدين، والأمر بالشيء يقتضى النهي عن ضده، وهو تحريم ترك الإحسان، ولما كان ترك الإساءة في حق الوالدين غير كاف في البر بهما أمر بالإحسان إليهما ليشمل الأمرين، وهما تحريم الإساءة إليهما والأمر بالإحسان إليهما.
وقد أخبر النبي ﷺ أن عقوق الوالدين من السبع الموبقات، كما جاء في الحديث الصحيح.
سادسًا: الأمر بالدعاء لهما والاستغفار لهما:
قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ الإسراء: ٢٤.
قال القرطبي: الخطاب في هذه الآية للنبي ﷺ، والمراد به أمته، إذ لم يكن له﵇- في ذلك الوقت أبوان.
وسطر الله سبحانه مواقف إبراهيم ﵇ مع أبويه:
[ ٣٦ / ٣٣ ]
قال تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ إبراهيم: ٤١.
وذكر أهل العلم أن هذا الموقف الحاني من إبراهيم ﵇ نحو أبيه كان قبل أن يتبين له أمره وأنه عدو لله تعالى.
وله موقف آخر ﵇ نحو أبيه، حيث قابل الإساءة من أبيه بالإحسان إليه، قال تعالى: ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ مريم: ٤٧.
قال ابن كثير: ومعنى قول إبراهيم لأبيه: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ يعني أما أنا فلا ينلك مني مكروه، ولا أذى، وذلك لحرمة الأبوة، ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ ولكن سأسأل الله فيك أن يهديك ويغفر لك ذنبك وقد استغفر إبراهيمﷺ - لأبيه مدة طويلة وقد استغفر المسلمون لقراباتهم وأهليهم من المشركين في ابتداء الإِسلام، وذلك اقتداء بإبراهيم الخليل ﵇ في ذلك، حتى أنزل الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ إلى قوله: ﴿إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ الممتحنة: ٤. يعنى إلا في هذا القول، فلا تتأسوا به، ثم بين تعالى إن إبراهيم أقلع عن ذلك ورجع عنه، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ التوبة: ١١٤.
[ ٣٦ / ٣٤ ]
ومن قبل إبراهيم نوح ﵇، عندما لجأ إلى ربه وسأله المغفرة له ولوالديه وللمؤمنين، فقال تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَارًا﴾ نوح: ٣٨.
وذكر بعض أهل العلم أن أبويه كانا مسلمين.
سابعا: إن الله سبحانه عرض لنا في كتابه العزيز نماذج من سيرة بعض الأنبياء ﵈، في برهم بوالديهم من أجل الاقتداء والاتساء وهذا من الاهتمام بشأن الوالدين، فمن ذلك:
أ- موقف يحيى بن زكريا ﵉ من والديه:
قال تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ مريم: ١٤.
إنه موقف البر والإِحسان ومجانبة العقوق والعصيان.
قال ابن كثير: لما ذكر تعالى طاعته لربه، وأنه خلقه ذا رحمة وزكاة وتقى، عطف بذكر طاعته لوالديه وبره بهما، ومجانبته عقوقهما قولا أو فعلا، أمرا أو نهيا، ولهذا قال: ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ ثم قال بعد هذه الأوصاف الجميلة جزاء له على ذلك: ٍ ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ أي له الأمان في هذه الثلاثة الأحوال.
٢- موقف عيسى ﵇ من أمه ﵍:
قال تعالى: ٍ ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ مريم: ٣٢.
إن بر عيسى ﵇ بوالدته ذكره بعد الزكاة، والاستمرار عليها ثم جاء التنبيه على بره بوالدته، وهذا من المقارنة بين طاعة الرب سبحانه، وطاعة الوالدين.
قال ابن كثير: وقوله: ٍ ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ أي: وأمرني ببر والدتيْ ذكره بعد طاعة ربه، لأن الله تعالى كثيرا ما يقرن بين الأمر بعبادته وطاعة الوالدين.
وقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ أي: ولم يجعلني جبارا مستكبرا عن عبادته وطاعته وبر والدتي، فأشقى بذلك.
[ ٣٦ / ٣٥ ]
٣- موقف إسماعيل من أبيه إبراهيم ﵉:
قال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ الصافات: ١٠١:١٥٨.
ثامنا: إرشاد القرآن إلى الإنفاق عليهما:
قال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ البقرة: ٢١٥. هذه الآية بينت الوجوه التى تصرف فيها النفقة:
قال ابن ميمون بن مهران بعد أن تلا هذه الآية: هذه مواضع النفقة ما ذكر فيها طبلا ولا مزمارا، ولا تصاوير الخشب ولا كسوة الحيطان.
وفي الحديث بيان لذلك: أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك..
تاسعا: تخصيص الأم بالذكر بعد العموم للأهمية:
قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ﴾ الأحقاف: ١٥.
ولقد قاست الأم بسبب الحمل أضعافا من الابتلاء والأتعاب والمشقة بداية بالوحم وحمل له وثقل، وهذه الآية نصت على أمرين شاقين: الأول: الحمل، والثاني: الوضع.
ونصت السنة الصحيحة أن أحق الناس بالصحة الحسنة هي الأم ثلاثا ثم الأب.
عاشرا: بين القرآن كيفية التعامل مع الوالدين:
فبين القرآن أن الذرية أو الأبناء على نوعين:
[ ٣٦ / ٣٦ ]
الأول: ذرية طائعة بارة بالوالدين.
الثاني: ذرية شقية وعاقة للوالدين.
أما الصنف الأول فيتمثل في مواقف الأنبياء كنوح وإبراهيم ويحيى وعيسى وإسماعيل ويوسف عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم- من دعاء لهما ولين جانب في القول لهما واعتراف بالجميل لهما، وغير ذلك من أنواع البر والإحسان إليهما.
أما الصنف الثاني: فيتمثل في نوعين:
ا- موقف ابن نوح، وهروبه من أبيه وعدم السماع والطاعة لأبيه، فكان من المغرقين.
٢- وأما الموقف الثاني فيتمثل في كل من عق والديه وكذب بالحق، وعبر عنه القرآن في قوله تعالى:
﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ الأحقاف: ١٧-١٨.
نظام الأسرة في القرآن الكريم
تمهيد:
إن نظام الأسرة الذي شرعه الإسلام هو النظام الذي يتفق ويتلاءم مع الفطرة الإنسانية وتكوينها.
وعندما أتحدث عن الأسرة ونظامها في القرآن، فإن المراد بها الزوج والزوجة، لأنهما الأصل في تكوين الأسرة أيا كانت، والله سبحانه عندما خلق الأشياء خلق من كل زوجين، قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ الذاريات: ٤٩.
قال ابن كثير عند تفسي رهذه الآية:
"أي جميع المخلوقات أزواج، سماء وأرض، وليل ونهار، وشمس وقمر، وبر وبحر، ضياء وظلام، وإيمان وكفر، وموت وحياة، وشقاء وسعادة، وجنة ونار، حتى الحيوانات والنبات".
وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ هود: ٤٠.
[ ٣٦ / ٣٧ ]
قال ابن كثير:
"فحينئذ أمر الله نوحا ﵇ أن يحمل معه في السفينة من كل زوجين اثنن من صنوف المخلوقات ذوات الأرواح، قيل: وغيرها من النباتات اثنين: ذكرا وأنثى".
وقال تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ المؤمنون: ٢٧.
ومعناها معنى الآية التي قبلها فسبحان الذي خلق فسوى. وقدر فهدى.
وقد نزه الله سبحانه نفسه عند خلقه للأزواج المتعددة والمتنوعة، فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ يس: ٣٦.
قال ابن كثير:
أي: من زروع وثمار ونبات، ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: فجعلهم ذكرا وأنثى. ﴿وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾: أي من مخلوقات شتى لا يعرفونها، كما قال جلت عظمته: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (١) .
ثم ذكر الله سبحانه أن الناس جميعا خلقوا من نفس واحدة، ومن تلك النفس خلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ النساء: ا.
_________________
(١) المصدر نفسه (٥/٦١٣) .
[ ٣٦ / ٣٨ ]
فـ"أصل الخلق من أب واحد وأم واحدة، ليعطف بعضهم على بعض ويحننهم على ضعفائهم" كما بيّن ذلك ووضحه رسوله الله ﷺ من حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ، قال: فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباءة متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعّر وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى، ثم خطب فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى آخر الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، والآية التي في الحشر: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّه﴾ تصدق رجل من ديناره من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل كأنه مذهبة، فقال رسول الله ﷺ: "من سن في الإِسلام حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" (١) .
والشاهد فيه تذكير الناس بأصلهم، وأنهم من نفس واحدة، وحثهم على الصدقة، وعطفهم على بعضهم البعض.
وجعل الله سبحانه من هذا الأصل (الأب والأم) شعوبا وقبائل ليتعارفوا، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ الحجرات: ١٣.
_________________
(١) صحيح مسلم كتاب الزكاة (٢/ ٧٠٤، ٧٠٥) .
[ ٣٦ / ٣٩ ]
وجعل بين تلك الشعوب والقبائل روابط وعلاقات يلتقون عليها، وأعظم تلك الروابط هي رابطة الإيمان، وما بعدها من الروابط مرتبط بها أو مبني عليها، كالمودة والمحبة والرحمة والإخاء وغير ذلك، ولذا حرم الله سبحانه النكاح أو التزاوج بين المسلم والمشركة، لفقد رابطة الإيمان بينهما.
قال تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ البقرة: ٢٢١.
إن الإيمان هو الحوض الذي يلتقي عليه الزوجان المسلمان، سواء كانا أبيضين أو أسودين، أو أحدهما أبيض والآخر أسود، وسواء كانا حرين أو عبدين، أو كان أحدهما حرا والآخر عبدًا، فلله الحمد على هذه الرابطة العالية الشريفة،، وعلى هذا الحوض الصافي من الكدر والشوائب، وعلى هذا النسب الرفيع الذي هو أعلى، نسب وجد.
وإن الحكمة من هذا المبدأ الشرعي واضحة جلية:
قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾
ومادام أن المرأة تعتبر النصف الثاني في نظام الأسرة، لكونها أخد أصول الأسرة، أعرض لبيان حالها قبل الإسلام، وما هي عليه من خلال القرآن الكريم باختصار مستعينا في ذلك ببعض الآثار الصحيحة. وفق النقاط التالية:
أولا: ظاهرة التبرج وعلاج الإسلام لها.
ثانيًا: كراهية المرأة في الجاهلية كما صورها القرآن.
ثالثًا: ضياع حقوقها وإلحاق الضرر بها.
رابعًا: ممارسة أنكحة الجاهلية عليها.
أولا: ظاهرة التبرج أو السفور وعلاج الشرع لها.
[ ٣٦ / ٤٠ ]
التبرج أو السفور من مظاهر الجاهلية قديمًا وحديثًا، وسماه الله في كتابه العزيز: التبرج، حيث قال: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ الأحزاب: ٣٣. "وهو مأخوذ من السعة يقال: في أسنانه بَرَج إذا كانت متفرقة قاله المبرد" ومعناه "التكشف والظهور للعيون".
قال مجاهد: كانت المرأة تخرج تمشي بين يدي الرجال، فذلك تبرج الجاهلية الأولى.
وقال قتادة: إذا خرجتن من بيوتكن- وكانت لهن مشية وتكسر وتغنج- فنهى الله عن ذلك.
وقال مقاتل بن حيان: والتبرج أنها تلقي الخمار على رأسها ولا تشده فيواري قلائدها وقرطها وعنقها، ويبدو ذلك كله منها، وذلك التبرج، ثم عمت نساء المؤمنين في التبرج.
وقال أبو العباس المبرد: والجاهلية الأولى كما تقول الجاهلية الجهلاء قال: وكان النساء في الجاهلية الجهلاء يظهرن ما يقبح إظهاره حتى كانت المرأة تجلس مع زوجها وخِلّها، فينفرد خِلّها بها فوق الإزار إلى الأعلى، وينفرد زوجها بما دون الإزار إلى الأسفل، وربما سأل أحدهما صاحبه البدل".
فهذه بعض أقوال السلف في معنى التبرج الذي هو السفور بل هي تفسير لبعض معاني السفور.
ولقد عاشت المرأة قبل الإسلام عيشة مضنية وإن خيل لها أنها طليقا تختار من تشاء - زوجًا أو خدينا- وتترك من تشاء. وتُلْحقُ ولدها بمن تشاء دون خجل ولا حياء ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ .
وقد وصفت عائشة ﵂ النكاح في الجاهلية، وأنه كان على أربعة أنحاء وذكرت من تلك الأربعة. قولها:
"ونكاح آخر. يجتمع الرهط مادون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها فإذا حملت ووضعت، ومرّ ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يافلان، تسمى من أحبت باسمه فيلحق به ولدها لا يستطيع أن يمتنع به الرجل".
[ ٣٦ / ٤١ ]
انظر إلى هذه الفوضى في الحرية الجاهلية، وإلى فساد موطن الحرث الذي توارد عليه السقاء الملوث من كل شعب، فماذا ترى تكون نتائج زراعته، إنها زراعة فاسدة سقيت من قنوات متعددة بماء غير صاف.
ولقد كانت حالة السفور للمرأة سمة من سمات الجاهلية نوّه القرآن بها على سبيل الذم والتنفير، ونهى أمهات المؤمنين من الوقوع فيها. قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى ﴾ الأحزاب: ٣٣.
وقد سبق تفسير السلف لكيفية التبرج في الجاهلية.
وفي الحديث: "إن المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان وأقرب ما تكون بروحة ربها وهي في قعر بيتها" (١) .
