(١)
الدكتور ربيع بن هادي مدخلي
رئيس قسم السنة بالدراسات العليا بالجامعة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله، فلا مضل له، ومن يضلل، فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولوكره الكافرون.
وبعد: فإن الدافع لاختيار هذا الموضوع عدة أمور من أهمها:
أولًا: أن الأمة الإسلامية اختلفت في مناحٍ شتى عقدية وغيرها وتفرقت بها السبل، فنزل بها من الويلات- نتيجة لهذا التفرق ولعدم الاحتكام في قضايا الخلاف إلى كتاب الله وسنة نبيهم- مالا يعلم مداه وفداحته إلا الله من تمزق صفوفهم وتأجج نيران الخلاف والخصومات فيما بينهم، ثم تغلب أعداء الإسلام على أوطانهم واستباحتهم لبيضتهم واستعبادهم واستذلاهم.
ثانيا: حدوث تيارات فكرية برزت في الساحة الإسلامية بطرق ومناهج، لإصلاح حال الأمة وإنقاذها:
منها السياسي.
ومنها الفكري.
ومنها الروحي.
وكل واحد من هذه التيارات يدعى ممثلوه أنه المنهج الإسلامي الحق الذي يجب اتباعه والذي لا ينقذ الأمة سواه.
هذان السببان مع أسباب أخر دفعتني إلى القيام بواجب من أعظم الواجبات وأهمها ألا وهو بيان منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله في ضوء الكتاب والسنة وبيان مزاياه التي لا يُشارك فيها وبيان ضرورة اتّباعه وحده لأنه الطريق الأوحد الذي يوصل إلى الله ويكسب رضاه وهو السبيل الأوحد لإنقاذ الأمة والموصل إلى السيادة في الدنيا والسعادة في الأخرى.
نص المحاضرة مع إضافات واسعة ومهمة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
[ ٣١ / ١٢٥ ]
فإن الله تعالى الخالق البارئ المصور العليم الحكيم قد خلق هذا الكون العظيم ودبره ونظمه بعلمه المحيط وحكمته العالية وقدرته الشاملة، لحكم جليلة وغايات نبيلة بعيدة كل البعد عن العبث والباطل واللعب.
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ، مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ . (الدخان: الآيتان ٣٨، ٣٩) .
وقال تعالى: ﴿حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ الله الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمّىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ (الأحقاف: ١- ٣) .
وخلق الجن والإنس وبين الحكمة العظيمة والغاية الكريمة التي خلقهم من أجلها. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ . (الذاريات: ٥٦_ ٨ هـ) .
وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ، فَتَعَالَى الله الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ . (المؤمنون: ١١٥- ١١٦) .
وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ (القيامة: ٣٦) . أي لا يؤمر ولا ينهى.
وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ . (الملك: ١-٢) . فأخبر تعالى أنه ما خلقهم إلا للابتلاء، والاختبار ليتبين أيهم أحسن عملًا بانقياده لمنهج الله واتباعه لرسل الله.
[ ٣١ / ١٢٦ ]
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ً الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . (البقرة: ٢١-٢٢) . فأمرهم أن يقوموا بالغاية التي خلقهم من أجلها، وبين لهم أنه قد وفر وهيأ لهم كل الأسباب التي تساعدهم على القيام بمهمتهم
العظيمة، وحذرهم من الانحراف عن هذه الغاية، والتنكر لهذه النعم الجليلة، ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ . (الإسراء: ٧٠)، وما أكرم الله الإنسان هذا الإكرام وأحله هذه المنزلة الرفيعة إلا لعظم الغاية التي خلق من أجلها، ألا وهى عبادة الله وحده وتعظيمه وتنزيهه، عن كل النقائص وعن اتخاذ الشركاء والأنداد تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
وكثيرًا ما نوّه الله بكرامة الإنسان ومنزلته في هذا الكون، وأن هذا الكون، قد سخر لراحته وسعادته، حتى يؤدى وظيفَته ويقوم بغايته التي خلق من أجلها على أتم الوجوه وأكملها.
[ ٣١ / ١٢٧ ]
قال تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ، الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ الله لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ . (إبراهيم: ٣١- ٣٤) .
إكرام الإنسان بالعقل والفطرة [١]
وإلى جانب هذه النعم العظيمة والإكرام الفائق لهذا الإنسان فقد منحه نعمة العقل الذي يرفعه إلى مستوى التكاليف الإلهية ويؤهله لإدراكها وفهمها، وزوده بالفطرة التي توائم ما يأتي به رسل الله عليهم الصلاة والسلام من الوحي الكريم ومن الدين الحق الذي يشرعه الله وينهجه لهذا الإنسان على ألسنة الرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ . (الروم: ٣٠) .
وقال رسول الله ﷺ: "ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء"، ثم يقول أبو هريرة ﵁: ﴿فِطْرَتَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ . الآية
[ ٣١ / ١٢٨ ]
وعن عياض بن حمار، المجاشعي ﵁ أن النبي ﷺ خطب ذات يوم، فقال في خطبته: "إن ربي ﷿ أمرني أن أعلمكم ما جهلتم، مما علمني في يومي هذا كل مال نحلته [٣] عبادي حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء [٤] كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم [٥] عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم، أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا " [٦] الحد يث.
إكرام البشر بإرسال الرسل إليهم وإنزال الكتب عليهم
ثم لم يكِلهم الله إلى ما آتاهم من فطرة وعقل، بل أرسل إليها الرسل مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتب لتبيّن لهم الحق من الباطل ولتكون مرجعا لهم، فيما يختلفون فيه، حتى لا يبقى للناس أي عذر، ولتقوم عليهم الحجة، فلا يبقى لهم حجة على الله بعد الرسل.
وكلّف جميع الأمم بطاعة هؤلاء المصطفين الأخيار واتباعهم والانقياد لهم وأنزل أشد العقاب بمن كذبهم وعاندهم في الدنيا، وسوف ينزل بهم العذاب الأنكى والأشد، العذاب السرمدي الخالد في دار الجزاء العادل.
ما هي رسالة هذه الصفوة المختارة من البشر صلوات الله وسلامه عليهم وما الذي قدموه لأممهم؟
إن رسالتهم تشمل كل خير وتبعد من كل شر، فقدموا للإنسانية كل ما يسعدها في الدنيا والآخرة، فما من خير إلا دلوا الناس عليه، ولا شر إلا حذروا الناس منه.
[ ٣١ / ١٢٩ ]
عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: كنا في سفر، فنزلنا منزلا فمنا من يصلح خباءه، ومنا من ينتضل [٧]، ومنا من هو في جشَره [٨] إذ نادى منادى رسول الله ﷺ الصلاة جامعة [٩] فاجتمعنا إلى رسول الله ﷺ، فقال: "إنه لم يكن نبي قبلي إلا وكان حقا عليه أن يدل أمته على خيرِ ما يعلمه وينذرهم شرما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها وسيصيب آخرها بلاء، وأمور ينكرونها. وتجئ فتن فيرقق [١٠] بعضها بعضا، وتجئ الفتنة، فيقول المؤمن: هذه مهلكتي ثم تنكشف. وتجيء الفتنة، فيقول المؤمن: هذه هذه فمن أحب أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله، واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إماما، فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر".
هذه رسالة كل الأنبياء تدل على كل خير وتحذر من كل شر، لكن من أين تنطلق وبماذا تبدأ وعلى أي شيء تركز؟
إن هناك دعائم وقواعد وأصولا تركز عليها دعواتهم وتكون أول منطلقاتهم في دعوة الناس إلى الله.
تلك الأسس والقواعد هي: (١) التوحيد، (٢) النبوات، (٣) المعاد [١١]
هذه الأسس الثلاثة هي ملتقى دعواتهم وأصولها وقد أهتم بها القرآن غاية الاهتمام وبينها غاية البيان وهي أهم مقاصده التي يدور عليها ويكررها، ويورد الأدلة العقلية والحسية عليها في جميع سوره وفي غالب قصصه وأمثاله، يعرف ذلك من له كمال فهم وحسن تدبر وجودة تصور. وقد عنيت بها كتب الله بأجمعها واتفقت عليها الشرائع السماوية بأسرها.
وأهم هذه الأسس الثلاثة وأجلها وأصل أصولها هو توحيد الله ﵎ الذي تضمنته غالب سور القرآن، بأنواعه الثلاثة المشهورة بل تضمنته كل سورة من سور القرآن، فإن القرآن:
[ ٣١ / ١٣٠ ]
(١) إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته، وهو التوحيد الخبري.
(٢) وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي.
(٣) وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته، فذلك من حقوق التوحيد، ومكملاته.
(٤) وإما خبر عن إكرامه لأهل التوحيد، وما فعل بهم في الدنيا، وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء التوحيد.
(٥) وإما خبر عن أهل الشرك، وما فعل بهم نما الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب، فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد.
فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم [١٢] .
توحيد الألوهية وأهميته
وسوف أتناول توحيد الألوهية وأهميته لسببين:
أولا: أنه الجانب الأهم من دعوات الرسل الذي عرضه علينا القرآن ولأنه موضوع الصراع الدائر بينهم وبين خصومهم من المستكبرين والمعاندين من كل الأمم، ولا يزالا موضوع الصراع إلى اليوم، ولعله يستمر إلى يوم القيامة ابتلاء واختبارًا لورثة الرسل ورفعًا لمنزلتهم.
ثانيا: أن أخطر وأشد وأصعب انحراف مني به المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها في هذا الجانب في أكثر جهال المسلمين وفى كثير من مثقفيهم والمنتسبين إلى العلم منهم.
فلنبدأ بعرض دعوات الأنبياء بصفة عامة ثم نعرض دعوات بعضهم بصفة خاصة.
[ ٣١ / ١٣١ ]
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى الله وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ . (النحل:٣٦)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ . (الأنبياء: ٢٥)، وقال تعالى بعد أن ذكر قصص عدد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ . (الأنبياء:٩٢)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (المؤمنون:٥١_٥٢) .
قال الحافظ ابن كثير: قال مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ . يقول: دينكم واحد [١٣] .
وفى معنى الآيتين من السنة، قوله ﷺ: "أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات [١٤] أمهاتهم شتى ودينهم واحد" [١٥] .
[ ٣١ / ١٣٢ ]
وقال تعالى عنِ أولى العزم من الرسل عليهم الصلاة والسلام: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ الله يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (الشورى:١٣) . تلك دعوة الأنبياء جميعًا وعلى رأسهم أولوا العزم منهم الأنبياء الذين يبلغ تعدادهم أربعة وعشرين ألفا ومائة ألف [١٦] يسيرون في دعوتهم في منهج واحد، وينطلقون من منطلق واحد، هو التوحيد، أعظم القضايا والمبادئ التي حملوها إلى الإنسانية جميعا في جميع أجيالهم ومختلف بيئاتهم وبلدانهم وأزمانهم.
مما يدل على أن هذا هو الطريق الوحيد الذي يجب أن يسلك في دعوة الناس إلى الله، وسنة من سننه التي رسمها لأنبيائه واتباعهم الصادقين، لا يجوز تبديلها ولا العدول عنها.
نماذج لدعوات بعض الرسل
ثم إن الله تعالى أخبر عن بعض أفراد الأنبياء العظام كيف واجهوا أقوامهم وإذا بهم يسيرون في الخط العام الذي رسمه الله لهم وإذا بهم في المنهج الذي قرره الله لجميعهم لا تند عنه دعوة أحد منهم:
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ، فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ . (هود: ٢٥-٢٧)
[ ٣١ / ١٣٣ ]
﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ، قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِين، قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ، أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ، قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ الله بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ، فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ . (الأعراف: ٦٥-٧٢) .
وهكذا دعوات كل الأنبياء، كلهم ساروا في هذا المنهج في الدعوة إلى توحيد الله وعبادته وحده أولًا وواجههم أقوامهم- إلا من هدى الله- بالسخرية والتكذيب والاستهزاء، كما قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ، وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ . (الزخرف: ٦-٧) .
[ ٣١ / ١٣٤ ]
وما أشد التكذيب والاستهزاء والسخرية على النفوس المؤمنة الأبية، إنها أشد عليهم من وقع السيوف ومن السجون والتعذيب ولقد عبر عن هذا المعنى الشاعر العربي بقوله:
وظلم ذوى القربى أشد مضاضة
على النفس من وقع الحسام المهند
ولقد سألت عائشة ﵂ النبي ﷺ فقالت له: "هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة، قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال، لتأمره، بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال، فسلم علي، ثم قال: يا محمد! إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربى إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين [١٧]، فقال له رسول الله ﷺ: بل أرجو الله أن يخرج من أصلابهم، من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا" [١٨] .
وقد ذكرت كتب السيرة بعض أجوبة هؤلاء الساخرة ومواقفهم المزرية، وأن رسول الله ﷺ- عمد إلى نفر من ثقيف هم سادة ثقيف وأشرافهم وهم أخوة ثلاثة، عبد يا ليل ومسعود، وحبيب فجلس إليهم، فدعاهم إلى الله وكلمهم لما جاءهم له من نصرة الإسلام والقيام معه على من خالفه من قومه، فقال أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة، إن كاَن الله أرسلك، وقال الآخر: أما وجد الله أحدا أرسله غيرك، وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدًا، لإن كنت رسولا من الله كما تقول، لأنت أعظم خطرًا من أن أرد عليك الكلام، ولإن كنت تكذب على الله، ما كان ينبغي لي أن أكلمك. فقام رسول الله ﷺ، وقد يئس من خير ثقيف [١٩] .
[ ٣١ / ١٣٥ ]
والشاهد من الحديث، والقصة أن ما يلقاه الأنبياء من السخرية والاستهزاء ومن أذى المشركين السفهاء أشد على أنفسهم من كل بلاء حتى من المعارك الطاحنة التي تزهق فيها الأرواح وتراق فيها دماء أصحابهم الزكية. فلقد قتل يوم أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر من سبعين شهيدًا [٢٠]، فيهم مصعب بن عمير [٢١] وحمزة بن عبد المطلب [٢٢] عمّ رسول الله ﷺ، وشُجّ رسول الله ﷺ وكُسرت رباعيته [٢٣]، ولقي ما لقي هو وأصحابه من أذى المنافقين، ولقي ما لقي قبل ذلك وهو بمكة وفي يوم بدر وغيرها من المشاهد، ومع كل ذلك يرى أن أشد ما لقيه هو يوم الطائف، لأنه لقي من السخرية والاحتقار مالا تحتمله النفوس الأبية.
ومن هنا يقول رسول الله ﷺ: "أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل، فالأمثل " [٢٤] فالأمثل ثم الأمثل هم الصالحون السائرون في منهاجهم في الدعوة إلى الله والداعون إلى ما دعوا إليه من توحيد الله وإخلاص العبادة له وحده، ونبذ الشرك بما سواه، وينالهم من الأذى والبلاء مثل ما أصاب أسوتهم الأنبياء.
ومن أجل هذا ترى كثيرًا من الدعاة يحيدون عن هذا المنهج الصعب، والطريق الوعر، لأن الداعي الذي يسلكه سيواجه أمه وأباه وأخاه وأحبابه وأصدقاءه وسيواجه المجتمع وعداوته وسخرياته وأذاه، يحيدون إلى جوانب من الإسلام لها مكانتها ولا يتنكر لها من يؤمن بالله لكن هذه الجوانب ليس فيها تلك الصعوبة والشدة والسخرية والأذى خصوصا في المجتمعات الإسلامية فإن سواد الأمة الإسلامية يلتفّون حول هذا اللون من الدعاة ويحيطونهم بهالَة من التبجيل والتكريم لاَ سخرية ولا أذى اللهم إلا إذا تعرضوا للحكام وهددوا كراسيهم فإنهم حينئذ يقمعونهم بكل شدة كأحزاب سياسية تناوئ الحكام وتهدد عروشهم، والحكام في هذا الباب لا يحابون قريبا ولا حميما ولا مسلما ولا كافرًا.
