إعداد
ا. د/ محمد ضيف الله البطاينة
قسم التاريخ بكلية الدعوة وأصول الدين- الجامعة الإسلامية
وصول بني أمية إلى منصب الخلافة:
لا تعدّ خلافة عثمان بن عفان ﵁ فاتحة سلطان بني أمية، فاختيار عثمان لم يكن لاعتبارات عائلية، وإنما كان لاعتبارات إسلامية محضة أساسها السبق إلى الإسلام والصحبة، ولم يخلف عثمان بن عفان في الخلافة أحد من ولده أو من بني أمية، ولولا أن الخلافة ظلت من بعد معاوية بن أبي سفيان ﵁ في ولده ثم في بني أمية لما كانت خلافة معاوية بن أبي سفيان فاتحة سلطان بني أمية.
وصول معاوية بن أبي سفيان ﵁ إلى منصب الخلافة:
بعد وفاة الرسول ﷺ، أُختير أبو بكر ﵁ عام١١ هـ خلفا له، ولما توفي عام ١٣ هـ، اجتمع المسلمون على عمر بن الخطاب ﵁. فلما طعن الطعنة التي توفي فيها عام ٢٣ هـ، وعزم عليه الصحابة أن يستخلف، قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، فسمى عليًا وعثمان والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن [١] .
وذكر أبو جعفر الطبري: أن عمر بن الخطاب قال للرهط: وإني نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم ولا يكون هذا الأمر إلا فيكم وقد قُبض رسول الله ﷺ وهو عنكم راض [٢] .
[ ٣٥ / ٢٥٦ ]
وهي إشارة إلى أن هؤلاء الرهط كانوا من الجماعة الإسلامية في المكانة الأولى، ولعل غيرهم والحال هذه لا يقدر معهم أن يحدث الجماعة الإسلامية عن نفسه في مسألة الخلافة فضلا عن أن يرشح نفسه لها، إلا أن يكون ذلك من أحاديث النفس، ثم أفضت الاتصالات بالناس في عملية الشورى التي أوصى بها عمر بن الخطاب ﵁ إلى اختيار عثمان ابن عفان ﵁، وتوفي عبد الرحمن بن عوف ﵁ عام ٣٢هـ في حياة عثمان بن عفان، ثم قتل عثمان عام ٣٥ هـ، واختير علي بن أبي طالب ﵁ خليفة، ولكن قتل عثمان بن عفان أحدث فتنة [٣] انقسمت لها الجماعة واختلفت فيها الآراء والمواقف، وكانت امتحانًا عسيرًا ألقى بين يدي المسلمين بعامة ويدي علي بن أبي طالب بخاصة قضية معقدة لم يكن الْبَتُّ فيها بأهون من قضية القتل نفسه، هذا إلى ما كان من شكاوى الثائرين على عثمان ومطالب المعارضين له والمعترضين على إدارته.
وبعد استخلاف علي بن أبي طالب، خرج طلحة بن عبيد الله ﵁، والزبير بن العوام ﵁ تقف إلى جانبهما عائشة زوج الرسول ﷺ يطلبون بدم عثمان بن عفان وإصلاح الأمر [٤]، ومناقشة الروايات التي تتحدث عن طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام أنهما بايعا علي بن أبي طالب طائعين أو مكرهين لا يغيّر من أنهما خرجا بالسبب الآنف الذكر شيئًا، وقد وقع خروجهم من غير مشورة علي بن أبي طالب ورضاه [٥]، فلما بلغه خبرهم اغتمّ، وقيل إنه قال: أتدرون بمن بليت؟ أطوع الناس في الناس عائشة، وأشد الناس الزبير، وأدهى الناس طلحة، وأيسر الناس يعلى ابن أمية [٦]، وكان يعلى خرج معهم يطلب بدم عثمان وأمدّهم بما يلزم من المال وجهزّهم.
وخشي علي بن أبي طالب أن ينفتق بخروجهم فتق ويفسد الأمر فخرج إلى العراق يتبعهم، فلما اجتمع عنده ما اجتمع من الجند من أهل الكوفة وغيرهم سار إليهم نحو البصرة.
[ ٣٥ / ٢٥٧ ]
وفي البصرة، شق على الناس اختلافهم، ولما سألوهم أجاب كل منهم إنه على الحق، ولكن علي بن أبي طالب زاد على ذلك فقال: إنهم بايعوني وخالفوني [٧] .
وفي موضوع الخلاف، ذكر الجاحظ أنه لما حضر علي بن أبي طالب إلى البصرة سفرت الرسل بين الجانبين لفض الخلاف وجمع الكلمة، وكان ممن سفر بين الجانبين عبد الله بن عباس ﵄، أرسله علي بن أبي طالب إلى الزبير يسأله ويقول له: يقول لك ابن خالك، عرفتني بالحجاز وانكرتني بالعراق، فماعدا مما بدا لك؟ فقال الزبير لعبد الله، أبلغه السلام وقل له: بيننا وبينك عهد خليفة، ودم خليفة، واجتماع ثلاثة، وانفراد واحد، وأم مبرورة، ومشاورة العشيرة، ونشر المصاحف فنحلّ ما أحلت ونحرّم ما حرمت [٨] .
وقد أورد ابن عساكر في تاريخه رواية مشابهة لرواية الجاحظ أسندها إلى مصعب ابن عبد الله عن أبيه عن موسى بن عقبة بن أبي عياش مولى الزبير بن العوام عن أبي حبيبة مولى الزبير قال: أتانا ابن عباس بالبصرة في يوم شديد الحرّ، فلما رآه الزبير قال: مرحبا بابن لبابة أزائرًا أم سفيرًا؟ قال: كل ذلك، أرسلني ابن خالك إليك فقال لك: ما عد مما بدا؟ (أي ما الذي صرفك ومنعك وحملك على التخلف بعدما ظهر منك من التقدم في الطاعة والمتابعة)، عرفتني بالمدينة وأنكرتني بالبصرة! قال، فجعل الزبير ينقر بالمروحة في الأرض ثم رفع رأسه إليه فقال: نرفع لكم المصاحف غدا، فما أحلت حللنا وما حرمت حرّمنا، فانصرف، فناداني ابن الزبير وهو في جانب البيت، ابن عباس، عليّ أقبل، قال ابن عباس، فأقبلت عليه وأنا أكره كلامه، فقال: بيننا دم خليفة، وعهد خليفة، وانفراد واحد واجتماع ثلاثة، وأم مبرورة، ومشاورة العامة، قال: يعنى الثلاثة: الزبير وطلحة وسعد، أقام بالمدينة، وعهد خليفة: عمر بن الخطاب، قال: إذا اجتمعوا وتشاوروا اتبع الأقل الأكثر، ودم خليفة: عثمان بن عفان [٩] .
[ ٣٥ / ٢٥٨ ]
وإذا صح ما ذكره الجاحظ وأورده ابن عساكر، فإن طلحة وصحبه كانوا يريدون إعادة النظر في الموقف برمته، من الطلب بدم عثمان وإقامة الحد على قتلته من جهة والالتزام بشورى عمر بن الخطاب في اختيار الخليفة من جهة أخرى، وتحكيم القرآن في كل ما جرى، وهو مطلبٌ جعل عائشة وغيرها من المسلمين يدعون إليه وينصرونه.
ولكن علي بن أبي طالب، وقد سبقت البيعة إليه، كان يرى الدخول في الجماعة والمحافظة على وحدتها وتعزيزها السبيل إلى صلاح الأمر، وباعتباره يمثل الدولة، وأن اليد العليا لا تكون إلا يد الدولة، وأن الناس جميعًا في أخذ الحقوق يرجعون إليها، كان علي بن أبي طالب يرى أن يدخل الجميع في الطاعة: معاوية وآل عثمان والمطالبون بدم عثمان، ثم يحاكمون القتلة إليه، أي إلى الدولة فيحملهم وإياهم على ما في كتاب الله وسنة نبيّه [١٠] .
وبالرغم من الخلاف بين الجانبين، فلم ينقل أحد في معنى الخلاف أنهم أحدثوا بيعة، ومن أجل فض الخلاف وحلّ النزاع ذكر ابن أبي شيبة [١١]، أنهم ضربوا فسطاطًا بين العسكرين ثلاثة أيام، فكان علي والزبير وطلحة يأتونه فيذكرون فيه ما شاء الله، حتى إذا كان بعد الظهر من اليوم الثالث ولم يكونوا توصلوا إلى اتفاق بدأ القتال بين الجانبين، وقيل إن السباب وقع بين صبيان العسكرين وتراموا وتبعهم الغوغاء فحرشوا بين الناس وأفسدوا مساعي الصلح، فلما انتشبت الحرب لم يكن بدّ من القتال، واشتبك الناس على أية حال، واستمر القتال لساعات، قتل فيه طلحة، وترك الزبير القتال ورجع، فقتل في أثناء رجوعه في الطريق [١٢] .
وبذلك لم يبق من الرهط الذين سمىّ عمر بن الخطاب للخلافة الذين توفي الرسول ﷺ وهو عنهم راضٍ إلا علي بن أبي طالب وهو الخليفة، وسعد بن أبي وقاص الذي اعتزل. وبانتهاء معركة الجمل، أصبح العراق كله في جانب علي بن أبي طالب.
[ ٣٥ / ٢٥٩ ]
أما في بلاد الشام، فكان معاوية بن أبي سفيان ﵁ واليًا عليه منذ أيام عمر بن الخطاب، فلما نظر عليّ في أمر الولاة على البلدان قيل إن عبد الله بن عباس والحسن بن عليّ والمغيرة بن شعبة الثقفي كل منهم أشار على عليّ بن أبي طالب أن يُقِرَّ من كان على الولايات من العمال وبخاصة معاوية بن أبي سفيان فلا يعزلهم، فإذا بايع الناس وأتته طاعتهم أقر من شاء واستبدل بمن شاء، وقيل إن عليّ بن أبي طالب أبدى مخاوفه من أن معاوية سيحترز بأخذ المواثيق والعهود عليه لا يعزله، فلما بلغ معاوية ذلك حلف أن لا يلي لعليّ ولا يبايعه ولا يقدم عليه [١٣]، وقيل إن عليّ بن أبي طالب عزل معاوية بإشارة أكثر أمرائه عليه ولكن عزله لم يستقم [١٤] .
والمعلوم أن الولاة من عهد عثمان بن عفان كانوا من أسباب الشكوى والتذمر، وقد يكون عزلهم جاء اقتضاء للأجواء السياسية التي كانت تسيطر على المدينة وضروراتها، وقد يكون قول من قال إنه أشير على عليّ بألا يعزل معاوية، قد يكون ذلك القول جاء تاليًا من باب أنه لو لم يعزل عليّ معاوية ما خالفه معاوية ولا اعترض عليه، وهو على آية حال اتهام لمعاوية بأن خلافه مع عليّ كان غضبًا للإمارة فحسب.
واتهام معاوية بالحرص على الإمارة فحسبْ في خلافه مع عليّ يَردُ في رواية يحيى ابن سليمان الجعفي [١٥] بإسناد له قال: إن معاوية قال لجرير البجلي لما قدم علَيه رسولا بعد محاولة طويلة، أكتب إلى عليّ أن يجعل لي الشام، وأنا أبايع له ما عاش، فكتب بذلك إلى علي، ففشا كتابه، فكتب إليه الوليد بن عقبة:
بشامك لا تدخل عليك الأفاعيا
معاوية إن الشام شامك فاعتصم
ولاتك مخشوش الذراعين وانيا
وحام عليها بالقنابل والقنا
فاهد له حربا تشيب النواصيا [١٦]
فإن عليًا ناظر ما تجيبه
[ ٣٥ / ٢٦٠ ]
والقول بفشو كتاب معاوية إلى عليّ بين الناس إنه يعرض عليه تلك المقايضة يهدم الركن الأساسي الذي كان يستند إليه في معارضة عليّ واحتجاجه عليه والتف به الناس من حوله، والتضحية بهذا السند وهذه الحجة لابد أن يقابلها ضمان، وحيث لا ضمان فهل يتصور أن يفعل معاوية ذلك!
وأما الشعر المذكور في الرواية فلا يشير إلى المقايضة، وإنما يؤكد أن مركز معاوية بالشام قويّ ومنيع يحضه على نصب الحرب لعليّ والاستعداد لها ويحذره أن يلين له أو يضعف أمامه.
وذكر صاحب البدء والتاريخ [١٧]، أن عليّ بن أبي طالب بعث جرير بن عبد الله البجلي رسولا إلى معاوية يدعوه إلى البيعة فكتب إليه معاوية، إن جعلت لي الشام ومصر طعمة أيام حياتك، وإن حضرتك الوفاة لم تجعل لأحد بعدك في عنقي بيعة بايعتك، فقال عليّ لم يكن الله يراني اتخذ المضلين عضدا.
وهي مثل سابقاتها من الروايات في اتهام معاوية بمخالفة عليّ حبًّا في السلطة، ولكنها تؤكد سوء رأي عليّ فيه، ولو صحت هذه الرواية لكان معاوية يعرف رأي عليّ فيه، ولعلم وهو يقايضه إنما يدخل معه صفقة خاسرة لا يعقل أن يقدم معاوية على إبرامها معه.
ولكن لم يرد منذ أن استخلف عليّ أن معاوية بايعه، وقيل أن أبا مسلم الخولاني جاء وأناس إلى معاوية فقالوا له: أنت تنازع عليًا في الخلافة، أوَ أنت مثله؟ فقال: لا والله، إني لأعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر مني، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلومًا وأنا ابن عمه والطالب بدمه، فأتُوه، فقولوا له فليدفع إليّ قتلة عثمان واسِّلمُ له، فأتوا عليًا فكلموه فلم يدفعهم إليه، وقال: يدخل في البيعة ويحاكمهم إليّ فامتنع معاوية [١٨] .
[ ٣٥ / ٢٦١ ]
وقيل كتب عليّ مع جرير البجلي إلى معاوية، فإن بيعتي لزمتك وأنت بالشام، لأنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوا عليه، فلم يكن لشاهد يختار ولا لغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار فإذا اجتمعوا على رجل وسموه إماما كان ذلك رضا، فإن خرج من أمرهم خارج بطَعْنِ أو رغبة ردّوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على إتباعه غير سبيل المؤمنين، ووصفَ عليَ بن أبي طالب تعليق معاوية البيعة على تسليم القتلى إليه بأنها خدعة الصبي عن اللبن [١٩] .
وذكرت بعض الروايات أن معاوية بن أبي سفيان، طلب إضافة إلى تسليم القتلة إليه أن يكون الأمر شورى، ذكر ابن شهاب الزهري أن معاوية دعا أهل الشام بعد حرب الجمل إلى قتال عليّ على الشورى والطلب بدم عثمان، فبايعوه أميرًا غير خليفة [٢٠] .
وذكر أبو مخنف أن وفد معاوية برئاسة حبيب بن مسلمة الفهري إلى عليّ بن أبي طالب في صفين طلب إليه أن يدفع قتلة عثمان إليهم وأن يعتزل أمر الناس فيكون شورى بينهم [٢١] .
ولا يبعد أن يكون ذلك صحيحًا، فهو يتفق مع امتناع معاوية بن أبي سفيان عن البيعة لعليّ من جهة، ويتفق مع الدعوة إلى حق أهل الشام في المشاركة في اختيار الخليفة من جهة أخرى، فلما كتب عليّ إلى معاوية بخصوص أهل الشورى، وذكر أنها إنما تكون للمهاجرين والأنصار أجابه معاوية، فما بال من هاهنا، أي في بلاد الشام، من المهاجرين والأنصار لم يدخلوا في الأمر [٢٢] . ويبدو أن الدعوة إلى جعل الأمر شورى جاءت نتيجة للتطورات التي تمثلت بخروج من خرج على عليّ بن أبي طالب من الصحابة.
[ ٣٥ / ٢٦٢ ]
وعلى أية حال، فإن معاوية لم يبايع عليّا، وأظهرَ الطلب بدم عثمان وأخْذ القَوِدَ من قتلته محتجًا بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ الإسراء (٣٣) .
وأما أهل الشام، فكانوا مقتنعين بوجوب أخذ القود من قتلة عثمان، وأن علي بن أبي طالب لم يقتص من أحد منهم، وهو ما يفسر بعض أسباب وقوفهم إلى جانب معاوية.
وإضافة إلى حادثة مقتل عثمان التي أخذت من معاوية كل مأخذ، كان خروج طلحة وصحبه للطلب بدم عثمان وإصلاح الأمر، ووقوف أهل الشام إلى جانب معاوية قد زاد معاوية قوة وشجعه على معارضة عليّ بن أبي طالب، وربما يكون ما رواه هو عن الرسول ﷺ قد طرق تفكيره وحدّث به نفسه في هذا الوقت أكثر من ذي قبل، قال معاوية: مازلت أطمع في الخلافة منذ قال رسول الله ﷺ ما قال: "يا معاوية إن ملكت فأحسن" [٢٣] .
وإزاء هذا الحال الذي وقف فيه كل جانب يتمسك برأيه واجتهاده، وعجزت السفارات بينهما أن تفعل شيئا لرفع الخلاف، صار الاحتكام إلى السيف لابد منه لإعادة وحدة الأمة الممثلة بوحدة الخلافة.
فسار عليّ بن أبي طالب بأهل العراق يريد الشام، وخرج معاوية بن أبي سفيان بأهل الشام للقائه، واجتمع الطرفان في صفين، وجرت محاولات الإصلاح ثانية بينهما، وطالت الأيام، ولكن مساعي الصلح فشلت مرة أخرى، وقيل إن عبد الله بن عمرو قال من الشعر في هذه المناسبة:
بصفين يومًا شاب منها الذوائب
لو شهدت جمل مقامي ومشهد
سحاب ربيع رفعته الجنائب
عشية جاء أهل العراق كأنهم
من البحر مدٌّ موجهُ متراكب
وجئناهم نمشي كأن صفوفنا
سراة النهار ما تولى المناكب
فدارت رحانا واستدارت رحاهم
كتائب منهم فأرجفت كتائب
[ ٣٥ / ٢٦٣ ]
إذا قلت قد ولو سراعًا بدت لنا
عليّا، فقلنا: بل نرى أن نضارب [٢٤]
فقالوا لنا: إنا نرى أن تبايعوا
ودار القتال بين الجانبين في الأول من صفر لعام ٣٧ هـ، ومرت الأيام والقتال يشتد فيها ضراوة، وذكر ابن كثير قال: "كان أهل صفين عربًا يعرف بعضهم بعضا في الجاهلية فالتقوا في الإسلام معهم على الحمية وسنة الإسلام فتصابروا واستحيوا من الفرار" [٢٥] وقاتلوا حتى كرهوا القتال وكرهوا الحرب ورأوا أن الحرب تأكلهم، وأنهم إنما يقطعون أيديهم بأيديهم، ويجدّون أجنحتهم بأسيافهم، فلما رفعت المصاحف من جانب أصحاب معاوية، ونودي هذا كتاب الله ﷿ بيننا وبينكم، من لثغور أهل الشام بعد أهل الشام، ومن لثغور العراق بعد أهل العراق، قال أصحاب عليّ ننيب إلى كتاب الله، ومالوا إلى الموادعة والكف وتداعوا إلى الصلح والأئتمار بما في القرآن وتحكيمه [٢٦]، وقيل إن الأشعث بن قيس كان من أكثر أصحاب علي بن أبي طالب تحمسا لوقف القتال وقبول التحكيم، وقيل إنه قال من الشعر [٢٧] .