إن المجتمعات الجاهلية تنظر إلى المرأة نظرة هابطة فلا تقيم لها وزنا، وإنما هي عبارة عن أداة للمتاع يقضى الإنسان وطره منها ثم يستخدمها استخدام السائمة في الزرع والحرث دون مكانة ولا كرامة.
وإن الجاهلية المعاصرة في التعامل مع المرأة لتذكرنا بجاهلية القرون الأولى، من تبرج سافر، وعضل قاهر، وظلم ظاهر، وتحايل ماكر، وتعامل مشين.
لقد أخرجتها من بيتها، واستغلتها لتكون جندية في الشوارع العامة، ومضيفة في الطائرة، وممثلة في الشاشات المرئية، وموظفة بين الرجال الأجانب، ومطربة في النوادي المختلطة، وممرضة باسم الإنسانية، ودعائية لبعض المبيعات التجارية، بل أصبحت أحيانًا تقود الجيوش وتصرّف الرجال وتدعو إلى السلام وتحضر المؤتمرات، وتعلن في غير حياء ولا خجل بالتصريحات إلى غير ذلك من الأمور التي لا شأن للمرأة بها، والجاهلية تزين لها عملها وتصفق وتروّج لما تقوم به، ظلما وعدوانا، من أجل إشباع الغريزة. وإيجاد الفوضى في العلاقات الجنسية بين الرجل والمرأة، وأن يكون نظام الأسرة مخلخلا لا ضابط ولا زمام ولا خطام له.
_________________
(١) رواه البزار بسنده عن ابن مسعود، انظر تفسير ابن كثير ٥/ ٤٥١. دار الفكر ومعنى "استشرفها" أي زينها أو نظر إليها من أجل فتنتها.
[ ٣٦ / ٤٢ ]
"والجاهلية ليست فترة معينة من الزمان إنما هي حالة اجتماعية ذات تصورات معينة للحياة، ويمكن أن توجد هذه الحالة، وأن يوجد هذا التصور في أي زمان وفي أي مكان فيكون دليلًا على الجاهلية حيث كان، وباختصار فكل ما خالف أمر الشرع فهو من الجاهلية.
ولقد عالج الإسلام هذه الظاهرة السيئة، علاجًا شافيًا كافيًا، وفق قواعد شرعية معينة، احترم فيها وضع المرأة والأسرة وصانها مما يشينها ويوصم جبينها، فلله الحمد والمنة.
"وما كان يمكن أن تنبت كرامة المرأة من البيئة الجاهلية أبدًا، لولا أن تنزل بها شريعة الله ونهجه في كرامة البشرية كلها، وفي تكريم الإنسان: الذكر والأنثى، وفي رفعه إلى المكان اللائق بكائن يحمل نفخة من روح الله العلي الأعلى. فمن هذا المصدر انبثقت كرامة المرأة التي جاء بها الإسلام لا من أي عامل من عوامل البيئة" ومن تلك القواعد الشرعية التي عالج من خلالها ظاهرة التبرج:
ا- أمر الإسلام المرأة أن تلزم بيتها، وتقر فيه، ولا تخرج منه إلا لحاجة، فإن قدر لها الخروج لحاجة، فلا تتبرج تبرج الجاهلية الأولى:
قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ .
وبين الإسلام أن المرأة عورة. والعورة يجب سترها، وستر المرأة جلوسها في بيتها.
عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال:
"إن المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان وأقرب ما تكون بروحة ربها وهي في قعر بيتها" (١) .
وقال النبي ﷺ: "صلاة المرأة في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها، وصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها" (٢) .
_________________
(١) أخرجه الترمذي في الرضاع ٤/١٥٣، والبزار انظر تفسير ابن كثير ٥/ ٤٥١.
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة باب التشديد في ذلك ١/٣٨٣، والبزار انظر تفسير ابن كثير ٥/٤٥١.
[ ٣٦ / ٤٣ ]
وهذا يرشد إلى أن لزومها بيتها هو الأصل فإذا كانت الصلاة التي أداؤها في المسجد هو الأصل فإن صلاة المرأة الأصل أداؤها في بيتها حفاظا عليها من الخروج أو التعرض للفتن.
٢- أمر الإسلام الرجل والمرأة بغض البصر وحفظ الفرج، وفي هذا تمييز لنساء المؤمنين عن صفة نساء الجاهلية، وفعال المشركات، كما يقول الحافظ ابن كثير:
قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُم﴾ النور: ٣٠.
وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنّ﴾ النور:٣١.
٣- أمر الإسلام المرأة أن تستر زينتها، ولا تبديها إلا في حالتين:
الحالة الأولى: يستثنى ما ظهر منها:
الحالة الثانية: أن تبدي زينتها لمن أحل الله لها أن تريه:
قال تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ النور: ٣١.
وقال تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ ﴾ النور: ٣١.
٤- أمرها الإِسلام بوضع الخمار أو الجلباب عليها، لكي لا تُعرف فلا تُؤذى:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ ﴾ الأصاب: ٩ِ
وفي الحديث الصحيح الوارد في قصة الإفك عن عائشة ﵂ أنها قالت: لما استيقظت من استرجاع صفوان بن المعطل السلمي ﵁، قالت: فأتاني، فعرفني حين رآني، وقد كان يراني قبل أن يضرب علي الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي " الحديث.
٥- أمر الإِسلام المؤمنين أن يسألوا النساء من وراء حجاب معللا ذلك بالطهر للقلوب، وبعدًا لها عن الأمراض القلبية.
[ ٣٦ / ٤٤ ]
قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ﴾ وهو الأحزاب: ٥٤.
٦- حرم الإِسلام على المؤمنين دخول البيوت المسكونة إلا بعد الاستئذان والاستئناس من أهلها، حفاظا على عورات المسلمين وعدم الاطلاع عليها:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ﴾ وهو النور: ٢٧.
٧- حرم الإِسلام على المرأة السفر إلا مع محرم لها:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذو حرمة لها".
وفي رواية عنه: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم".
وفي رواية: "يوم وليلة". وفي رواية: "يومين". وفي رواية: "ثلاثة". وكل هذه الروايات صحيحة، رواها مسلم وغيره.
٨- حرم الإسلام على المرأة الاستثارة الظاهرة والباطنة، وحذرها من التشبه بنساء الجاهلية قديما وحديثًا:
قال تعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنّ﴾ النور: ٣١.
يقول ابن كثير ﵀: كانت المرأة في الجاهلية إذا كانت تمشي في الطريق، وفي رجلها خلخال صامت (لا يسمع صوته) ضربت برجلها الأرض، فيعلم الرجال طنينه، فنهى الله المؤمنات عن مثل ذلك وكذلك إذا كان شيء من زينتها مستورا فتحركت بحركة لتظهر ما هو خفي دخل في هذا النهيِ، لقوله تعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنّ﴾، ومن ذلك أيضاَ: أنها تنهى عن التعطر والتطيب عند خروجها من بيتها ليشتم الرجال طيبها. أهـ.