[ ٣١ / ١٣٦ ]
وعلى كل حال نقول لهؤلاء الدعاة مهما شنشنوا وطنطنوا ومهما رفعوا أصواتهم باسم الإسلام أربعوا على أنفسكم فإنكم خرجتم عن منهج الله وصراطه المستقيم اللاحب الذي مرت به مواكب الأنبياء واتباعهم في الدعوة إلى توحيد الله وإخلاص الدين له ومهما تفلسفتم ورفعتم عقيرتكم باسم الإسلام فإنكم عن منهج الأنبياء الذي سنه الله لناكبون.
ومهما بذلتم من الجهود وجسمتم دعوتكم ومنهجكم فإنكم تتشاغلون بالوسائل قبل الغاية وما اقل جدوى الوسيلة إذا أضرت بالغاية وضُخمت على حسابها بل يا ويل هؤلاء الدعاة إن أصروا على المضي فيما ابتدعوه من مناهج وحاربوا منهج الأنبياء في الدعوة إلى توحيد الله تحت شعارات براقة تخلب ألباب البلهاء والجهلاء بمنهج الأنبياء.
إن الحديث عن دعوات الأنبياء إلى توحيد الله ومنهجهم وما لاقوا في سبيل ذلك من الأهوال والبلايا والمحن أمر لا يتسع له مجال كهذا.
ولسوف أقتصر على عرض دعوات خمسة منهم صلوات الله وسلامه عليهم وذلك سيجعلنا على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك:
[ ٣١ / ١٣٧ ]
١- فأولهم نوح، أبو البشر الثاني، وأول رسول إلى أهل الأرض عاش هذا النبي العظيم عمرًا مديدا ودهرًا طويلا ألف سنة إلا خمسين عاما لبثها في دعوة قومه إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له، لا يكل ولا يمل، ليلًا ونهارًا سرًا وجهارًاَ قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ، يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ أَجَلَ الله إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا، فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلا فِرَارًا، وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا، ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا، ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا، فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا، مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا، أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ الله سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا، وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا، وَالله أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا وَالله جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا، لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا، قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ
[ ٣١ / ١٣٨ ]
إِلا خَسَارًا، وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا، وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا، وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلا ضَلالًا مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ الله أَنْصَارًا﴾ (نوح: ١- ٢٥) .
ماذا في دعوة هذا الرسول الكريم، وقد قص الله علينا خلاصة دعوته الكريمة التي استغرقت ألف سنة إلا خمسين عامًا.
إنها دعوة جادة إلى توحيد الله وعبادته وحده، في جهد دائب ما ترك وسيلة تمكنه إلا استخدمها لإقناعهم بدعوته سرا وجهارًا وترغيبا وترهيبا ووعدًا ووعيدًا، واحتجاجا واستدلالا بالأدلة العقلية والحسية، من واقع أنفسهم وحياتهم ومما بين أيديهم من السماء والأرض، وما فيهما من آيات وعبر وكل ذلك لم يُجد فيهم نفعا ولا دفعهم إلى استجابة بل أصروا على كفرهم وضلالهم، واستكبروا استكبارا.
أصروا على التشبث بأصنامهم ومعبوداتهم الباطلة، فكانت النتيجة لهذا الإصرار والاستكبار، الهلاك والدمار، وفى الآخرة الخلود في عذاب النار.
وهنا نتساءل لماذا يستمر هذا النبي العظيم كل هذه الآماد الطويلة، ويبذل هذه الجهود الكبيرة، دون كلل أو ملل يدعو إلى مبدء التوحيد؟.
ولماذا يمدحه الله ويثني عليه الثناء العاطر، ويخلّد ذكره ويجعله في عداد الرسل أولي العزم؟.
هل دعوة التوحيد تستحق كل هذه العناية والإكبار؟، هل هذا المنهج وتحديد هذا المنطلق لهذا النبي الكريم مجانب للمنطق والحكمة والعقل؟ أو أنه عين الحكمة ومقتضى المنطق الصحيح، والعقل الواعي الرجيح لماذا يقره الله على سلوك هذا المنهج في الدعوة طوال ألف سنة إلا خمسين عاما ويشيد به ويخلد اسمه وقصصه، ويكلف أعظم الرسل وأعقل البشر أن يجعل منه أسوة في دعوته وصبره؟.
[ ٣١ / ١٣٩ ]
الجواب المنصف القائم على العقل والحكمة، ومعرفة مكانة النبوة والثقة العظيمة فيها وتقديرها حق قدرها، أن دعوة التوحيد ومحاولة القضاء على الشرك وتطهير أرض الله منه تستحق كل هذا وانه عين الحكمة ومقتضى الفطرة والعقل.
وأن الواجب على كل الدعاة إلى الله أن يفهموا هذا المنهج، وهذه الدعوة الإلهية العظيمة، والمطلب الكبير، فيكرسوا كل جهودهم وطاقاتهم لتحقيقه ونشره في أرض الله كلها، وأن يتعاونوا ويتكاتفوا ويتحدوا، ويصدق بعضهم بعضا، كما كان الرسل دعاة التوحيد يبشر سابقهم بلاحقهم ويصدق لاحقهم سابقه ويؤيد دعوته ويسير في مضماره.
يجب أن نعتقد أنه لو كان هناك منهج أفضل وأقوم من هذا المنهج لاختاره الله لرسله وآثرهم به، فهل يليق بمؤمن أن يرغب عنه ويختار لنفسه منهجًا سواه ويتطاول على هذا المنهج الرباني وعلى دعاته.
وثانيهم: أبو الأنبياء وإمام الموحدين الحنفاء- إبراهيم خليل الله- الذي أمر الله سيد المرسلين، وخاتم النبيين وأمته باتباعه والاتساء بدعوته والاهتداء بهديه ومنهجه [٢٥] .
[ ٣١ / ١٤٠ ]
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ، وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ، فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ، فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الأنعام: ٧٤-٧٩) . دعوة حارة قوية متدفقة إلى توحيد الله، وإخلاص الدين له ونبذ الشرك ورفضه، تبدأ بالأسرة وتمتد إلى الأمة تحارب الشرك بالأصنام، وتزلزل الشرك بالكواكب.
ويسلك خليل الله أقوم الطرق في المناظرة والمحاجة، لإقامة حجة الله ودحض الشرك وباطله وشُبَهِهِ.
فالتعبير بالأصنام تحقير لآلهتهم المزعومة المصطنعة، وتسفيه لأحلامهم، ورصده للكواكب المذكورة واحدا تلو الآخر وهى تغيب وتأفل عنهم ليأخذ من حالها البرهان الواضح على بطلان ما يزعمون من ألوهيتها فمن يرعاهم ويحفظهم ويدبر شؤونهم وشؤون هذا الكون حين غيابها وأفولها، وإذن فعليهم أن يرفضوا هذه الآلهة المزعومة الباطلة ويكفروا بها، وينفضوا أيديهم منها، ويتجهوا إلى إلههم الحق، الذي فطر السماوات والأرض، والذي لا يغيب ولا يحول يعلم جميع أحوالهم ومطلع على حركاتهم وسكناتهم، ويرعاهم ويحفظهم ويدبر شؤونهم حجج قوية يستمدها من الواقع الملموس والكون المنظور.
[ ٣١ / ١٤١ ]
قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا، إِذْ قَالَ لأبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا، يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا، قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا، قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ الله وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا، فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًا جَعَلْنَا نَبِيًّا، وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ (مريم: ٤١-٥٠) . دعوة حارة إلى التوحيد، قائمة على العلم والمنطق والعقل وعلى الخلق القويم، وتهدي الضال إلى الصراط المستقيم يقابلها تعصب أعمى يقوم على الهوى والجهل والعناد والمكابرة وإلا فكيف يعبد ويخضع لمن لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنه شيئًاَ.
إن علم التوحيد أيها القارئ، هو العلم الذي يعتز به جميع الأنبياء وبه يصولون على الباطل والجهل والشرك، فالجهل بهذا العلم- علم الأنبياء الهادي إلى الحق والمنقذ من الضلال والشرك- هو الجهل المميت والسم القاتل الذي يقتل العقل والفكر. ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ .
[ ٣١ / ١٤٢ ]
وبعد هذه الجولات القوية الواعية يقوم بها إبراهيم ﷺ في ميدان الدعوة إلى الله دعوة الأسرة والأمة التي أقام فيها على أبيه وقومه الحجج الدامغة واجه بهذه الدعوة العظيمة ذلك الحاكم الجبار الطاغية المتأله بكل قوة وشجاعة. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ الله الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَالله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: ٢٥٨) .
لقد دعا إبراهيم ﷺ هذا الطاغية المتأله إلى توحيد الله والإيمان بربوبيته وألوهيته، فطغى واستكبر عن الإجابة إلى توحيد الله والتنازل عن دعوى الربوبية. فحاجّه إبراهيم وناظره هذه المناظرة النيرة البرهان الواضحة المعالم قال إبراهيم: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي هو المنفرد بالخلق والتدبير والإحياء والإماتة. فقال الغبي المتجبر: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ .
[ ٣١ / ١٤٣ ]
أي أقتل من أردت قتله واستبقي من أردت استبقاءه. وهذا الجواب فيه تمويه وتضليل للأغبياء وحَيدة عن الجواب، لأن قصد إبراهيم ﵊ أن ربه ينشئ الحياة في الإنسان والحيوان والنبات من العدم، ويردها إلى الأموات بقدرته وأنه هو الذي يميت الناس والحيوانات بآجالها بأسباب ربطها وبغير أسباب، فلما رآه إبراهيم يموه ويدجل تدجيلا ربما انطلى على الأغبياء والهمج، قال ملزما له بتصديق قوله إن كان كما يزعم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ أي وقف متحيرًا مشدوها، منقطع الحجة قد ألقم حجرا وأخرس لسانه وزهق باطله، ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ .
وفى هذا درس لمن ألقى السمع وهو شهيد، إنها دعوة إلى التوحيد تمثل قمة الإخلاص والحكمة، والعقل، وتأتي البيوت من أبوابها وتنطلق من حيث أراد الله، لا مصارعة على الملك، ولا منافسة على الحكم، ولو كان هدف إبراهيم ﵊ الوصول إلى الحكم لسلك منهجا غير هذا المنهج ولوجد من يلتف حوله ويصفق له ولكن يأبى الله وأنبياؤه وصالحوا الدعاة من أتباع الأنبياء حقا في كل زمان ومكان إلا سلوك طريق الهداية والرشاد وبيان الحق وإقامة الحجة على المكابر والمعاندين.
وقد قام إبراهيم ﵇ بهذا الواجب العظيم على أكمل الوجوه وأتمها أقام الحجة على أبيه وقومه حكومة وشعبا، فلما رأى منهم الإصرار على الشرك والكفر والإقامة على الباطل والضلال لجأ إلى الإنكار والتغيير باليد والقوة.
[ ٣١ / ١٤٤ ]
فمن أين يبدأ بالتغيير وما هو الأسلوب الرشيد لتغيير هذا الواقع المظلم الجاثم على أمته أيثور على الدولة لأنها منبع الشرور والفساد ومصدر الشرك والضلال كيف لا والحاكم يدعي الربوبية ويصر عليها. لماذا لا يدبر انقلابا يطيح فيه بهذه الحكومة الكافرة وعلى رأسها جبار متأله وبذلك يقضي على كل ألوان الفساد والشرك وتقوم على أنقاضه الدولة الإلهية بقيادة إبراهيم ﵊، والجواب حاشا الأنبياء وحاشا نزاهتهم من سلوك هذه الطرق أو التفكير فيها فإنها طرق الظلمة والجهلة والسفهاء وطلاب الدنيا والملك.
إن الأنبياء دعاة توحيد ورواد هداية إلى الحق وإنقاذ من الباطل والشرك فإذا امتدت أيديهم إلى التغيير وهم أعلم الناس وأعقلهم فلابد أن تبدأ بالقضاء على منابع الشرك وضلال الحقيقية وكذلك فعل إبراهيم الحليم الحكيم الرشيد البطل الشجاع.
[ ٣١ / ١٤٥ ]
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ. إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ. قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ. قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ. قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاعِبِينَ. قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ. وَتَالله لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ. فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ. قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ. قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ. قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ. قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ. قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ. فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ. ثم نكسواٍ على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ. قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ. أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله أَفَلا تَعْقِلُونَ. قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ. قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ. وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ﴾ (الأنبياء: ٥١-٧٠) . آتى الله إبراهيم رشده على علم بأنه أهل لذلك هذا النبي الحكيم الرشيد واجه فسادًاَ في
[ ٣١ / ١٤٦ ]
العقيدة وفسادًا في الحكم. أمة انحط تفكيرها وضلت عقولها، فعبدت الأصنام من الأخشاب والأحجار والكواكب وتحكمها حكومة فاسدة يقودها جبار متأله فأسلموا له القياد.
فمن أين يبدأ بالإصلاح يا ترى؟
أيبدأ بمصاولة الحاكم لأنه قطعا يحكم بغيِر شريعة الله ويحكم بقوانين وتشريعات جاهلية، لاشك في ذلك، ويدعي الربوبية جهارًاَ وحق التشريع أو يبدأ بإصلاح العقيدة عقيدة الأمة وعقيدة الحكومة الجاهلية.
القرآن يحدثنا عن هذا النبي الرشيد إمام الأنبياء أنه بدأ بإصلاح العقيدة أي الدعوة إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له وحده ومحاربة الشرك والقضاء عليه وعلى أسبابه واقتلاعه من جذوره فدعاهم فعلا إلى توحيد الله ونبذ عبادة ما سواه، وجادلهم في هذا المجال وجادلوه، فدمغهم بالحجج القاهرة والبراهين الظاهرة وجردهم من كل سلاح من أسلحة الحجة حتى ألجأهم إلى الاعتراف بالظلم والضلال والتعصب الأعمى والجمود القاتل على تقليد الآباء ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ .
[ ٣١ / ١٤٧ ]
فلما رأى إبراهيم أهواء جامحة وعقولا متحجرة، دبر لهم مكيدة ورسم لهم خطة حكيمة شجاعة لتحطيم آلهتهم وتم تنفيذ هذه الخطة بكل قوة وشجاعة وجرأة وأثار هذا العمل البطولي [٢٦] الحكومة والشعب ضده واستدعوه للمحاكمة العلنية، ووجهوا إليه الاتهام ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ فأجابهم بأسلوب تهكمي ساخر ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ فكان هذا الجواب التهكمي المفحم كالصاعقة العنيفة هوت على رؤوسهم المخبولة ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ ثم لما أعوزهم سلاح الحجة لجأوا إلى القوة سلاح كل عاجز عن الحجة في كل زمان ومكان، ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ ِ ونجىّ الله خليله إبراهيم وردّ الله كيد الكافرين الخاسرين في نحورهم ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ. وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ﴾ .
وكان في نجاة إبراهيم من تلك النار العظيمة بعد أن حولها الله بردًا وسلاما على إبراهيم آية عظيمة من أعظم آيات الله على نبوته وصدقه وصدق ما جاء به من التوحيد وبطلان ما هم عليه من الشرك والضلال، وكافأ الله إبراهيم ﵇ على هذه الدعوة الحكيمة وعلى هذا الجهاد والتضحية الرائعة ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ. وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًا جَعَلْنَا صَالِحِينَ. وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ (الأنبياء: ٧١- ٣ ٧) .
[ ٣١ / ١٤٨ ]
(ثالثهم): يوسف الكريم ابن الكريم ابن الكريم [٢٧] الذي أنزل الله في شأنه سورة طويلة تقصّ لنا حياته الكريمة ومراحلها من طفولته إلى موته وكيف تقلبت به الأحوال، وما واجه من صعاب، فتلقاها بقوة النبوة وصبرها وحكمتها وحلمها.
رأى يوسف ﵇، فساد قصور الفراعنة في مصر وظلمها وعرف عقائد الأمة التي عاش فيها عرف ما فيها من فساد ووثنية تتخذ الأصنام والأبقار آلهة مع الله.
قصة هذا النبي الكريم ﵇- طويلة نأخذ منها الإشارة إلى سجنه ودعوته.
قال تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ. قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِالله وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ. وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِالله مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ الله عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ. يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ الله الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ. مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ الله بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إلا لِلَّهِ أَمَرَ إلا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف:٣٦- هـ ٤) .