عليها كتاب الله خير قرآن
فأصبح أهل الشام قد رفعوا القنا
أما تتقي الله أن يهلك الثقلان
ونادوا عليا يا ابن عم محمد
وجاء عن معاوية أنه كتب إلى عليّ بن أبي طالب يقول له: إن أول من يحاسب على هذا القتال أنا وأنت، وأنا أدعوك إلى حقن هذه الدماء وألفة الدين، وإطراح الضغائن، وأن يحكم بيني وبينك حكمان [٢٨] .
وقد نسب رفع المصاحف من جانب معاوية إلى عمرو بن العاص، وقيل إنها فكرة ابتدعها لينقذ معاوية من الهلاك بعدما رأى أمر علي يعلو ويشتد [٢٩] .
ولكن رفع المصاحف كان قد جرى من قبل، ففي معركة الجمل قيل إن عليّ بن أبي طالب قال لفتى من أصحابه تطوع أن يعرض المصحف على الناس قال له: اعرض عليهم هذا، وقل هو بيننا وبينكم من أوله إلى آخره والله في دمائنا ودمائكم [٣٠] .
[ ٣٥ / ٢٦٤ ]
وقيل إن عائشة زوج رسول الله ﷺ قالت لكعب بن سور قاضي البصرة، خلّ عن البعير وتقدم بكتاب الله ﷿ فادفعهم إليه ودفعت إليه مصحفًا [٣١] .
وقيل لما اشتد القتال في الجمل قام رجل من عبد القيس قال: ندعوكم إلى كتاب الله ﷿ [٣٢] .
وفي صفين اشتدت الحرب دون أن ينتصف فريق على الآخر، وكان أصحاب علي ينكشفون مرة ويزول أصحاب معاوية عن مواقعهم مرة أخرى [٣٣] .
وروى أبو مخنف أنه لما كتبت صحيفة التحكيم، أبى الأشتر أن يكتب اسمه في الشهود عليها وقال: لا صحبتني يميني ولا نفعتني بعدها شمالي إن خطّ لي في هذه الصحيفة اسم على صلح ولا موادعة، أولست على بينة من ربى، ومن ضلال عدوى، أو لستم قد رأيتم الظفر لو لم تجمعوا على الجور، فقال له الأشعث بن قيس: إنك والله ما رأيت ظفرًا ولا جورا، هلم إلينا فإنه لا رغبة بك عنا [٣٤] .
ورفع المصاحف من جانب أصحاب معاوية دون أصحاب علي كان مظنة القول برجحان كفة علي، وأن رفع المصاحف كانت خدعة دبرها أصحاب معاوية.
كان جانب علي بن أبي طالب يمثل الدولة، وكان عليّ قال لمعاوية قبل نشوب القتال: حاكم القوم إليّ أحملك وإياهم على ما في كتاب الله وسنة نبيه، وفشلت المفاوضات ومحاولات الصلح ووقعت الحرب بين الجانبين ظنا منهما أن يكون لأحدهما الاقتدار على الآخر فينفذ ما يرى من حكم الله في الأمر ولذلك لم يكن من المأمول أن تقوم الدولة برفع المصاحف ودعوة أصحاب معاوية إلى تحكيم كتاب الله مرة أخرى وهي لم تبلغ حد الاقتدار، ولكن رفع المصاحف من جانب معاوية والدعوة إلى تحكيم كتاب الله يعنى أنهم رجعوا إلى ما دعوا إليه واستجابوا [٣٥] .
[ ٣٥ / ٢٦٥ ]
والدعوة إلى تحكيم كتاب الله دون التأكيد على تسليم قتلة عثمان إلى معاوية، وقبول التحكيم دون التأكيد على دخول معاوية في طاعة عليّ والبيعة له، تطوّرٌ فرضته أحداث حرب صفين، إذ أن الحرب التي استمرت نحو أسبوعين وأودت بحياة الكثير من المسلمين، أبرزت اتجاها جماعيا رأى أن وقف القتال وحقن الدماء ضرورة تقتضيها حماية شوكة الأمة وصيانة قوتها أمام عدوها وهو دليل على حيوية الأمة ووعيها وأثرها في اتخاذ القرارات، وقيل لما رفعت المصاحف ونودي إلى التحكيم لم يرض علي بن أبي طالب بذلك وحذّر أصحابه منه وأعلمهم إنما هو مكيدة وخدعة، ولكن ابن أبي شيبة ذكر أنه لما استحرّ القتال في أهل الشام بصفين، قال عمرو لمعاوية: أرسلْ إلى عليّ بالمصحف فلا والله لا يرده عليك، فلما جاء به رجل يحمله وينادي بيننا وبينكم كتاب الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ سورة آل عمران آية (٢٣)، قال عليّ بن أبي طالب: نعم بيننا وبينكم كتاب الله، أنا أولى به منكم، واعترض الخوارج وكانوا يسمونهم القراء، وقالوا: يا أمير المؤمنين لا نمشي إلى هؤلاء القوم حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فقام سهل بن حنيف وذكر قصة الحديبية وبينّ وجه الشبه بينها وبين صفين في هذا الجانب، وذكر أن نفوس المسلمين طابت وقبلوا الصلح في الحديبية وكذلك قبل علي وقف القتال في صفين ورضي التحكيم وعدّ ذلك فتحا ورجع [٣٦] وقيل كان يعلق على التحكيم آمالًا في إزالة الخلاف وجمع الكلمة [٣٧]، ولعل ما جرى لعليّ من بعد التحكيم من الضعف هو الذي شبّه على الرواة في ما قالوا عن رفع المصاحف والتحكيم ووصف ذلك بالمكيدة والخديعة، ويكونون بذلك قد خلطوا في روايتهم بين الحادثة والنتائج، وجاء تفسيرهم بالحادثة يحكي النتائج أكثر مما يحكي الحادثة نفسها.
[ ٣٥ / ٢٦٦ ]
التحكيم:
عقد مؤتمر التحكيم برواية أبي مخنف [٣٨] عام ٣٧ هـ، وكذلك قال خليفة بن خياط [٣٩]، ولكن [الواقدي، وابن سعد، واليعقوبي، وابن عساكر] [٤٠]، ذكروا أن مؤتمر التحكيم كان عام ٣٨ هـ. ومما يرجح روايتهم على الرواية السابقة، أن ابن شهاب الزهري [٤١] قال: وإنهما، أي الحكمين، يجتمعان بدومة الجندل، فإن لم يجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل بأذرح، أي أن الزهري ذكر ميعادين لانعقاد المؤتمر هما عام ٣٧ هـ وعام ٣٨ هـ، وذكر أبو مخنف [٤٢]، أن معن بن يزيد بن الأخنس السلمي قدم من الشام في استبطاء إمضاء الحكومة رسولًا من عند معاوية إلى علي، ومما قال معن لعلي، أن معاوية قد وفى، فَفِ أنت لا يلفتنك أعاريب بكر وتميم، وهذا يتصل بموقف الخوارج من التحكيم ومحاولاتهم في حمل علي بن أبي طالب على إلغائه وثنيه عن إنفاذه، وقد أشاعوا أنه رجع عن التحكيم، فأتاه الأشعث بن قيس يسأله فنفى عليّ ما نسب إليه [٤٣] .
لهذا فقد يكون انعقاد المؤتمر قد تأخر إلى عام ٣٨ هـ.
وأرسل علي بن أبي طالب أربعمائة رجل عليهم شريح بن هانئ، وبعث عبد الله ابن عباس يصلي بالناس ويلي أمورهم، وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة رجل من الشام وذكر أبو مخنف أن عليّا ومعاوية لم يحضرا التحكيم، وقال الزهري وخليفة ابن خياط إن معاوية حضره من دون علي [٤٤] .
واجتمع الحكمان في (أذرح) مكان عدل بين أهل الكوفة والشام [٤٥]، ولابد أنهما كانا يدركان ثقل المسئولية التي أنيطت بهما بعدما تقارع الناس بالسيوف وتناجزوا بالرماح، ويحرصان على أن لا يردّا الناس ثانية في الفتنة [٤٦] ولكن بعض الروايات قدمت قصة التحكيم على أنها مثال للدهاء والمكر والخديعة بعيدًا عن نظر الإسلام ومفاهيمه والتزام الحكمين بها في تقدير مصلحة الجماعة وتقويم الأفراد.
[ ٣٥ / ٢٦٧ ]
قال أبو مخنف إن عمرو بن العاص أخذ يقدّم أبا موسى الأشعري في الكلام ويقول، أنت صاحب رسول الله ﷺ وأنت أسنّ مني [٤٧]، فتكلمْ وأتكلمْ، فكان عمرو قد عوّد أبا موسى أن يقدّمه في كل شيء أراده أن يقدّمه فيخلع عليا [٤٨] .
وهذا القول عليه ما عليه، فتقديم عمرو بن العاص أبا موسى الأشعري للصحبة والسن قولٌ لم يصح، فعمرو وأبو موسى كلاهما صحابي، وأما السن فعمرو أسن من أبي موسى، توفي عمرو بن العاص في أرجح الأقوال عام ٤٣ هـ وله مائة سنة، وتوفي أبو موسى الأشعري عام ٤٤ هـ وله ثلاث وستون سنة [٤٩] .
وقول أبي مخنف وغيره إن عمرو بن العاص خدع أبا موسى وخالف ما اتفقا عليه يضعف أمام دين الرجل وصحبته وعظم المسئولية التي ألقت بها الأمة إليهما، مما يبعد معه أن يركب أحدهما أو كلاهما سبيل الخديعة والمكر والمكيدة في هذه الظروف الحرجة، ولو فعل أحدهما ذلك لعلمه الناس ولفقدت الخديعة غايتها ولأوهن الفاعل بفعلته جانب صاحبه.
فماذا بحث الحكمان في مؤتمر التحكيم، وعماذا أسفر اجتماع الحكمين؟
[ ٣٥ / ٢٦٨ ]
ذكر أبو جعفر الطبري [٥٠] برواية أبي مخنف ما جاء في كتاب القضية بين علي ومعاوية وفيه "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية ابن أبي سفيان، قاضى عليّ على أهل الكوفة، ومن شيعتهم من المؤمنين والمسلمين، وقاضى معاوية على أهل الشام ومن كان معهم من المؤمنين والمسلمين، إنا ننزل عند حكم الله ﷿ وكتابه، ولا يجمع بيننا غيره، وإن كتاب الله ﷿ بيننا من فاتحته إلى خاتمته، نحيي ما أحيا، ونميت ما أمات، فما وجد الحكمان في كتاب الله ﷿- وهما أبو موسى الأشعري- عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص القرشي- عملا به، وما لم يجدا في كتاب الله ﷿ فالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة، وأخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين من العهود والميثاق والثقة من الناس، أنهما آمنان على أنفسهما وأهلهما، والأمة لهما أنصار على الذي يتقاضيان عليه، وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين كلتيهما عهد الله وميثاقه أنّا على ما في هذه الصحيفة، وأن قد وجبت قضيتهما على المؤمنين، فإن الأمن والاستقامة ووضع السلاح بينهم أينما ساروا على أنفسهم وأهليهم وأموالهم، وشاهدهم وغائبهم، وعلى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه أن يحكما بين هذه الأمة، ولا يردّاها في حرب ولا فرقة حتى يعصيا، وأجل القضاء إلى رمضان، وإن أحبا أن يؤخرا ذلك أخراه على تراض منهما، وإن توفي أحد الحكمين، فإن أمير الشيعة يختار مكانه، ولا يألو من أهل المعدلة والقسط، وإن مكان قضيتهما الذي يقضيان فيه مكان عدل بين أهل الكوفة وأهل الشام، وإن رضيا وأحبا فلا يحضرهما فيه إلا من أرادا، ويأخذ الحكمان من أرادا من الشهود، ثم يكتبان شهادتهما علىِ ما في هذه الصحيفة، وهم أنصار على من ترك ما في هذه الصحيفة، وأراد فيه إلحادًا أو ظلماَ، اللهم إنا نستنصرك على من ترك هذه الصحيفة".
[ ٣٥ / ٢٦٩ ]
ومما يلاحظ على هذه الصحيفة أنها أعطت الحكمين ووفرت لهما كل ما يلزم لنزاهة القضاء وحيدته وحريته من الأمان على النفس والمال والأهل، والنصرة من الأمة ولكنها لم تحدد القضية التي سينظر الحكمان فيها واستنباط الحكم لها من كتاب الله ﷿ وسنة نبيه ﷺ، ولذلك سنحاول من خلال الروايات التي تحدثت عن مؤتمر التحكيم أن نتحرى ما دار فيه من الحديث، وما نوقش فيه من القضايا.
ذكر أبو جعفر الطبري [٥١] برواية الزهري أن أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص اتفقا على أن يسمي كل منهما رجلا لولاية أمر الأمة، فسمى أبو موسى عبد الله ابن عمر، وسمى عمرو بن العاص معاوية بن أبي سفيان، وذكر [٥٢] برواية أبي مخنف، أن من الأسماء التي استعرضت للخلافة عبد الله بن عمر ومعاوية بن أبي سفيان وعبد الله ابن عمرو، وفي رواية أبي مخنف [٥٣] أيضا، أن عمر بن سعد بن أبي وقاص سأل أباه سعدًا أن يحضر التحكيم، فهو صاحب رسول الله ﷺ ولم يدخل في شيء كرهته قريش، وأنه أحق الناس بالخلافة.
وبمثل ما قال أبو مخنف حول خلع علي والاختلاف حول معاوية، قال اليعقوبي [٥٤]، وابن أعثم [٥٥]، كما ورد الخير نفسه عند ابن كثير [٥٦] .
ولم يختلف الخبر الذي جاء عند أبي حنيفة الدينوري [٥٧]، والمقدسي [٥٨] في هذا الجانب عما جاء في الروايات السابقة.
والقدر المشترك بين هذه الروايات أن القضية التي كانت محور الحديث بين الحكمين هي مسألة الخلافة.
وحتى الرواية التي ذكرها القاضي أبو بكر بن العربي [٥٩] عن الدارقطني بسنده إلى حضين بن المنذر تشترك مع الروايات السابقة في تأكيد ذلك، فقد جاء فيها:
[ ٣٥ / ٢٧٠ ]
أن معاوية أرسل حضين بن المنذر إلى عمرو بن العاص ليتأكد مما بلغه من الأخبار عنه، فلما جاء حضين إلى عمرو سأله، قال عمرو: والله ما كان الأمر على ما قال الناس، ولكن قلت لأبي موسى، ما ترى في هذا الأمر، فقال: أرى أنه في النفر الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، قلت: فأين تجعلني أنا ومعاوية؟ فقال: إن يستعن بكما ففيكما معونة، وإن يستغن عنكما فطالما استغنى أمر الله عنكما.
وإذا كان الحديث في مؤتمر التحكيم دار حول الخلافة، فلماذا بحث الحكمان أمرا لم تنص عليه صحيفة التحكيم؟.
وحوْلَ مؤتمر التحكيم وموضوع التحكيم، قال بعض الباحثين: أما نقطة الخلاف التي تم الاتفاق على الرجوع إلى كتاب الله وتحكيمه فيها فلم تكن الفصل في أي من الرجلين هو أحق بالخلافة بل ما هو حكم كتاب الله في أمر تسليم القتلة وإقامة الحدود فيما يتعلق بالجريمة. وعلى الرغم من هذا كله فإن المصادر كلها، على ما يظهر تخفي هذه النقطة الخطيرة في خضمّ من الكلام وتتابع البحث في قصة التحكيم، كأن أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص إنما انتخبا حكمين لاختيار أحد الاثنين، عليّ ومعاوية، أو واحد غيرهما، خليفة. أما كيف تم الانتقال المفاجئ من تحكيم في أمر تسليم القتلة إلى تحكيم فيِ أمر اختيار الخليفة فمن الصعب أن نعينه، ومن الأصعب أن نصدّقه. والأرجح أن شيئًا من هذا لم يحدث قط. ولعل ما حدث فعلًا هو أن الهدنة التي توصل إليها الفريقان المتخاصمان حتى يتم تحكيم كتاب الله في أمر الخلاف الرئيسي، أي القبض على القتلة وتسليمهم إلى القضاء، أدت إلى وقوع الخلاف بين أتباع علي، وحال هذا الخلاف دون تمكن علي من استئناف القتال ضد غريمه، ولا تعدو الروايات التي وصلتنا كلها كونها محاولات لتبرير موقف علي وتفسير فشله غير المنتظر [٦٠] .
[ ٣٥ / ٢٧١ ]
وقول الباحث بعدم انعقاد مؤتمر التحكيم وإن الروايات حوله مصنوعة مسار عقلي بحت لا يستند إلى النقل، وحسب تصوّر مغاير لتصوّر الباحث فإن العقل يجيز انعقاد المؤتمر، والروايات التي تقول بانعقاد مؤتمر التحكيم تعزز ذلك وهي كثيرة وتمثل وجهات النظر السياسية المختلفة في ذلك الوقت، ومع ضعف بعضها فإن منها ما يعتدّ بسنده ويترك في النفس ثقة، بمتنها، مثل الروايات التي وردت عند خليفة بن خياط وعند أبي جعفر الطبري وعند القاضي أبي بكر العربي وابن كثير [٦١] .
وأما أن صحيفة التحكيم لم تنص على مسألة الخلافة فقول صحيح، ولكنها لا تمنع الحكمين أن يبحثا ذلك، وأي شيء من شأنه أن يرفع الخلاف بجمع كلمة المسلمين.
ولما كان عليّ بن أبي طالب يدعو معاوية وأهل الشام إلى البيعة والدخول في طاعته، ويأبى هؤلاء إلا تسليم قتلة عثمان أولا، وعليّ يرفض ذلك، ويأبى منهم إلا البيعة والدخول في الطاعة أولا، صار التوفيق بين الجانبين غير ممكن، وصار طلب معاوية وأهل الشام جعل الخلافة شورى بين المسلمين له ما يبرره من وجهة نظرهم، وقد رفضوا أن يقرن عليّ اسمه في كتاب القضية بينهما بلقب (أمير المؤمنين)، وجاء الحكمان، فوجدا أمر قتلة عثمان، وموقف معاوية وأهل الشام، ووحدة الأمة واجتماع الكلمة، أمورًا كلها معصوبة بالخلافة، لذلك كانت مناقشة الأصل وهو الخلافة، محاولة منهما لحل كل فرع مرتبط بالأصل ومعصوب به بعد ما فشلت المفاوضات وفشل القتال في حل الخلاف.