[ ٣٦ / ٤٥ ]
ويشهد لهذا ما رواه الترمذي وأبو داود والنسائي من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "كل عين زانية والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا، يعني زانية"، قال الترمذي: حسن صحيح.
٩- إذا قدر للمرأة أن تخاطب الرجال الأجانب عنها، فالإسلام يأمرها أن لا تخضع بالقول، وأن تقول قولا معروفا، والحكمة في ذلك: لئلا يطمع مريض القلب فيها، والخضوع بالقول هو ترقيقه وترخيمه:
قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ الأحزاب: ٣٢.
١٥- جعل الإسلام للحجاب شروطًا، صيانة للمرأة وسترًا لها، وبعدًا لها عن وصف الكاسية العارية، وهذه الشروط ممكن الاطلاع عليها في كتب الأحكام.
١١- رخص الإسلام للمرأة المسنة التي لا ترجو نكاحا أن تضع ثيابها عند الغريب عنها من غير تبرج بزينة، وأرشدها إلى أن الاستعفاف خير لها وأفضل:
قال تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ النور: ٦٠.
فإذا كان هذا حال المرأة الكبيرة في السن، الغير طامعة في النكاح، ولا متطلعة له، فإن المرأة الأخرى التي لم تبلغ سن القواعد ولها رغبة في النكاح، وطامعة فيه لا يحق لها، ولا يجوز أن تضع ثيابها عنها بحضرة الرجال الغريبين عنها.
ثانيًا: كراهية المرأة في الجاهلية كما صورها القرآن
تعتبر المرأة قبل الإِسلام رجسًا من عمل الشيطان، لا قيمة لها ولا مكانة بل مبتذلة مهانة، ويتبين كراهيتهم لها في الآتي:
أ- نسبتهم البنات إلى الله سبحانه دون الذكور:
[ ٣٦ / ٤٦ ]
قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ النحل: ٥٧.
وقال تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ ولهم البنون الصافات: ١٤٩.
وقال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ النجم: ٢١.
وقال تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ الصافات: ٥١ ا-١٥٤.
وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ الزخرف: ١٦.
٢- وصفهم الملائكة أنهم إناث:
قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ﴾ الزخرف: ١٩.
وقال تعالى: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ الصافات: ١٥٠.
وقال تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ الإِسراء: ٤٥.
٣- اسوداد الوجه عندما يبشر بالأنثى:
قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ النحل:٥٨،٥٩.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ الزخرف: ١٧.
يقول ابن كثير: أي إذا بشر أحد هؤلاء بما جعلو لله من البنات يأنف من ذلك، يقول ﵎: فكيف تأنفون أنتم من ذلك وتنسبونه إلى الله ﷿.
٤- وأدهم لها وهي حية، والتخلص منها بدون أي سبب:
[ ٣٦ / ٤٧ ]
قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ التكوير: ٨، ٩.
قال ابن كثير: والمؤودة هي التي كان أهل الجاهلية يدسونها في التراب كراهة البنات، فيوم القيامة تسُئل المؤودة على أي ذنب قتلت ليكون ذلك تهديدًا لقاتلها، فإنه إذا سُئل المظلوم فما ظن الظالم إذا.
وفي الحديث أن قيس بن عاصم قدم على النبي ﷺ، فقال: يارسول الله إني وأدت اثنتي عشرة ابنة لي في الجاهلية، أو ثلاث عشرة، قال: "أعتق عددهن نسما"، قال: فأعتق عددهن نسما، فلما كان في العام المقبل جاء بمائة ناقة فقال: يارسول الله هذه صدقة قومي على أثر ما صنعت بالمسلمين. قال علي بن أبي طالب: فكنا نريحها ونسميها القيسية.
"وكان الوأد يتم في صورة قاسية إذ كانت البنت تدفن حية، وكانوا يفتنون في هذا بشتى الطرق:
فمنهم من كان إذا ولدت له بنت تركها حتى تكون في السادسة من عمرها، ثم يقول لأمها: طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها، وقد حفر لها بئرا في الصحراء، فيبلغ بها البئر، فيقول لها: انظري فيها، ثم يدفعها دفعا ويهيل التراب عليها.
وعند بعضهم: كانت الوالدة إذا جاءها المخاض جلست فوق حفرة محفورة، فإذا كان المولود بنتا رمت بها فيها ودفنتها وإن كان ابنا قامت به معها!
وبعضهم كان إذا نوى ألا يئد الوليدة أمسكها مهينة إلى أن تقدر على الرعي فيلبسها جبة من صوف أوشعر، ويرسلها في البادية ترعى له إبله".
٥- حرمانها من بعض الطيبات ظلما وعدوانا:
[ ٣٦ / ٤٨ ]
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ الأنعام: ١٣٩. قال ابن عباس ﵄: هو اللبن كانوا يحرمونه على إناثهم ويشربه ذكرانهم، وكانت الشاة إذا ولدت ذكرا ذبحوه، وكان للرجال دون النساء، وان كانت أنثى تركت فلم تذبح، وإن كانت ميتة فهم فيه شركاء، فنهى الله عن ذلك.
٦- إلحاق العقوبات بها:
إن إلحاق أي عقوبة على أي إنسان- بل حتى الحيوان- بدون سبب ولا مبرر شرعي لهو من الظلم الذي حرمه الإسلام، وإن الجاهلية أوقعت على المرأة عدة عقوبات بلا مبرر معتبر، وذلك من ظلمها وعدوانها عليها فمن ذلك:
١- الطلاق: كان الزوج يمارس الطلاق على زوجته مرارًا متعددة مادامت في عدتها فكلما أرادت أن تنقضي عدتها طلقها وهكذا من أجل عقوبتها والإضرار بها.
أخرج أبو داود بسنده عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنّ﴾ الآية، وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثًا فنسخ ذلك فقال: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ (١) الاَية.
وأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن عروة بن الزبير أن رجلا قال لامرأته: لا أطلقك أبدًا ولا آويك أبدًا قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلق حتى إذا دنا أجلك راجعتك، فأتت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فأنزل الله ﷿ ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٢) .
_________________
(١) رواه أبو داود في كتاب النكاح باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث ٢/ ٦٤٤.
(٢) تفسير القرآن العظيم (١/٤٨٢) . ط دار الفكر.
[ ٣٦ / ٤٩ ]
وفي رواية عنه قال: كان الرجل أحق برجعة امرأته وإن طلقها ماشاء مادامت في العدة، وإن رجلا من الأنصار غضب على امرأته فقال: والله لا آويك ولا أفارقك قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقك فإذا دنا أجلك راجعتك ثم أطلقك فإذا دنا أجلك راجعتك فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأنزل الله ﷿ ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ قال فاستقبل الناس الطلاق من كان طلق ومن لم يكن طلق.