[ ٣١ / ١٤٩ ]
عاش هذا النبي الكريمٍ ﵇ في القصور وعرف مفاسد الحكم والحكام عن كثب، وذاق من ويلاتهم كيدا وظلما واضطهادًاَ وسجنا وعاش بين ظهراني أمة وثنية تعبد الأصنام والأبقار والكواكب، فمن أين ينطلق للإصلاح ومن أين تكون نقطة البدء؟. هل يبدأ في الدعوة إلى الله وهو مسجون ظلما ويشاركه في السجن مظلومون مثله من إثارتهم وتهييجهم على الحكام الظلمة المستبدين، وهذا منطلق سياسي لاشك فيه والفرصة متاحة أمامه أو يبدأ بالدعوة من حيث انطلق آباؤه الكرام وعلى رأسهم إبراهيم خليل الله وإمام الدعاة إلى توحيد الله ومن حيث انطلق جميع رسل الله لاشك أن طريق الإصلاح الوحيد في كل زمان ومكان هو طريق الدعوة إلى العقيدة والتوحيد وإخلاص العبادة لله وحده.
إذن فليبدأ يوسف من هذا المنطلق مقتديا بآبائه الكرام ومعتزًا بعقيدتهم ومحقرًا ومنددًا بسخف المشركين واتخاذهم أربابا من دون الله من الأصنام والأبقار والكواكب.
وبعد هذا البيان الواضح والدعوة الصارخة إلى التوحيد ونبذ الشرك يؤكد دعوته وحجته بقوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ﴾ [٢٨] ثم يفسر هذه الحاكمية بتوحيد الله وعبادته وحده ﴿أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾، ويقول عن التوحيد ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
ويصل يوسف ﵊ إلى أعلى منصب في هذه الدولة [٢٩] وهو يدعو إلى توحيد الله ويقيم على دعوته ونبوته البينات. قال تعالى في بيان هذه الأمور: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ. قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: ٥٤- هـ ٥) .
[ ٣١ / ١٥٠ ]
وقال شاكرًا لمولاه: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (يوسف: ١٠١) .
وقال الله في بيان دعوته: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ (غافر: ٣٤) .
من فقه سيرة يوسف ﵇ التي عرضتها علينا هذه الآيات الكريمة أن الدعوة إلى التوحيد أمر لابد منه، وأن الشرك لا هوادة ولا مداهنة في محاربته فلا يجوز السكوت عنه مهما كانت ظروف الداعية إلى الله بل لا يجوز لمسلم إطلاقا أن يحابى ويداهن في أمره وهذا يبين مكانة العقيدة وعظم شأنها عند الله وعند أنبيائه ورسله وأن الفرق والبون شاسع جدا بينها وبين فروع الإسلام فلا يجوز أن يكون المسلم- خصوصا الداعية- كاهنا من كهنة المشركين أو سادنا لأصنامهم، فإن فعل ذلك كان من المشركين الضالين.
أما الجانب التشريعي، فإن قامت دولة الإسلام فلابد من تطبيق شريعة الله، وإلا ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ والكفر حينئذ على ما فصله علماء الإسلام من الصحابة وغيرهم قد يكون كفرًا أكبر إذا كان يحتقر شرع الله ويستحل الحكم بغيره، وقد يكون كفرًا أصغر إذا كان يعظم شريعة الله ولا يستحل الحكم بغيرها لكن غلبه هواه فحكم بغير ما أنزل الله.
[ ٣١ / ١٥١ ]
أما إذا كانت دولة الإسلام غير قائمة، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها وللمسلم أن يتبوأ منصبا في دولة غير مسلمة شريطة أن يقوم بالعدل وأن لا يطيعهم في معصية الله ولا يحكم بغير ما أنزل كما فعل نبي الله يوسف. تبوأ منصب النيابة عن ملك كافر وما كان يحكم بشريعته ﴿ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِك﴾ (يوسف: ٧٦)، وكان يقوم بالعدل بين الرعية ويدعوهم إلى توحيد الله.
وفى هذا رد حاسم على من يهون من أمر عقيدة التوحيد ويجامل ويحابي في قضية الشرك الذي ملأ الدنيا وينظر إلى دعاة التوحيد وأعداء الشرك بعين الاحتقار والازدراء ويربأ بنفسه ويشمخ بأنفه أن يهبط إلى مستوى دعاة التوحيد- وهو من دعاة السياسة ومَا اثقل على سمعه وقلبه أن يسمع أو يقول كلمة توحيد أو شرك. لقد أوقع هذا النوع من الدعاة أنفسهم في هوة سحيقة في حين يظنون أنهم في أعلى القمم الشامخة. وهل يفلح قوم هذا موقفهم من دعوة الأنبياء إلا أن يتوبوا عما هم فيه إلى الله توبة نصوحًا.
(رابعهم): موسى كليم الله، القوي الأمين، نرى دعوته تتجه إلى التوحيد وتحمل في طياتها أنوار الهداية والحكمة.
لقد تربى موسى ودرج في قصور أعظم طاغية متأله وعرف من ألوان الفساد والكفر والطغيان والظلم والاستبداد في قصور الحكم عن مشاهدة واطلاع ما يصعب تصوره واحتماله ورأى ما نزل بقومه بنى إسرائيل من استعباد واستذلال واستحياء النساء وقتل الأبناء ما فاق كل ظلم عرفته البشرية.
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص:٤) وكان قوم فرعود أهل وثنية دون شك.
[ ٣١ / ١٥٢ ]
فكيف كان بدء دعوة موسى هل اتجهت إلى إصلاح عقيدة هذه الأمة الوثنية أو بدأت بالمطالبة بحقوق بنى إسرائيل والمصارعة على الحكم والسعي الجاد في إقامة الدولة الإسلامية وانتزاع السلطة من أيدي الطغاة وعلى رأسهم فرعون المتأله.
لقد كانت دعوة موسى كغيرها من دعوات آبائه وإخوته من الأنبياء لقد لقنه ربه أصل التوحيد واصطفاه لحمل رسالته والقيام بعبادته. قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ رَأى نَارًا فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً. فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً، وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى. إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي. إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ . (طه: ٩-١٥) . هكذا في مفتتح رسالته تملى عليه عقيدة التوحيد ويكلف شخصيًا أن يقوم بها في واقع نفسه ويتمثلها في حياته.
ثم يكلفه بالدعوة لهذا المبدء العظيم فيرسله إلى فرعون ويبيّن له طريق الدعوة وأسلوبها الحكيم الذي يواجه به فرعون. قال تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ (النازعات: ٧ ا-١٩) .
[ ٣١ / ١٥٣ ]
ويشد عضده بأخيه هارون مبالغة في إقامة الحجة ويعلمهما الرفق واللين في الدعوة فإن ذلك أقرب الطرق إلى هداية من يريد الله هدايته ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى. فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (طه: ٤٣-٤٤) . فنفذا أمر ربهما ودعواه إلى الله قاصدين هدايته وتزكيته ليكون ممن يخشى الله ويتقي عواقب الشرك والظلم، فلم يستجب لهذه الدعوة الهادئة الحكيمة فبرهن موسى على نبوته وصدق رسالته بآيات كبرى لكن الطاغية فرعون زاد طغيانا وتكذيبا ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى، ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى، فَحَشَرَ فَنَادَى، فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى، فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى﴾ .
ازدياد طغيان فرعون وعسفه وظلمه ومواجهة موسى وقومه هذا الطغيان بالصبر الجميل والتحمل:
﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ (الأعراف: ١٢٧) .
ما ذنب موسى وقومه في نظر هؤلاء المجرمين، لا ذنب لهم إلا الدعوة إلى توحيد الله والثبات عليها والكفر بفرعون ومعبوداته، ثم ما موقف موسى من هذه الانتهاكات البشعة والتي تجاوزت حدود الوحشية والهمجية. إنه الثبات على العقيدة والصبر الجميل والاستعانة بالله في مواجهة هذه الشدائد ثم انتظار العاقبة الطيبة والنصر نتيجة وثمرة حميدة لهذا الثبات والصبر ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ . (الا عراف: ١٢٨) .
[ ٣١ / ١٥٤ ]
ولما لم يبق أي أمل في إيمان فرعون وقومه واشتد البلاء على بني إسرائيل كان مطلب موسى الوحيد من فرعون أن يترك لبنى إسرائيل حرية الخروج والهجرة إلى حيث يريد الله لهم إنقاذا لهم من التعذيب والتنكيل ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرائيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ . (طه: ٤٧) . إنها لدعوة سامية إلى توحيد الله فيها النور والحكمة وفيها الحرص على هداية المدعوين وتزكيتهم، وفيها أقوى أنواع الصبر في تحمل الأذى وفي مواجهة الطغيان والكبرياء وفيها معالجة المواقف الصعبة بالحكمة والصبر مع قوة الأمل في الله في نصر المؤمنين وإهلاك الظالمين وفيها دروس وعظات لمن يريد بدعوته وجه الله ويريد إصلاح البشر وربطهم بالله وهدايتهم إلى صراطه المستقيم.
(والخامس): سيد الأنبياء وخاتمهم محمد بن عبد الله صاحب أعظم رسالة وأكملِها وأشملها، الذي أرسله الله رحمة للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ما ترك خيرًا إلا دل أمته عليه ولا شرًا إلا حذرها منه.
بماذا بدأ هذا النبي العظيم من مبادئ الإِسلام؟ ومن أين انطلقت دعوته؟
[ ٣١ / ١٥٥ ]
إنه ﵊ بدأ بما بدأ به كل الأنبياء وانطلق من حيت انطلقوا بدعواتهم من عقيدة التوحيد والدعوة إلى إخلاص العبادة لله وحده، من لا إله إلا الله محمد رسول الله وهل يتصور منه أومن أحد من الأنبياء أن يبدأ بغير هذا الأصل العظيم أصل أصول الرسالات كلها. لقد بدأ رسول الله ﷺ بهذا الأصل فأول شيء طرق مسامع قومه قولوا لا إله إلا الله. فقال المستكبرون منهم ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ. وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ . (ص: ٥- ٦)، واستمر داعيا إلى هذا المبدأ الأسمى والمطلب الأعلى طيلة العهد المكي من رسالته ثلاثة عشر عاما لا يكل ولا يمل صابرًا على كل ألوان الأذى في سبيل نشر هذا المبدأ فلم يُفرض عليه من التشريعات وأركان الإسلام إلا الصلاة في السنة العاشرة من البعثة اللهم إلا ما كان يأمر به قومه من معالي الأخلاق كصلة الرحم والصدق والعفاف ولكن محور الدعوة وموضوع الصراع والخصومة إنما هو ذلك الأصل العظيم.
لقد كلف الله هذا النبي الكريم ﷺ تكليفا خاصا أن يقوم بهذا الأصل العظيم. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ . (الزمر: ٢-٣) .
[ ٣١ / ١٥٦ ]
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ، قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ . (الزمر: ١١-١٤) . ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ . (الأنعام: ١٦٢-١٦٣) .
كما أمره أن يقوم بدعوة الناس جميعًا إلى تحقيق هذا المبدأ والنهوض به. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . (البقرة: ٢١-٢٢)، وقال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ . (البقرة: ١٦٣)، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ . (الأعراف: ١٥٨) .
والآيات في هذا كثيرة والذي قدمناه إنما هو نموذج لمنهج رسول الله ﷺ في الدعوة إلى التوحيد.
أما السنة ففيها الشيء الكثير الدال على افتتاح رسول الله ﷺ دعوته بالتوحيد واختتامها بذلك واستمراره فيما بين ذلك طوال حياته ﷺ.
[ ٣١ / ١٥٧ ]
١_فعن عمرو بن عنبسة السلمي ﵁ قال: "كنت وأنا في الجاهلية، أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء، وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارًا، فقعدت على راحلتي، فقدمت عليه، فإذا رسول الله ﷺ مستخفيا جرءاء عليه قومه فتلطفت، حتى دخلت عليه، بمكة، فقلت له: ما أنت؟ فقال: "أنا نبي". فقلت: وما نبي؟ قال: "أرسلني الله". فقلت: وبأي شيء أرسلك. قال: "أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء". فقلت: ومن معك على هذا. قال: "حر وعبد". قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به.." [٣٠] (الحديث) .
[ ٣١ / ١٥٨ ]
٢- ولما وفد عمرو بن العاص وعبد الله بن ربيعه المخزومي كلما النجاشي ملك الحبشة فقالا له يغريانه بالمسلمين المهاجرين إلى الحبشة: "أيها الملك إنه قد صبأ إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين مبتدع، لا نعرفه نحن ولا أنت فسألهم النجاشي فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا ديني ولا دين أحد من هذه الأمم؟ فكان الذي كلمه جعفر بن أبى طالب فقال له: أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام ونسئ الجوار، يأكل القوى منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نحن نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة، والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش، وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئًا، قال فعدد عليه أمور الإسلام، فصدقناه وآمنا به واتبعناه، على ما جاء به فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئا وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا فعدا علينا قومنا، فعذبونا، وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك " [٣١] الحديث.
وفي أسئلة هرقل لأبي سفيان في مدة صلح الحديبية عن حال رسول الله ﷺ قال لأبي سفيان: "ماذا يأمركم؟ "قال أبو سفيان قلت: "يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًاَ واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمر بالصلاة، والصدق والعفاف، والصلة" [٣٢] .
[ ٣١ / ١٥٩ ]
فهذه الأحاديث توضح لنا دعوة رسول الله ﷺ في العهد المكي والمدني.
تعذيب أصحابه من أجل لا إله إلا الله عقيدة التوحيد:
لقد عذب أصحاب رسول الله ﷺ اشد ألوان التعذيب من أجل تمسكهم بالعقيدة وإخلاص العبادة لله وحده ونبذ الشرك والكفر. عن عبد الله بن مسعود ﵁. قال: "أول من أظهر الإسلام سبعة، رسول الله ﷺ، وأبو بكر وعمار، وأمه سمية، وصهيب وبلال، والمقداد. فأما رَسول الله ﷺ فمنعه الله تعالى بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر، فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم، فأخذهم المشركون، وألبسوهم أدراع الحديد، صهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وآتاهم على ما أرادوا، إلا بلالا فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة، وهو يقول: أحد أحد " [٣٣] .
وفي السيرة لابن هشام "وكان أمية بن خلف يخرجه (يعني بلالا) إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة، فتوضع على صدره، ثم يقول: لا والله لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى. فيقول وهو في ذلك البلاء: أحد أحد" [٣٤] .
وقال ابن إسحاق: وحدثني حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، قال: "قلت لابن عباس أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله ﷺ من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ "قال: "نعم. والله إن كانوا ليضربون أحدهم، ويجيعونه ويعطشونه، حتى ما يقدر أن يستوي جالسًا، من شدة الضرب الذي نزل به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة حتى يقولوا له: اللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم. حتى إن العجل ليمر بهم فيقولون له أهذا العجل إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم افتداء مما يبلغون من جهده" [٣٥]، وهذا إسناد حسن صرّح فيه ابن إسحاق بالتحديث فأمن تدليسه.
[ ٣١ / ١٦٠ ]
وتُعذَّّّّّّّّّّّب سمية حتى الموت من أجل عقيدة التوحيد، لا لأنها كانت زعيمة سياسية. فعن مجاهد قال: "أول شهيدة في الإسلام سمية والدة عمار أتى أبو جهل فطعنها بحربة في قبلها" [٣٦]، وقال ابن سعد: "أسلَمت قديما بمكة، وكانت ممن يعذب في الله لترجع عن دينها، وصبرت، حتى مر بها أبو جهل يوما، فطعنها بحربة في قبلها، فماتت" [٣٧] .
الاهتمام بعقيدة التوحيد في العهد المدني:
وبعد أن هاجر رسول الله وأصحابه إلى المدينة، وقامت دولة الإسلام على كواهل المهاجرين والأنصار، وعلى أساس التوحيد ظل الاهتمام بالتوحيد عَلى أشده والآيات القرآنية تنزل به والتوجيهات النبوية تدور حوله ولم يكتف رسول الله ﷺ بكل هذا.