فهل توصل الحكمان إلى شيء؟ وهل اتفقا على شيء؟.
وقبل الدخول في الحديث عن ذلك، لابد من أخذ الأمور التالية بعين الاعتبار.
- قيل إن الأحنف بن قيس ودّع أبا موسى الأشعري عند ذهاب أبي موسى إلى المشاركة في مؤتمر التحكيم وقال له: واعلم بأنك إن ضيعت العراق فلا عراق [٦٢] .
[ ٣٥ / ٢٧٢ ]
- وذكر أبو مخنف عن النضر بن صالح العبسي، أن شريح بن هانئ الحارثي حدث النضر وهما معا في غزوة سجستان قال: إن عليّ بن أبي طالب لما بعثه على رأس الجند إلى مؤتمر التحكيم، أوصاه بكلمات إلى عمرو بن العاص قال له: قل لعمرو إن عليّا يقول لك، إن أفضل الناس عند الله ﷿ من كان العمل بالحق أحب إليه وإن نقصه وكرثه، من الباطل وإن حنّ إليه وزاده [٦٣] .
- كان عمرو بن العاص يرى نفسه ندًّا لمعاوية، فقد جاء في رواية الدارقطني أن عمرو بن العاص سأل أبا موسى قال: فأين تجعلني أنا ومعاوية [٦٤]، وهناك روايات أخرى تصور عمرو بن العاص يريد أن يوهن معاوية، وإن معاوية كان لا يطمئن إليه تماما [٦٥]، وهي روايات قد لا تصح، ولكنها تحكي الحال بين اثنين لم تكن العلاقة بينهما علاقة تبعية، وإنما هي إلى الندية أقرب.
- وفي مؤتمر التحكيم، ضرب فسطاط للحكمين، فكان أبو موسى وعمرو يجتمعان في كل يوم فيتحدثان وينصرفان، فأقاما على ذلك أياما كثيرة حتى ارتابت الناس وغمهم ذلك [٦٦] .
وإضافة إلى ما جاء في كتاب القضية من التأكيد على الحكمين أن يحكما بين الأمة ولا يرداها في حرب ولا فرقة، فإن هذه الأخبار التي سبقت الإشارة إليها تؤكد أن لم يبق مجال للغفلة أو الخديعة، وأن القضية لم تعد بخافية على أحد، ناهيك عن الحكمين، وأنها أصبحت ملء السمع والبصر.
[ ٣٥ / ٢٧٣ ]
وبعد ذلك، لابد من القول إن الحكمين تدارسا مسألة الخلافة، وكانا مهتمين في البحث عمن يكون محل إجماع الأمة واتفاقها، وقادرًا على القيام بأعباء الخلافة، ولاشك أن عزم سعد بن أبي وقاص على الاعتزال والبعد عن الأحداث الجارية جعله لا يلتفت إليه من جانب الروايات، وربما من جانب الحكمين أيضا، وقد يكون عبد الله بن عمر وهو ممن جعله عمر بن الخطاب في أهل الشورى ولا شيء له فيها، أقرب الناس في نظر أبي موسى إلى محبة الناس والإجماع عليه، ولكن عمرو بن العاص كان لا يراه أهلا للخلافة، فلم يوافق أبا موسى عليه، وطالت الاجتماعات ويبدو أن ثقل المسئولية والحرص على جمع الكلمة جعل الاتفاق على شخص يأمنا الإجماع عليه موضع تردد منهما، وقد وصف خليفة بن خياط ذلك بعدم الاتفاق، فقال: فلم يتفق الحكمان على شيء [٦٧] .
وأما الذهبي، فقد فسر عدم الاتفاق تفسيرا آخر قال: لما اجتمع أبو موسى وعمرو بدومة الجندل للتحكيم لم يتفقا، لأن أبا موسى وعمرو بن العاص اتفقا على خلع علي ومعاوية بينهما واختلفا أمام الناس، فخلعهما أبو موسى وخالفه عمرو فخلع عليّا وولى معاوية، وقول الذهبي فيما يتصل بموقف عمرو من معاوية يخالف ما جاء في رواية الدارقطني وعند خليفة بن خياط، والمقدسي في البدء والتاريخ في بعض رواياته، قال المقدسي: وقال قوم، خلع عمرو عليّا ولم يُدْخِلْ معاوية [٦٨] .
[ ٣٥ / ٢٧٤ ]
وسواء أعلن الحكمان ما توصلا إليه وأظهراه للناس على الصورة التي حكتها بعض الروايات أم لم يفعلا ذلك، فإن عدم اتفاقهما على من يقوم بأمر المسلمين جعل ما دار بينهما لا سبيل لهما به على أحد من الجانبين، ولا سبيل به لأحد على أحد، وحتى لو قيل اتفق الحكمان على خلع علي ومعاوية، وردّ الأمر إلى شورى المسلمين [٦٩]، فإن الحكمين لا يكونان قد أوفيا ما أوكل إليهما تماما من حل الخلاف، ويكونان فتحا بابا آخر للخلاف أوسع، وسوف لا يكون الحكمان مقتنعين أنهما توصلا إلى حل الخلاف، ويكون وصف نتائج المؤتمر بعدم الاتفاق أقرب ما يكون إلى حقيقة عمل الحكمين ومباحثاتهما في مؤتمر التحكيم.
وقد بنى الشاميون، كما قال الذهبي [٧٠]، على خلع عليّ جواز استخلاف معاوية.
وفي حين زال الحرج من نفوس أهل الشام، وقووا بمبايعة معاوية، أدى فشل التحكيم في إزالة الخلاف وجمع الكلمة إلى استفزاز الذين كانوا اعترضوا على عليّ من قبل وعادوا إلى الخروج ثانية وتجمعوا في منطقة النهروان بقيادة عبد الله بن وهب الراسبي عام ٣٨ هـ وأخذوا يعتدون، فخرج إليهم عليّ فاعذرهم ونصب راية أمان مع أبي أيوب الأنصاري، وناداهم أبو أيوب، من جاء هذه الراية ممن لم يقتل ولم يستعرض فهو آمن، ومن انصرف إلى الكوفة أو إلى المدِائن وخرج عن هذه الجماعة فهو آمن، فتركهم بهذا السبب كثير ممن كان معهم، ومن ظلَّ تعبأّ للقتال، فقتل منهم ألفان وثمانمائة، ثم لم يلبث من كان انفصل عن أهل النهروان منهم ممن كان استأمن إلى أبي أيوب أو رجع منهم إلى الكوفة وغيرها من المدن أن تجمعوا ثانية بالنخيلة، فخرج إليهم علي فدعاهم ورفق بهم غير مرة، فلم يستجيبوا، فقاتلهم وقتلهم جميعا [٧١] .
[ ٣٥ / ٢٧٥ ]
ويبدو أن علي بن أبي طالب رأى في مشاعر جنده تغيرا إزاء قتل من قتل من أبنائهم وإخوانهم وأقاربهم من الخوارج، فلما بلغه أنهم دفنوهم قال: أتقتلونهم، ثم تدفنونهم، وأمر بالرحيل [٧٢]، وذكر ابن أبي شيبة عن بعض جند علي أنهم قالوا: غرّنا ابن أبي طالب من إخواننا حتى قتلناهم ولكن الناس سكنوا وفرحوا لما وجدوا جثة ذي الثدية بين قتلى الخوارج [٧٣] .
ولاشك أن مباينة الخوارج وقتلهم أضعف جانب علي كثيرًا، ثم تتابعت الفتوق على علي من بعد، فخرج الخريت بن راشد، وقيل اسمه الحارث بن راشد، في قومه من بني ناجية، وكان من ولاة علي على الأهواز، فدعا إلى خلع علي، فأجابه خلق كثير واحتوى على البلاد وجبى الأموال، فبعث إليه علي جيشا بقيادة معقل بن قيس الرياحي فهزمه وقتله [٧٤] .
وأخذت أطراف علي تتعرض للغارات من جانب معاوية في عين التمر وهيت والأنبار والقطقطانة والبصرة وتيماء والحجاز واليمن تدعو الناس إلى احترام ما قضى به الحكمان بتقديرهم [٧٥]،فوجه علي الجيوش إلى صد هذه الغارات، وطمع أهل الخراج في ناحية علي في كسر الخراج، وانتقض أهل الأهواز، ولابد أن عليّا واجه من أجل ذلك بعض الصعوبات المالية والعسكرية وقد روي عن الشعبي في هذا الخصوص قوله:
لمّا قتل علي أهل النهروان، خالفه قوم كثير، وانتقضت عليه أطرافه، وخالفه بنو ناجية، وقدم ابن الحضرمي البصرة وانتقض أهل الأهواز، وطمع أهل الخراج في كسره، وأخرجوا سهل بن حنيف عامل علي بن أبي طالب من فارس [٧٦] .
وفي مصر، تقدم عمرو بن العاص من الشام بجيش إلى مصر، وقيل بقيادة معاوية ابن خديج الكندي [٧٧]، فلم يقو محمد بن أبي بكر والي مصر من قبل علي على ردهم، ولم يقدر علي بن أبي طالب على إنجاده وهزم محمد وقتل وصارت مصر إلى جانب معاوية، ولابد أن معاوية قوى جانبه بصيرورة مصر إلى صفه ماليا وبشريا وعسكريا.
[ ٣٥ / ٢٧٦ ]
ولما لم تُجْدِ المحاولات التي جرت بين علي ومعاوية سلمية كانت أو عسكرية في توحيد الصف وجمع الكلمة، ذكر أبو جعفر الطبري أن المكاتبات جرت بين الجانبين لوضع الحرب، ويكون لكل واحد منهما ما بيده من البلاد، قال أبو جعفر: وفي هذه السنة أي سنة أربعين للهجرة، جرت بين علي ومعاوية المهادنة، بعد مكاتبات جرت بينهما يطول بذكرها الكتاب، على وضع الحرب بينهما، ويكون لعلي العراق ولمعاوية الشام، فلا يدخل أحدهما على صاحبه في عمله بجيش ولا غارة وتراضيا على ذلك [٧٨]، ولكن المهادنة لا تذكر شيئا عن مصر التي كانت قد دخلت في طاعة معاوية قبل ذلك، وإذا صح وقوع مهادنة فإن ذلك كان من قبيل قبول علي بإمرة معاوية على ما بيده من البلاد.
وبينما كان علي بن أبي طالب يدخل مسجد الكوفة لصلاة الصبح من شهر رمضان لسنة أربعين للهجرة، تعرض لعملية قتل نفذها ضده رجل اسمه عبد الرحمن بن ملجم المرادي الكندي توفي على أثرها بعد يومين [٧٩]، فهل كان وراء ذلك أحد؟.
ذهبت بعض الروايات إلى اتهام الأشعث بن قيس، قال اليعقوبي [٨٠]: إن عبد الرحمن بن ملجم نزل على الأشعث بن قيس، فأقام عنده شهرا يستحد سيفه.
وذكر ابن سعد في الطبقات [٨١] قال: وبات عبد الرحمن بن ملجم تلك الليلة التي عزم فيها أن يقتل عليا صبيحتها يناجي الأشعث بن قيس في مسجده حتى كاد أن يطلع الفجر، فقال له الأشعث: فَضَحَك الصبح، فقام عبد الرحمن بن ملجم وشبيب بن بجرة فأخذا أسيافهما ثم جاءا حتى جلسا مقابل السدة التي يخرج منها علي.
[ ٣٥ / ٢٧٧ ]
ولعل اتهام الأشعث بن قيس بالتواطؤ على قتل علي بن أبي طالب يتصل بما قيل عن مواقف الأشعث السابقة، قيل لما رفعت المصاحف في صفين ودعا أصحاب معاوية إلى التحكيم كان الأشعث أكثر الناس تحمسا لوقف القتال وقبول التحكيم، وقيل كان الناس يرون الأشعث يرى رأي الخوارج، ولم يتبينوا مباينته لهم إلا عندما دعا إلى المسرى إلى حربهم في النهروان [٨٢] .
وعندما حض علي بن أبي طالب أهل العراق على المسير بعد النهروان إلى حرب معاوية وأهل الشام، لم يوافقه الأشعث بن قيس وأجابه بقوله: يا أمير المؤمنين نفذت نبالنا، وكلّت سيوفنا ونصلت أسنة رماحنا، فارجع إلى مصرنا فلنستعد بأحسن عدتنا وانكسر على علي رأيه في المسير [٨٣] .
وأما اليعقوبي، فإنه يذهب أبعد من ذلك ويتهم الأشعث أنه كان ممالئا لمعاوية، وإن معاوية استماله إلى جانبه [٨٤] .
ويبدو أن ضعف حماسة الأشعث لحرب الشام من بعد صفين جعل البعض يتهمه هذا الاتهام، ومات الأشعث من بعد مقتل علي بأربعين ليلة، وصلى عليه الحسين بن علي بن أبي طالب [٨٥]، وهو زوج بنت الأشعث بن قيس [٨٦]، ولم ينقل عن آل علي بن أبي طالب أنهم اتهموا الأشعث بهذه التهمة أو كشفوا أحدا من آل الأشعث بهذا السبب، ويظل قتل علي عملا من تدبير الخوارج جاء في الأرجح ثأرا لقتلى النهروان.
استخلاف الحسن بن علي ومصالحة معاوية:
ولما ضرب علي بن أبي طالب الضربة التي مات فيها، قيل له يا أمير المؤمنين، إن فقدناك ولا نفقدك فنبايع الحسن؟ فقال: ما آمركم ولا أنهاكم [٨٧] .
وبويع الحسن بعد وفاة أبيه بيومين في شهر رمضان من عام أربعين للهجرة [٨٨]، وقيل كان قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري أول من بايعه ثم تتابع الناس وبايعوه [٨٩] .
[ ٣٥ / ٢٧٨ ]
ولكن خلافة الحسن لم تطل، إذ لم تتجاوز الأشهر قيل سبعة أشهر وأحد عشر يوما [٩٠]، وقيل سبعة أشهر وسبعة أيام [٩١]، وقيل ستة أشهر وثلاثة أيام [٩٢]، وقيل ستة أشهر [٩٣]، وقيل أربعة أشهر [٩٤]، وقيل شهران [٩٥] وهي تعود إلى الاختلاف في الوقت الذي استخلف فيه الحسن، والوقت الذي تنازل فيه لمعاوية عن الخلافة، ثم وقع الصلح بين الحسن ومعاوية وتنازل الحسن عن الخلافة وتم اجتماع المسلمين على معاوية.
وقد تجاذبت الروايات المختلفة الحديث عما جرى بين الحسن ومعاوية في هذه الفترة:
فقال ابن أعثم: إن الحسن بن علي لما استخلف كتب إلى معاوية كتابا ذكر الحسن في مقدمته احتجاج قريش على العرب بقرابتها من الرسول ﷺ، وإن العرب اعترفت لهم بهذا الفضل فلم تنازعهم السلطان، ولكن قريشا لم تنصف آل محمد ودفعتهم عن الخلافة، ثم ذكر ابن أعثم أن الحسن خاطب معاوية في كتابه إليه فقال والآن، فلا غرو إلا منازعتك إيانا بغير حق في الدين معروف، ولا أثر في الإِسلام محمود إلى أن قال لمعاوية: فإن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لما نزل به الموت ولاني هذا الأمر من بعده، فاتق الله يا معاوية، وانظر لأمة محمد ﷺ ما تحقن به دماءهم وتصلح به أمورهم والسلام.
ووجه الحسن الكتاب مع رجلين إلى معاوية ليدعواه إلى البيعة والسمع والطاعة.
[ ٣٥ / ٢٧٩ ]
وتمضي رواية ابن أعثم فتقول إن معاوية بعث بكتاب إلى الحسن جوابا على كتابه رد فيه عن المسلمين بعامة والمهاجرين والأنصار بخاصة ما فرقوا به من دفع الخلافة عن آل محمد، وإنهم وضعوها في أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ، ثم التفت إلى الحسن فقال يخاطبه في كتابه إليه: فالحال بيني وبينك على ما كانوا عليه، ولو علمت أنك أضبط لأمر الرعية وأحوط على هذه الأمة، وأحسن سياسة، وأكيد للعدو، وأقوى على جميع الأمور، لسلمت لك هذا الأمر بعد أبيك، لأني قد علمت بأنك إنما تدعي ما تدعيه نحو أبيك، وقد علمت أن أباك سار إلينا فحاربنا، ثم صار من أمره إلى أن اختار رجلا واخترنا رجلا ليحكما بما يصلح عليه أمر الأمة وتعود به إلى الألفة والجماعة وأخذنا على الحكمين بذلك عهد الله وميثاقه وأخذا منا مثل ذلك على الرضا بما حكما، ثم إنهما اتفقا على خلع أبيك فخلعناه، فكيف تدعوني إلى أمر إنما تطلبه بحق أبيك، وقد خرج أبوك منه؟ انظر لنفسك أبا محمد ولدينك والسلام [٩٦] .
واتهام الصحابة على لسان الحسن بن علي في رواية ابن أعثم يدحض الثقة بهذه الرواية في هذه القضية، إذ لا يعقل أن يعرّض الحسن، وهو من هو، أن يعرض بالصحابة ويرميهم بالظلم والجور ومجانبة الحق، فضلا عن أن عام ٤٠ هـ لم تتحدد فيه بعد هوية الأحزاب والفرق المذهبية، ولم تتضح معالم القواعد والدعاوى الكلامية لها أو تتبلور مقالاتها على نحو المحاورة التي تديرها الرواية على لسان الحسن ولسان معاوية.
والرواية من بعد ذلك تُعدُّ فيما يتعلق بموقف الحسن من معاوية امتدادًا للروايات التي سبق أن تحدثت عن موقف علي بن أبي طالب ودعوته معاوية إلى البيعة والطاعة باعتبار علي بن أبي طالب هو الخليفة الشرعي، وتغفل الرواية الأوضاع الجديدة التي أعقبت قتل علي بن أبي طالب.
[ ٣٥ / ٢٨٠ ]
وأما فيما يتعلق بموقف معاوية، فالرواية تقدم بعض الأبعاد الجديدة في موقف معاوية وأهمها، أن معاوية لا يرى الحسن في مثل ضبطه للأمور وحيطته وقيامه عليها وليس الحسن مثله في حسن سياسته ومكايدته للعدو، والثاني: أن خلافة الحسن بسبب خلافة علي وحقه فيها لم تعد بهذا السبب ملزمة لمعاوية بعد ما جرى خلع علي في مؤتمر التحكيم حسب قول الرواية.
وموقف هذا شأنه بين الجانبين لابد إذا ظل كل طرف متشبثا بموقفه أن يفضي إلى الحرب.