وعن عائشة ﵂ قالت: "لم يكن للطلاق وقت يطلق الرجل امرأته ثم يراجعها ما لم تنقض العدة، وكان بين رجل من الأنصار وبين أهله بعض ما يكون بين الناس فقال: والله لأتركنك لا أيمًا ولا ذات زوج فجعل يطلقها حتى إذا كادت العدة أن تنقضي راجعها، ففعل ذلك مرارًا، فأنزل الله ﷿ فيه ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَان﴾ فوقت الطلاق ثلاثًا لا رجعة فيه بعد الثالثة حتى تنكح زوجًا غيره".
وقال ابن كثيرفي تفسيره لهذه الآية:
"هذه الآية الكريمة رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء الإِسلام من أن الرجل كان أحق برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة مادامت في العدة فلما كان هذا فيه ضرر على الزوجات قصرهم الله إلى ثلاث طلقات، وأباح الرجعة في المرة والثنتين، وأبانها بالكلية في الثالثة فقال: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَان﴾ ".
فبينت الآثار السابقة كيف كان يستخدم الطلاق عقوبة على المرأة وإضرارا بها فرفع الله ذلك وحدد ألفاظه وبينّ أوقاته وأمر بالمعروف في حالة الإمساك للمرأة، والإحسان في حالة التسريح ومن تعدي حدود الله فهو من الظالمين.
٢- الإيلاء: أحد العقوبات التى كانت توقعها الجاهلية السنة والسنتين على المرأة ظلما وعدوانًا، حتى إن بعضِ المسلمين مارس هذه العقوبة في الإِسلام على المرأة، فجعل الله سبحانه لها حدًا محدوداَ.
[ ٣٦ / ٥٠ ]
قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ البقرة: ٢٢٦، ٢٢٧.
قال عبد الله بن عباس ﵄: كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين، وأكثر من ذلك، يقصدون بذلك إيذاء المرأة عند المساءة فوُقِّتَ لهم أربعة أشهر، فمن آلى بأقل من ذلك فليس بإيلاء حكمي.
ويقول دروزة: لقد ذكرنا قبل أن العرب قبل الإِسلام كانوا يحلفون بأن لا يعاشروا زوجاتهم معاشرة جنسية، فيغدون معلقات، لا هن زوجات، ولا هن مطلقات، وأنهم كانوا يعمدون إلى ذلك لأسباب متنوعة، منها كراهية ولادتهن البنات، وفي سورات الغضب، أوكراهيتهم لهن مع عدم الرغبة في تطليقهن حتى لا يتزوجن غيرهم أو حتى يمتن عندهم فيرثونهن، أو بقصد ابتزاز أموالهن، أو ليبقين للعناية بأولادهن.
٣- الظهار:
وصف الله سبحانه هذا التصرف من القول بأنه منكر وزور، كما ورد في آية المجادلة: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ .
والظهار هو إحدى العقوبات التي كانت الجاهلية المقيتة تمارسها على الزوجة، وقد مارسه بعض المسلمين.
قال ابن عباس ﵄: "كان الرجل إذا قال لامرأته في الجاهلية: أنت عليّ كظهر أمي حرمت عليه، فكان أول من ظاهر من الإسلام: أوس.. الخ".
قال ابن كثير: أصل الظهار مشتق من الظهر، وذلك أن الجاهلية كانوا إذا ظاهر أحدهم من امرأته قال لها: أنت علي كظهر أمي، ثم في الشرع كان الظهار في سائر الأعضاء قياسا على الظهر، وكان الظهار عند الجاهلية طلاقًا، فأرخص الله لهذه الأمة وجعل فيه كفارة، ولم يجعله طلاقا كما كانوا يعتمدونه في جاهليتهم، هكذا قال غير واحد من السلف.
[ ٣٦ / ٥١ ]
إن هذه العقوبة الجاهلية قائمة على غير أصل، فلذا وصفت بأنها زور ومنكر، وإن وقعها على المرأة لعظيم، وصدر سورة المجادلة يدل على ذلك، من كون المرأة جاءت إلى النبي ﷺ تشتكي وتعرض قضيتها عليه وتحاور الرسول ﷺ في شأنها وزوجها.
تقول عائشة ﵂: "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات لقد جاءت المجادلة إلى النبي ﷺ تكلمه وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله عزوجل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ﴾ المجادلة: ١.
٤- الإضرار بها في الإحداد:
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ البقرة: ٢٣٤.
ثبت في الصحيحين من حديث أم سلمة ﵂ أنها قالت: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يارسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها، أفتكحلها؟ فقال رسول الله ﷺ: "لا"، مرتين أو ثلاثًا، كل ذلك يقول: "لا"، ثم قال رسول الله ﷺ: "إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول".
قال حميد: فقلت لزينب: وما ترمى بالبعرة على رأس الحول؟ فقالت زينب: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبا، حتى تمر بها سنة، ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طائر- فتفتض به فقلما تفتض بشيء إلا مات، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها. ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره.
سُئل مالك: ما تفتض به؟ قال: تمسح به جلدها.
[ ٣٦ / ٥٢ ]
وعن أم سلمة ﵂: أن امرأة توفي زوجها فخشوا على عينيها فأتوا على رسول الله ﷺ فاستأذنوه في التكحل، فقال: "لا تكتحل، قد كانت إحداكن تمكث في شر أحلاسها أو شر بيتها، فإذا كان حول فمر كلب رمت ببعرة، فلا حتى تمضي أربعة أشهر وعشر".
قال ابن قتيبة: سألت الحجازين عن الافتضاض، فذكروا أن المعتدة كانت لا تمس ماء ولا تقلم ظفرا، ولا تزيل شعرا، ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر، ثم تفتض أي: تكسر ما هي فيه من العدة بطائر تمسح به قبلها وتنبذه، فلا يكاد يعيش بعدما تفتض به.
٥- الإكراه على البغاء:
قال تعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ النور: ٣٣.
وهذا نوع من الأساليب الجاهلية العفنة التي تعامل بها المرأة قبل الإِسلام، وقد ورد في سبب النزول لهذه الآيات روايات متعددة مفادها أن جارية لعبد الله بن أبي بن سلول كان يُكرهها سيدها على ارتكاب الفجور فتأبى فأنزل الله هذه الآية.
يقول ابن كثير: كان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة أرسلها تزني وجعل عليها ضريبة يأخذ منها كل وقت، فلما جاء الإِسلام نهى الله المؤمنين عن ذلك وكان سبب نزول هذه الآية الكريمة فيما ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف في شأن عبد الله بن أبي بن سلول، فإنه كان له إماء، فكان يكرههن على البغاء طلبا لخراجهن ورغبة في أولادهن ورياسة منه فيما يزعم (١) .
إن هذا الصنيع المزعوم فيه هدر لكرامة المرأة، وهتك لعرضها، وتحطيم لشعورها، وامتهان لشخصيتها، وجاء الإسلام واحترم كرامتها وشعورها، وصان عرضها وحفظ شخصيتها فلله الحمد والمنة.
