وأثرها في انحرافهم
عرض ونقد
تأليف
د. محمود عبد الرحمن قدح
عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية
بالمدينة المنورة
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فهذه دراسة موجزة عن موضوع (الأسفار المقدسة عند اليهود - عرض ونقد - وأثرها في انحرافهم) سرت فيها على خطى علمائنا المتقدمين- الذين قاموا بهدي من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ببيان مواطن التحريف والتبديل في كتب أهل الكتاب - إقامة للحجة وإلزامًا للبينة ومجادلة بالتي هي أحسن - ليحيى من حيّ عن بينة ويهلك من هلك عن بينة - وتحذيرًا لإخواننا المسلمين من كيد أعدائنا. قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنّ أَشَدّ النّاسِ عَدَاوَةً لّلّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالّذِينَ أَشْرَكُواْ..﴾ (١)، لأن اليهود أعداء الحق والفضيلة والخير منذ ظهورهم قال تعالى: ﴿لُعِنَ الّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيَ إِسْرَائِيلَ عَلَىَ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وّكَانُواْ يَعْتَدُون كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ (٢) .
واليهود أعداؤنا ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا، فحينما بعث نبينا محمد ﷺ سارع اليهود إلى تكذيبه وإنكار رسالته مع أنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، بل قالوا لقريش عبدة الأصنام بأنهم أهدى سبيلًا من محمد ﷺ، وحاربوا النبي ﷺ بشتى الوسائل بالشبهات والشكوك والكيد والنفاق، والاغتيال والقتال والسحر والسم.
وهم أعداؤنا حاضرًا باحتلالهم أولى القبلتين ومسرى رسول الله ﷺ وثالث المساجد التي تشد الرِّحال إليها وقتلهم المسلمين وتشريدهم واحتلالهم ديارنا.
_________________
(١) سورة المائدة، آية ٨٢.
(٢) سورة المائدة، آية ٧٨-٧٩.
[ ٤٢ / ٨٠ ]
وأعداؤنا مستقبلًا فقد أخبرنا النبي ﷺ بأن المسيح الدجال سيتبعه عند خروجه سبعون ألفًا من يهود أصبهان، فهم جند الدجال وأعوانه، كما أخبرنا الصادق المصدوق ﷺ بأنه: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر -وراءه يهودي-: يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله".
وهم أعداء السلام وأصحاب الفتن والخصام قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ وَلَيَزِيدَنّ كَثِيرًا مّنْهُم مّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رّبّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلّمَآ أَوْقَدُواْ نَارًا لّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا وَاللهُ لاَ يُحِبّ الْمُفْسِدِين َ﴾ .
وقد بينت في هذه الدراسة بعض الأسس والمرتكزات الدينية التي ينطلق منها اليهود في فسادهم وعداوتهم الفضيلة والناس جميعًا، وبذلك تتضح الرؤية في التعامل معهم والحذر والتحذير منهم.
وقسمت الدراسة إلى ثلاثة مباحث كالآتي:
- المبحث الأول: الإيمان بالكتب الإلهية.
- المبحث الثاني: الأسفار المقدسة عند اليهود عرض ونقد.
- المبحث الثالث: أثر الأسفار المقدسة في انحراف اليهود.
وبالله التوفيق والسداد
وكتبه
د. محمود بن عبد الرحمن قدح
المبحث الأول
الإيمان بالكتب الإلهية
إن من حكمة الله ﷿ ورحمته بعباده أن بعث أنبياء ورسلًا لهدايتهم ودعوتهم إلى الخير، وإقامة حجته على خلقه، وأنزل عليهم كتبًا ليبيّنوا للناس ما أنزل إليهم من الهدى والنور، وما تتضمنه من أحكام الله ﷿ العادلة، ووصاياه النافعة، وأوامره ونواهيه الكفيلة بإصلاح البشرية وإسعادها في الدنيا والآخرة.
[ ٤٢ / ٨١ ]
وتمهيدًا لموضوع دراستنا (الأسفار المقدسة عند اليهود وأثرها في انحرافهم - عرض ونقد)، فإنه يجدر بنا أن ندرس بإيجاز ثلاث مسائل مهمة لنتبين موقف الإسلام من الكتب الإلهية، وهي:
١ - الإيمان بالكتب السماوية.
٢ - وقوع التحريف والتبديل في الكتب السماوية السابقة على القرآن الكريم.
٣ - حكم قراءة المسلم في التوراة والأناجيل المحرّفة.
المطلب الأول: الإيمان بالكتب الإلهية السماوية
إن من أركان الإيمان الستة الإيمان بالكتب التي أنزلها الله ﷿ على أنبيائه ورسله، وبأنها حق وصدق وهدى ونور وبيان وشفاء ورحمة للخلق وهداية لهم ليصلوا بها إلى سعادتهم في الدنيا والآخرة.