(١) المبايعة على التوحيد (١)
فكان يبايع عليها عظماء الصحابة فضلا عن غيرهم بين الفينة والفينة وكلما تسنح له فرصة للبيعة عليها. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرُجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الممتحنة: ١٢)، وهذه الآية وإن كانت في بيعة النساء فإن رسوله الله ﷺ كان يبايع على مضمونها الرجال.
[ ٣١ / ١٦١ ]
فعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ في مجلس، فقال: "تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًاَ ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم- قرأ الآية التي أخذت على النساء ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ فمن وفّى منكم، فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا، فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه" [٣٨] .
وساق ابن كثير عددًا من الأحاديث التي فيها أن رسول الله كان يبايع النساء بمضمون هذه الآية [٣٩] منها حديث عائشة، وحديث اميمة بنت رقيقة، وحديث أم عطية [٤٠]، وحديث سلمى بنت قيس إحدى خالات الرسول [٤١] وحديث رائطه بنت سفيان الخزاعية [٤٢] . ثم قال: "وكان رسول الله ﷺ يتعاهد النساء بهذه البيعة. ثم ساق حديث ابن عباس [٤٣] وأحاديث أخر.
أقول: وكذلك كان يتعاهد الرجال، فمما يدل على ذلك حديث عبادة بن الصامت السابق، ومن ذلك حديث عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: "كنا عند رسول الله ﷺ، تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال: "ألا تبايعون رسول الله؟ "وكنا حديث عهد ببيعة فقلنا: بايعناك يا رسول الله، ثم قال: "ألا تبايعون رسول الله". فقلنا: بايعناك يا رسول الله، ثم قال: "ألا تبايعون رسول الله؟ " قال: فبسطنا أيدينا وقلنا قد بايعناك يا رسول الله، فعلام نبايعك؟ قال: "على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، والصلوات الخمس وتطيعوا- وأسر كلمة خفية- ولا تسألوا الناس شيئًا" فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدًا يناوله إياه " [٤٤] .
[ ٣١ / ١٦٢ ]
٢- وكان يرسل دعاته ومعلميه وقضاته وأمراءه إلى الملوك والجبابرة في الأقطار المختلفة بدعوة التوحيد. فعن أنس ﵁- خادم رسول الله ﷺ- أن نبي الله ﷺ كتب إلى كسرى [٤٥] وقيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي ﷺ" [٤٦] .
يوضح ذلك نص كتابه إلى قيصر وأن هدفه الدعوة إلى التوحيد ونصه: "بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى أما بعد- فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت، فإن عليك إثم الأريسيين [٤٧]- ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا، ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًاَ من دون الله فإن تولوا، فقولوا: اشهدوا بأنا مسلمون" [٤٨] .
وعندما وصل الكتاب النبوي إلى قيصر، أرسل إلى أبي سفيان بن حرب في ركب من قريش، وكانوا تجارًا بالشام في المدة التي ماد فيها رسول الله ﷺ أبا سفيان، وكفار قريش، فأتوه وهم بابلياء فوجه أسئلة إلى أبي سفيان من جملتها، قال قيصر: "ماذا يأمركم، قال أبو سفيان، قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمر بالصلاة، والصدق والعفاف والصلة"
[ ٣١ / ١٦٣ ]
(٢) وكان رسول الله ﷺ يجهز جيوشه للجهاد في سبيل الله لأعلاء كلمة التوحيد:"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"، ويرشد قواده وجنوده إلى البدء قبل القتال بدعوة الناس إلى التوحيد. فعن بريدة بن الحصيب ﵁ قال:"كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميرا على سرية أو جيش، أوصاه بتقوى الله في خاصة نفسه، وبمن معه من المسلمين خيرًا، وقال: "إذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال أو خلال، فإن أجابوك إليها فاقبل منهم، وكف عنهم ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك، فاقبل منهم، وكف عنهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهَاجرين فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن، فارادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم، فإنكم لا تدرون ما يحكم الله فيهم ولكن انزلوهم على حكمكم، ثم اقضوا فيهم بعد ما شئتم" [٥٠] .
ومثل حديث بريدة حديث النعمان بن مقرن المزني ﵁ أشار إليه كل من مسلم وأبي داود وابن ماجة، بقولهم قال علقمة فحدثت به مقاتل بن حيان، فقال: حدثني مسلم بن هيصم، عن النعمان بن مقرن، عن النبي ﷺ مثل ذلك.
[ ٣١ / ١٦٤ ]
(٤) وبعث معاذًا إلى اليمن أميرًا وقاضيا ومعلمًا فقال له رسول الله ﷺ في وصيته: "إنك تأتى قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله. وفى رواية إلى أن يوحدوا الله وأني رسوله الله، فإن هم أطاعوك لذلك فاخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوك لذلك، فاخبرهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" [٥١]، ولا يشك أنه كان يوصي كل دعاته وأمرائه وقضاته بمثل هذه الوصية.
(٥) وشرع الجهاد من أجل التوحيد وتطهير الأرض من فتنة الشرك. قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ .
قال ابن جرير [٥٢] ﵀: يقول تعالى ذكره لنبيه: "وقاتلوا المشركين الذين يقاتلونكم، حتى لا تكون فتنة يعني حتى لا يكون شرك بالله، وحتى لا يعبد دونه أحد، وتضمحل عبادة الأوثان والآلهة والأنداد، وتكون العبادة والطاعة لله وحده دون غيره من الأصنام والأوثان "، قال قتادة: "حتى لا يكون شرك". وساق أسانيده بهذا التفسير إلى قتادة ومجاهد والسدى وابن عباس، وقال المراد بالدين الذي ذكره الله في هذا الموضع: العبادة والطاعة لله في أمره ونهيه. قال ومن ذلك قول الأعشى:
هودان الرباب إذ كرهوا
الدين دراكًا بغزوة وحيال
ثم ساق إسناده إلى الربيع ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ يقول: حتى لا يعبد إلا الله، وذلك لا إله إلا الله عليه قاتل رسول الله ﷺ وإليه دعا.
[ ٣١ / ١٦٥ ]
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله" [٥٣] .
وقال أمير المؤمنين عمر ﵁ لأبي بكر الصديق خليفة رسول الله حين عزم على قتال المرتدين بما فيهم مانعي الزكاة فقال له الفاروق ﵁: "كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله". فقال أبو بكر ﵁: "والله لا قاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسوله الله ﷺ ﷺ لقاتلتهم على منعها" [٥٤] .
وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم، وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله" ثم قرأ ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ " [٥٥] .
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسوله الله ﷺ:"أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله" [٥٦] .
[ ٣١ / ١٦٦ ]
ويُلاحَظ أن حديث عمر وأبي بكر وأبي هريرة وجابر قد اقتصرت على قضية التوحيد، ولم تتعرض لغيرها. ولعل السبب في ذلك شدة اهتمام الرسول ﷺ بهذه القضية بحيث أنه يحدثهم بها المرة تلو المرة مقتصرًا عليها تنبيهًا منه لهم على عظمتها وأهميتها وإدراكا منه صلوات الله وسلامه عليه أنهم يفهمون أن كل أمور الإسلام من مقتضياتها ومستلزماتها وحقوقها خصوصا أركان الإسلام والإيمان.
أقول: وبسبب اقتصار الرسول ﷺ على ما يتعلق بالعقيدة كان استدلال عمر بهذا القدر وكان جواب أبي بكر في تأييد موقفه بقياس الزكاة على الصلاة "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة "ولو كان يحفظ ما رواه ابن عمر لاستدل به رأسا، ولو كان عمر يحفظ ما رواه ابنه لما اعترض على أبي بكر ولو كان الحاضرون وفيهم أبو هريرة يحفظون ما رواه ابن عمر لذكروا الشيخين به، ولعل السر هو ما أشرنا إليه شدة اهتمام الرسول بالعقيدة وإشادته بها وكثرة حديثه عنها.
ولما كان أبرز جانب وأهمه فيما جاء به الأنبياء من تعاليم ربانية هو توحيد الإلهية، وكان هو في الواقع أعظم قضايا الصراع مع كل أعداء الأنبياء.
[ ٣١ / ١٦٧ ]
وكان أبرز جانب من جوانب الباطل والضلال مما أعلن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عليه الحرب من جهة واستمات المشركون المكذبون من كل الأمم في الدفاع عنه من جهة أخرى هو عبادة الأصنام والأوثان، وقبور الصالحين والأنبياء وتقديسها وتقديم القرابين لها وتعلق قلوب البشر حكاما ومحكومين بها حبا ورجاء وخوفا وطمعًا وأملا في شفاعتها لهم عند الله في قضاء مطالبهم، وكان هذا اللون هو الشرك الأكبر الذي لا يغفر كان لابد- إلى جانب ما قدمناه من الحديث عن منهج الأنبياء خصوصا في الحديث عن إبراهيم إمام الحنفاء ومحطم أصنام السخفاء- من ذكر طرف من حرب رسول الله ﷺ- الشعواء لهذا الشرك الأكبر ممثلة في سحق هذه الأوثان فعلا وفى سد كل ذريعة يستدرج بها الشيطان أولياءه من البشر إلى عبادتها واتخاذها أندادًا من دون الله باسم الآلهة أو الأولياء أو تحت أي شعار مضل.
[ ٣١ / ١٦٨ ]
فمن تلك الحرب التي شنها القرآن ورسول منزل القرآن قول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ (النجم: ٩ ا-٢٣) . فهذا تحقير لمعبوداتهم وأي تحقير وحرب عليها أي حرب، وقول الله تعالى: ﴿ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ (الحج: ٣٠- ا ٣)، وقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (المائدة: ٩٠) .
وعن عمرو بن عنبسة ﵁ وقد تقدم حديثه وفيه: "قلت: الله أرسلك، قال: نعم، قلت: بأي شيء أرسلك، قال: بأن يوحد الله، ولا يشرك به شيء، وكسر الأوثان وصلة الرحم" [٥٧] .
وفى حديث جعفر بن أبى طالب: " حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة، والأوثان " [٥٨] الحديث.
وفي حديث أبى سفيان مع هرقل ملك الروم: "يقول- يعنى رسول الله ﷺ- اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا واتركوا ما يقول آباؤكم" [٥٩] .
[ ٣١ / ١٦٩ ]
وفى حديث أبي أمامة ﵁ قال رسول الله ﷺ: "إن الله بعثني رحمة للعالمين. وأمرني ربي ﷿ بمحق المعازف والمزامير، والأوثان والصلب، وأمر الجاهلية " الحديث.
ولقد طاشت ألباب زعماء قريش وضاقت ذرعا بهجوم رسول الله ﷺ على أوثانها سواء فيما أنزل عليه من القرآن أوفي دعوته السرية والعلنية لأن هذا أمر لا هوادة فيه، ودعوته الصادقة تقتضيه.
عن ابن عباس ﵄ قال: "لما مرض أبو طالب، دخل عليه رهط من قريش، فيهم أبو جهل، فقالوا: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا، ويفعل ويفعل، ويقول ويقول: فلو بعثت إليه، فنهيته، فبعث إليه، فجاء النبي ﷺ فدخل البيت فقال له أبو طالب: أي ابن أخي، ما بال قومك يشكونك، يزعمون أنك تشتم آلهتهم، وتقول وتقول. قال: وأكثروا عليه من القول، وتكلم رسول الله ﷺ فقال: "يا عم إني أريدهم على كلمة واحدة، يقولونها تدين لهم بها العرب وتؤدى إِليهم بها العجم الجزية، ففزعوا لكلمته، ولقوله وقالوا: كلمة واحدة! نعم وأبيك عشرا، فقالوا: ما هي؟ وقال أبو طالب: وأي كلمة هي يا ابن أخي، فقال: لا إله إلا الله. فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم، وهم يقولون: أجعل الآلهة إلها واحدًا إن هذا لشيء عجاب" [٦٠] .
[ ٣١ / ١٧٠ ]
وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "اجتمعت قريش يوما فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر فيأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا وشتت أمرنا وعاب ديننا، فليكلمه ولينظر ماذا يرد عليه؟ فقالوا: ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة. فقالوا: أنت يا أبا الوليد، فأتاه عتبة، فقال: يا محمد أنت خير أم عبد الله؟ فسكت رسول الله ﷺ فقال: أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله ﷺ فقال: إن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك، فقد عبدوا الآلهة التي عبت وإن كنت تزعم أنك خير منهم، فتكلم، حتى نسمع قولك، إنا والله ما رأينا سخلة قط أشأم على قومك منك، فرقت جماعتنا وشتت أمرنا، وعبت ديننا وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرًا، وأن في قريش كاهنا، والله ما ننظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى، أيها الرجل إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلا، وإن كان إنما بك الباءة فاختر أي نساء قريش فلنزوجك عشرا، فقال رسول الله ﷺ: "فرغت؟ " قال: نعم، فقال رسول الله ﷺ: " ﴿بسم الله الرحمن الرحيم، حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - حتى بلغ- فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ فقال عتبة: حسبك! حسبك! ما عندك غير هذا؟ قال: "لا". فرجع إلى قريش، فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما تركت شيئًا أرى أنكم تكلمونه به إلا كلمته، قالوا: فهل أجابك؟ قال: لا، والذي نصبها بنية، ما فهمت شيئًا مما قال غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود. قالوا: ويلك أيكلمك الرجل بالعربية ما تدري ما قال؟ قال: لا والله ما فهمت شيئًا مما قال غير ذكر الصاعقة" [٦١] .
[ ٣١ / ١٧١ ]
تلك الحرب كانت حربا كلامية ونفسية بالنقد اللاذع والتحقير والسخرية ودمغ المشركين بالضلال والجهل مع إقامة الحجة عليهم ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة، وكان من آثار تلك الحرب ومن آثار تلك الدعوة والبيان أن هدى الله كثيرًا من العرب من قريش وغيرهم ومن الأوس والخزرج وفتح الله بصائرهم وعرفوا حقيقة التوحيد ومكانته وعرفوا حقارة الشرك بالأوثان وغيرها وخطورته في الوقت نفسه على المشركين في الدنيا والآخرة.
وهذه ثمار طيبة عظيمة كانت نتيجة لجهاد رسول الله ﷺ وأصحابه وصبرهم في ميدان الدعوة الحقة إلى الله وحملتهم المكثفة على الطواغيت والأوثان والأنصاب.
ثم لما أصبح للمسلمين شوكة ودولة انتقل رسول التوحيد ﷺ إلى خطوة عملية جديدة هي سحق الأصنام وتحطيمها وإبادتها وتطهير الأرض منها إدراكا منه لخطورتها فهي المصدر الأساسي والخطير على الأجيال البشرية من فجر تاريخها وإلى أن ينتهي تاريخها كما قالٍ إمام الحنفاء: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ (إبراهيم: ٣٥-٣٦) . فمن هنا قرر الرسول الأعظم محمد ﷺ القيام بتطهير الأرض من الأوثان وتسوية القبور لأنها قرينة الأصنام في إضلال البشرية.
فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: دخل النبي ﷺ مكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون نصبا، فجعل يطعنها بعود في يده ويقوله: "جاء الحق وزهق الباطل "، جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد" [٦٢] .
[ ٣١ / ١٧٢ ]
وجهز رسول الله ﷺ جيشا لذى الخلصة من المدينة إلى خثعم فغزاها. عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال:"كان بيت في الجاهلية يقال له ذو الخلصة، والكعبة اليمانية، والكعبة الشامية، فقال لي النبي ﷺ: ألا تريحني من ذي الخلصة؟ فنفرت في خمسين ومائة فارس من أحمس، فكسرناه وقتلنا من وجدنا عنده فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فدعا لنا ولأحمس، وفى لفظ للبخاري: وكان ذو الخلصة بيتا باليمن لخثعم وبجيلة فيه نصب تعبد يقال له الكعبة [٦٣] . ولفظه في البخاري ومسلم وأحمد: "ألا تريحني من ذي الخلصة".