٦- التقزز منها والبعد عنها:
[ ٣٦ / ٥٣ ]
قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ البقرة: ٢٢٢.
وسبب نزول هذه الآية يبين موقف الجاهلية من المرأة التي كتب الله عليها المحيض، وليس لها فيه أي سبب في منعه أو إخراجه:
عن أنس ﵁ أن اليهود كانت إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النبي ﷺ، فأنزل الله ﷿: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ حتى فرغ من الآية، فقال رسول الله ﷺ: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح"، فبلغ ذلك اليهود فقالوا: مايريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا: يارسول الله إن اليهود قالت كذا وكذا، أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فخرجا، فاستقبلتهما هدية من لبن إلى رسول الله ﷺ، فأرسل في آثارهما، فسقاهما، فعرفا أن لم يجد عليهما"رواه أحمد ومسلم.
إن هذا المكتوب على المرأة بقضاء الله وقدره لهو فوق طاقتها، فلماذا يوقف منها هذا الموقف وتشعر بأنها نجس قذر؟!
ولقد عالج الإسلام هذا فقال النبي ﷺ: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح". ولما سأل مسروق عائشة ﵂ عن ما للرجل من امرأته وهي حائض؟ فقالت له: "كل شيء إلا فرجها".
وفي رواية: "كل شيء إلا الجماع".
وأخبرت ﵂ عن النبي ﷺ بقولها: "كان يأمرني فأغسل رأسه وأنا حائض".
"وكان يتكئ في حجري وأنا حائض فيقرأ القرآن".
[ ٣٦ / ٥٤ ]
وثبت في الصحيح عنها أنها قالت: كنت أتعرق العرق وأنا حائض فأعطيه النبي ﷺ فيضع فمه في الموضع الذي وضعت فمي فيه، وأشرب الشراب وأناوله فيضع فمه في الموضع الذي كنت أشرب منه.
وتقول ﵂: "كنت أنا ورسول الله ﷺ نبيت في الشعار الواحد وأنا حائض طامث فإن أصابه شيء غسل مكانه لم يعده وإن أصابه- يعني ثوبه- غسل مكانه ولم يعده وصلى فيه".
إنه تعامل رفيع، وحسنُ خلقٍ عظيم، يشعر الإنسان من خلاله بإنسانيته وإنه مقدر ومحترم.
ثالثًا: ضياع حقوقها وإلحاق الضرر بها
إن الله سبحانه حرّم الظلم على نفسه، وجعله بين خلقه محرمًا حيث قال: "ياعبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرمًا فلا تظالموا" رواه مسلم.
وإن المرأة لاقت في حياة الجاهلية قديمًا وحديثًا ألوانًا وصورًا شتى من الظلم والعدوان. فمن ذلك:
١- عضلها: وهومنعها من حقها وإلحاق الضرر بها حسيًا ومعنويا.
قال تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ النساء: ١٩.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ البقرة: ٢٣٢.
والعضل للمرأة من رواسب الجاهلية وعاداتها البغيضة، وقد بقي أثره في الناس، حتى في الإسلام، لكن عولج بالنهي المقتضي للتحريم بلا هوادة أو تراخ فيه، والعضل في هاتين الآيتن مختلف، وإن كانت نتيجته واحدة.
فالعضل المذكور في آية النساء المراد به: الإضرار بالمرأة في عيشتها، وقهرها من أجل أن تتنازل بحقها أو ببعضه من الصداق أو أي حق سواه.
[ ٣٦ / ٥٥ ]
قال ابن عباس في قوله: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾: يقول: ولا تقهروهن ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾: يعني الرجل تكون له المرأة، وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مهر فيضرها لتفتدي به.
قال ابن كثير: وكذا قال الضحاك وقتادة وغير واحد، واختاره ابن جرير.
وأما العضل المذكور في آية البقرة، فالمراد به: منع المرأة من الرجوع إلى زوجها بعد انتهاء عدتها، وهي راغبة فيه، وهو كذلك.
قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في الرجل يطلق امرأته طلقة أو طلقتين، فتنقضي عدتها، ثم يبدو له أن يتزوجها، وأن يراجعها، وتريد المرأة ذلك، فيمنعها أولياؤها من ذلك، فنهى الله أن يمنعوها.
قال ابن كثير: وكذا روى العوفي عنه عن ابن عباس أيضا، وكذا قال مسروق وإبراهيم النخعي والزهري والضحاك أنها نزلت في ذلك، وهذا الذي قالوه ظاهر من الآية.
والحديث الصحيح يوضح ذلك ويبينه، فعن معقل بن يسار ﵁ أنه زوج أخته رجلا من المسلمين على عهد رسول الله ﷺ، فكانت عنده ما كانت، ثم طلقها تطليقة لم يراجعها حتى انقضت عدتها، فهويها وهويته، ثم خطبها مع الخطاب، فقال له: يالكع ابن لكع، أكرمتك بها، وزوجتكها، فطلقتها، والله لا ترجع إليك أبدًا. آخر ما عليك، قال: فعلم الله حاجته إليها وحاجتها إلى بعلها، فأنزل الله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ..﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾، فلما سمعها معقل قال: سمع لربي وطاعة، ثم دعاه، فقال: أزوجك، وأكرمك.
قال ابن كثير: زاد ابن مردويه: "وكفرت عن يميني".
وتوجد صورة ثالثة من العضل خاصة في اليتيمة:
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ النساء: ٣.
[ ٣٦ / ٥٦ ]
وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ النساء: ١٢٧.
وقد بينت السنة الصحيحة صورة هذا العضل الجاهلي:
أخرج البخاري بسنده عن عروة بن الزبيرأنه سأل عائشة ﵂ عن قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾، قالت: يا ابن أختي: هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط لا صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا إليهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن يا الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن.
قال عروة: قالت عائشة: وإن الناس استفتوا رسول الله بعد هذه الآية، فأنزل الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ .
قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رغبة أحدكم عن يتيمته إذا كانت قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال.
وأخرج البخاري بسنده عن عائشة ﵂ قالت: هو الرجل تكون عنده اليتيمة، هو وليها ووارثها، فأشركته في ماله، حتى في العذق، فيرغب أن ينكحها، ويكره أن يزوجها رجلا، فيشركه في ماله بما شركته، فيعضلها، فنزلت الآية، وهو في مسلم أيضًا.
[ ٣٦ / ٥٧ ]
وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في معنى الآية قال: كان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه، فإذا فعل ذلك لم يقدر أحد أن يتزوجها أبدًا، فإن كانت جميلة، وهويها تزوجها، وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجال أبدًا حتى تموت، فإذا ماتت ورثها، فحرم الله ذلك ونهى عنه.