والإيمان بما علمنا اسمه منها باسمه كالقرآن الكريم الذي نُزّل على محمد ﷺ والإنجيل الذي نُزّل على عيسى ﷺ، والزّبور الذي نُزّل على داود ﷺ، والتوراة التي أنزلت على موسى ﷺ، وصحف إبراهيم ﷺ.
والإيمان بأن لله كتبا أنزلها على أنبيائه لا يعرف أسماءها وعددها إلا الله، قال ﷿: ﴿كَانَ النّاسُ أُمّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النّبِيّينَ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقّ ليَحْكُمَ بَينَ النّاسِ فِيما اختَلَفُوا فِيهِ وَما اخْتَلَفَ فيه إلاّ الّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُم البَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُم فَهَدَى الله الَّذِينَءَامَنُوا لمِا اختَلَفُوا فِيهِ مِن الحَقِّ بإذْنِهِ والله يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١) .
وأما كيفية إيماننا بالكتب السماوية، فإنا نؤمن بالكتب السماوية السابقة إيمانًا مجملًا، يكون بالإقرار بها بالقلب واللسان، وأن منها ما فُقد واندثر، ومنها ما حُرِّف وغُيِّر، وأنها منسوخة بالقرآن الكريم.
_________________
(١) سورة البقرة، آية ٢١٣.
[ ٤٢ / ٨٢ ]
وأم االقرآن الكريم فنؤمن به إيمانًا مفصلًا، يكون بالإقرار به بالقلب واللسان، وإتباع ما جاء فيه، وتحكيمه في كل كبيرة وصغيرة، وأن الله تعالى قد تكفَّل بحفظه، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنه كلام الله منزّل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأنه ناسخ لما قبله من الكتب السماوية، قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ مُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ﴾ (١)، أي حاكمًا عليه، وعلى هذا فلا يجوز العمل بأي حكم من أحكام الكتب السماوية إلاَّ ما أقره منها القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة.
المطلب الثاني: وقوع التحريف في الكتب السماوية السابقة على القرآن الكريم.
_________________
(١) سورة المائدة، آية ٤٨.
[ ٤٢ / ٨٣ ]
لقد تضافرت الأدلة والبراهين على تحريف أهل الكتاب للتوراة والإنجيل وغيرها من الكتب المتقدمة، والآيات القرآنية كثيرة في ذلك منها: قوله تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىَ نُورًا وَهُدًى لّلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَاقَهُمْ لَعنّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرّفُونَ الْكَلِمَ عَن مّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظّا مّمّا ذُكِرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مّنْهُمْ إِلاّ قَلِيلًا مّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنّ اللهَ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ وَمِنَ الّذِينَ قَالُواْ إِنّا نَصَارَىَ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مّمّا ذُكِرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبّئُهُمُ اللهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مّمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ قَدْ جَآءَكُمْ مّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مّبِينٌ﴾ (٢) .
وقد أجمع المسلمون على وقوع التحريف في التوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب السابقة، إما عمدًا وإما خطأً في ترجمتها أو في تفسيرها أو تأويلها، إلا أن علماء المسلمين قد اختلفوا في مقدار التحريف فيها:
فقال بعضهم: إن كثيرًا مما في التوراة والإنجيل باطل ليس من كلام الله.
ومنهم من قال: بل ذلك قليل.
وقال بعضهم: لم يحرف أحد شيئًا من حروف الكتب وإنما حرفوا معانيها بالتأويل.
وقال بعضهم: كانت توجد نسخ صحيحة للتوراة والإنجيل بقيت إلى عهد النبي ﷺ، ونسخ كثيرة محرفة.
وقال الجمهور: بأنه بُدِّل بعض ألفاظها وحُرِّف.
_________________
(١) سورة الأنعام، آية ٩١.
(٢) سورة المائدة، آية ١٣-١٥.
[ ٤٢ / ٨٤ ]
والذي أراه - والله أعلم - أن تحريفًا كثيرًا قد وقع في كتبهم إلا أنه لا تزال فيها بقايا من الوحي الإلهي وهي كثيرة أيضًا، ولا سبيل لمعرفتها إلا بموافقتها لما في القرآن الكريم والسنة الصحيحة.
وأما أنواع التحريف في كتبهم فهو: تحريف بالتبديل، وتحريف بالزيادة، وتحريف بالنقصان، وتحريف بتغيير المعنى دون اللفظ، والشواهد على ذلك كثيرة.
وإلى جانب التحريف فإن هناك وسائل أخرى ذكرها القرآن الكريم لا تقل خطورة في تأثيرها عن التحريف والتبديل، ومن هذه الوسائل ما يلي:
١- الإخفاء: قال تعالى: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَآءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مّمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ قَدْ جَآءكُمْ مّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مّبِينٌ﴾ (٢) .