انظر إلى هذا التعبير النبوي فكان وجود الأوثان يقض مضجعه ويقلقه ﵊ فلا يقر له قرار ولا يجد راحة واعجب من واقع كثير من الدعاة اليوم يرون أمام أعينهم مظاهر الشرك فلا تحرك فيهم ساكنا ولا يحسبون لهذا الواقع المر حسابا بل الأدهى والأمر انهم يتذمرون ممن ينكر ويتألم لهذا الواقع الجاهلي السيئ.
وعن أبي الطفيل عامر بن واثلة، قال: "لما فتح رسول الله ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة، وكانت بها العزى، وكانت على ثلاث سمرات فقطع السمرات، وهدم البيت، الذي كان عليها ثم أتى النبي ﷺ فأخبره فقال: "ارجع فإنك لم تصنع شيئًا" فرجع خالد فلما أبصرته السدنة وهم حجبتها أمعنوا في الجبل، وهم يقولون: يا عزى، يا عزى فأتاها خالد، فإذا هي امرأة عريانة ناشرة شعرها تحفن التراب على رأسها فغمسها بالسيف حتى قتلها، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ، فاخبره فقال: "تلك العزى " [٦٤] .
وكانت مناة للأوس والخزرج ومن دان بدينهم من أهل يثرب، فبعث رسول الله ﷺ أبا سفيان ليهدمها وقيل علي بن أبى طالب [٦٥] .
[ ٣١ / ١٧٣ ]
وسألت ثقيف رسول الله ﷺ أن يدع الطاغية وهي اللات، لا يهدمها، ثلاث سنين فأبى رسول الله ﷺ، فما برحوا يسألونه سنة سنة، ويأبى عليهم، حتى سألوه شهرًا واحدا بعد قدومهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئًا مسمى. وإنما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذرياتهم فأبى رسول الله ﷺ إلا أن يبعث أبا سفيان ابن حرب والمغيرة بن شعبة يهدمانها [٦٦]، وعن عثمان بن أبي العاص أن رسول الله ﷺ أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كان طاغيتهم [٦٧] .
قال ابن جرير [٦٨]: "وكانوا قد استقوا اسمها من اسم الله فقالوا: اللات يعنون مؤنثة منه تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا. وروى بأسانيده إلى قتادة، وابن عباس ومجاهد وابن زيد، إن اللات بتشديد التاء رجل كان يلت السويق للحاج فمات فعكفوا على قبره فعبدوه.
وقال الإمام البخاري: حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا أبو الأشهب، حدثنا أبو الجوزاء عن ابن عباس ﵄ في قوله: اللات والعزى. "كان اللات رجلا يلت سويق الحاج" [٦٩] .
ولما كانت فتنة القبور والأوثان من باب واحد، والرباط بينها وثيق جدًا حيث إن الأوثان والأنصاب إنما نحتت وصورت وعبدت حبا وغلوا في الصالحين كما فعل قوم نوح بود وسواع ويغوث ويعوق ونسر لأنهم رجال صالحون كذلك إنما شيدت القبور وشدت إليها الرحال وقدمت لها القرابين حبا وغلوا في رجال صالحين وفي أقوامٍ اللهُ أعلم بأحوالهم وبمآلهم.
[ ٣١ / ١٧٤ ]
وعلى كل حال فلما كان النوعان من باب واحد لم يدخر رسول الله ﷺ وسعا في الأمر بهدم القبور ونهى أن يبنى عليها أو يزاد عليها ونهى عن تجصيصها ونهى عن الصلاة عليها وإليها وحذر التحذير الشديد من شرها ولعن من يتخذون المساجد عليها، عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبِى طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ، "ألا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرًاَ مشرفا إلا سويته " [٧٠] .
ألا ترى أن رسول الله ﷺ كان يبعث عليا لتسوية القبور كما يبعثه لطمس التماثيل ولا تستبعد أن رسول الله ﷺ كان يجند رجالا هنا وهناك للقيام بهدم الأصنام والقبور كما مر بنا سابقا.
وعن ثمامة بن شفي قال: كنا مع فضالة بن عبيد، بأرض الروم برودس، فتوفي صاحب لنا، فأمر فضالة بن عبيد بقبره، فسوى ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها [٧١]، وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبني عليه [٧٢]، وعن أبى مرثد الغنوى ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها" [٧٣] .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" [٧٤] .
[ ٣١ / ١٧٥ ]
وتستمر هذه العناية النبوية الواعية، لأخطار الأوثان والقبور إلى آخر لحظة من لحظات حياة الرسول الناصح الأمين صلوات الله وسلامه عليه. فعن جندب بن عبد الله البجلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًاَ، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك" [٧٥] .
وعند احتضاره وبعد اختياره للرفيق الأعلى كان شغله الشاغل خطر فتنة القبور على هذه الأمة التي جهل أكثرها قدر هذه الاهتمامات النبوية وجهلت خطر هذه الفتنة الماحقة.
فعن عائشة أم المؤمنين وابن عباس ﵃ قالا: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال: وهو كذلك: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"يحذر مثل ما صنعوا [٧٦] .
وعن أسامة بن زيد ﵄: أن رسول الله ﷺ قال في مرضه الذي مات فيه: "ادخلوا عليّ أصحابي، فدخلوا عليه وهو مقنع ببردة معافري [٧٧] فكشف القناع، فقال: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد [٧٨] .
وعن أبي عبيدة ﵁ قال: كان آخر ما تكلم به رسول الله ﷺ: "اخرجوا يهود الحجاز من جزيرة العرب، واعلموا أن شرار الناس الذين يتخذون القبور مساجد" [٧٩] .
[ ٣١ / ١٧٦ ]
سرّح طرفك في مشارق بلاد المسلمين ومغاربها تر العجب العجاب تر واقعا يتحدى هذه النصوص النبوية، وإذا قرأت عليهم هذه النصوص وبينت لهم مصادرها وتمسك الصحابة واعيان الأمة بها واجهوك بتأويلات اسخف من تأويل من قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ . واتهموك بعداء الأولياء.
والآن نتساءل إذا كانت دعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تحمل في طياتها كل خير، وتحذر من كل شر، فما بالنا نرى فيما قص الله علينا في كتابه وفى دراستنا لسنة وسيرة نبينا محمد ﷺ أن دعواتهم إلى التوحيد ومحاربة الشرك ومظاهره وأسبابه ووسائله قد أخذت مساحة كبيرة جدًا من دعواتهم واستغرقت زمنا طويلا من حياتهم حتى لكأنما كان هذا الجانب هو شغلهم الشاغل. فأين مواقفهم من الحكام الطغاة المستبدين؟.
والجواب إن ما انتهجه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هو عين الحكمة والصواب ومقتضى العقل السليم.
فليس في مشاكل البشر سياسيها واقتصاديها واجتماعيها من الخطر ما يساوى مشكلة الشرك ومضاره ولا يقاربها ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾، ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ .
فالعقل والحكمة والفطرة تقتضي إذًا أن يبدأ بمحاربة خطر الشرك وأن تستمر دعوات الأنبياء واتباعهم على محاربته ما بقيت منه بقية أو بقى له شكل أو مظهر. فإذا أحاطت بأمة مشاكل عقائدية شرك يدمر عقيدتها ومشاكل اقتصادية ومشاكل سياسية فبأيها تبدأ المعالجة الحكيمة.
[ ٣١ / ١٧٧ ]
أما الأنبياء فلم يبدؤا إلا بمعالجة مشكلة العقيدة بكل قوة والبدء بمعالجة الأمر الأخطر أمر يتفق عليه كل عقلاء البشر. فمثلا لو رأى عاقل ثعبانا ونملة يدبان إلى إنسان لأملى عليه عقله أن يبادر إلى دفع الثعبان أو قتله لشدة خطره على هذا الإِنسان ولا يمكن أن يلقى بالًا للنملة ولا لألف نملة.
ولو رأى عقلاء أسدًا هصورًا وجماعة من الفئران تهجم عليهم لحملوا حملة واحدة لصد هجوم الأسد وتناسوا الفئران ولو كان معها جماعة أخرى من الضفادع.
ولو أن مسافرين انتهى بهم السير إلى طريقين لا خيار لهم من سلوك أحدهما. أحدهما فيه براكن تقذف بلهبها ونيران تلتهم أشجارها وأحجارها، وثانيهما فيه الأشواك والرمضاء وأشعة الشمس اللاهبة لما أختار عقلاؤهم إلا سلوك الطريق الثاني.
لنأخذ الآن أشد المفاسد أعني المفاسد السياسية والاجتماعية والاقتصادية وأشدها فساد الحكم لنوازنها بفساد العقيدة فهل هما في ميزان الله وميزان الأنبياء سواء. أو أن أحدهما أشد خطرًا وأدهى وأمر عاقبة.
ففي ميزان الله وميزان أنبيائه أن أشدهما خطرًا وأجدر بالتركيز عليه على مر الدهور والعصور وفى كل الرسالات إنما هو الشرك ومظاهره الذي لا يضاهيه فساد مهما عظم شأن هذا الفساد، وبناء على هذا نعود فنقول: إنَّ بَدْأ جميع الأنبياء بإصلاح الجانب العقائدي ومحاربة الشرك ومظاهره هو مقتضى الحكمة والعقل وذلك للأمور الآتية:
[ ٣١ / ١٧٨ ]
أولًا: أن المفاسد المتعلقة بعقائد الناس من الشرك والخرافات وأنواع الضلال أخطر آلاف المرات من المفاسد المترتبة على فساد الحكم وغيره، فإن لم نقل هذا ونعتقده سفهنا من حيث لا نشعر جميع الأنبياء. ونعوذ بالله من الضلال. إن هذه المفاسد تشمل الحاكم والمحكوم فالحكام أنفسهم في كل زمان ومكان إلا المؤمنين منهم- يخضعون للأصنام والأوثان والقبور ويقومون بتشييدها وحمايتها وعبادتها وتقديم القرابين لها، ويعتقدون أن لها سلطة غيبية قاهرة فوق سلطانهم المادي، فهي تضرهم وتنفعهم بذلك السلطان الغيبي في زعمهم وبتلك القوة القاهرة الخفية أو على أقل تشفع لهم عند الله في تحقيق مآربهم.
وأوضح مثال لخضوع الحكام للأوثان ذلك الطاغية المتأله فرعون الذي قال متبجحًا: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾، فقد حكى الله مقالة قومه له وهم يستثيرون فيه الحمية والغيرة لآلهته ومعبودا ته فقال: ﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ . (الأعراف: ١٢٧) ألا ترى أكبر طاغية عرفته الأرض مع دعواه الربوبية يخضع للأوثان ويتخذها آلهة.
وهذا النمروذ ملك الكلدانيين الذي ادعى الربوبية يأمر بإحراق إبراهيم ﵇ عندما حطم الأصنام أخذًا بثأر هذه الأصنام لأنها آلهته.
وهؤلاء ملوك الهند والفرس يعبدون الأوثان والنيران وملوك الرومان في الماضي وحكام أوربا وأمريكا في الحاضر يعبدون الصلبان والصور، وكم من حكام المسلمين في الماضي والحاضر من فُتِنَ بالأموات وشاد عليهم القبور وتعلق بها قلبه حبا ورجاء وخوفا وارتكبوا ما خشيه رسول الله على هذه الأمة وحذر منه.
[ ٣١ / ١٧٩ ]
ومن هنا يتضح لك جدية منهج الأنبياء وأحقيته، ويتضح لك أهمية مواقف الرسول الحاسمة من الأوثان والقبور كما يتضح لك حكمة إبراهيم وعمق فكره وبعد نظره حينما أطلقها صيحة مدوية تتجلجل في الأفاق والأجيال ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ، رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (إبراهيم ٥ ٣، ٦ ٣) .
فترى إبراهيم وهو على غاية من الحق والصواب- يجأر إلى الله من مخاطر الأصنام ولا يجأر إليه من مخاطر الحكام على جسامة فسادهم وخطرهم.
ثانيًا: أن الله ما أرسل الرسل إلا ليعلموا الناس الخير وينذرونهم بطش الله والشر قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ (البقرة: ٢١٣)، وقال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (الأنعام: ٤٨)، وقال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ (الكهف: ٥٦)، وقال تعالى: ﴿ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (النساء: ١٦٥) .
[ ٣١ / ١٨٠ ]
وقال رسول الله ﷺ: "ولا أحد أحب عليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين" [٨٠]، وقال تعالى: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (النحل: ٣٥)، وقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (النور: ٥٤)، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ وهذه مهمة الإنذار والتبشير والإبلاغ مهمة جليلة وعظيمة نبيلة يكفيها عظمة ونبلا أنها مهمة الأنبياء وتتناسب مع مكانتهم الرفيعة فإنها أشق وأعظم ما يتحمله البشر أو يتحمله ورثتهم من الدعاة الصادقين المخلصين السائرين في منهاجهم ولهذا قال رسول الله ﷺ: "أشهد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل". وقد ذكرنا سلفا مدى ما يواجه الداعية إلى التوحيد من المشقة وكيف لا يستطيع غيرهم أن يجول في هذا الميدان.
ثالثًا: أن الله ﷾، لم يكلفهم بإقامة دول وإسقاط أخرى وذلك في غاية الحكمة، لأن الدعوة إلى إقامة دولة تلوح فيها المطامع لطلاب الدنيا وطلاب الجاه والمناصب وأصحاب الأغراض والأحقاد وأصحاب التطلعات والطموحات فما أسرع ما تستجيب هذه الأصناف للدعوة إلى قيام دولة يرون فيها تحقيق مآربهم وشهواتهم ومطامعهم.
[ ٣١ / ١٨١ ]
لمثل هذه الاعتبارات- والله أعلم- وغيرها مما يعلمه الله الخلاق العليم الحكيم ابتعدت دعوات الأنبياء ومناهجهم عن استخدام هذا الشعار البراق الملوح أو المصرح بالأطماع والشهوات العاجلة وسلكت منهجا حكيما نزيها شريفا ينطوي على الابتلاء والاختبار فيتبعهم ويؤمن بهم كل صادق مخلص متجرد من كل المطامع والأغراض الشخصية، لا يريد بإيمانه وتوحيده وطاعة رسل الله عليهم الصلاة والسلام إلا الجنة ومرضاة ربه، ولا يخاف إلا من غضبه وأليم عقابه. ولهذا لا يتبعهم في الغالب إلا الفقراء والمساكين والضعفاء. قال تعالى- حكاية عن قوم نوح: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ﴾ (الشعراء: ١١١)، وقال عن قوم صالح: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ (الأعراف: ٧٥-٧٦) . وجاء في أسئلة هرقل لأبى سفيان، "فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟. قال أبو سفيان، فقلت: بل ضعفاؤهم. ثم قال هرقل: وسألتك أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم، فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم اتباع الرسل".
فالدعوة إلى إقامة دولة أسهل بكثير وكثير، والاستجابة لها أسرع، لأن أكثر الناس طلاب دنيا وأصحاب شهوات ولما ذكرنا من الأسباب والعقبات والصعاب في طريق دعوات الرسل نجد أنه لا يتبعهم إلا القليل فنوح، لبث ألف سنة إلا خمسين عاما يدعو إلى الله ومع ذلك ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ﴾ (هود: ٤٠) .
[ ٣١ / ١٨٢ ]
وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب" [٨١] .
وهذا إبراهيم الخليل قامع المشركين بالحجج الدامغة والبراهين قال الله تعالى في شأنه وشأن من آمن له ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (العنكبوت: ٢٦)، وهذا لوط يقول الله في نجاة من معه من العذاب ولعلهن بناته فقط ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الذارايات: ٣٥-٣٦) .
ولا يغض ذلك من منازل الأنبياء مثقال ذرة بل هم في أعالي المنازل وهم أنبل الناس وأجل الناس وأكرمهم وفوقهم في كل شأن في الرجولة والشجاعة والفصاحة والبلاغة والبيان والنصح والتضحية وقد قاموا بواجبهم على أكمل الوجوه من الدعوة إلى التوحيد والتبليغ والتبشير والإنذار فإذا قل اتباعهم أو لم يتبع بعضهم أحد فالعيب كل العيب على الأمم التي رفضت الاستجابة لدعوتهم لأنها في نظرهم- لا تحقق لهم أغراضهم الدنيئة ومع ذلك ما كانوا طلاب ملك بل كانوا دعاة هداية وتوحيد ولا كانوا يعدون اتباعهم للثورات والانقلابات السياسية.