وبعد أن وجه معاوية بكتابه إلى الحسن، قال ابن أعثم: ودعا معاوية الضحاك ابن قيس واستخلفه على الشام، وجمع ستين ألفا وخرج يريد العراق، وحسب قول اليعقوبي، كان خروج معاوية إلى العراق بعد مقتل علي بن أبي طالب بثمانية عشر يوما [٩٧] .
ولكن بعض الروايات تذكر أن معاوية تعرض للقتل في اليوم الذي قتل فيه علي ابن أبي طالب، ولكن السيف وقع في أليته، وعولج حتى برأ [٩٨]، ولابد أن معاوية حتى برأ، وصحّ عنده مقتل علي واستخلاف الحسن احتاج إلى مدة أطول مما ذكر اليعقوبي حتى يجمع معاوية أطرافه ويسير بالجيش إلى العراق، ولعل اليعقوبي وَهِمَ فيما قال أو أنه قصد وصف معاوية بالاستعجال ليظهر مدى حرصه على الإمارة وحبه في الحكم.
وعلى أية حال، فإن مسير معاوية إلى العراق يريد الحسن أمر قد جرى بلا خلاف بين الروايات [٩٩] .
ويبدو أن معاوية بعد موت علي بن أبي طالب، تحلّل من الهدنة التي كان عقدها مع علي لوضع الحرب بينهما، فخرج يريد العراق.
أما في جانب الحسن، فقيل لما سمع بمسير معاوية سار نحو المدائن يريد لقاءه، وجعل على الجيش عبيد الله بن العباس، وكان عدد أفراد الجيش أربعين ألفا قيل كانوا أطوع له وأحب إليهم من أبيه [١٠٠]، وجعل على المقدمات قيس بن سعد بن عبادة وعدتها اثنا عشر ألف رجل [١٠١] .
[ ٣٥ / ٢٨١ ]
وبعد أن سار معاوية إلى العراق وخرج الحسن من الكوفة للقائه، تتباين الروايات حول ما جرى في جانب الحسن وأدى به إلى مصالحة معاوية.
قال الزهري: كان الحسن لا يرى القتال، ولكنه يريد أن يأخذ لنفسه ما استطاع من معاوية ثم يدخل في الجماعة، وعرف أن قيس بن سعد لا يوافقه على رأيه فنزعه عن الجيش وأمر عبيد الله بن عباس عليه [١٠٢] .
وقيل كان الحسن ينهى أباه عن القتال ويشير عليه بتركه وكان أكره الناس للفتنة [١٠٣] .
وقيل عن علي بن أبي طالب أنه قال فيه: أما حسن فصاحب جفنة وخوان وفتى من الفتيان [١٠٤] .
فهذه الروايات وأمثالها تشير إلى ما كان عند الحسن من الميل إلى السلم والكف عن القتال والكراهة للفتنة.
والروايات عن ميل الحسن إلى السلم لا تقف عند هذا الحد وتذهب إلى أبعد من ذلك.
قال الزهري: بايع أهل العراق الحسن بن علي بالخلافة، فطفق يشترط عليهم إنكم سامعون مطيعون، تسالمون من سالمت وتحاربون من حاربت فارتاب أهل العراق في أمرهم حين اشترط عليهم هذا الشرط وقالوا: ما هذا لكم بصاحب، وما يريد هذا القتال، فلم يلبث الحسن بعد ما بايعوه إلا قليلا حتى طعن طعنة أشوته، فازداد لهم بغضا وكتب إلى معاوية بشروط ويطلب الصلح [١٠٥] .
وذكر المقدسي في البدء والتاريخ بسند جمعي أن الحسن نظر إلى ما يسفك من الدماء وينتهك من المحارم، فقال لا حاجة لي في هذا الأمر، وقد رأيت أن أسلمه إلى معاوية فيكون في عنقه تباعة هذا الأمر وأوازره، ورفض الحسين ذلك وقال له: أنشدك الله أن تكون أول من عاب أباه ورغب عن رأيه، فغضب الحسن، ولم يلبث الحسين أن تابعه [١٠٦] .
[ ٣٥ / ٢٨٢ ]
وقيل إن الحسن خطب وذكر رأيه وإيثاره السلامة، ومما قاله: أيها الناس، إنكم قد بايعتموني على أن تسالموا من سالمت وتحاربوا من حاربت، والله لقد أصبحت وما أنا محتمل على أحد من هذه الأمة ضغنة في شرق ولا غرب، ولما تكرهون في الجماعة والأمن وصلاح ذات البين خير مما تحبون من الفرقة والخوف والتباغض والعداوة، فلما سمع الناس ذلك وقع في قلوبهم أنه خالع نفسه لمعاوية فشق عليهم ذلك وقد بايعوه على الموت فثاروا به وقطعوا عليه كلامه وخرقوا عليه سرادقه، وطعنه رجل اسمه سنان بن الجراح الأسدي وهو ممن يرى رأي الخوارج، طعنه طعنة أشوته وانصرفوا عنه.
ثم تتابع الرواية الحديث فتذكر أن الحسن أرسل إلى معاوية يسأل الأمان للناس وأموالهم وأولادهم ونسائهم لقاء البيعة له [١٠٧] .
ويبدو أن خطبة الحسن الآنفة الذكر وما جاء فيها كانت في أثناء مقام الحسن بالمدائن وبعد حضور رسل معاوية إليه بقصد الصلح بين الجانبين.
وهناك روايات أخرى تذكر أن ميل الحسن إلى الصلح كان للظروف الصعبة التي كان يمر بها.
جاء في رواية إسماعيل بن راشد ورواية عوانة بن الحكم أن الحسن لما نزل المدائن وبعث قيس بن سعد على المقدمات صرخ في الناس صارخ، ألا إن قيس بن سعد ابن عبادة قد قتل، فثار الناس فانتهبوا سرادق الحسن، وطعنه رجل من الخوارج، فوثب الناس على الخارجي فقتلوه، فلما رأى الحسن تفرق الأمر عنه كتب إلى معاوية في الصلح، وقيل إن الحسين اعترضه وقال: نشدتك الله أن تصدّق أحدوثة معاوية وتكذّب أحدوثة علي، فقال له الحسن: اسكت فأنا أعلم بالأمر منك [١٠٨] .
[ ٣٥ / ٢٨٣ ]
وبعد أن ذكر أبو حنيفة الدينوري خروج الحسن من الكوفة للقاء معاوية قال، لما رأى الحسن الفشل من أصحابه، وإن أكثر من معه قد نكل عن القتال لم ير أن يحملهم على ما يكرهون، ولذلك خطبهم وأعلمهم أنه يريد أن يسلم الأمر إلى معاوية، فقام نفر منهم فانتهبوا سرادقه، وطعنه رجل خارجي اسمه الجراح بن قبيصة من بني أسد، فقتل الناس الخارجي وحمل الحسن إلى المدائن للعلاج [١٠٩] .
وأما المسعودي فذكر أن الحسن صالح معاوية لما ناله من أهل الكوفة، وقال أيضا، لما تيقن ما نزل به انقاد إلى الصلح [١١٠] .
وقد حمّل اليعقوبي معاوية بن أبي سفيان وأنصاره من أهل العراق ما وقع في جانب الحسن من الاضطراب والفشل واضطره إلى مصالحة معاوية، قال اليعقوبي: وكان معاوية يدس إلى عسكر الحسن من يتحدث أن قيسا صالح معاوية، ويدس إلى عسكرِ قيس من يتحدث أن الحسن صالح معاوية، وقال أيضا: وجّه معاوية إلى الحسن وفدًا فأتوا وهو بالمدائن نازل في مضاربه، فلما خرجوا من عنده، أخذوا يقولون يسمعون الناس، إن الله حقن بابن رسول الله ﷺ الدماء وسكّن الفتنة وأجاب إلى الصلح، فلما سمع عسكر الحسن ما قاله وفد معاوية لم يشكّوا في صدقهم، فوثبوا بالحسن فانتهبوا مضاربه وطعنه الجراح بن سنان الأسدي، فلما رأى الحسن أن لا قوة به، وأن أصحابه قد افترقوا عنه صالح معاوية [١١١] .
وبذلك نكون أمام طائفتين من الروايات، الأولى تجعل تنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية إيثارًا منه للسلم وكراهة الفتنة، والثانية تجعل الحسن تنازل مكرها للفشل الذي رآه في أصحابه.
[ ٣٥ / ٢٨٤ ]
وقد يبدو الفرق في اتجاه هذه الروايات مثل ما بين العلة والمعلول، ومع ذلك فإن التجاوب بين هذه الروايات موجود، فالحسن ميال إلى السلم والصلح كراهية للفتنة والفرقة وإراقة دماء المسلمين وهو ما أشارت إليه الطائفة الأولى من الروايات، وقد يعترض على ذلك من يحتج باستعدادات الحسن العسكرية وخروجه للقاء معاوية، وهناك من يعتذر عن الحسن ويقول إنه كان لا يرى القتال وإنما خرج مكرها، وسواء كان الحسن في خروجه مكرها أم غير مكره، فلا يعقل أن يظل قاعدا في عقر داره بالكوفة حتى يدخل عليه معاوية بالجيش، هذا وقد كان من حول الحسن كثرة من الناس كثيرة كانت تريد لقاء معاوية، وعندما دخل معاوية بجيشه أرض العراق، وجد بإزائه من مقدمات الحسن وجيشه عددا كبيرا وصفه البخاري في صحيحه (كتائب أمثال الجبال) ولكن ما أن أرسل معاوية يطلب الصلح حتى وجد الحسن يساند التئام الجماعة ووحدة الكلمة، ومما جاء في الرواية عند البخاري في صحيحه [١١٢]: فقال عمرو بن العاص إني لأرى كتائب لا تولّي حتى تقتل أقرانها، فقال معاوية.. وكان والله خير الرجلين، أيْ عمرو: إن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء، من لي بأمور الناس، من لي بنسائهم، من لي بضيعتهم، فبعث إليه رجلين من قريش من بنى عبد شمس عبد الرحمن بن سمرة وعبد الله ابن عامر بن كريز فقال: اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه، فأتياه إلى قوله- فصالحه (أي صالح الحسن معاوية) .
[ ٣٥ / ٢٨٥ ]
وأما ما تعرض له الحسن من القتل والاعتداء فإنه يعود إلى أسباب تتصل بظروف القتال والصلح مع معاوية حقيقة أو إشاعة كما مر، ولكن الفشل الذي أصاب جانب الحسن لم يؤد إلى انهيار قوته ويدفعه إلى مصالحة معاوية كرها، وظل زمام الموقف في جانبه بيده ويد أنصاره، وكانت جبهته العسكرية قوية كما جاء في رواية البخاري والروايات الأخرى، وهزم المرجفون وقتل الرجل الذي قام بالاعتداء عليه، وتقدم هو من بعد ذلك واجتمع بمعاوية ولو لم يكن الحسن مرهوب الجانب لما احتاج معاوية إلى أن يفاوضه ويوافق على ما طلب من الشروط والضمانات، ولكان عرف ضعف جانب الحسن وانحلال قوته عن طريق عيونه، ولدخل الكوفة من غير أن يكلف نفسه مفاوضة أحد أو ينزل على شروطه ومطالبه.
وتفوق جانب معاوية على الحسن لأمراء فيه، فهل صالح الحسن معاوية بهذا السبب؟.
قال ابن تيمية في منهاج السنة [١١٣]: وإذا قال القائل إنما ترك الحسن القتال للعجز لأنه لم يكن له أنصار، فكان في المقاتلة قتل النفوس بلا حصول المصلحة المطلوبة، قيل له، وهذا بعينه هو الحكمة التي راعاها الرسول ﷺ في النهي عن الخروج على الأمراء، وندب إلى ترك القتال في الفتنة، وإن كان الفاعلون لذلك يرون أن مقصودهم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
وإضافة إلى ذلك، فقد كان بمقدور الحسن أن يقاتل معاوية بمن كان معه وإن كان أقل ممن كان مع معاوية صنيع الذين قاتلوا خصومهم على قلة من كان معهم من الأعوان والأنصار، ولكن الحسن كان ذا خلق يجنح إلى السلم وكراهة الفتنة ونبذ الفرقة، وجعل الله به رأب الصدع وجمع الكلمة، وقد كان رسول الله ﷺ أشار إلى ذلك فقال: "إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" [١١٤] .
شروط الصلح بين الحسن ومعاوية:
[ ٣٥ / ٢٨٦ ]
اختلفت الروايات حول صاحب المبادأة في الصلح، فذكرت بعض الروايات أن الحسن هو الذي بدأ معاوية بالصلح، ولكن رواية البخاري السابقة الذكر نسبت المبادأة إلى معاوية، ورواية البخاري مقدمة على غيرها من الروايات [١١٥]، ومعاوية باتفاق الروايات كان يتمتع بتفوق جانبه على الحسن، وهو الآن بجيشه في العراق، وعرض الصلح من جانبه ومحادثة الحسن عن التنازل له عن الخلافة أمر ينسجم مع الموقف المتفوق الذي كان ينفرد به دون الحسن، وينسجم أيضا مع وضع الحسن الذي يقتضي عدم التعجل حتى يأخذ ما يستطيع من الضمانات من معاوية.
وبعد المفاوضات بين الحسن ووفد معاوية، قيل التقى الحسن ومعاوية في مسكن فاصطلحا ثم سارا إلى الكوفة [١١٦]، وقيل: التقيا على منزلة من الكوفة ثم دخلا الكوفة [١١٧]،
وقال الشعبي [١١٨]: وكان ممن شهد اللقاء وحضر الصلح، إنهما التقيا بالنخيلة [١١٩] .
وبخصوص شروط الصلح ذكر الزهري أن الحسن كتب في صحيفة بعث بها إلى معاوية الشروط التي أراد من معاوية أن يعطيه إياها، وكان معاوية قد بعث هو الآخر بصحيفة بيضاء مختوم على أسفلها ليكتب الحسن ما شاء فيها من الشروط، فكتب الحسن أضعاف ما كان قد سأل معاوية أن يعطيه في الصحيفة التي بعثها إلى معاوية، فلما وقعت صحيفة الحسن بيد معاوية وطالب الحسن عند لقائه بمعاوية أن يفي له بالشروط التي شرط في السجل الذي ختم معاوية في أسفله، لم ينفذ معاوية للحسن شيئا من ذلك وقال له: لك ما كنت كتبت إليّ أولا تسألني أن أعطيكه [١٢٠] .
ولكن المفاوضات المباشرة التي جرت بين الحسن ووفد معاوية، وتناولت أمورا تحددت بين الجانبين، وتحدث البخاري عنها في روايته، تنفي شبهة استمرار وجود عروض سلمية عائمة أو مفتوحة، ولكن ماذا طلب الحسن إلى معاوية أن يعطيه؟.
[ ٣٥ / ٢٨٧ ]
تفاوتت الروايات حول ما طلب الحسن من معاوية من الشروط والضمانات وتم الاتفاق عليه بين الجانبين، ويمكن تصنيف الشروط حسب موضوعاتها إلى خمسة هي:
الأول: المال: قيل إن الحسن اشترط أن يأخذ من بيت مال الكوفة خمسة ملايين درهم [١٢١]، وقيل اشترط أن يسلم له بيت المال فيقضي منه دينه ومواعيده، ويتحمل منه هو وآله [١٢٢]، وقيل اشترط أن يأخذ ما في بيت مال الكوفة وكان فيه خسة ملايين درهم [١٢٣]، وقيل اشترط أموالا وضياعا [١٢٤]، ووفى له معاوية بذلك وأعطاه سبعة ملايين درهم من بيت المال [١٢٥] .
وإضافة إلى ذلك، قيل طلب خراج بجرد (كورة من بلاد فارس)، مسلما له في كل عام [١٢٦]، وأن يجرى عليه كل سنة مليون درهم [١٢٧]، وأن يحمل إلى أخيه الحسين مليوني درهم في كل عام ويفضل بني هاشم في العطاء والصلات على بني عبد شمس [١٢٨] .
وإحساس الحسن بمصالح الأمة في هذه الروايات يبدو ضعيفا أمام مصالحه الخاصة، ولكن الروايات الأخرى تختلف مع هذه الروايات في الاتجاه الذي ذهبت إليه.
ذكر البخاري في صحيحه، أن الحسن قال لوفد معاوية عبد الرحمن ابن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز: إنّا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال.. فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به [١٢٩]، فالحسن يتحدث عن أموال سبق أن أصابها هو وغيره من بني عبد المطلب يريد الحسن أن لا يطالبهم معاوية بها، ولا ذكر لأموال يطلب من معاوية أن يدفعها إليه في قادم.
وذكر ابن أعثم أن الحسن قال: وأما المال فليس لمعاوية أن يشرط لي في المسلمين [١٣٠] .
وذكر أبو جعفر الطبري برواية عوانة بن الحكم أن أهل البصرة حالوا بين الحسن وبن خراج دارا بجرد، وقالوا، فيئنا [١٣١]، والمعلوم أن جباية الخراج من مهام الدولة، ولا علاقة مباشرة بين الحسن وأهل البصرة في هذا الجانب، ولكن الرواية إشارة إلى أن خراج دارا بجرد لم يكن في الأموال التي صيّرت إلى الحسن.
[ ٣٥ / ٢٨٨ ]
وعليه فقد لا يكون الأمر تجاوز طلب العفو عن الأموال التي أصابها الحسن وآله في الأيام الخالية، ثم قام معاوية في هذه المناسبة فوصل الحسن وأجازه، قيل أجازه بثلاثمائة ألف درهم، وألف ثوب، وثلاثين عبدا، ومائة جمل [١٣٢]، وأما العطاء فليس الحسن فيه بواحد من دون المسلمين، ولا يمنع أن يكون حظه منه أكثر من غيره، ولكنه لا يصل إلى عشر معشار ما ذكرته الروايات.
الثاني: الدماء: وتضمن اتفاق الصلح بين الجانبين أن الناس كلهم آمنون لا يؤخذ أحد منهم بهفوة أو أحنة، ومما جاء في رواية البخاري، أن الحسن قال لوفد معاوية: وأن هذه الأمة قد عاثت في دمائها، فكفل الوفد للحسن العفو للجميع فيما أصابوا من الدماء [١٣٣] .
ولكن الرواية عن الزهري ذكرت أن عبيد الله بن عباس قائد جيش الحسن لما علم بما يريد الحسن من معاوية، بعث إلى معاوية يسأله الأمان ويشرط لنفسه على الأموال التي قد أصاب، ثم خرج إليهم ليلا ولحق بهم، وأن قيس بن سعد الذي خلفه على الجيش تعاهد والجيش على قتال معاوية حتى يشترط لشيعة علي ولمن كان اتبعه على أموالهم ودمائهم [١٣٤] .