قال ابن كثير: والمقصود: أن الرجل إذا كان في حجره يتيمة يحل تزويجها، فتارة يرغب في أن يتزوجها، فأمره الله أن يمهرها أسوة بأمثالها من النساء، فإن لم يفعل، فليعدل إلى غيرها من النساء، فقد وسع الله ﷿، وهذا المعنى في الآية الأولى في أول السورة، وتارة لا يكون له فيها رغبة لدمامتها عنده، أو في نفس الأمر، فنهاه الله ﷿ أن يعضلها عن الأزواج خشية أن يشركوه في ماله الذي بينه وبينها.
٢- وراثتها على سبيل الإكراه والإضرار بها:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ﴾ النساء:١٩.
وسبب النزول كاف في بيان نوعية هذا الإكراه:
أخرج البخاري بسنده عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾، قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها، وهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الاَية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (١) .
ولهذا الإِرث الإِكراهي صور شتى كانت الجاهلية تمارسه على الزوجة وهي تتقبله، لأنها غير مبين في الخصام، فمن ذلك:
أ- ما ثبت في الصحيح عن ابن عباس ﵄، والوارد في سبب النزول للآية أعلاه.
_________________
(١) صحيح البخاري مع فتح الباري (٨/ ٢٤٥) . رقم ٤٥٧٩.
[ ٣٦ / ٥٨ ]
٢- ما رواه عكرمة عن ابن عباس قال: ﴿يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ الآية، وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته، فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها، فأحكم الله تعالى عن ذلك.
قال ابن كثير: تفرد به أبو داود، وقد رواه غير واحد عن ابن عباس بنحو ذلك.
٣- روى الطبري من طريق الحسن والسدي وغيرهما: كان الرجل يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه الصداق. قال ابن حجر: "وزاد السدي: إن سبق الوارث فألقى عليها ثوبه كان أحق بها وإن سبقت هي إلى أهلها فهي أحق بنفسها".
٤- وعن مقسم عن ابن عباس: كانت المرأة في الجاهلية إذا توفى عنها زوجها، فجاء رجل فألقى عليها ثوبًا، كان أحق بها، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (١) .
٥- وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ قال: كان الرجل إذا مات وترك جارية ألقى عليها حميمه ثوبه، فمنعها من الناس، فإن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها.
٦- وروى العوفي عن ابن عباس: كان الرجل من أهل المدينة إذا مات حميم أحدهم، ألقى ثوبه على امرأته فورث نكاحها، ولم ينكحها أحد غيره وحبسها عنده حتى تفتدي منه بفدية، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (٢) .
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٢٦-٢٢٧) . وانظر فتح الباري ٨/ ٢٤٦-٢٤٧.
(٢) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٢٦-٢٢٧) . وانظر فتح الباري ٨/ ٢٤٦-٢٤٧.
[ ٣٦ / ٥٩ ]
٧- وقال زيد بن أسلم: كان أهل يثرب إذا مات الرجل منهم في الجاهلية ورث امرأته من يرث ماله، وكان يعضلها حتى يرثها أو يزوجها من أراد، وكان أهل تهامة يسيء الرجل صحبة المرأة حتى يطلقها، ويشترط عليها أن لا تنكح إلا من أراد حتى تفتدي منه ببعض ما أعطاها فنهى الله المؤمنين عن ذلك.
٨- وعن أبي أمامة بن حنيف قال: لما توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وكان لهم ذلك في الجاهلية، فأنزل الله: ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (١) .. وحسن إسناده ابن حجر.
٩- وعن عطاء أن أهل الجاهلية كانوا إذا هلك الرجل وترك امرأة حبسها أهله على الصبي حتى يكون فيهم، فنزلت: ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (٢) .
١٠- وقال مجاهد: كان الرجل إذا توفي كان ابنه أحق بامرأته ينكحها إن شاء- إذا لم يكن ابنها- أو ينكحها من شاء: أخاه أو ابن أخيه.
١١- وقال عكرمة: نزلت في كبيشة بنت معن بن عاصم بن الأوس، توفى عنها أبو قيس بن الأسلت، فجنح عليها ابنه، فجاءت رسول الله ﷺ، فقالت: يارسول الله، لا أنا ورثت زوجي، ولا أنا تركت فأنكح، فأنزل الله هذه الآية.
١٢- وقال السدي عن أبي مالك: كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها، جاء وليها فألقى عليها ثوبا، فإن كان له ابن صغير أو أخ حبسها حتى يشب، أو تموت فيرثها، فإن هي انفلتت فأتت أهلها، ولم يلق عليها ثوبا نجت، فأنزل الله: ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (٣) .
١٣- وقال مجاهد أيضًا: كان الرجل يكون في حجره اليتيمة هو يلي أمرها، فيحبسها رجاء أن تموت امرأته فيتزوجها، أويزوجها ابنه.
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٢٦-٢٢٧) . وانظر فتح الباري ٨/ ٢٤٦-٢٤٧.
(٢) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٢٦-٢٢٧) . وانظر فتح الباري (٨/ ٢٤٦-٢٤٧.
(٣) تفسير القرآن العظيم (٢/٢٢٧) .
[ ٣٦ / ٦٠ ]
وهذا مروي عن الشعبي وعطاء بن أبي رباح وأبي مجلز والضحاك والزهري وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان، ذكر هذا ابن أبي حاتم.
قال ابن كثير: قلت: فالآية تعم ما كان يفعله أهل الجاهلية، وما ذكره مجاهد ومن وافقه، وكل ما كان فيه نوع من ذلك، والله أعلم.
رابعًا: الاعتداء عليها بالأنكحة الجاهلية
أشار القرآن الكريم إلى بعض تلك الأنكحة التي كانت تمارس في الجاهلية ووصفها بأوصاف غليظة تنفيرًا منها وتقبيحا لها، كما أوضحت السنة بعضًا منها، وقد أبطلها الإِسلام، فمن ذلك:
أ- نكاح المقت: وهو نكاح الابن لزوجة أبيه بعد وفاته:
قال تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ النساء: ٢٢.
وورد في سبب نزول هذه الآية أن رجلا من الأنصار قال: لما توفي أبو قيس بن الأسلت خطب ابنه قيس امرأته، فقالت: إنما أعدّك ولدا، وأنت من صالحي قومك، ولكني آتي رسول الله ﷺ، فقالت: إن أبا قيس توفي، فقال: "خيرا"، ثم قالت: إن ابنه قيس خطبني وهو من صالحي قومه، وإنما كنت أعده ولدا، فما ترى؟ فقال: "ارجعي إلى بيتك" قال: فنزلت: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ (١) .
وعن عكرمة قال: نزلت في أبي قيس بن الأسلت، خلف على أم عبيد الله ضمرة، وكانت تحت الأسلت أبيه، وفي الأسود بن خلف، وكان خلف على ابنة أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، وكانت عند أبيه خلف، وفي فاختة ابنة الأسود بن المطلب بن أسد، كانت عند أمية بن خلف فخلف عليها صفوان بن أمية.
قال ابن كثير: وقد زعم السهيلي أن نكاح نساء الآباء كان معمولا به في الجاهلية، ولهذا قال: ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ .
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم، نقلا عن ابن كثير (٢/٢٣٢) .