[ ٣١ / ١٨٣ ]
وقد يهدي الله قوم نبي من الأنبياء فيستجيبون له أو كثير منهم فتكون لهم دولة، ثمرة طيبة، لإيمانهم وتصديقهم وأعمالهم الصالحة، فيقومون بواجبهم من الجهاد لإعلان كلمة الله وتطبيق التشريعات والحدود وغيرها من الأمور التي شرعها الله لهم كما حصلَ لنبينا محمد ﷺ وأصحابه الكرام توج الله إيمانهم وعملهم الصالح وصبرهم الجميل على بغي المشركين وتطاولهم بأن نصرهم، وأظهر دينهم، ومكن لهم في الأرض كما قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ ولقد عرض على رسول الله الملك بمكة فرفض إلا المضي في الدعوة إلى التوحيد ومحاربة الشرك والأوثان أرسلت قريش- لما أقلقها أمر رسول الله ﷺ- عتبة بن ربيعة فأتى رسول الله ﷺ، فقال: "يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من السطة في العشيرة، والمكان في النسب وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت بهم أحلامهم وعبت به آلهتهم، ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني اعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منا بعضها، فقال له رسول الله ﷺ: "قل يا أبا الوليد أسمع". قال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك منِ أموالنا حتى تكون من أكثرنا أموالًاَ، وإن كنت تريد به شرفا سودناك حتى لا نقطع أمرًاَ دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا وان كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه أو كما
[ ٣١ / ١٨٤ ]
قال- حتى إذا فرغ عتبة، ورسول الله ﷺ يستمع منه، قال: "أفرغت يا أبا الوليد؟ "قال: نعم. قال: "فاستمع مني". قال: أفعل. قال: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ . ثم مضى رسول الله ﷺ يقرؤها عليه. فلما سمع عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليها يسمع منه ثم انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة منها فسجد ثم قال: "قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك "فذهب عتبة إلى قريش فلما جلس إليهم. قالوا ما وراءك يا أبا الوليد. قال: ورائي إني قد سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالسحر ولا بالشعر ولا بالكهانة. يا معشر قريش: أطيعوني واجعلوها لي خلوا بين الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فوا الله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه. قال: هذا رأي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم " [٨٢] .
[ ٣١ / ١٨٥ ]
وروى ابن إسحاق بإسناده إلى ابن عباس أنه اجتمع نفر من قريش وعرضوا على رسول الله ﷺ- عرضا قريبا من عرض عتبة ومقالته لرسول الله ﷺ- بقوله: "ما بي ما تقولون، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثتي إليكم رسولا وأنزل عليّ كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا، فبلغتكم رسالات ربي، ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه على أصبر لأمر الله، حتى يحكم الله بيني وبينكم " [٨٣] . ومن هنا رفض رسول الله ﷺ طلب بعض القبائل أن يكون الأمر لهم بعد موته إن صح هذا الخبر.
قال ابن إسحاق: وحدثني الزهري أنه أتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلى الله ﷿، وعرض عليهم نفسه، فقال له رجل منهم، يقال له بيحرة بن فراس: والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش، لأكلت به العرب. ثم قال: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: "الأمر إلى الله، يضعه حيث يشاء"، فقال له: أفتهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله، كان الأمر لغيرنا، لا حاجة لنا بأمرك فأبوا عليه" [٨٤] .
[ ٣١ / ١٨٦ ]
وخلاصة هذا أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما جاؤا لإسقاط دول وإقامة أخرى، ولا يطلبون ملكا ولا ينظمون لذلك أحزابا وإنما جاؤا لهداية البشر وإنقاذهم من الضلال والشرك وإخراجهم من الظلمات إلى النور وتذكيرهم بأيام الله ولو عرض عليهم الملك لرفضوه، ومضوا في سبيل دعوتهم، وعرضت قريش الملك على رسول الله فرفضه وقد عرض عليه أن يكون ملكا نبيا أو عبدا رسولا فاختار أن يكون عبدا رسولا. عن أبي هريرة ﵁ قال: "جلس جبريل إلى النبي ﷺ فنظر إلى السماء، فإذا ملك ينزل فقال جبريل: إن هذا الملك ما نزل منذ يوم خلق قبل الساعة، فلما نزل، قال: يا محمد! أرسلني إليك ربك قال: أفملكا نبيا يجعلك أو عبدا رسولا. قال جبريل: تواضع لربك يا محمد، قال: بل عبدًا رسولا" [٨٥] .
ومن هنا ما كان يبايع الأنصار وغيرهم إلا على الجنة وكانت بيعة الأنصار في أحلك الظروف وأشدها فما كان فيها وعد بالمناصب لا الملك ولا الإمارات ولا بالمال وبغير ذلك من حظوظ العاجلة. عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: "إني من النقباء الذين بايعهم رسول الله ﷺ وقال: بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئًا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل النفس التي حرم الله، إلا بالحق، ولا ننتهب، ولا نعصي- بالجنة".
[ ٣١ / ١٨٧ ]
وعن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: انطلق رسول الله ﷺ ومعه العباس عمه إلى السبعين من الأنصار عند العقبة تحت الشجرة، فقال: ليتكلم متكلمكم ولا يطيل الخطبة فإن عليكم من المشركين عينًا، وإن يعلموا بكم يفضحوكم، فقال قائلهم- وهو أبو أمامة: سل يا محمد لربك ما شئت ثم سل لنفسك ولأصحابك ما شئت، ثم أخبرنا مالنا من الثواب على الله ﷿، وعليكم إذا فعلنا ذلك. فقال: أسألكم لربي ﷿ أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا وأسألكم لي ولأصحابي أن تؤونا وتنصرونا، وتمنعونا مما منعتم منه أنفسكم. قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: لكم الجنة. قالوا: فلك ذلك" [٨٦] .
[ ٣١ / ١٨٨ ]
وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "مكث رسول الله ﷺ بمكة عشر سنين يتتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة، وفى المواسم بمنى، يقول: من يؤيني، من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أومن مضر كذا فيأتيه قومه، فيقولون: احذر غلام قريش، لا يفتنك، ويمشى بين رجالهم، وهم يشيرون إليه بالأصابع، حتى بعثنا الله إليه من يثرب، فآويناه، وصدقناه فيخرج الرجل منا، فيؤمن به ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا فيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام، ثم ائتمروا جميعا، فقلنا حتى متى نترك رسول الله ﷺ يطرد في جبال مكة، ويخاف، فرحل إليه منا سبعون رجلا، حتى قدموا عليه في الموسم، فواعدناه شعب العقبة، فاجتمعنا عليه من رجل ورجلين، حتى توافينا، فقلنا: يا رسول الله نبايعك. قال: تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني، فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة. قال: فقمنا إليه فبايعناه وأخذ بيده أسعد بن زرارة، وهو أصغرهم فقال: رويدًا يا أهل يثرب، فإنا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله ﷺ وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب، كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك، وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم جبينة، فبينوا ذلك، فهو عذركم عند الله، قالوا: أمط عنا يا أسعد فوالله لا ندع هذه البيعة أبدًا ولا نسلبها أبدًا، قال: فقمنا إليه فبايعناه، فأخذ علينا وشرط ويعطينا على ذلك الجنة" [٨٧] .
[ ٣١ / ١٨٩ ]
ومن هنا أيضا كان يربي أصحابه على القرآن والسنة وعلى الإيمان والصدق والإخلاص لله في كل عمل بعيدًا عن الأساليب السياسية والإغراء بالمناصب العالية. فما كانَ يمنى أحدًا منهم قبل دخوله في الإسلام أو بعده بمنصب في الدولة هذا عمر بن الخطاب ﵁ أحد عظماء الصحابة وأقواهم شخصية ما كان يعده رسول الله ﷺ بالمناصب ولا تتطلع نفسه إليها حتى جاء يوم خيبر أي بعد عشرين سنة من البعثة فاجأهم رسول الله ﷺ بقوله: "لأعطين الراية غدًا رجلا يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه فبات هو والصحابة يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها "وقال عمر ﵁: "ما أحببت الإمارة إلا يومئذ" [٨٨] .
لأي شيء تطلع هؤلاء الصحابة الكرام الإمارة نفسها أم لنيل هذه المنزلة العظيمة حب الله ورسوله؟ ولماذا كان عمر بن الخطاب لا يحب الإمارة لو كان رسول الله يحببها إليهم ويربيهم عليها ويمنيهم بها. بل كان ينفرهم منها ويحذرهم من الحرص عليها، عن أبي هريرة ﵁ قال: "إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة وبئست الفاطمة " [٨٩]، وينهى عن طلبها والحرص عليها، عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: "قال لي رسول الله ﷺ: يا عبد الرحمن! لا تسأل الإمارة. فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها" [٩٠] .
[ ٣١ / ١٩٠ ]
بل فوق كل هذه الأساليب يرسى قاعدة إسلامية تحرم المناصب على من يتعشقها ويحرص عليها، عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "دخلت على النبي ﷺ أنا ورجلان من بني عمي فقال أحد الرجلين: يا رسول الله أمِّرنا على بعضِ ما ولاك الله ﷿. وقال الآخر مثل ذلك، فقال: إنا لا نولي على هذا العمل أحدًاَ سأله ولا أحدًاَ حرص عليه" [٩١] . وفي لفظ عند مسلم: "ما تقول يا أبا موسى أويا عبد الله بن قيس قال: فقلت: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما وما شعرت أنهما يطلبان العمل، قال: وكأني انظر إلى سواكه تحت شفته وقد قلعت، فقال: لن أو لانستعمل على عملنا من أراده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى، فبعثه إلى اليمن ثم أتبعه معاذًا "، وفي النسائي: "إنا لا نستعين في عملنا بمن سألنا".
قال الحافظ. قال المهلب: "الحرص على الولاية هو السبب في اقتتال الناس عليها حتى سفكت الدماء واستبيحت الأموال والفروج وعظم الفساد في الأرض بذلك ووجه الندم أنه قد يقتل أو يعزل أو يموت فيندم على الدخول فيها- لأنه يطالب بالتبعات التي ارتكبها، وقد فاته ما حرص عليه بمفارقته. قال: ويستثنى من ذلك من تتعين عليه كأن يموت الوالي ولا يوجد بعده من يقوم بالأمر غيره، وإذا لم يدخل في ذلك يحصل الفساد بضياع الأحوال" [٩٢] .
[ ٣١ / ١٩١ ]
وعلى كل حال فالإمارة والقضاء من الأمور التي لابد منها ولا تقوم حياة المسلمين إلا بها وبها تعصم الدماء والأموال. ولكن يجب أن نسلك في اختيار الأمراء والقضاء منهاج رسول الله ﷺ فلا تعطى هذه المناصب لمن يسألها أو يحرص عليها أو يرشح نفسه لها عن طريق الانتخابات مثلا فإن هذا من الحرص عليها، وإنما يختار لها الأكفاء علما وزهدًا فيها وتقوى. ثم ينبغي أن نستفيد من هذا المنهج النبوي في التربية، فلا ينبغي أن ننشئ الشباب على حب القيادة والرئاسة والسيادة والإمارة فلو نشأناهم على حب هذه الأشياء خالفنا هدى رسول الله ﷺ وأوقعنا الشباب في المهالك وأي فلاح ننتظره في الدنيا والآخرة إن خالفنا منهج رسول الله ﷺ.
﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ . (النور: ٤٧_٤٨) .
قال رسول الله ﷺ: "إن الله يرضى لكم ثلاثًا ويكره لكم ثلاثًا: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم. ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال"
--------------------------------------------------------------------------------
[١] الفطر الابتداء والاختراع، والفطرة: الحالة، كالجلسةِ والركبة
والمعنى. أنه يولد على نوع من الجبلة، والطبع المتهيئ لقبول الدين فلوترك عليها لاستمر على لزومها، وإنما يعدل بالآفة من آفات البشر والتقليد "النهاية لابن الأثير (٣/٤٥٧) .
وقال الحافظ ابن حجر﵀-: في الفتح (٣/٢٤٨) .
[ ٣١ / ١٩٢ ]
"اختلف الناس في المراد بالفطرة، وأشهر الأقوال، أن المراد بالفطرة. الإِسلام قال ابن عبد البر: هو المعروف عند عامة السلف، وأجمع أهل العلم بالتأويل على أن المراد بقوله تعالى: "فطرة الله التي فطر الناس عليها"الإسلام
[٢] أخرجه البخاري ٢٣- كتاب الجنائز ٧٩- باب إذا أسلم الصبي فمات يصلى عليه، حديث ١٣٥٨، ١٣٥٩، ٩٢- باب ما قيل في أولاد المشركين حديث ١٣٨٥، ٦٥- كتاب التفسير، حديث ٥ ٤٧٧. ومسلم، ٤٦- كتاب القدر، حديث ٢٢، ٢٣، وأبو داود، ٣٤- كتاب السنة ١٨- باب في ذرا ري المشركين، حديث ٤٧١٤، وأحمد في المسند (٢/ ٥ ٣١، ٣٤٦، ٣٩٣)، (٢/ ٢٣٣، ٢٧٥)، ومالك في الموطأ (١: ٢٤١) ١٦، كتاب الجنائز. حديث (٥٢)، والترمذيَ في السنن (١/ ٤٧ ٤)، ٣٣- كتاب القدر٥- باب ما جاء كل مولود يولد على الفطرة، حديث (٢١٣٨)، وفي لفظ في البخاري ومسند أحمد والموطأ والترمذي "كل مولود يولد على الفطرة"
[٣] نحلته أعطيته، والمراد: كل مال أعطيته عبدًا من عبادي فهو له حلال، والمراد: إنكار ما حرموا على أنفسهم من السائبة والوصلة والبحيرة والحامي وغير ذلك، وإنها لم تصر حراماَ بتحريمهم وكل مال ملكه العبد فهو له حلال حتى يتعلق به حق.
[٤] أي مسلمين.
[٥] أي استخفوهم فذهبوا بهم وأزالوهم، عما كانوا عليه، وجالوا معهم في الباطل.
[٦] أخرجه مسلم (٤/٢١٩٧)، ٥١- كتاب الجنة ٢٦- باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، حديث ٦٣.
[٧] من المناضلة، وهي: المرامات بالنشاب.
[٨] الجشر: هي الدواب التي ترعى، وتبيت مكانها.
[٩] الصلاة جامعة، هي: بنصب الصلاة على الإغراء، ونصب جامعة على الحال.
[١٠] أن يصير بعضها رقيقًا أي حفيفًا لعظم ما بعده.
[ ٣١ / ١٩٣ ]
[١١] ألف في بيان هذه الأسس الثلاثة الإمام الشوكاني كتابا سماه: "إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على التوحيد، والمعاد والنبوات "طبع دار الكتب العلمية ببيروت لبنان، وقد ساق أدلته من القرآن والتوراة والأناجيل.
[١٢] شرح الطحاوية ص ٨٨ الطبعة الأولى ١٣٩٢ نشر المكتب الإسلامي وأصله من كلام الإمام ابن تيميه وتلميذه ابن القيم- رحمهما الله-.
[١٣] التفسير (٣٦٥/٥) .
[١٤] العلات- بفتح المهملة: الضرائر، وأصله من تزوج امرأة ثم تزوج أخرى، كأنه علّ منها، والعلل: الشرب بعد الشرب وأولاد العلات: الإخوة من الأم، وأمهاتهم شتى "فتح الباري (٦/ ٩) وفى النهاية (٣/ ٢٩١)، الأنبياء أولاد علات "أولاد علات الذين أمهاتهم مختلفة، وأبوهم واحد، أراد أن إيمانهم واحد وشرائعهم مختلفة".
[١٥] أخرجه البخاري٠ ٦- الأنبياء حديث (٤٣ ٣٤)، ومسلم (٤/١٨٣٧) ٤٣- كتاب الفضائل، ٠ ٤- باب فضل عيسى ﵇، حديث (٤٥ ١) وأحمد في المسند (٢/ ٣١٩، ٤٠٦، ٤٨٢)
[١٦] إشارة إلى حديث أبي ذر أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٥/٤٤٧) وأحمد في المسند (٥/١٧٨) (٥/ ١٧٩)
من طريق المسعودي عن أبي عمر الدمشقي عر عبيد بن الخشخاش عن أبي ذر.