[ ٣٥ / ٢٨٩ ]
وقد استبعد فلهوزن أن يكون قائد الجيش هو عبيد الله بن عباس، وذكر أن قائد الجيش كان عبد الله بن عباس، واستند فلهوزن في ذلك إلى أن الاسم الذي ورد في بعض النسخ المخطوطة من تاريخ أبي جعفر الطبري هو عبد الله بن عباس، وأن الاختلاف بين المخطوطات في عبد الله وعبيد الله ليس مرجعه إلى الناسخ، وإنما إلى الرواة الذين لم يريدوا أن يلحق هذا العار بعبد الله بن عباس جد العباسيين، وأما أخوه عبيد الله فلم يروا بأسا من التخلي عن الدفاع عنه، وذكر فلهوزن سببا آخر لاستبعاد أن يكون عبيد الله ابن عباس قائدا للجيش أو يكون هو الذي صالح معاوية، فقال: إن عبيد الله بن عباس كان واليا لعلي باليمن، وكان يقيم فيها عندما هاجمها بسر بن أبي أرطاة في النصف الثاني من عام أربعين للهجرة برواية عوانة، وعام اثنين وأربعين للهجرة برواية الواقدي، وذبح بسر ولدي عبيد الله، وهذا يعني أن عبيد الله بن عباس كان يقيم باليمن معاديا لمعاوية، ولا يعقل أن يكون عبيد الله قد انتقل إلى جانب معاوية قبل عام أو عامين من الحادثة، أو يكون قد تعجل إلى هذا الحد في مصالحة قاتلي ولديه [١٣٥] .
وأما أن قائد الجيش كان عبد الله بن عباس أو عبيد الله بن عباس، فإن رواية المسروقي عن إسماعيل بن راشد، ورواية زياد بن عبد الله البكائي عن عوانة بن الحكم تذكر أن قائد الجيش كان الحسن بن علي، وأن قائد مقدمته كان قيس بن سعد ولا ذكر لعبد الله بن عباس أو أخيه عبيد الله في هذا الجانب [١٣٦] .
كما يفهم مما ورد عند أبي حنيفة الدينوري في الأخبار الطوال، وابن حجر في المطالب العالية، وابن أعثم في الفتوح، أن قطبي الرحى في الجيش كانا الحسن بن علي وقيس بن سعد ولا ذكر لعبد الله بن عباس أو عبيد الله بن عباس [١٣٧] .
[ ٣٥ / ٢٩٠ ]
وتأكيد فلهوزن على أن عبد الله بن عباس كان قائدا للجيش لا عبيد الله واحتجاجه على ذلك بما سبق الإشارة إليه يخالفه ما نقله زياد بن عبد الله البكائي عن عوانة بن الحكم الذي لا يتهم بمحاباة العباسيين قال: إن عبيد الله بن عباس كان واليا لعلي على اليمن، ولما بلغه مسير بسر بن أبي أرطاة إليه استخلف على اليمن عبيد الله ابن عبد المدان الحارثي وهرب إلى علي بالكوفة وذلك عام أربعين للهجرة، وأرسل علي بن أبي طالب جيشا إلى اليمن يتعقب جيش بسر، وقتل علي في نفس العام، ولم يرد ما يشير إلى أن عبيد الله بن عباس ترك الكوفة إلى اليمن [١٣٨] .
ويخالف فلهوزن أيضا ما جاء في الروايات الأخرى التي نقلها اليعقوبي والبلاذري وعمر بن شبة والمدائني [١٣٩]، وذكرت أن قائد الجيش كان عبيد الله بن عباس، كما جاء في قول عامة أهل السير أن عبد الله بن عباس كان خرج عام أربعين للهجرة من البصرة ولحق بمكة على أثر ما جرى بينه وبين علي [١٤٠]، ولكن فلهوزن يتهم هذه الروايات بمحاباة العباسيين، واتهام فلهوزن يبدو مما سبق ضعيفا عند المعارضة.
وسواء كان قائد الجيش عبد الله بن عباس أو عبيد الله بن عباس أو غيرهما فإن دواعي اتصال قائد جيش الحسن بمعاوية وطلب الأمان منه غير قائمة، فجيش الحسن قوي وممتنع كما جاء عند البخاري، والاتصالات والتنسيق بين الحسن وقيادته موجودة نقلا وعقلا، والحسن ولي الأمر ورأسه، وقد جرت المفاوضات بينه وبين وفد معاوية، وأخذ الأمان لأتباعه ومن كان في جانبه فضلا عن بني العباس وغيرهم من بني عبد المطلب بشأن الدماء والأموال، وأعلم الحسن قيادته بالصلح وتنازله عن الخلافة لمعاوية، وأمرها بالدخول في الجماعة ومبايعة معاوية، ولما رأى قيس ومن معه أنهم لم يعودوا مع إمام مفترض الطاعة، تركوا القتال وبايعوا معاوية، ودخلوا في الجماعة [١٤١] .
[ ٣٥ / ٢٩١ ]
ولكن في رواية الزهري ثناء على قيس دون الحسن وولدي العباس من غير ما ضرورة.
الثالث: ولاية العهد: قيل ومما اتفق الجانبان عليه من الشروط أن يكون الأمر من بعد معاوية للحسن [١٤٢]، وإن معاوية وعد إن حدث به حدث والحسن حي ليسمينه وليجعلن الأمر إليه [١٤٣]، ولكن ابن أعثم روى في هذا الخصوص عن الحسن أنه قال: أما ولاية الأمر من بعده، فما أنا بالراغب في ذلك، ولو أردت هذا الأمر لم أسلمه [١٤٤]، وهو كلام ينسجم مع تنازل الحسن عن الخلافة، فقد كان الحسن خليفة وتنازل عن الخلافة فكيف يطلبها من بعد ذلك.
وقيل إن الاتفاق نص على أن لا يعهد معاوية إلى أحد بعده ويكون الأمر شورى [١٤٥] .
ومثل هذا القول في مثل هذا الوقت موضعه في غير هذا الصلح، فلا أحد يعلم ما سيكون من معاوية بخصوص الخلافة، ولكن الرواية أرادت التعريض بالبيعة ليزيد واتهام معاوية بالخروج عن الشورى في استخلافه ولده يزيد، وهي قضية جرت في فترة تالية على الصلح بين الحسن ومعاوية.
الرابع: العمل بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة الخلفاء: ورواية البخاري ذكرت أن الحسن ما سأل الوفد: عبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر شيئا إلا قال له: نحن لك به، والتذكير بالعمل بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة الخلفاء لا شية فيه، ولكن إيراد ذلك ضمن شروط الصلح تعريف من الرواية [١٤٦] بمعاوية واتهامه بمجافاة ذلك، مما ينفي أن يكون هذا الشرط من شروط الصلح بين الجانبين.
الخامس: وقيل إن الحسن اشترط على معاوية ألا يُسبَّ علي وهو يسمع [١٤٧]: وكأن الحسن عفا عن سب علي وهو لا يسمع، ولذلك فقد لا تكون هذه القضية بحثت بين الحسن ومعاوية.
وبعد أن تم الصلح وتنازل الحسن عن الخلافة، قيل إن معاوية قال للحسن، أما إذا كان ذا فقم فتكلم وأخبر الناس بهذا الأمر الذي تركته لي، فقام الحسن فخطب على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
[ ٣٥ / ٢٩٢ ]
"أما بعد، فإن أكيس الكيس التقى، وإن أحمق الحمق الفجور، وإن هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية، إما كان حقا لي تركته لمعاوية إرادة صلاح هذه الأمة وحقن دمائهم، أو يكون حقا كان لأمرئ أحق به مني ففعلت ذلك، ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ " [١٤٨] الأنبياء (آية ١١١) .
وقيل لما برأ الحسن من جراحته خرج إلى مسجد الكوفة فقال: "يا أهل الكوفة، اتقوا الله في جيرانكم وضيفانكم وفي أهل بيت نبيكم ﷺ الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، فجعل الناس يبكون ثم تحمّل وأهل بيته إلى المدينة" [١٤٩] .
وبذلك طويت صفحة من الخلاف والفرقة، واجتمعت الكلمة، وصار معاوية خليفة مجمعا عليه، قيل عام أربعين للهجرة [١٥٠]، ولكن ابن إسحاق [١٥١] والواقدي [١٥٢] وخليفة ابن خياط [١٥٣] يجعلون ذلك عام واحد وأربعين للهجرة ويختلفون في الشهر الذي وقع فيه الصلح من ذلك العام، أهو ربيع الأول، أو ربيع الآخر، أو جمادى الأولى، أو جمادى الآخرة، فقال المسعودي: ثم صالح الحسن معاوية نحو شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، وقد رأى قوم إن ذلك كان في جمادى الآخرة أو الأولى من هذه السنة، والأول أشهر وأصح عندنا من مدة أيامه [١٥٤] .
ومضى معاوية يقود مسيرة الأمة من غير أن يجعل للفتنة وأحداثها سبيلا على أحد يعيق حركة البناء والجهاد.
[ ٣٥ / ٢٩٣ ]
وقد يسأل سائل عما فعل معاوية بقتلة عثمان بعد صيرورة الخلافة إليه، ويجيب ابن قتيبة في (عيون الأخبار) قائلًا: إن معاوية بن أبي سفيان لما قدم المدينة بعد عام الجماعة، دخل دار عثمان بن عفان، فصاحت عائشة بنت عثمان بن عفان وبكت ونادت أباها، فقال معاوية: يا ابنة أخي، إن الناس أعطونا طاعة وأعطيناهم أمانًاَ، وأظهرنا لهم حلمًا تحته غضب، وأظهروا لنا ذلًا تحته حقد، ومع كل إنسان سيفه ويرى موضع أصحابه، فإن نكثناهم نكثوا بنا ولا ندري أعلينا تكون أم لنا، لأن تكوني ابنة عم أمير المؤمنين خير من أن تكوني امرأة من عرض الناس [١٥٥] .
والذي يُعتدُّ به من كلام ابن قتيبة ما جاء عن العهود والمواثيق التي أبرمت بين معاوية والحسن وقضيت بالصلح بين الناس، ووضع الحرب، وحقن الدماء، وعدم تهييج النفوس، وإضافة إلى ذلك فإن السنوات الخمس التي احتضنت المعارك في الجمل وصفين والنهروان والنخيلة ومصر وغيرها ذهبت بأولئك الذين ترددت أسماؤهم بتهمة قتل عثمان، ومع ذلك فإن مسألة قتل عثمان ظلت حاضرة في الخلفاء من بني أمية ونوابهم في الأغلب، وكانوا على التعريض بخصوم عثمان والشنآن للخارجين، فعلى سبيل المثال، قيل إن بسر بن أبي أرطاة أقام عام ٤٣ هـ شهرًا بالمدينة يستعرض الناس، ليس أحد ممن يقال هذا أعان على عثمان إلا قتله [١٥٦]، ومعْ أن هذا الخبر لا يعتدُّ به، فإنه يشير إلى أن انتصار بني أمية لعثمان بن عفان كان حقيقة لا شبهة بها.
هذا وقد قيل في وصول معاوية إلى الخلافة أقاويل، وجرت في تعليل ذلك أحاديث:
قيل كان علي بن أبي طالب يَعدُّ الخلافة منصبا دينيا، وكان دقيقا في محاسبة العمال ومتصلبا في رأيه ولا يحيد عما يقتضيه ضميره كما كان يفعل أبو بكر وعمر، أما معاوية فكان يلين لمن في جانبه ويتساهل في محاسبة العمال مع أن رجاله كانت قد ذهبت منهم حرمة الدين وذاقوا لذة الثروة وتعودوا على السيادة.
[ ٣٥ / ٢٩٤ ]
ولكن المسلمين في عهد أبي بكر وعمر كانوا لا يزالون في أبان الحمية الدينية والأريحية العربية ولذلك كانوا ينصاعون لأبي بكر وعمر بكلمة، وأما في أيام علي فقد تغيرت الأحوال وعدّ المسلمون سياسة علي ضعفا، فلما رأوا ضعفه انحازوا إلى معاوية بعد أن كانوا معه، وتنتهي المقولة إلى الاستنتاج بأن الفوز دائمًا لأهل الدهاء وأن السياسة والدين لا يلتحمان إلا نادرا، وما التحامهما أيام الراشدين إلا فلتة قلما يتفق مثلها، وما دولة الراشدين برأي المقولة بدولة سياسية وإنما هي خلافة دينية [١٥٧] .
وقيل إن علي بن أبي طالب جاء يسير وفق الاتجاه الإِسلامي في ظروف استعلاء الاتجاه القبلي وانتصاره، وقد اصطدمت سياسة علي بالاتجاه القبلي في الكوفة التي كانت لا تفهم فكرة الدولة، ولم تتأثر بالتقاليد الحضرية وأفسد هذا الاتجاه على علي بن أبي طالب التفاهم مع خصومه في موقعة الجمل ودفعوه في معركة صفين إلى التحكيم كرها، وفرضوا عليه أبا موسى الأشعري، فكان بسياسته الإسلامية في هذه البيئة القبلية كمن يطرق في حديد بارد.
وأما معاوية فكان خروجه للمطالبة بدم عثمان على أساس قبلي واضح، لأن هذا واجب الدولة وحقها وليس حق الأقرباء، والتفاف الكثيرين حول معاوية يدل على قوة الاتجاه القبلي.
وعليه فإن الخلاف بين علي ومعاوية برأي هذه المقولة صدام بذهن ممثلي تيارين: بين ممثل التيار الإسلامي وهو علي بن أبي طالب، يسير على سياسة إسلامية في وسط قبلي فيصطدم بظروفه وبخصمه في آن واحد وبين ممثل التيار القبلي وهو معاوية بن أبي سفيان، يسير على سياسة قبلية في وسط قبلي، فلا غرابة أن انتصر معاوية لأن الظروف والأوضاع كانت مواتية لمعاوية وكان انتصاره انتصارًا واضحا للتيار القبلي، وكانت دولة الأمويين نتيجة طبيعية لتطور الأوضاع العامة في عصر الراشدين وتفوق الاتجاه القبلي بدون أن يحدث انقطاع في التطور التاريخي [١٥٨] .
[ ٣٥ / ٢٩٥ ]
وقيل إن الخلاف بين علي ومعاوية كان صراعا بين عصرين هما: عصر الحكم الراشدي الذي كان مركزه في المدينة والحجاز، وكان يمثل الزهد والتقشف، والشورى والعدل والمساواة في الحكم وتوزيع الأموال بين أفراد الأمة ويمثله علي بن أبي طالب، والعصر الجديد الذي تمثل بظهور جيل جديد وتكون مفاهيم جديدة وعقلية جديدة واتجاه جديد نحو الحياة والتمتع بمباهجها نتيجة تغير رقعة العالم الإسلامي بنتيجة الفتوحات، وتغير طبيعة الحياة المادية وتحول الناس من الزهد والتقشف إلى البذخ والترف، وتغير المجتمع وظهور الجيل الذي لم يعد جيل الصحابة ولا يعيش في عصر الصحابة ولا يتصف بصفاتهم، وهو عصر لم يكن برأي المقولة مؤهلا للاستفادة من الحكم الراشدي والانطباع به، لذلك كان لابد من أن يحل محل الحكم الراشدي حكم جديد بعقلية تشابه عقلية الجيل الجديد واتجاهه ومفهومه للحياة، وخول هذا العصر الجديد أن يستلم هذا الحكم رجل من رجال أسرة كانت في الجاهلية مقاربة في عقليتها ومفهومها للصفة التي كان يتطلبها ذلك المجتمع الجديد، وكان معاوية يمثل هذا الجيل في مفهومه وعقليته ورغباته في الحياة، وكانت بلاد الشام بما هي عليه من مستوى حضاري متقدم على العراق أهلا لأن تكون مركزا وعاصمة لهذا المجتمع الجديد، وتنتهي هذه المقولة إلى القول بأن وصول معاوية كان انقلابا عظيما في تاريخ الإسلام جاء على إثر غلبة العصر الجديد على العصر الراشدي [١٥٩] .
[ ٣٥ / ٢٩٦ ]
والمقولات السابقة كما نرى تكاد تكون واحدة وتدور حول محور واحد من غير ضرورة أن يكون اللاحق قد أخذ من السابق، فهي ترد انتصار معاوية ووصوله إلى منصب الخلافة إلى غلبة الاتجاه السياسي على الاتجاه الديني أو غلبة الاتجاه القبلي على الاتجاه الإسلامي، أو غلبة العصر الجديد على العصر الراشدي، فهي لا ترد وصول معاوية إلى الخلافة إلى عامل بسيط يتمثل بالاختلاف بين الأفراد في مؤهلاتهم وقدراتهم، وإنما ترده إلى عامل مركب يشمل التغير في الظروف والعصور والمفاهيم والأفراد، وتجعل هذه المقولات وصول معاوية إلى الخلافة معلم انقلاب في حياة المجتمع الإسلامي وتحول عصر إلى عصر، من العصر الراشدي إلى عصر جديد مختلف في الملامح والخصائص.
فهل كان الخلاف بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان خلافا بين عصرين؟ وهل كان وصول معاوية إلى الخلافة انتصارا لعصر جديد على عصر الراشدين؟.
والقول بأن وصول معاوية إلى منصب الخلافة كان نتيجة للتناقض بين السياسة والدين في قول، والصراع بين القبلية والإسلام في قول ثان، وبين العصر الجديد والعصر الراشدي في قول ثالث، وإن غلبة معاوية كانت غلبة للسياسة على الدين وللقبلية على الإسلام والعصر الجديد على العصر الراشدي كلام يحتاج إلى إعادة نظر وتدقيق.
ففي الإسلام لا انفصال بين الدين والسياسة ولا انفصام بينهما، والسياسة في الإسلام سلوك موجه بالشرع وقائم على قواعده ومضبوط بأحكامه، ووصف علي بن أبي طالب بالدين دون السياسة ورميه بالبعد عن الدهاء السياسي كلام لا يستند إلى أساس تاريخي [١٦٠]، فهو إن لم يكن أكثر من معاوية دهاء ونبوغا فلا يقل عنه على أقل تقدير [١٦١]، ووصف معاوية بالسياسة دون الدين تضليل وتشويه، ولكن المقولة تريد أن تقول إن الإسلام لم يعد يصلح لمواكبة الحياة وسياستها.
[ ٣٥ / ٢٩٧ ]
وعلي بن أبي طالب أفضل من معاوية من غير شك، وما كان في معاوية خصلة ينازع عليا بها [١٦٢]، ومع تأخر معاوية عن علي بالفضل فإنه ما تعدى الإسلام في أفعاله وعلاقاته أو تجاوزه، ولم يكن سياسيًا بلا دين على نحو ما صورته بعض المقالات السابقة [١٦٣]، هذا فضلا عن أن الفرد ليس بقادر على أن يسيّر المجتمع في العاجلة بغير ما عليه المجتمع من المفاهيم والأفكار والأنظمة المنبثقة عن عقيدته.