[ ٣٦ / ٦١ ]
وهذا النوع من النكاح وصفه الله بثلاثة أوصاف بشعة، وهي الفحش الذي هو الزنا، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ الآية.
ووصفه بالمقت، الذي هو البغض الشديد، ووصفه بإساءة السبيل، أي: الطريق للذي سلكه وتعاطاه.
قال ابن كثير: وعلى كل تقدير، فهو حرام في هذه الأمة، مبشع غاية التبشع، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ وقال: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن﴾، وقال: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ فزاد ههنا: ﴿وَمَقْتًا﴾، أي بغضا، أي هو أمر كبير في نفسه، ويؤدي إلى مقت الابن أباه بعد أن يتزوج بإمرأته فإن الغالب أن من تزوج بامرأة يبغض من كان زوجها قبله، ولهذا حرمت أمهات المؤمنين على الأمة، لأنهن أمهات لكونهن زوجات النبي ﷺ وهو كالأب، بل حقه أعظم من حق الآباء بالإجماع، بل حبه مقدم على حب النفوس، صلوات الله وسلامه عليه.
٢- الجمع بين الأختين (نكاح الأختين معا):
قال تعالى في بيان المحرمات على الرجل نكاحهن: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ النساء: ٢٣.
أخرج ابن جرير بسنده عن ابن عباس قال: "كان أهل الجاهلية يحرمون ما حرم الله إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ .
قال ابن كثير: وهكذا قالت عطاء وقتادة.
[ ٣٦ / ٦٢ ]
وقال محمد بن الحسن: كان أهل الجاهلية يعرفون هذه المحرمات كلها التي ذكرت في هذه الآية إلا اثنتين، إحداهما: نكاح امرأة الأب، والثانية: الجمع بين الأختين، ألا ترى أنه قال: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَف﴾، ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، ولم يذكر في سائر المحرمات ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَف﴾ (١) .
٣- نكاح المتعة:
وهو زواج بين رجل وامرأة لمدة معينة لقاء أجر معين، فإذا انتهى الأمد وقع الفراق.
وقال ابن عبد البر: لم يختلف العلماء من السلف والخلف أن المتعة نكاح إلى أجل، لا ميراث فيه، والفرقة تقع عند انقضاء الأجل من غير طلاق.
وقال ابن عطية: وكانت المتعة أن يتزوج الرجل المرأة بشاهدين وإذن الولي إلى أجل مسمى، وعلى أن لا ميراث بينهما، ويعيطها ما اتفقا عليه، فإذا انقضت المدة، فليس له عليها سبيل، يستبرئ رحمها، لأن الولد لاحق فيه بلا شك، فإن لم تحمل حلت لغيره.
وذهب الحافظ ابن كثير إلى أن نكاح المتعة يستدل! له بعموم قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾ النساء: ٢٤، حيث قال: "وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة، ولاشك أنه كان مشروعًا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك".
وقد رد هذا الاستدلال الشيخ الشنقيطي، وبين أن الآية في عقد النكاح لا في نكاح المتعة، وأجاب على الاحتمالات الواردة على أن هذه الآية في نكاح المتعة، فتنظر.
وهذا النوع من الأنكحة ثبت تحريمه بالسنة الصحيحة عن النبي ﷺ، لحديث علي بن أبي طالب ﵁ قال:
نهى رسول الله ﷺ عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، رواه البخاري ومسلم.
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ١١٩) .
[ ٣٦ / ٦٣ ]
وعن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه أنه غزا مع رسول الله ﷺ يوم فتح مكة، فقال: "يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله حرم ذلك إلي يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا" رواه مسلم.
٤- نكاح السفاح، أو نكاح أمهات الرايات، أو نكاح البغايا:
قال تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَات ﴾ المائدة: ٥.
والسفاح في الآية المراد به الزنا، وفي الحديث عن النبي ﷺ: "ولدت من نكاح، لا من سفاح".
وعن ابن عباس ﵄ قال: "المسافحات هن الزواني المعلنات، يعني الزواني اللاتي لا يمنعن أحدًا أرادهن بالفاحشة".
وقال القرطبي: ﴿غَيْرَ مُسَافِحَات﴾ أي غير زوان أي معلنات بالزنا، لأن أهل الجاهلية كان فيهم الزواني في العلانية ولهن رايات منصوبات كراية البيطار.
وفي الحديث الصحيح عن عائشة ﵂: ونكاح الرابع: يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمنع من جاءها، وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علما، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها، جمعوا لها ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا الولد بالذي يرون فالتاطته به ودعى ابنه لا يمتنع من ذلك.الحديث.
٥- نكاد الخدن:
قال تعالى: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَان ﴾ النساء: ٢٥.
وقال تعالى: ﴿إذاءآتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحن ولا متخذى أخدان ﴾ المائدة: ٥.
والأخدان جمهم خدن، والخدين هو الصديق، وهو قول الحسن البصري.
وقال ابن عباس وأبو هريرة والشعبي ومجاهد والضحاك والسدي ومقاتل ابن حيان وعطاء الخراساني ويحيى بن أبي كثير: هو الخليل.
والعرب تقول: ما استتر، فلا بأس به، وما ظهر فهو لوم.
[ ٣٦ / ٦٤ ]
وهذا النوع من النكاح، هو ارتباط بين المرأة والرجل ومعاشرتها كمعاشرة الزوج بدون أي عقد يبرم بينهما، ويتم اللقاء بينهما سريا دون المجاهرة بذلك، لأنهم يعتبرون ذلك لوما.
٦- نكاح البدل:
وهذا النوع من الأنكحة الجاهلية بيّنه أبو هريرة ﵁ فيما رواه عنه الدارقطني بسند فيه ضعف قال: كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل أنزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي وأزيدك.
٧- نكاح الاستبضاع:
وهو طلب المرأة من الرجل المجامعة لتحمل منه.
٨- نكاح الرهط: وهم ما دون العشرة.
وهذان ورد بيانهما في حديث عائشة الصحيح، حيث قالت: إن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء:
فنكاح منها: نكاح النساء اليوم، يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته، فيصدقها، ثم ينكحها.
ونكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلى فلان، فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها، ولا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع.
ونكاح آخر: يجتمع الرهط مادون العشرة، فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت ومر ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، تسمي من أحبت باسمه، فيلحق به ولدها، لا يستطيع أن يمتنع به الرجل.
٩- نكاح الشغار:
وقد ورد النهي عنه وتفسيره في حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى عن الشغار والشغار: أن يزوج ابنته، على أن يزوجه ابنته، ليس بينهما صداق.
١٥- نكاح الإرث أو العضل:
[ ٣٦ / ٦٥ ]
وقد فسره ابن عباس ﵄ فيما رواه عنه أبو داود حيث قال: وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته، فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها، فأحكم الله عن ذلك أي نهى عن ذلك.
[ ٣٦ / ٦٦ ]