وابن حيان كما في الموارد رقم ٩٤ وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٦٦_١٦٨) وأشار إلى طرق أخرى أبي ذر، وأحمد (٥/ ٢٦٥) وابن أبي حاتم في تفسيره نقلا عن ابن كثير (٢/٤٢٣) والطبراني (٨/٢٥٨)
وهناك طرق أخرىَ عن أبي إمامه! عدد الرسل وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر أخرجه الطبراني (٨/ ١٣٩) وابن حيان كما في الموارد رقم (٢٠٨٥) قال ابن كثير وهذا على شرط مسلم وقال الهيثمي رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير أحمد بن خليد الحلبي وهو ثقة.
[١٧] الاخشبانْ جبلان بمكة، هما أبو قبيس والجبل الذي تقَابله.
[ ٣١ / ١٩٤ ]
[١٨] أخرجه البخاري ٥٩- كتاب بدء الخلق، حديث (٣٢٣١) ومسلم (٣/ ٤٢١ ١)، ٢٩- باب ما لقي النبي ﷺ من أذى المشركين والمنافقين، حديث (١١١) .
وفي الحديث بيان دعوة رسول الله وصبره في سبيلها وحلمه على قومه وانظر كيف استأنى بهم واستبقاهم من الهلاك الماحق الذي اشفوا عليه أملا في الله ورجاء أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئا ويالها من غاية نبيلة لا يعرفها إلا من ذاق نعمة التوحيد وعرف مكانته.
[١٩] البداية والنهاية لابن كثيرِ (٣/١٣٥)، والدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر ط دار الكتب العلمية بيروت (ص١٠٥)
[٢٠] قال البخاري﵀ في ٦٤-: المغازي ٢٦- باب من قتل من المسلمين يوم أحد، حديث ٤٠٧٨ حدثنا عمرو بن علي، حدثنا معاذ بن هشام، قال. حدثني أبي عن قتادة، قال: "ما تعلم حيا من أحياء العرب أكثر شهيدًا أغر يوم القيامة من الأنصار قال: قتادة: وحدثنا أنس بن مالك، أنه قتل منهم يوم أحد سبعون، ويوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمامة سبعون ".
[٢١] عن خباب﵁- قال: هاجرنا مع النبي ﷺ، ونحن نبتغي وجه الله فوجب أجرنا على الله، فمنا من مضى- أو ذهب- لم يأكل من أجره شيئا وكان منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد فلم يترك إلا نمرة، كنا إذا غطينا ما رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطيت رجلاه خرجتَ رأسه فقال النبي ﷺ غطوا بها رأسه واجعلوا على رجليه الإ ذخر..، أخرجه البخاري٦٤- كتاب المغازي ٢٦- باب من قتل يوم أحد حديث (٤٠٨٢) ومسلم كتاب الجنائز. (٧/ ٢) مع شرح النووي وأحمد في المسند (٥ /٠٩ ١) . والنسائي (٤/٣٢)
[٢٢] قصة استشهاده في البخاري ٦٤- كتاب المعازي٣٢- باب قتل حمزة بن عبد المطلب﵁- حديث (٤٠٧٢) ومسند أحمد (٣/٥٠٠،٥٠١)
[ ٣١ / ١٩٥ ]
[٢٣] عن أنس﵁- قال شج النبي ﷺ يوم أحد فقال: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم فنزلت. ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ (آل عمران١٢٩) أخرجه البخاري ٦٤- كتاب المغازي ٢١- باب ليس لك من الأمر شيء، بدون رقم ومسلم (٣/١٤١٦)، ٣٢- كتاب الجهاد والسير ٣٧- باب غزوة أحد، حديث ١٠٤.
وفيه حديث سهل بن سعد برقم ١٠١ بلفظ جرح وجه رسول الله ﷺ، وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه ".
[٢٤] أخرجه الترمذي (٢/٤ ٠ ٦)، ٥٦- باب ما جاء في الصبر على البلاء، حديث (٢٣٩٨) وابن ماجة (٢/ ١٣٣٤) ١٣- باب الصبر على البلاء، حديث (٤٠٣٣)، والدارمي (٢/٢٢٨) حديث ٢٧٨٦ وأحمد والمسند (١/ ١٧٢، ١٧٤، ١٨٠، ١٨٥) كلهم من طريق عاصم بن أبى النجود وهو صدوق له أوهام عن مصعب بن سعد قال: الترمذي حديث حسن صحيح.وفي تصحيح الترمذي له نظر وكأنه لاحظ في الحكم شواهده فإن له شواهدْ:
١_عن أبي سعيد الخدري أخرجه ابن ماجة (٢/ ٦٣٣٤) ٣٢- باب الصبر على البلاء حديث (٢٤ ٠ ٤) قال في الزوائد إسناده صحيح نقلا عن محمد فؤاد.
٢- من حديث فاطمة بنت اليمان أخرجه أحمد (٦/٣٢٩)
٣- من حديث أبي هريرةَ أشار إليه الترمذي بقوله وفي الباب عن أبي هريرة وأخت حذيفة بعد إخراجه حديث سعد.
[٢٥] اشارة إلى قول الله تعالى. ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل:١٢٣)
وإلى قوله تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ سورة آل عمران الآية ٩٥.
[ ٣١ / ١٩٦ ]
[٢٦] هذا العمل البطولي العظيم وماسبقه من دعوة حكيمة إلى التوحيد ونبذ الشرك في ميزان كثير من دعاةَ الإصلاح اليوم يعتبرِ من الاهتمامات بالقشور والتوافه فلا حوِل ولا قوة إلا بالله إنما لا تعمى الأبصار، ولكنها تعمى القلوب التي في الصدور.
[٢٧] إشارة إلى حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال. "الكريم ابن الكريم ابن الكريم، يوسف بن يعقوب ابن إسحاق بن إبراهيم ﵈". أخرجه البخاري ٠ ٦ كتاب الأنبياء باب ٨ ١ (٣٣٨٢، ٠ ٣٣٩) وأحمد في المسند (٢/٩٦) . وإلى حديث أن هريرة ﵁ سئل رسول الله: ﷺ: "من أكرم الناس؟ فقال اتقاهم لله، قالوا. ليس عن هدا نسألك، قال: فاكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله، قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: فعن معادن العرب تسألوني؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا". أخرجه البخاري ٠ ٦ الأنبياء، حديث (٣٣٨٣)، ِوالترمذي (٢٩٣/٥) التفسير، باب١٣، حديث (٣١١٦)، "وأحمد في المسند (٢/٣٣٢، ٤١٦) كلاهما عن طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ "إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم".
[٢٨] هذه الآية قاعدة أساسية من قواعد التوحيد كما بين الله ذلك على لسان يوسف ﵇، ومن المؤسف جدا أن ترى كثيرا من دعاة الإصلاح السياسيين قد ابتعدوا بتفسيرها جدا عن مدلولها الأساسي إخلاص العبادة لله وحده إلى مدلول سياسي هو إقامة الدولة التي يزعمون انها ستطبق شريعة الله في الأرض بالنيابة عنه وبالغوا في هذا الاتجاه حَتى انسوا الناس المعنى الأصلي للآية ولا يفهمون عنها إلا المعنى الجديد فلا حول وِ لا قوة إلا بالله وهكذا عاملوا كل أو معظم آيات التوحيد وارتكبوا كل هذا تحت شعار الحاكمية وهذا شيء لم يسبقوا إليه فإلى الله المشتكي.
[ ٣١ / ١٩٧ ]
[٢٩] قال شيخ الإسلام ابن تيميه﵀- في الحسبة (ص ٧)
"وكذلك يوسف الصديق كان نائبا لفرعون مصر وهو وقومه مشركون وفعل من العدل والخير ما قدر عليه، ودعاهم إلى الإيمان بحسب الإمكان ".
[٣٠] أخرجه مسلم (١/ ٥٦٩)، ٦- كتاب صلاة المسافرين. ٥٢- - باب إسلام عمرو بن عنبسة، حديث (٢٩٤) وأحمد في المسند (٤|١١٢) .
[٣١] أخرجه الإمام أحمد (١/٢٠٢)، (٥/ ٢٩٠) قال أحمد ثنا يعقوب (يعني ابن إبراهيم ابن سعد الزهري) ثقة ثنا أبي عن محمد بن إسحاق حدثني محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي عن أم سلمة بنت أبى أميه (يعنى أم المؤمنين ﵂) وهو إسناد صحيح إلا محمد بن إسحاق وقد صرح بالتحديث فحديثه حسن.
[٣٢] أخرجه البخاري ١- كتاب بدء الوحي باب ٧- حديث ٦ وهو حديث طويل.
[٣٣] أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٨٤)، وصححه، وذكره الذهبي في سير أعلام، النبلاء (١ /٣٤٨) وقال وله إسناد صحيح، وانظر في الاستيعاب (١/١٤٥_١٤٦) والحلية لأبي نعيم (١/ ١٤٩) .
[٣٤] (١/ ٣١٨) .
[٣٥] السيرة لا بن هشام (١/ ٣٢٠) .
[٣٦] الطبقات لا بن سعد (٨/ ٢٦٤-٢٦٥) قال أخبرنا إسماعيل بن عمر أبو المنذر، حدثنا سفيان الثوري، عن منصور عن مجاهد قال: فذكره وهو إسناد صحيح إلى مجاهد.
[٣٧] الطبقات لا بن سعد (٨/ ٢٦٤) .
[٣٨] رواه البخاري ٢- كتاب الإيمان باب١ ١- حديث ١٨، ٦٣- كتاب مناقب الأنصار ٤٣- باب وفود الأنصار، حديث (٣٨٩٢)، ومسلم ٢٩- كتاب الحدود ٠ ١- باب الحدود كفارات لأهلها، حديث (٤١_٤٤)، والنسائي (٧/١٢٨) .
[٣٩] البخاري ٦٥- كتاب التفسير تفسير سورة الممتحنة ٢- باب إذا جاءك المؤمنات مهاجرات حديث (٤٨٩١) وابن ماجة (٢/ ٩٥٩) ٢٤- كتاب الجهاد ٤٣- باب بيعة النساء حديث (٢٨٧٤) ٢- مسند أحمد (٦/٣٥٧) والنسائي كتاب البيعة باب بيعة النساء (٧/١٣٤) .
[ ٣١ / ١٩٨ ]
[٤٠] أخرجه البخاري ٦٥- كتاب التفسير تفسير سورة الممتحنة ٣- إذا جاءك المؤمنات يبايعنك حديث (٤٨٩٢) ومسلم كتاب الجنائز (٦/ ٢٣٨) شرح النووي.
[٤١] مسند أحمد (٦/ ٣٧٩-. ٣٨، ٤٢٢-٤٢٣) وفي إسناده سليط بن أيوب قال الحافظ. مقبول وقال الذهبي في الكاشف (١/ ٨٨ ٣) وثق فهو حسن لشواهده.
[٤٢] مسند أحمد (٦/٣٦٥) .
[٤٣] في البخاري ٦٥- كتاب التفسير ٣- باب إذا جاءك المؤمنات يبايعنك حديث (٤٨٩٥) ومسلم ٨- كتاب صلاة العيدين ٨- باب صلاة العيدين حديث (١) والحديث طويل وفيه "فقال. يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا"فتلا هذه الآية حتى فرغ منها ثم قال حين فرغ منها "انتن على ذلك، فقالت امرأة واحدة لم يجبه غيرها منهن: نعم يا نبي الله "
[٤٤] أخرجه مسلم ٢ ١- كتاب الزكاة ٣٥- باب المسألة للناس حديث ١٨، وأبو داود ٣- كتاب الزكاة، ٧٢- باب كراهية المسألة حديث (١٦٤٢)، وأحمد (٦/ ٢٧)، والنسائي (١/ ١٨٦) . وابن ماجة ٢٤- كتاب الجهاد، ٤١- باب البيعة، حديث (٢٨٦٧) .
[٤٥] وانظر كتابه إلى كسرى ملك الفرس في البداية والنهاية (٤/ ٣٦٩) بقريب من كتابه إلى قيصر.
[٤٦] أخرجه مسلم ٣٢- كتاب الجهاد ٢٧- باب كتب النبي ﷺ إلى ملوك الكفار يدعوهم إلى الله ﷿ حديث ٧٥ (٣/ ١٣٩٧)، والترمذي، ٤٣- كتاب الاستئذان ٢٣- باب في مكاتبة المشركين، حديث (٦ ٢٧١) من حديث أنس. وأحمد (٣/٣٣٦) من حديث جابر، للفظ "وكتب رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس إلىكسرى وقيصر، وإلى كل حبار ".
[ ٣١ / ١٩٩ ]
[٤٧] الأريسيون: الفلاحون، ويقال لهمْ الاكارون، والمراد: اتباعه من الضعفاء وغيرهم لأنه صار سببا في استمرارهم على الشرك، وهذا عدل الله وسنته في الزعماء أنهم يحملون أوزارهم، وأوزار من يتبعوهم في الانحراف عن التوحيد والحق ومحاربته، قال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾، وقال ﷺ: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة، ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة، لا ينقص من أوزارهم شيئا".
[٤٨] أخرجه البخاري ١- كتاب بدء الوحي ٧- حديث ٦، وهو حديث طويل اختصرناه وأحمد (١/٢٦٢) .
[٤٩] المصدر السابق.
[٥٠] أخرجه مسلم ٣٣- كتاب الجهاد٢- باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث حديث (٣)، (٣/٣٥٦ا-٣٥٧ ١) . وأبو داود،٩- كتاب الجهاد٩- باب في دعاء المشركين، حديث (٢ ١٦١) (٣/٨٣)، والترمذي، ٢٢- كتاب السير، ٤٨- باب وصية النبي: ﷺ في القتال، حديث (١٦١٧) (٤/ ١٨٢) وابن ماجة ٢٤- كتاب الجهاد، ٣٨- بابا وصية الإمام، حديث (٢٨٥٨) .
[٥١] أخرجه البخاري٦٤- كتاب المغازي ٦٠- باب بعث أبي موسى ومعاد إلى اليمن قبل حجة الوداع، حديث (٤٣٤٧)، ٩٧- كتاب التوحيد ١- باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ إلى توحيد الله ﵎ حديث ٧٣٧٢، ولفظ البخاري هنا "فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله، فإذا عرفوا ذلك " الحديث، ومسلم ١- كتاب الإيمان٧٥- باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، حديث ٢٩، ٣٠ ولفظ الأخير، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله عز وحل فإذا عرفوا ذلك " الحديث.
[٥٢] التفسير (٢/ ١٩٤- هـ ١٩) .
[ ٣١ / ٢٠٠ ]
[٥٣] البخاري، ٥٦- الجهاد، ١٠٢- باب دعاء النبي ﷺ الناس إلى الإسلام والنبوة، ولا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله، حديث (٢٩٤٦) ومسلم- كتاب الإيمان، ٨- حديث (٣٣)، وأبو داود ٩- الجهاد ٤ ٠ ١- باب على ما يقاتل المشركون، حديث (٢٦٤٠) وابن ماجة ٣٦- كتاب الفتن، باب الكف عمن قال: لا إله إلا الله، حديث (٣٩٢٧) .
[٥٤] أخرجه البخاري، ٢٤- كتاب الزكاة ١- باب وجوب الزكاة، حديث (١٣٩٩) ومسلم- كتاب الإيمان ٨- باب حديث (٣٣) .
[٥٥] أخرجه مسلم ١- كتاب الإيمان ٨، حديث ٣٥ والترمذي، ٤٨- كتاب التفسير، تفسير سورة الغاشية، حديث (١ ٣٣٤) (٥/ ٤٣٩)، وابن ماجة ٣٦- كتاب الفتن، باب (١)، حديث (٢٨ ٣٩) .
[٥٦] أخرجه البخاري ٢- كتاب الإيمان ١٧- باب، فإن تابوا وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم حديث (٢٥)، ومسلم، ١- كتاب الإيمان باب ٨ حديث (٣٦) .
[٥٧] تقدم تخريجه (ص هـ ٤) .