وبالنسبة للمجتمع الإسلامي فقد كان الرسول ﷺ أكمل قواعده الرئيسية، وأتم ما يلزم لتحديد إطار شخصيته، وتكونت في حياته ﵇ النخبة القيادية الواعية التي أخذت من بعده ترسي مبادئ الإسلام في نفوس الناس وحياتهم ثقافة وتطبيقا، والمعلوم أن المجتمع الإسلامي من بعد الرسول ﷺ أخذ يكبر ويتسع، وأخذت أشكال الحياة القديمة قبلية وغير قبلية تتراجع في الصراع أمام المد الإسلامي، وصارت الشخصية الإسلامية للبلاد من حول جزيرة العرب تتضح أكثر فأكثر، وصارت هذه البلاد بفعل الثقافة تتجه أكثر فأكثر نحو الوحدة في العقيدة الإسلامية وما ينبني عليها من المفاهيم والأفكار والأنظمة وينبثق عنها.
والقول بأن هذا المجتمع، أو هذا العصر، أو هذا الاتجاه قد تنحّى أو أخذ يتنحّى بعد عشرين سنة أو ثلاثين سنة من وفاة الرسول ﷺ أمام عصر جديد ومفاهيم مغايرة واتجاهات مخالفة يخالف مفهوم المجتمعات وطبيعة قيامها وتحولها من حال إلى حال، ويخالف سنن تطور النظم والأفكار والمفاهيم فيها، ولو فرضنا أن المجتمع الإِسلامي في أواخر خلافة عثمان وفي زمن الخلاف بين علي وخصومه كان يقع بين قطبي المحافظة والتغيير لما أمكن لقوى التغيير إذا صح وجودها أن تنجح في مهمتها بمثل هذه السرعة والسهولة إلا أن يكون بناء المجتمع هشا ابتداء.
[ ٣٥ / ٢٩٨ ]
هذا وقد ظل معاوية في أيام خلافته كما كان في أيام خلافة عمر بن الخطاب وعثمان ابن عفان يفتح الله على يديه الفتوح، ويغزو الأعداء، ويقسم الفيء والغنيمة ويقيم الحدود ولا يتهم في الحديث عن رسول الله ﷺ وقد روى عنه جمع من الصجابة والتابعين [١٦٤] .
ونظرة إلى نواب معاوية وولاته في الأقاليم والبلدان نجدهم من أولئك الذين ولاّهم الخلفاء الراشدون من قبل، منهم، المغيرة بن شعبة الثقفي وعمرو بن العاص وعبد الله ابن عامر ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص وزياد بن أبيه وأمثالهم.
وأخرى إلى القضاة الذين كانوا يفصلون فيما شجر بين الناس في زمنه نجد في المدينة أبا هريرة ثم عبد الله بن نوفل بن الحارث ثم أبا سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف وهو من أفقه الناس، ثم أخاه مصعب بن عبد الرحمن بن عوف.
ونجد في البصرة عميرة بن يثربى الضبي ثم عبد الله بن فضالة الليثي ثم أخاه عاصم بن فضالة ثم زرارة بن أوفى، وفي الكوفة شريح بن الحارث الكندي، وكان شريح يلي القضاء فيها منذ أيام عمر بن الخطاب وظل قاضيا إلى ما بعد خلافة معاوية، وفي بلاد الشام فضالة بن عبيد الأنصاري، أحد من بايع بيعة الرضوان، ثم النعمان بن بشير، ثم بلال بن أبي الدرداء، وفي مصر، سليم بن عتر اليحصبي، وقيل ابن عنز، وكان كثير التلاوة للقرآن ويدعى الناسك لشدة تألهه وكثرة تعبده [١٦٥] .
والمعلوم أن القضاء من أبرز العوامل التي تحدد شخصية المجتمع.
[ ٣٥ / ٢٩٩ ]
وأما إذا كان مفهوم المجتمع لا يعني إلا أشخاص الحاكمين ومن فيه من الأفراد، فلاشك أن أبا بكر وعثمان وعليا وأمثالهم من الصحابة من أبناء العصر الراشدي لا يماثلهم أبناء العصر الأموي وحكامه، والاختلاف بينهم بيّن وواضح، ولكن الفرق بينهما لا يدعو إلى وصفه بالانقلاب، والمجتمع بالمفهوم السابق لا يطابق حقيقة المجتمع وواقعه، ففهم المجتمع على أنه مجموع ما فيه من الحكام والأفراد يغفل جوانب المجتمع وخصائصه الأخرى في العقيدة والمفاهيم والأنظمة والأفكار المنبثقة عن العقيدة وآثارها في العلاقات بين الناس وانضباط العلاقات بها.
وعليه فإن وصول معاوية إلى منصب الخلافة لابدَّ أنْ يُدرَسَ من خلال وسط آخر غير مقولات تبدل المجتمع وتغير شخصيته، لابد أن يدرس من خلال مقتل عثمان ابن عفان وما تبعه من ظروف وتطورات تلاحقت لا علاقة لها بتبدل مفاهيم المجتمع وتغير عقليته ومعاييره.
فقد جاءت خلافة علي بن أبي طالب من بعد قتل عثمان. وفي الوقت الذي سيطر فيه على المدينة أولئك الذين فصلوا من الأمصار إلى عثمان منحرفين عنه، ولذلك لم يكن الجو الذي استخلف فيه علي بالمدينة كالأجواء التي استخلف فيها من سبقه من الخلفاء، وقيل للاستبراء من عوالق هذا الجو نصح عبد الله بن عباس عليا أن يبتعد عما كان يجرى في المدينة وبينّ له أن الناس عند ذلك لن يتركوه حتى يأتوا به ويبايعوا له، ولكن عليا عصاه [١٦٦]، وقيل نصحه ابنه الحسن بمثل ذلك وأشار عليه أن لا يقبل البيعة حتى تأتيه وفود العرب وبيعة كل مصر فإنهم لن يقطعوا أمرا دونه ولكن عليا أبى [١٦٧] .
[ ٣٥ / ٣٠٠ ]
كان علي بن أبي طالب يرى أنه أحق الناس بالخلافة، فلما بايعه من بالمدينة قبلها خشية على الدين كما قال، ومخافة أن يرجع الناس إلى أمصارهم ولم يقم بعد عثمان قائم فيقع الاختلاف والفساد [١٦٨]، ولم ير لنفسه أن يتنحّى عن حمل المسؤولية أو يفرط بالأمر، ورأى أن يقاتل بمن أطاعه من خالفه [١٦٩]، وسار على هذه السياسة مع خصومه في الجمل وصفين والنهروان وغيرها، ولكن النتائج آلت إلى غير ما كان يهوى وتنغصت عليه الأمور، وانكسر عليه رأيه [١٧٠]، فلم حدث ذلك؟.
كان طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وعائشة زوج الرسول ﷺ قد خرجوا بعد استخلاف علي إلى البصرة من غير مشورة علي ورضاه يطلبون بدم عثمان وإصلاح الأمر [١٧١]، وقيل لما سأل علي بن أبي طالب سعد بن أبي وقاص أن يقاتل معه، قال له سعد: قد كان ما بلغك فأعطني سيفا يعرف المسلم من الكافر حتى أقاتل به معك، وقال له عبد الله بن عمر: أنشدك الله أن تحملني على مالا أعرف، وقال له محمد بن مسلمة: إن رسول الله أمرني أن أقاتل بسيفي ما قوتل به المشركون، فإذا قوتل أهل الصلاة أضرب به صخر أحد حتى ينكسر وقد كسرته بالأمس، وقال أسامة بن زيد: أعفني من الخروج في هذا الوجه فإني عاهدت الله ألا أقاتل من يشهد أن لا إله إلا الله [١٧٢] . وقيل لزم أكثر أهل بدر بيوتهم بعد قتل عثمان فلم يخرجوا إلا إلى قبورهم [١٧٣] .
[ ٣٥ / ٣٠١ ]
وإضافة إلى كراهة من سبق ذكرهم من أهل المدينة للقتال بين المسلمين كان هناك في الكوفة من يدعو إلى القعود عن القتال واعتزال الفتنة مثل أبي موسى الأشعري، وكان يرى من اعتزل وكره الدماء هو من خيار الناس ممن قد خفّ ظهره من مظالم الناس [١٧٤]، والقعود عن القتال واعتزال الفتنة اتجاه إسلامي عند هؤلاء أداهم إليه اجتهادهم وأخبار عن رسول الله ﷺ خاصة بهم، وليس بالضرورة بواجب، إذ لو كان الواجب في كل اختلاف يقع بين المسلمين الهرب منه بلزوم المنازل وكسر السيوف لما أقيم حد ولا أبطل باطل [١٧٥]، فقد مال بالمقابل أغلب أهل الكوفة إلى علي بن أبي طالب وقاتلوا في طاعته في الجمل لاقتناعهم بحاجة الناس إلى إمارة تنظمهم وتزع الظالم وتعز المظلوم [١٧٦]، وهي جميعًا لاشك مفاهيم إسلامية، ولكننا أوردناها لبيان الآراء والمواقف التي نجمت عن مقتل عثمان بن عفان ومعرفة منطلقاتها الفكرية وآثارها على الخلاف بين الأطراف.
وفي البصرة، اعتزل بعض أهلها مثل الأحنف بن قيس وقومه القتال في الجمل، ومنهم من ناصر الخليفة علي بن أبي طالب، ومنهم من ناصر طلحة وصحبه، وهي جميعًا مواقف وآراء ومفاهيم إسلامية، ولما مرّ علي بن أبي طالب بقتلى الجمل قال: إني لأرجو أن لا يكون أحد نقّى قلبه لله من هؤلاء إلا أدخله الله الجنة [١٧٧] .
ولاشك أن ما هو أفضل من هذا الاختلاف في الآراء والمواقف أن يكون رأي الناس واحدا وجماعتهم واحدة، ولكن أنىّ يكون ذلك وقد جعل قتل عثمان والأجواء التي خلفها قتله تفكير الناس وآراءهم ومواقفهم في اختلاف!.
وبعد الجمل، خرج علي بالناس إلى صفين، وبعد أن نشب القتال في صفين واشتد، رفعت المصاحف ونودي إلى التحكيم، فتوقف القتال ونزل علي بن أبي طالب على التحكيم وأجاب، فَلِمَ أجاب علي إلى التحكيم ورضيه؟
[ ٣٥ / ٣٠٢ ]
قيل كان أبو سعيد الحسن البصري ينكر الحكومة، وكان إذا جلس فتمكن في مجلسه ذكر عثمان فترحم عليه ثلاثا ولعن قتلته ثم يذكر عليا فيقول: "لم يزل أمير المؤمنين علي ﵀ يتعرفه النصر ويساعده الظفر حتى حكم، فلم تحكّم والحق معك" [١٧٨] .
ولمعرفة ما جرى يحسن إِيراد بعض الشواهد التي وقعت قبل صفين وعززت قبول التحكيم والموادعة والصلح.
نهض الحارث بن حوط الليثي بعد الجمل إلى علي بن أبي طالب وهو على المنبر فقال: أتظن أنا نظن أن طلحة والزبير كانا على ضلال، فقال علي: يا حار، إنه ملبوس عليك، إن الحق لا يعرف بالرجال، فاعرف الحق تعرف أهله [١٧٩] .
وقال رجل من فزارة يسمى أربد لعلي: أتريد أن تسير بنا إلى إخواننا من أهل الشام فنقتلهم كما سرت بنا إلى إخواننا من أهل البصرة فقتلناهم؟ كلا، ها الله إذًا لا نفعل ذلك، وهرب الفزاري، ولكن الناس وطئوه بأرجلهم حتى مات [١٨٠] .
واستخلف علي بن أبي طالب على الكوفة أبا مسعود عقبة بن عامر البدري الأنصاري في أثناء خروجه إلى صفين [١٨١]، وكان رجال من أهل الكوفة استخْفُوا، وكان ناس يأتون أبا مسعود فيقولون: قد والله أهلك الله أعداءه وأظفر المؤمنين، فيقول أبو مسعود: "إني والله ما أعده ظفرا ولا عافية أن تظهر إحدى الطائفتين، ولكن نعدها عافية أن يصلح الله أمة محمد ويجمع ألفتها" [١٨٢]، وقال الأشتر النخعي لقومه النخع، "وإنكم تسيرون غدا إلى أهل الشام قوم ليس لكم عليهم بيعة، فلينظر امرؤ منكم أين يضع سيفه" [١٨٣] .
وقيل كان الناس في العراق منهم المسرور لما كان بين علي ومعاوية وهم أغشاء الناس، ومنهم المكبوت الآسف وهم نصحاء الناس لعلي، هذا إضافة إلى ما كان من أصوات أخرى انطلقت تندد بالقتل [١٨٤]، وما روي عن علي بن أبي طالب أنه تحسر لما رأى قتلى الجمل وتمنى لو أنه مات قبل ذلك [١٨٥] .
[ ٣٥ / ٣٠٣ ]
وهي شواهد تشير إلى أن القتال بين المسلمين (قتال أهل القبلة وأهل الصلاة) دون القتال في سبيل الله ومجاهدة الأعداء كان قد أخذ يتعرض للنقد قبل معركة صفين، ثم أصبح التخلي عنه واللجوء إلى حل بديل عنه وهو التحكيم والصلح مطلبا في صفين.
ولابد من القول بأن القتال يوم الجمل ويوم صفين لم يكن بأمر من النبي ﷺ وإنما كان رأيا رآه علي [١٨٦]، ولم يوافقه عليه كثير من الصحابة، ولما وجد علي أن عظم من كان معه قد مالوا إلى الصلح في صفين، وأن من آثر منهم مواصلة القتال لا يتحقق بهم المصلحة أجاب إلى الحكومة ورضي التحكيم.
وسواء كان الذين مالوا إلى الصلح وحقن الدماء بعد أن كانوا مشوا من قبل درب القتال مالوا مشفقين على أنفسهم من القتل أو مالوا مشفقين من القتل على المسلمين، فإننا مع الجميع في ظلال آراء ومفاهيم ومواقف إسلامية، ولا يقلل من ذلك أن معاوية وصحبه هم الذين رفعوا شعار التحكيم، فلولا أن حقن دماء المسلمين كان يلاقى هوى في النفوس ما استجابوا له، ولولا أن كتاب الله وتحكيمه في العلاقات بين الناس له سلطانه عليهم ما رفعوه.
وسار التحكيم بما لا يرتضيه علي بن أبي طالب، وكان علي أراد أن يجعل عبد الله ابن عباس عنه حكما، ولكن أهل العراق اختاروا أبا موسى الأشعري، وقيل إن الذي أشار بأبي موسى الأشعري هو الأشعث بن قيس الكندي، ورفض عبد الله بن عباس وقال: لا والله، لا يحكم فينا مضريان [١٨٧] .
وهذا إن صح، له مدلول قبلي، ولكن قبلية هذا الكلام لا تصيب أبا موسى الأشعري، لا في موقفه من الأحداث ولا في حكمه في القضية، فأبو موسى صحابي وموقفه من الأحداث معروف، وفضلا عن ذلك، ذكر الهيثم بن عدي، أن أول من أشار بأبي موسى هو الأشعث بن قيس الكندي، وتابعه أهل اليمن لأن أبا موسى كان ينهى الناس عن الفتنة والقتال، ولم يدخل فيما دخل فيه الناس، واعتزل في بعض أرض الحجاز [١٨٨] .
[ ٣٥ / ٣٠٤ ]
وذكر أبو حنيفة الدينوري أن الأشعث وقراء العراق رضوا بأبي موسى لأنه رجل هو من علي ومن معاوية سواء ليس إلى أحد منهما بأدنى منه إلى الآخر [١٨٩] .
وقال ابن أعثم إنهم قالوا: فإننا قد رضينا بأبي موسى الأشعري، فإنه وافد رسول الله ﷺ إلى اليمن وصاحب مقاسم أبي بكر وعامل عمر بن الخطاب [١٩٠] .
وقيل إن علي بن أبي طالب بعدما لم يوافقوه في عبد الله بن عباس وأشاروا عليه بأبي موسى أراد أن يبعث الأشتر النخعي عنه حكما، فلم يوافقوه وقالوا: وهل سعّر الحرب وسعّر الأرض إلا الأشتر [١٩١] .
والأشتر النخعي مثل أبي موسى يماني، وهذا دليل علِى أن يمانية أبي موسى الأشعري ليست هي المقصودة، ويبدو أن اختيار أبي موسى كان اختيارًا لاتجاهه واستمرارًا لمطلب وقف القتال بين المسلمين، وحل الخلاف عن طريق الصلح.
وفي مؤتمر التحكيم طرح الحكمان وجهات نظر إسلامية، انطلقت من الحرص على جمع الكلمة ووحدة الأمة، فناقشا مسألة الخلافة، واتفقا على النظر فيمن يكون محل إجماع الأمة واتفاقها، ولكنهما اختلفا حول تسمية من يقدمانه للإمامة ويختارانه للخلافة، وبنى أهل الشام على ذلك جواز استخلاف معاوية وتعلّل بعضِ أهل العراق على علي بسبب التحكيم العلل وخرجوا عليه، مما أضعف جانب علي كثيرًا، ولكن ذلك لم يحسم المسألة لصالح معاوية وظل عليا خليفة حتى قتل عام ٤٠ هـ.
وحتى هذا الحد لا نزال أمام نتائج كانت جميعها إفرازات آراء ومفاهيم ومواقف إسلامية متباينة، ومحصلة اجتهادات متفاوتة.
والى جانب عامل القتال بين المسلمين وتطوراته كان عامل الطلب بدم عثمان بعدًا آخر من أبعاد فهم وصول معاوية إلى الخلافة.
[ ٣٥ / ٣٠٥ ]
فقد قتل عثمان بن عفان، وقام بنو أمية بالحجاز يطلبون بدم عثمان منهم عبد الله ابن عامر وسعيد بن العاص والوليد بن عقبة ومروان بن الحكم وعبد الرحمن بن عتاب ابن أسيد ويعلي بن أمية وغيرهم من بني أمية [١٩٢]، ومما قاله الوليد بن عقبة من الشعر يحرض به معاوية على الطلب بدم عثمان [١٩٣]:
النهار ولم يثأر بعثمان ثائر
والله ما هند بأمك إن مضى
ولم يقتلوه، ليت أمك عاقر
أيقتل عبد القوم سيد أهله
وأشعار أخرى قالها يحرض فيها على الطلب بدم عثمان.
وقد يوصف تحرك بني أمية في الطلب بدم عثمان بالقبلية، ولكن عثمان كان خليفة، وقتله قضية تهم المسلمين عامة، ولم يتحرك بنو أمية في هذا الوجه وحدهم من دون الناس، فقد خرجوا مع طلحة وجمع كثير من المسلمين، وطلب بدم عثمان أهل الشام ومصر وغيرهم.
وفي حين انتهت حركة المطالبة بدم عثمان في العراق عند حدود معركة الجمل في البصرة، حظيت بنصير قوي لها في الشام.
ومثلما أقام طلحة وصحبه حركة المطالبة بدم عثمان في العراق، أقامها في الشام معاوية، ومثلما كانت سابقة طلحة وصحبه ومكانتهم وعضوية طلحة والزبير وعثمان في الشورى- شورى عمر- من أسباب التفاف من التف حولهم [١٩٤]، كانت إمرة معاوية وأثره الطيب في ولايته وقرابته من عثمان من أسباب التفاف من التف حوله من أهلِ الشام وغيرهم، ومثلما كانت حركة المطالبة بدم عثمان بقيادة طلحة وصحبه تمثل بعدًا إسلاميًا كانت مثلها حركة المطالبة بدم عثمان في الشام بقيادة معاوية.
[ ٣٥ / ٣٠٦ ]
وهي جميعًا مواقف صادرة عن اجتهادات متأولة، وقد اختلفت هذه الاجتهادات فاختلفت المواقف، وأصاب البعض وهو علي بن أبي طالب وأخطأ غيره [١٩٥]، وكان الأولى، وقد بويع علي بن أبي طالب بالخلافة أن يتابع القوم ويبايعوه تجنبًا للفرقة، وسفك الدماء، وكان يمكن في اجتماع الكلمة ووحدة الأمة أن يكون خير كثير، ولكن طلحة وصحبه وقفوا مع شورى عمر بن الخطاب والطلب بدم عثمان وهي قيم إسلامية محضة، ووقف معاوية بن أبي سفيان يطلب بدم عثمان، واستفظع أن يقتل عثمان وأن يعلو اتجاه الذين ثاروا عليه وأن ينجو الذين قتلوه، ولم ير علي بن أبي طالب يزيد في قوله بصددهم عن محاكمتهم إليه ليحملهم وإياهم على ما في كتاب الله وسنة نبيه، وأنهضت الظروف وتطوراتها في نفسه الإمارة، ووجد في قول الرسول ﷺ ما يطمئن إليه، فتحرك من غير تردد ولا إصغاء إلى أحَد.
ذكر ابن عساكر [١٩٦]، أن معاوية كان كتب إلى عبد الله بن عباس كتابًا فأجابه ابن عباس: من عبد الله بن عباس إلى معاوية بن أبي سفيان، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، عصمنا الله وإياك بالتقوى، أما بعد
فقد جاءني كتابك، فلم أسمع منه إلا خيرًا، وذكرت شأن المودة بيننا، وإنك لعمر والله، لمودود في صدري، من أهل المودة الخالصة والخاصة، وإني للخلة التي بيننا لراع ولصالحها حافظ ولا قوة إلا بالله.
[ ٣٥ / ٣٠٧ ]
أما بعد. حفظ الله، فإنك من ذوي النهي من قريش وأهل الحلم والخلق الجميل منها، فليَصْدُر رأيك بما فيه النظر لنفسك والتقية على دينك والشفقة على الإسلام وأهله، فإنه خيرٌ لك وأوفر لحظك في دنياك وآخرتك، وقد سمعتك تذكر شأن عثمان بن عفان، فاعلم أن انبعاثك في الطلب بدمه فرقةٌ وسفك للدماء وانتهاك للمحارم، وهذا، لعمر الله، ضرر علي الإِسلام وأهله، وأن الله سيكفيك أمر سافكي دم عثمان، فتأنَّ في أمرك، واتق الله ربِّك، فقد يقال، إنك تكيد الإمارة (تحتال لها)، وتقول، إن معك وصية رسول الله ﷺ بذلك، فقول نبي الله الحق، فتأنَّ في أمِرك، ولقد سمعت رسول الله ﷺ يقول للعباس: إن الله يستعمل من ولدك اثنى عشر رجلًا، منهم السفاح والمنصور والمهدي والأمين والمؤتمن وأمير العصب، أفتراني استعجل الوقت أو انتظر قول رسول الله ﷺ، وقوله الحق، وما يُرد الله من أمر يكن ولوكره العالم ذلك، وأيم الله لو أشاء لوجدت متقدما وأعوانًا وأنصارًا ولكني أكره لنفسي ما أنهاك عنه، فراقب الله ربك واخلف محمدًا في أمته خلافة صالحة، فأما شأن ابن عمك علي بن أبي طالب، فقد استقامت له عشيرتك وله سابقته وحقه ونحن له على الحق أعوان ونصحاء لك وله ولجماعة المسلمين والسلام عليك ورحمة الله.
وجرى ما جرى وأفضت الحال إلى صفين والتحكيم والنهروان والنخيلة، وتضعضع جانب علي بن أبي طالب، ولعلّ ابن عباس من خلال استقراء ما حدث قال قولته التي رويت عنه، قال ابن عباس: والله ليتأمرن عليكم معاوية، وذلك أن الله ﵎ يقول ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [١٩٧] .
[ ٣٥ / ٣٠٨ ]
ثم قتل علي بن أبي طالب على يد الخوارج، وقام ابنه الحسن بن علي مقامه، ولكن الحسن آثر أن يتنازل عن الخلافة رغبة منه في الصلح بين طائفتين من المسلمين وحقن دمائهم، ووصل معاوية إلى الخلافة من غير أن تكون شخصية المجتمع الإِسلامي تبدلت ومفاهيمه وعقليته تغيرت ومعالمه انقلبت، وظلت الاستمرارية في خصائصه ومعالمه قائمة على تفاوت بين أفراده قوة وضعفا، ولكنها ظلت قائمة في ركيزته القضائية والتنفيذية ومصونة في عقيدة الإِسلام وشريعته.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] البخاري/ صحيح البخاري، فضائل أصحاب النبي، مناقب عمر بن الخطاب ج٥ ص ١٤- ١٥.
[٢] أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج٤ ص ٢٣٤.
[٣] انظر: ابن كثير/ البداية والنهاية ج٧ ص ٢٩٣.
[٤] ابن أبي شيبة/ المصنف ج١٥ ص ٢٧١- ٢٧٢، أبو جعفر الطبري ج٤ ص ٥٠٨- ٥٠٩، المقدسي/ البدء والتاريخ ج٥ ص ٢١٣، ابن الأثير/ الكامل في التاريخ ج٣ ص ١٢٢.
[٥] الذهبي/ العبر في خبر من غبر ج١ ص ٢٧، ابن حجر/ فتح الباري ج١٣ ص ٦١.
[٦] ابن حجر/ فتح الباري ج١٣ ص ٦٠.
[٧] انظر: أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج٥ ص ٨، الهيثمي/ مجمع الزوائد ج٧ ص ٢٣٦، ابن حجر/ المطالب العالية ج٤ ص ٢٩٧- ٢٩٩، ابن حجر/ فتح الباري ج١٣ ص ٥٥- ٥٧.
[٨] الجاحظ/ البيان والتبيين ج٤ ص ٢٢٢.
[٩] ابن عساكر/ تاريخ دمشق- تراجم حرف العين تحقيق شكري فيصل ورفاقه ص ٤٢٦- ٤٢٧ ترجمة عبد الله ابن الزبير.
[١٠] ابن حجر/ فتح الباري ج١٣ ص ٥٦. ٦٠، ابن حزم/ الفصل في الملل ج٤ ص ٢٣٨- ٢٣٩.
[١١] ابن أبي شيبة/ المصنف ج١٥ ص ٢٦٢-٢٦٣، ٢٨٦.
[ ٣٥ / ٣٠٩ ]
[١٢] أبو حنيفة الدينوري/ الأخبار الطوال ص ١٤٧، أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج٤ ص ٢٩٢، ٥، ٧، ابن أبي شيبة/ المصنف ج١٥ ص ٢٨٣، ٢٨٤، المقدسي/ البدء والتاريخ ج٥ ص ٢١٣، ابن حجر/ المطالب العالية ج ٤ ص ٣٠١، ابن حزم/ الفصل في الملل ج٤ ص ٢٣٩، الذهبي/ العبر في خبر من غبر ج١ ص ٧، ابن كثير/ البداية والنهاية ج ٧ ص ٢٥٣.
[١٣] انظر المقدسي/ البدء والتاريخ ج٥ ص ٢٠٩، ابن عساكر/ تاريخ دمشق (مخطوط) ج١٦ ص ٧٠٣، ترجمة معاوية ابن أبي سفيان، الذهبي/ سير أعلام النبلاء ج٣ ص ١٣٦، ابن كثير/ البداية والنهايةج٧ ص ٢٣٩.
[١٤] ابن كثير/ البداية والنهاية ج ٨ ص ٢٢.
[١٥] يحي بن سليمان بن يحي بن سعيد الجعفي الكوفي المقرئ الحافظ نزيل مصر روى له البخاري وقال عنه الحافظ في التقريب: صدوق يخطئ. مات سنة ٢٣٧ هـ أو التي بعدها.
[١٦] انظر: الذهبي/ سير أعلام النبلاء ج٣ ص ١٤٠ ترجمة معاوية بن أبي سفيان.
[١٧] المقدسي/ البدء والتاريخ ج ٥ ص ٢١٧.
[١٨] انظر أبو جعفر الطبري/تاريخ الطبري ج٥ ص ٦، أبو حنيفة الدينوري/ الأخبار الطوال ص ١٥٧، نصر ابن مزاحم/ وقعة صفين ص ٢٩، ٥٨. ٨٥، ابن عساكر/ تاريخ دمشق (مخطوط) ج ١٦ ص ٧٠٨، ترجمة معاوية ابن أبي سفيان، ابن حجر/ فتح الباري ج ١٣ ص ٦٠- ٦١، ٩٢، المقدسي/ البدء والتاريخ ج ٥ ص ٢١٠، الذهبي/ سير أعلام النبلاء ج ٣ ص ١٤٠، ابن كثير/ البداية والنهاية ج ٧ ص ٢٦٩- ٢٧٠.
[١٩] انظر: ابن عساكر/ تاريخ دمشق (مخطوط) ج١٦ ص ٧٠٨ ترجمة معاوية بن أبي سفيان.
[٢٠] المصدر نفسه ج ١٦ ص ٧٠٧، ترجمة معاوية بن أبي سفيان.
[٢١] انظر: البلاذري/ أنساب الأشراف ص ٣٠٢ تحقيق المحمودي، ابن أعثم/ الفتوح ج٢ ص ٤١٦، حيدر اباد ١٩٧٠ م، أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج٥ ص ٧، المقدسي/ البدء والتاريخ ج٥ ص ٢١٧، ابن الأثير/ الكامل في التاريخ ج٣ ص ١٤٨، ابن كثير/ البداية والنهايةج٧ ص ٢٦٦.
[ ٣٥ / ٣١٠ ]
[٢٢] ابن كثير/ البداية والنهايةج٧ ص ٢٧٠.
[٢٣] انظر: البيهقي/ دلائل النبوة ج ٦ ص ٤٤٦، ابن حجر/ المطالب العالية ج ٤ ص ١٠٨، الهيثمي/ مجمع الزوائد ج٥ ص ١٨٦، ابن كثير/ البداية والنهاية ج ص ١١٧، الذهبي/ سير أعلام النبلاء ج ٣ ص ١٣١ ترجمة معاوية بن أبي سفيان.
[٢٤] انظر: ابن أبي شيبة/ المصنف ج١٥ ص ٢٩٨، اليافعي/ مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة حوادث الزمان ج١ ص ١٣٧.
[٢٥] انظر: ابن كثير/ البداية والنهاية ج٧ ص٢٨٨.
[٢٦] انظر: أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج ٥ ص ٤٨، ابن سعد/ الطبقات الكبرىج٣ ص ٣٢، أبو حنيفة الدينوري/ الأخبار الطوال ص ١٨٩- ١٩١، ابن عساكر/ تاريخ دمشق (مخطوط) ج١٦ ص١٧٢ ترجمة معاوية بن سفيان.
[٢٧] انظر: المقدسي/ البدء والتاريخ ج٥ ص ٢٢٠.
[٢٨] أبو حنيفة الدينوري/ الأخبار الطوال ص ١٩١.
[٢٩] أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج ٥ ص ٤٨.
[٣٠] خليفة بن الخياط/ تاريخ خليفة ص ١٨٥، أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج٤ ص ٥٩، ٥١١، ٥١٤، ٥٢٩.
[٣١] نفس المصدر السابق.
[٣٢] نفس المصدر السابق.
[٣٣] أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج ٥ ص ١٨، ٤١.
[٣٤] أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج٥ ص ٥٥.
[٣٥] انظر: أبو حنيفة الدينوري/ الأخبار الطوال ص ١٨٩، ١٩١، ابن كثير/ البداية والنهاية ج ٧ ص ٢٨٤.
[٣٦] انظر: ابن أبي شيبة/ المصنف ج ١٥ ص ٣١٧- ٣١٨، ابن حجر/ فتح الباري ج١٣ ص ٨٦.
[٣٧] أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج٥ ص ٦٦.
[٣٨] أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج٥ ص ٥٤.
[٣٩] خليفة بن خياط/ تاريخ خليفة ص ١٩٢.
[ ٣٥ / ٣١١ ]
[٤٠] انظر: أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج٥ ص ٧١، ابن سعد/ الطبقات الكبرىج٣ ص ٣٣، اليعقوبي/ تاريخ اليعقوبي ج٢ ص ١٩٠، المسعودي/ التنبيه ص ٢٩٥- ٢٩٦، ابن عساكر/ تاريخ دمشق (مخطوط) ج١٦ ص ٧٠٣ ترجمة معاوية بن أبي سفيان.
[٤١] أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج٥ ص ٥٧، ٦٦.
[٤٢] نفس المصدر السابق.
[٤٣] المبرد/ الكامل في اللغة ج٣ ص ٢١٠- ٢١١.
[٤٤] انظر: خليفة بن خياط/ تاريخ خليفة ص ١٩٢، أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج٥ ص ٥٧، ٦٧.
[٤٥] انظر: أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج٥ ص ٥٤، ٥٧، ٦٦، ٦٧.
[٤٦] المصدر نفسه ج٥ ص ٦٩.
[٤٧] انظر: أبو حنيفة الدينوري/ الأخبار الطوال ص ١٩٩.
[٤٨] أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج٥ ص ٧٠، ابن اعثم/ الفتوح م ٢ ج ٣- ٤ ص ٢١٠.
[٤٩] انظر: ترجمة عمرو بن العاص وترجمة أبي موسى الأشعري عند: ابن عبد البر/ الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ابن حجر/ تهذيب التهذيب، ابن الأثير/ أسد الغابة في معرفة الصحابة.
[٥٠] أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج ٥ ص ٥٣- ٥٤.
[٥١] أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري/ ج٥ ص ٥٧- ٥٩.
[٥٢] المصدر نفسه ج ٥ ص ٦٧- ٧١.
[٥٣] المصدر نفسه ج٥ ص ٦٧.
[٥٤] اليعقوبي/ تاريخ اليعقوبي ج٢ ص ١٩٠.
[٥٥] ابن اعثم/ الفتوح م ٢ج٣- ٤، ٢٠٧- ٢١٠.
[٥٦] ابن كثير/ البداية والنهاية ج٧ ص ٢٩٣.
[٥٧] أبو حنيفة الدينوري/ الأخبار الطوال ص ١٩٩، ٢٠١.
[٥٨] المقدسي/ البدء والتاريخ ص ٥ ص ٢٢٩.
[٥٩] أبو بكر العربي/ العواصم من القواصم ص ١٧٨- ١٧٩.
[٦٠] نبيه أمين فارس/ تطور كتابةْ التاريخ عند العرب المحدثين كما تبدو في معالجتهم قضية النزاع بين علي ومعاوية ص ١٧٣، الأبحاث، الجامعة الأميركية، بيروت، السنة ١٦ الجزء٢ حزيران سنة ١٩٦٣ م.
[ ٣٥ / ٣١٢ ]
[٦١] انظر: أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج ٥ ص ٥٧- ٥٩، القاضي أبو بكر العربي/ العواصم من القواصم ص ١٧٨، ابن كثير/ البداية والنهاية ج ٧ ص ٢٩٣.
[٦٢] ابن أعثم/ الفتوح م ٢ ج ٣- ٤ ص ٢٠٦.
[٦٣] أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج٥ ص ٦٩.
[٦٤] ابن العربي/ العواصم من القواصم ص ١٧٨ - ١٧٩.
[٦٥] أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج٥ ص ٤٢.
[٦٦] ابن أعثم/ الفتوح م ٢ج٣- ٤ ص ٢٠٧- ٢٠٨.
[٦٧] خليفة بن خياط/ تاريخ خليفة ص ١٩٢.
[٦٨] المقدسي/ البدء والتاريخ ج٥ ص ٢٢٩.
[٦٩] الدينوري/ الأخبار الطوال ص ٢٠٠، ابن كثير/ البداية والنهايةج٧ ص ٢٩٣.
[٧٠] الذهبي/ العبر في خبر من غبرج١ ص ٣١.
[٧١] انظر: أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج٥ ص ٧٢- ٩٢، المبرد/ الكامل في اللغةج٣ ص ١٨٧، ١٩٥-١٩٦.
[٧٢] أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج٥ ص ٨٩.
[٧٣] ابن أبي شيبة/ المصنف ج١٥ ص ٣١٩.
[٧٤] انظر: أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج٥ ص ١٢٢- ١٢٤، ابن أعثم/ الفتوح م ٢ ج ٣-٤ ص ٢٤٠، الهيثمي/ مجمع الزوائدج٧ ص ٢٤٦، ابن كثير/ البداية والنهاية ب ٧ ص ٣٢٠.
[٧٥] انظر: أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج٥ ص ١٣٣ - ١٣٦، ابن أعثم/ الفتوح م ٢ج٣-٤ ص ٢٣٧، المقدسي/ البدء والتاريخ ج ٥ ص ٢٢٩، ابن كثير/ البداية والنهاية ج ٧ ص ٣٣١- ٣٣٤.
[٧٦] أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج٥ ص ١٢٢.
[٧٧] الذهبي/ العبر في خبر من غبرة ج ١ ص ٣٢.
[٧٨] أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج٥ ص ١٤٠.
[٧٩] اليعقوبي/ تاريخ اليعقوبي ج٢ ص ٢١٢، أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج٥ ص ١٥٢.
[٨٠] اليعقوبي/ تاريخ اليعقوبي ج ٢ ص ٢١٢.
[٨١] ابن سعد/ الطبقات الكبرىج٣ ص ٣٦.
[٨٢] أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج ٥ ص ٥٥، ٨٢.
[٨٣] المصدر نفسه ج٥ ص ٨٩- ٩٠.
[ ٣٥ / ٣١٣ ]
[٨٤] اليعقوبي/ تاريخ اليعقوبي ج٢ ص ١٨٨- ١٨٩.