[٥٨] تقدم تخريجه (ص ٦ ٤) .
[٥٩] تقدم تخريجه (ص ٤٦) .
[٦٠] مسند الإمام أحمد (١/ ٣٦٢) والترمذي ٤٨ - كتاب التفسير، تفسير سورة (ص) حديث (٣٢٣٢) وفى إسناده يحي بن عمارة ويقال ابن عباد ذكره ابن حبان في الثقات تهذيب التهذيب (١١/٢٥٩) وقال الحافظ مقبول.. تقريب (٢/٣٥٤) وقال الذهبي: وثق الكاشف (٣/ ٢٢٤) ورواه ابن جرير (٢٣/ ١٦٥) بإسناده إلى الأعمش ثنا عباد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ورواه من طرق إلى الأعمش عن يحي بن عمارة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ولم أقف لعباد على ترجمة وفي الإسناد ضعف وقد يحتمل التحسين.
ملاحظة في مسند أحمد عباد بن جعفر ولم أقف له على ترجمة وقد نص ابن كثير أن أحمد رواه عن عباد غير منسوب انظر تفسير ابن كثير (٧/٤٦) .
[ ٣١ / ٢٠١ ]
[٦١] المنتخب في المسند عبد بن حميد (ص ٢٠٨) رقم (١١٢١) ومسند أبى يعلى الموصلي (ل ١٠١) كلاهما عن أبى بكر بن أبي شيبة حدثنا علي بن محمد عن الاجلح عن الذيال بن حرملة الأسدي عن جابر﵁- مرفوعا قال ابن كثير في تفسيره (٧/ ١٥١) بعد أن ساق الحديث بإسناده عن عبد بن حميد وأبى يعلى. "وقد ساقه البغوي في تفسيره بسنده عن محمد بن فضيل عن الاجلح وهو ابن عبد الله الكندي وقد ضعف بعض الشيء عن الذيال "لكن الحافظ قال فيه "صدوق شيعي من السابعة"تقريب (١/ ٤٦) وقال الذهبي: وثقه ابن معين وغيره وضعفه النسائي وهو شيعي "الكاشف (١/ ٩٩) وشيخه الذيال قال الحافظ عن جابر وابن عمر والقاسم بن مخيمرة وعنه فطر بن خليفة وحصين والأجلح وحجاج بن أرطأة وثقه ابن حبان تعجيل المنفعة (٨٤) وبقية رجال الإسناد ثقات.
[٦٢] أخرجه البخاري ٤٦- باب المظالم حديث (٢٤٧٧)، و٦٤- كتاب المغازي٤٨- باب أين ركز النبي ﷺ رايته يوم الفتح، حديث (٤٢٨٧) وه ٦- تفسير سورة الاسراء٢ ١- باب "وقل جاء الحق وزهق الباطل، حديث (٤٧٢٠) ومسلم ٣٢- كتاب الجهاد ٣٢- باب إزالة الأصنام من حول الكعبة، حديث (٨٧) والترمذي ٤٨- كتاب التفسير ١٨- تفسير سورة الإسراء حديث (٣٨ ١ ٣) . والإمام أحمد في المسند (١ /٣٧٧) .
[٦٣] البخاري ٦٤-كتاب المغازى ٦٢- باب غزوة ذي الخلصة، أحاديث (٤٣٥٥، ٤٣٥٦، ٤٣٥٧)، ومسلم ٤٤- كتاب فضائل الصحابة، ٢٩- باب من فضائل جرير بن عبد الله﵁-، حديث (١٣٦، ١٣٧) . وأبو داود ٩- كتاب الجهاد، ١٧٢- باب بعثة البشراء (٢٧٧٢) (٣/٥ ١ ٢) والإمام أحمد في المسند (٤/ ٠ ٣٦، ٣٦٢) .
[ ٣١ / ٢٠٢ ]
[٦٤] أخرجه النسائي في التفسير في الكبرى كما في تحفة الأشراف (٤/ ٢٣٥) أخبرنا على بن المنذر أخبرنا ابن فضيل، حدثنا الوليد بن جميع، عن أبى الطفيل، لما فتح رسول الله ﷺ مكة.. "الحديث، وهو إسناد حسن. وانظر تفسير ابن كثير (٧/٤٢٩ -٤٣٠) .
[٦٥] السيرة لابن هشام (١/ ٥ ٨- ٨٦) .
[٦٦] السيرة لابن هشام (٢/ ٠ ٥٤- ا ٥٤) . وابن جرير (٣/٠ ٤ ١)، والبداية والنهاية (٥/ ٣٢) ط مكتبة المعارف وعيون الأثر لابن سيد الناس (٢/٢٢٨) وزاد المعاد (٣/ ٤٩٩-٥٠٠) .
[٦٧] ابن ماجة ٤- كتاب المساجد، حديث (٧٤٣)، وأبو داود ٢- الصلاة، حديث (٤٥٠) ورجاله ثقات إلا محمد بن عبد الله ابن عياض "مقبول ".
[٦٨] في التفسير (٢٧/٥٨، ٥٩)، والسيرة لابن هشام (٧٨ ٩ ٨) وقد أطال النفس في الحديث عن أصنام العرب ومعبوداتها وبيان عبادتها.
[٦٩] في الصحيح ٦٥- كتاب التفسير، تفسير سورة النجم ٢- باب "أفر أيتم اللات والعزى".
[٧٠] أخرجه مسلم ١١ _كتاب الجنائز، ٣١- باب الأمرِ بتسوية القبر، حديث (٩٣)، وأبو داود ١٥- كتاب الجنائز، ٧٢- باب في تسوية القبر، حديث (٣٢١٨)، والترمذي٨- كتاب الجنائز: ٥٦- باب ما جاء في تسوية القبور، حديث (٤٩ ٠ ١) والنسائي (٤/ ٧٣) . وأحمد في المسند (١/ ٩٦، ٢٩ ١) .
[٧١] أخرجه مسلم ١- كتاب٣١- باب الأمر بتسوية القبر حديث (٩٢) وأبو داود ١٥- كتاب الجنائز:٧٢- باب في تَسوية القبور، حديث (١٩ ٣٢)، والنسائي (٤/ ٧٢-٧٣) .
[٧٢] أخرجه مسلم ١١- كتاب الجنائز، ٣٢- باب النهي عن تجصيص القبور والبناء عليها حديث (٩٤) وأبو داود ١٥- كتاب الجنائز، ٧٦- باب في البناء على القبر حديث (٣٢٢٥)، والنسائي (٤/٧٢) .
[٧٣] أخرجه مسلم ١١ - كتاب الجنائز ٣٣- باب النهي عن الجلوس على القبر حديث (٩٧،٩٨) وأبو داود، ٥ ١- كتاب الجنائز، ِ ٧٧- باب كراهية القعود على القبر، حديث (٣٢٢٩) .
[ ٣١ / ٢٠٣ ]
[٧٤] مالك في الموطأ ٩- كتاب قصر الصلاة في السفر ٢٤- باب جامع الصلاة حديث٨٥ مرسلا وأحمد (٢/٢٤٦) تنا سفيان عن حمزة بن المغيرة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة﵁ – مرفوعا وابن سعد في الطبقات (٢/ ٢٤٠- ا ٢٤) من طريق مالك به، (٢ /٢٤١-٢٤٢) من طريق سفيان عن حمزة به وأبو نعيم في الحلية (٧ /٣١٧) من طريق سفيان عن حمزة به.
[٧٥] أخرجه مسلم ٥- كتاب المساجد ٣- باب النهي عن بناء المساجد على القبور حديث (٢٣)، والنسائي في الكبرى، كما في تحفة الإشراف (٢/٤٤٣) وأبو عوانه (١/ ١ ٤٠) والطبراني (٢/ ١٨٠) حديث (١٦٨٦) . وابن سعد في الطبقات (٢/ ٠ ٢٤) مختصرا.
[٧٦] أخرجه البخاري ٢٣- كتاب الجنائز. ١ ٦- باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور، حديث (١٣٣٠) وباب ٩٦- حديث (١٣٨٩) ومسلم، ٥- كتاب المساجد باب النهي عن بناء المساجد على القبور حديث (٩ ١) عن عائشة، وحديث (٢٢) عن عائشة وابن عباس﵃- والنسائي (٢ /٣٣) والإمام أحمد في المسند (١/٢١٨)، (٦/ ٣٤) والدا رمي (١/ ٢٦٧) .
[٧٧] برود باليمن منسوبة إلى معافر وهي قبيلة باليمن (لابن الأثير) .
[٧٨] ر واه أحمد في مسنده (٥/ ٤ ٠ ٢) والطبراني في الكبير (١/ ٢٧ ١) حديث (٣٩٣)، (١/ ١٣١) حديث (٤١١) والطيالسي في مسنده (ص ٨٨) حديث (٦٣٤) وفي إسناده قيس بن الرميح الأسدي قال الحافظ "صدوق تغير لما كبر وادخل عليه ابنه ما ليس من حديثه، وفيه كلثوم الخز اعي قال فيه الحافظ (مقبول) لكنه مع ذلك يصلح في الشواهد.
[ ٣١ / ٢٠٤ ]
[٧٩] أخرجه الإمام أحمد (١٩٥/١) ثنا أبو أحمد الزبيرى، ثنا إبراهيم بن ميمون عن سعد بن سمرة عن سمرة بن جندب عن أبى عبيدة بن الجراح أبو أحمد الزبيرى ثقة ثبت/ع وإبراهيم بن ميمون مولى آل سمره وثقه ابن معين وقال أبو حاتم محله الصدق (تعجيل المنفعة) (ص. ٢) وسعد بن سمره وثقة النسائي وابن حبان تعجيل (ص ١٠١)، فهو إسناد صحيح إن شاء الله.
[٨٠] أخرجه البخاري٩٧-كتاب التوحيد ٢- باب قول النبي ﷺ لا شخص اغير من الله، حديث (٧٤١٦)، ومسلم ١٩- كتاب اللعان حديث (١٧) (٢/ ١٣٦ ١)، وأحمد في المسند (٤/٢٤٨) . والدارمي (٢/٧٣)، حديث (٢٢٣٣) .
[٨١] أخرجه البخاري ٧٦- كتاب الطب ١٧- باب من اكتوى أو كوى غيره حديث (٥ ٥٧٠)، ومسلم ١- كتاب الإيمان ٩٤- باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب، حديث (٣٧٤) . وأحمد في المسند (١/ ٢٧١) .
[٨٢] أورده ابن إسحاق في السيرة، قال حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرطبي قال حدثت أن عتبة بن ربيعة وساق القصة. السيرة لابن هشام (١/٢٩٣_٢٩٤) ولها شاهد من حديث جابر أخرجه عبد بن حميد وأبو يعلى تقدم تخريجه وبه تتقوى القصة وتعتضد.
[٨٣] السيرة لابن هشام (١/٢٩٥_٢٩٦) قال ابن إسحاق حدثني بعض أهل العلم عن سعيد بن جبير وعن عكرمة مولى ابن عباس، عن عبد الله بن عباس﵄- قال: اجتمع نفر من قريش عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو سفيان "وهذا يقوى ما قبله ويشد كل منهما الآخر.
[٨٤] السيرة لابن هشام (١/ ٤٢٤-٤٢٥) والسيرة النبوية للذهبي (ص ٨٩ ا- ١٩٠) .
[ ٣١ / ٢٠٥ ]
[٨٥] مسند أحمد (٢/ ١ ٢٣) وابن حبان كما في الموارد (ص هـ ٥٢) رقم (٣٧ ١ ٢) كلاهما من طريق محمد بن فضيل عن عمارة بن القعقاع عن أبى زرعة عن أبى هريرة﵁- قال الألباني وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم- الصحيحة (٣/٤) - وله شاهد من حديث ابن عباس قال الألباني أخرجه البغوي في شرح السنة (٣/٤٧٣) وسنده ضعيف "لكني لم أجده في الموضع المشار إليه ".
[٨٦] رواه الإمام أحمد في المسند (٤/ ١٩ ١-. ١٢) قال: ثنا يحي بن أبى زكريا بن أبي زائدة، حدثني أبي عن عامر يعني الشعبي. ثم رواه بهذا الإسناد عن مجالد عامر الشعبي عن أبي مسعود الأنصاري ثم رواه بهذا الإسناد عن إسماعيل بن أبى خالد عن الشعبي يقول: ما سمع الشيب ولا الشبان خطبة مثلها.
وقد تابع أبا الزبير الإمام الشعبي ﵀ قال البزار ﵀ "حدثنا محمد بن معمر، ثنا قبيصة ثنا سفيان عن جابر وداود (هو ابن أبى هند القشيرى، ثقة متقن، كان يهم في آخر حياته التقريب) عن الشعبي عن جابر قال: قال رسول ﷺ للنقباء من الأنصار: "تؤوني وتمنعوني قالوا: نعم، فما لنا. قال الجنة"، قال البزار لا نعلمه يروى عن الشعبي إلا بهذا الإسناد انظر كشف الإسناد (٢/ ٣٠٧) .
وقد ذكر الحافظ ابن حجر هذه الأحاديث وحكى تصحيح بعضها وحسن بعضها وقوى بعضها انظر فتح الباري (٧/٢٢٢_٢٢٣) .
[٨٧] أخرجه الإمام أحمد (٣/ ٣٢٢): ثنا عبد الرزاق، أنا معمر عن ابن خثيم عن أبي الزبير عن جابر، (٣/ ٣٣٩): ثنا إسحاق بن عيسى، ثنا يحي بن سليم، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي الزبير أنه حدثه عن جابر أن رسول الله ﷺ وذكر الحديث.
وأخرجه ابن حبان في صحيحه، كما في موارد الظمآن (ص ٤٠٨) والحاكم (٢/ ٦٢٤) وصححه ووافقه الذهبي.
[ ٣١ / ٢٠٦ ]
[٨٨] أخرجه مسلم ٤٤- كتاب الفضائل ٤- باب فضائل علي ﵁ حديث (٣٣) عن أبي هريرة وحديث (٣٤) عن سهل بن سعد وفيه. فباتوا يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها وفيه رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله.
وحديث (٣٢) عن سعد بن أبي وقاص وفيه: لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله قال: فتطاولنا لها". والسبب هو ما ذكرناه حرصهم على هذه المنزلة الرفيعة عند الله لا على الإمارة نفسها.
وأخرجه البخاري ٥٦- كتاب الجهاد ١٤٣- باب فضل من اسلم على يديه رجل حديث (٠٩ ٣٠)، ٦٢- كتاب فضائل الصحابة. ٩- باب مناقب علي ﵁ حديث (٣٧٠١) .
والترمذى٠ ٥- كتاب المناقب باب ١ ٢- حديث (٤ ٣٧٣) . (٥/٤٣٨) وابن ماجة في المقدمة ١١ – حديث (١١٧) إسناده ضعيف فيه محمد بن أبي ليلى وهو ضعيف.
[٨٩] أخرجه البخاري ٩٣- كتاب الأحكام، ٧- باب ما يكره من الحرص على الإمارة حديث (٤٨ ٧١) والإمام أحمد في المسند (٢/٤٤٨) والنسائي في كتاب آداب القاضي (٨/ ١٩٩) .
"نعم المرضعة لما فيها من حصول الجاه والمال ونفاذ الكلمة، وتحصيل اللذات الحسية والوهمية حال حصولها وبنت الفاطمة عند الانفصال عنها بموت أو غيره وما يترتب عليها من التبعات في الآخرة"فتح الباري (١٢٦/١٣) .
[٩٠] البخاري ٩٣- باب من سأل الإمارة وكل إليها حديث (٤٧ ٧١) ومسلم ٣٣- كتاب الإمارة ٣- باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها حديث ١٣- والنسائي (١٩٨/٨) .
[٩١] (٣) البخاري ٩٣- كتاب الأحكام ٧- باب ما يكره من الحرص على الإِمارة (٤٩ ٧١) ومسلم ٣٣- كتاب الإمارة باب النهي عن طلب الإمارة، حديث ٤ ١، ١٥ (٣/ ٤٥٦ ١) والنسائي (٨/١٩٨) .
[٩٢] فتح الباري (١٣/ ١٢٦) .
[ ٣١ / ٢٠٧ ]