[٨٥] ابن الأثير/ الكامل في التاريخ ج٣ ص ٢٠٢.
[٨٦] انظر: ابن حجر/ تهذيب التهذيب ج ٢ ص ٣٠٠ ترجمة الحسن بن علي، ابن قدامة المقدسي/ التبيين في أنساب القرشيين ص ١٠٦، ترجمة الحسن بن علي.
[٨٧] أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج ٥ ص ١٤٦- ١٤٧.
[٨٨] المسعودي/ مروج الذهب ج٣ ص ٤.
[٨٩] أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج ٥ ص ١٥٨.
[٩٠] الذهبي/ سير أعلام النبلاء ص ٣ ص ٢٦٣، رواية الكلبي.
[٩١] خليفة بن خياط/ تاريخ خليفة ص ٢٠٣.
[٩٢] المسعودي/ التنبيه والأشراف ص ٣٠١.
[٩٣] أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج ص ٦٤٨.
[٩٤] الطبراني/ المعجم الكبير ج ٣ ص ٢٦، اليعقوبي/ تاريخ اليعقوي ج٢ ص ٤ ٢١.
[٩٥] اليعقوبي/ تاريخ اليعقوبي ج٢ ص ٢١٤.
[٩٦] ابن أعثم/ الفتوح م ٢ ج ٣، ٤ ص ٢٨٧- ٢٨٨.
[٩٧] اليعقوبي/ تاريخ اليعقوبي ج ٢ ص ٢١٣.
[٩٨] أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج٥ ص ١٤٣، ١٤٩.
[٩٩] الدينوري/ الأخبار الطوال ص ٢١٦، ٢١٨، ابن أعثم/ الفتوح م ٢ج٣-٤ص ٨٨-، المقدسي/ البدء والتاريخ ج ٥ ص ٢٣٥، ابن قدامة المقدسي/ التبيين في أنساب القرشيين ص ١٠٥، الذهبي/ سير أعلام النبلاء ج٣ ص ٢٦٤.
[١٠٠] أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج ٥ ص ١٥٨ رواية الزهري، ابن أعثم/ كتاب الفتوح م ٢ج٣-٤ ص ٢٨٩، المقدسي/ البدء والتاريخ ج ٥ ص ٢٣٥، ابن حجر/ تهذيب التهذيب ج٢ ص ٢٩٨- ٢٩٩، ابن قدامة المقدسي/ التبيين في أنساب القرشيين ص ١٠٥، ابن كثير/ البداية والنهاية ج ٨ ص ١٦.
[١٠١] أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج٥ ص ١٥٩، الذهبي/ سير أعلام النبلاءج٣ ص ٢٦٣ رواية عوانة بن الحكم.
[١٠٢] أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج ٥ ص ١٥٨، ابن كثير/ البداية والنهاية ج ٨ ص ١٦.
[ ٣٥ / ٣١٤ ]
[١٠٣] ابن تيمية/ منهاج السنة ج ٤ ص ٢٩٩، ٥٣٥- ٥٣٦، ابن كثير/ البداية والنهاية ج ٨ ص ١ ٢٥.
[١٠٤] الطبراني/ المعجم الكبير ج ٣ ص ١٠٢.
[١٠٥] أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج ٥ ص ١٦٢، ابن أعثم/ الفتوح م ٢ج٣-٤ ص ٢٩٥.
[١٠٦] المقدسي/ البدء والتاريخ ج٥ ص ٢٣٥.
[١٠٧] أبو حنيفة الدينوري/ الأخبار الطوال ص ٢١٦ - ٢١٧، ابن أعثم/ الفتوح م ٢ ج ٣ -٤ ص ٢٨٩- ٢٩٢، ٢٩٥، المقدسي/ البدء والتاريخ ج ٥ ص ٢٣٦.
[١٠٨] أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج٥ ص ١٥٩- ١٦٠، الذهبي/ سير أعلام النبلاء ج٣ ص ٢٦٣- ٢٦٤، ابن كثير/ البداية والنهاية ج٨ ص ١٦.
[١٠٩] أبو حنيفة الدينوري/ الأخبار الطوال ص ٢١٧- ٢١٨.
[١١٠] المسعودي/ مروج الذهب ج ٣ ص ٨، ٩.
[١١١] اليعقوبي/ تاريخ اليعقوبي ج ٢ ص ٢١٤- ٢١٥.
[١١٢] البخاري/ صحيح البخاري، كتاب الصحاح ج٢ ص ٩٦٢- ٩٦٣.
[١١٣] ابن تيمية/ منهاج السنةج٤ ص ٥٣٦.
[١١٤] البخاري/ صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة، مناقب الحسن والحسين ج٣ ص ١٣٦٩، كتاب الفتن ج٦ ص ٢٦٠٢.
[١١٥] انظر: ابن حجر/ فتح الباري ج ١٣ ص ٦٨ - ٦٩.
[١١٦] أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج٥ ص ١٦٥، الذهبي/ سير أعلام النبلاءج٣ ص ٢٦٤.
[١١٧] خليفة بن خياط/ تاريخ خليفة ص ٢٠٣، المقدسي/ البدء والتاريخ ج ٥ ص ٢٣٧.
[١١٨] الشعبي/ تابعي ثقة، ولد عام ١٩ هـ وقيل عام ٢٠هـ انظر: الذهبي/ تهذيب التهذيب ترجمة عامر الشعبي.
[١١٩] الطبراني/ المعجم الكبير ج ٣ ص ٢٦.
[١٢٠] أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج٥ ص ١٦٢- ١٦٣.
[١٢١] ابن أعثم/ الفتوح م ج ٣ -٤ص ٢٩٣، ابن كثير/ البداية والنهايةج٨ ص ١٦.
[١٢٢] الذهبي/ سير أعلام النبلاءج٣ ص ٢٦٤.
[١٢٣] أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج٥ ص ١٦٠.
[١٢٤] المقدسي/ البدء والتاريخ ج٥ ص ٢٣٦.
[ ٣٥ / ٣١٥ ]
[١٢٥] الذهبي/ سير أعلام النبلاء ج٣ ص ٢٦٤.
[١٢٦] أبو حنيفة الدينوري/ الأخبار الطوال ص ٢١٨.
[١٢٧] الذهبي/ سير أعلام النبلاءج٣ ص ٢٦٤.
[١٢٨] أبو حنيفة الدينوري/ الأخبار الطوال ص ٢١٨.
[١٢٩] البخاري/ صحيح البخاري، كتاب الصلح ج ٢ ص ٩٦٣.
[١٣٠] ابن أعثم/ الفتوح م ٢ ج٣-٤ ص ٢٩٣.
[١٣١] أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج ٥ ص ١٦٥.
[١٣٢] انظر: ابن حجر العسقلاني/ فتح الباري ج١٣ ص٦٨.
[١٣٣] البخاري/ صحيح البخاري، كتاب الصلح ج ٢ ص ٩٦٣.
[١٣٤] أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج٥ ص ١٦٣- ١٦٤، ابن أبي شيبة/ ج١٥ ص ٧٩- ٨٠.
[١٣٥] فلهوزن/ تاريخ الدولة العربية ص ١٠٣- ١٠٦.
[١٣٦] انظر: أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج٥ ص ١٥٩ - ١٦٠، ابن أبي شيبة/ المصنف ج ١٥ ص ٧٩.
[١٣٧] انظر: أبو حنيفة الدينوري/ الأخبار الطوال ص ٢١٧، ابن أعثم/ الفتوح م ٢ج٣-٤ ص ٢٨٩، المقدسي/ البدء والتاريخ ج٥ ص ٢٣٥، ابن حجر/ المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانيةج٤ ص ٣١٨، ٣١٩.
[١٣٨] انظر: أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج ٥ ص ١٣٩- ١٤٠، ابن الأثير/ الكامل في التاريخ ج ٣ ص ١٩٢.
[١٣٩] انظر: اليعقوبي/ تاريخ اليعقوبي ج٢ ص ٢١٤، أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج٥ ص ١٤١- ١٤٣، ١٦٣، فلهوزن/ تاريخ الدولة العربية ص ١٠٠- ١٠٦.
[١٤٠] انظر: أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج٥ ص ١٤١- ١٤٣.
[١٤١] انظر: ابن أعثم/ الفتوح م ٢ ج ٣-٤ ص ٢٩١، ٢٩٣، ٢٩٤، أبو حنيفة الدينوري/ الأخبار الطوال ص ٢١٨، أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج٥ ص ١٦٠، ابن حجر/ المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية ج ٤ ص ٣١٨، ٣١٩، ابن أبي شيبة/ المصنف ج١٥ ص ٧٩- ٨٠.
[١٤٢] ابن حجر/ تهذيب التهذيب ج ٢ ص ٢٩٩ ترجمة الحسن بن علي، الذهبي/ سير أعلام النبلاءج٣ ص ٢٦٤.
[ ٣٥ / ٣١٦ ]
[١٤٣] ابن أعثم/ الفتوح م ٢ج٣-٤ ص ٢٩٣.
[١٤٤] المقدسي/ البدء والتاريخ ج٥ ص ٢٣٦، ابن أعثم/ الفتوح م ٢ج٣ ٤ ص٢٩١.
[١٤٥] ابن أعثم/ الفتوح م٢ج ٣-٤ ص ٢٩٣، ابن حجر/ فتح الباري ج ١٣ ص ٧٠.
[١٤٦] انظر: المقدسي/ البدء والتاريخ ج٥ ص ٢٣٦، ابن أعثم/ الفتوح م ٢ ج ٣ ٤ ص ٢٩٣.
[١٤٧] ابن كثير/ البداية والنهاية ج ٨ ص ١٦، الذهبي/ سير أعلام النبلاء ج٣ ص ٢٦٤ ترجمة الحسن بن علي.
[١٤٨] الطبراني/ المعجم الكبير ج٣ ص ١٦، ابن حجر/ تهذيب التهذيب ج٢ ص ٣٠٠ ترجمة الحسن بن علي، ابن حجر/ فتح الباري ج١٣ ص ٦٨، ابن قدامة المقدسي/ التبيين في أنساب القرشيين ص ١٠٥، وانظر: اليعقوبي/ تاريخ اليعقوبي ج٢ ص ٢١٥، أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج ٥ ص ١٦٣.
[١٤٩] الطبراني/ المعجم الكبيرة ج ٣ ص ٩٣، أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج٥ ص ١٦٥.
[١٥٠] الطبراني/ المعجم الكبير ج ٣ ص ٢٦.
[١٥١] انظر: ابن حجر/ تهذيب التهذيب ج ٢ ص ٢٩٩ ترجمة الحسن بن علي.
[١٥٢] انظر: أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج٥ ص ١٦٤.
[١٥٣] انظر: خليفة بن خياط/ تاريخ خليفة ص ٢٠٣.
[١٥٤] المسعودي/ التنبيه والأشراف ص ٣٠١.
[١٥٥] ابن قتيبة الدينوري/ عيون الأخبار ج ١ ص ١٤، ابن عبد ربه/ العقد الفريد ج٤ ص ٣٦٤.
[١٥٦] انظر: أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج٥ ص ١٧٦، ج٦ ص ٢٠٧.
[١٥٧] انظر: جورجي زيدان/ تاريخ التمدن الإسلامي ج٣ ص ٣٣٥- ٣٣٦.
[١٥٨] انظر: الدوري/ مقدمة في تاريخ صدر الإسلام ص ٥٨- ٦٢.
[١٥٩] انظر: يوسف العش/ الدولة الأموية ص ١١٨- ١٢٣.
[١٦٠] انظر: الدوري/ مقدمة في تاريخ صدر الإسلام ص ٥٨.
[ ٣٥ / ٣١٧ ]
[١٦١] انظر: العش/ الدولة الأموية ص ١١٩، ومن أجل الأمثلة على ذلك انظر: اليعقوبي/ تاريخ اليعقوبي ج٢ ص ١٨٩،أبو حنيفة الدينوري/ الأخبار الطوال ص ١٩٢، أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج ٥ ص ٦٦، ابن أعثم/ الفتوح م ٢ ج٣-٤ ص ٦٥، ابن كثير/ البداية والنهايةج٧ ص ٢٩٣.
[١٦٢] ابن عساكر/ تاريخ دمشق (مخطوط) ج١٦ ص ٧١٤ ترجمة معاوية بن أبي سفيان.
[١٦٣] انظر: زيدان/ تاريخ التمدن الإسلامي ج٣ ص ٣٣٥- ٣٣٦.
[١٦٤] ر: ابن عساكر/ تاريخ دمشق (مخطوط) ج١٦ ص ٦٧١، ٦٧٤، الطبراني/ المعجم الكبير ج ١٩ ص ٣١٩ - ٣٩٣.
[١٦٥] انظر: وكيع/ أخبار القضاة ج ١ ص ١١١- ١١٩، ج ٢ ص ١٨٩، ١٩٤، ٣٩٦-٣٩٧، ج٣ ص ٢٠١، ٢٢٢، ٢٩١، ٢٩٢، الذهبي/ سير أعلام النبلاء ج ٤ ص ١٣٢ ترجمة سليم بن عتر.
[١٦٦] الهيثمي/ الزوائد العاليةج٧ ص ٢٣٦، ابن عساكر/ تاريخ دمشق (مخطوط) ج ١٦ ص٧٠٦ ترجمة معاوية بن أبي سفيان.
[١٦٧] ابن الأثير/ الكامل في التاريخ ج ٣ ص ١١٤.
[١٦٨] ابن حجر/ فتح الباري ج١٣ ص ٦٢، ٩٩.
[١٦٩] ابن الأثير/ الكامل في التاريخ ج٣ ص ١١٤.
[١٧٠] انظر: ابن أعثم/ الفتوح م ٢ ج ٣ -٤ ص ٢٣٥، ابن حجر/ المطالب العالية ج٤ ص ٣٢٣- ٣٢٤، ابن كثير/ البداية والنهايةج٧ ص ٢٣٥، ج ٨ ص ١٣.
[١٧١] ابن حجر/ فتح الباري ج ١٣ ص ٦١، الذهبي/ العبر في خبر من غبر ج ١ ص ٢٧.
[١٧٢] الدينوري/ الأخبار الطوال ص ١٤٣، البخاري/ التاريخ الكبير ج ١ ص ١٢ ترجمة محمد بن مسلمة.
[١٧٣] ابن كثير/ البداية والنهايةج٧ ص ٢١٤.
[١٧٤] ابن أعثم/ الفتوح م ٢ ج ٣-٤ ص ٢٠٨- ٢٠٩.
[١٧٥] ابن حجر/ فتح الباري ج ١٣ ص ٣٧.
[١٧٦] الدينوري/ الأخبار الطوال ص ١٤٥، أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج ٤ ص ٤٨٥ وما بعدها.
[١٧٧] ابن الأثير/ الكامل في التاريخ ج ٣ ص ١٣٢.
[ ٣٥ / ٣١٨ ]
[١٧٨] المبرد/ الكامل في اللغة ج ٣ ص ٢١٥- ٢١٦.
[١٧٩] الجاحظ/ البيان والتبيين ج ٢ ص ٢١١.
[١٨٠] أبو حنيفة الدينوري/ الأخبار الطوال ص ١٦٤.
[١٨١] ابن كثير/ البداية والنهاية ج٧ ص ٢٦٩.
[١٨٢] الهيثمي/ مجمع الزوائد ج٧ ص ٢٤٨، ابن أبي شيبة/ المصنف ج ١٥ ص٣٠١.
[١٨٣] ابن أبي شيبة/ المصنف ج ١٥ ص ٢٦٥.
[١٨٤] انظر: خليفة بن خياط/ تاريخ خليفة ص ١٨٦، ابن أعثم/ الفتوح م ٢ ج ٣-٤ ص ٢٤٠، ابن كثير/ البداية والنهاية ج٧ ص ٢٥١.
[١٨٥] ابن أبي شيبة/ المصنف ج١٥ ص ٢٨٢.
[١٨٦] ابن حجر/ المطالب العالية ج٤ ص ٢٩٤- ٢٩٦، ابن تيمية/ منهاج السنة ج ٤ص ٤٩٦، الهيثمي/ مجمع الزوائد ج٥ ص ١٧٥.
[١٨٧] اليعقويي/ تاريخ اليعقوبي ج٢ ص ١٨٩، ابن أعثم/ الفتوح م ٢ج٣ -٤ ص ١٩٤، المسعودي/ مروج الذهب ج ٢ ص ٤٠٢، المقدسي/ البدء والتاريخ ج٥ ص ٢٢٠.
[١٨٨] ابن كثير/ البداية والنهايةج٧ ص ٢٨٧.
[١٨٩] أبو حنيفة الدينوري/ الأخبار الطوال ص ١٩٢، أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج ٥ ص ٥١.
[١٩٠] ابن أعثم/ الفتوح م ٢ج٣-٤ ص ١٩٣.
[١٩١] أبو حنيفة الدينوري/ الأخبار الطوال ص ١٩٢، ابن كثير/ البداية والنهايةج٧ ص ٢٨٧، أبو جعفر الطبري/ تاريخ الطبري ج٥ ص ٥١-٥٢.
[١٩٢] أبو جعفر الطبري/تاريخ الطبري ج٤ ص٤٥٠، ٥٢٠، ابن الأثير/الكامل في التاريخ ج ٣ ص ١٠٦.
[١٩٣] انظر: ابن عساكر/ تاريخ دمشق، تحقيق سكينة الشهابي، ترجمة عثمان بن عفان ص ٥٥٢- ٥٥٣، نوري حمودي القيسي/ شعراء أمويون قسم ٣ ص ٤٦، ٤٧.
[١٩٤] انظر: ابن عساكر/ تاريخ دمشق، تحقيق سكينة الشهابي، ترجمة عثمان بن عفان ص ٥٠٣ وما بعدها.
[ ٣٥ / ٣١٩ ]
[١٩٥] انظر: ابن حزم/ الفصل في الملك والأهواء والنحل ج٢٤٠- ٢٤٢، ابن حجر/ فتح الباري ج١٣ ص ٧٢، ابن تيمية/ منهاج السنة ج ٤ ص ١ ٣٩- ٣٩٤، ابن خلدون/ المقدمة، باب انقلاب الخلافة إلى الملك ج ١ ص ٢٥٩.
[١٩٦] ابن عساكر/ تاريخ دمشق، تحقيق شكري فيصل ورفاقه، تراجم حرف العين، ترجمة عبد الله بن حماد ص ١٩٧-١٩٨.
[١٩٧] انظر: الهيثمي/ مجمع الزوائد ج ٧ ص ٢٣٦، ابن عساكر/ تاريخ دمشق (مخطوط) ج ١٦ ص ٠٦ ٧ ترجمة معاوية بن أبي سفيان.
[ ٣٥ / ٣٢٠ ]