٢- الكتمان: قال تعالى: ﴿الّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنّ فَرِيقًا مّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذَ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيّنُنّهُ لِلنّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ (٣) .
٣- إلباس الحق بالباطل: قال تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤) .
_________________
(١) سورة الأنعام، آية ٩١.
(٢) سورة المائدة، آية ١٥.
(٣) سورة آل عمران، آية ١٨٧.
(٤) سورة البقرة، آية ٤٢.
[ ٤٢ / ٨٥ ]
٤- الكذب والتكذيب: قال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِالتّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ..﴾ .
٥- لوي الألسنة بالكتاب: قال تعالى: ﴿وَإِنّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُون﴾ (١) .
٦- التعطيل: المقصود به تعطيل أحكام التوراة والإنجيل وعدم إقامتها والعمل بها. قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنّهُمْ أَقَامُواْ التّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مّن رّبّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مّنْهُمْ أُمّةٌ مّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىَ شَيْءٍ حَتّىَ تُقِيمُواْ التّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مّن رّبّكُمْ﴾ (٢) . وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الّذِينَ حُمّلُواْ التّوْرَاةَ ثُمّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الّذِينَ كَذّبُواْ بِآيَاتِ اللهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ .
٧- الإيمان ببعض الكتاب والكفر بالبعض الآخر: قال تعالى: ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾ (٣) .
_________________
(١) سورة آل عمران، آية ٧٨.
(٢) سورة المائدة، آية ٦٨.
(٣) سورة البقرة، آية ٨٥.
[ ٤٢ / ٨٦ ]
٨- الإهمال: قال تعالى: ﴿وَلَما جَآءَهُمْ رَسُولٌ مّنْ عِندِ اللهِ مُصَدّقٌ لّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (١) .
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِم وَاشْتَرَوْا بِهِ ثمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ .
٩- الظن: قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمّيّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاّ أَمَانِيّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنّونَ﴾ .
١٠- النسيان: قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَاقَهُمْ لَعنّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرّفُونَ الْكَلِمَ عَن مّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظّا مّمّا ذُكِرُواْ بِهِ ﴾ (٢) .
١١- التزوير: قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ للذِينَ يَكْتُبُون الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لّهُمْ مّمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لّهُمْ مّمّا يَكْسِبُونَ﴾ (٣) .
وتوضح هذه الوسائل مجتمعة الطرق التي تحوّلت بها التوراة والإنجيل وغيرها من كتب إلهية سماوية إلى كتب بشرية خطها رجال الدين من اليهود والنصارى بأيديهم.
المطلب الثالث: حكم قراءة المسلم في التوراة والأناجيل المحرفة وما شابهها.
بعد أن علمنا من المطلبين السابقين أن الكتب السماوية السابقة قد حرّفت وبُدّلت ونُسخت بالقرآن الكريم، فإن سؤالًا مهمًا يتبادر إلى الذهن هو: ما حكم إطلاع المسلم وقراءته الكتب المقدسة عند أهل الكتاب؟
_________________
(١) سورة البقرة، آية ١٠١.
(٢) سورة المائدة، آية ١٣.
(٣) سورة البقرة، آية ٧٩.
[ ٤٢ / ٨٧ ]
وبالرجوع إلى نصوص الكتاب والسنة المتعلقة بهذه المسألة نجد أدلة ظاهرها التعارض، فبعضها يفيد الجواز والآخر يفيد المنع، وسأبدأ بأدلة المنع ثم أدلة الجواز ثم أبين ما يترجح منها مستعينًا بالله ﷿.
- أما أدلة المنع من قراءة كتب أهل الكتاب فهي:
- عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب ﵁ أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي ﷺ فغضب، فقال: "أمتهوكون (١) فيها يا ابن الخطاب؟! والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبرونكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيًا ما وسعه إلا أن يتبعني" (٢) .
_________________
(١) التَّهوك كالتهور، وهو الوقوع في الأمر بغير رويّة، وقيل: التحيّر. انظر: النهاية في غريب الحديث ٥/٢٨٢ لابن الأثير.
(٢) أخرجه الإمام احمد ٣/٣٨٧ والدارمي ١/١١٥، وابن أبي شيبة ح٢٦٤٢١، وابن عبد البر في جامع بيان العلم ٢/٤٢، والبزار وأبو يعلى والبيهقي في شعب الإيمان. قال الحافظ ابن حجر في الفتح ١٣/٣٣٤: "رجاله موثقون إلا أن في مجالد ضعفًا". وبمثله قاله الهيثمي في المجمع ١/١٧٩. قال الشيخ الألباني: وفيه مجالد بن سعيد وفيه ضعف، ولكن الحديث حسن عندي لأنه له طرقًا كثيرة عند اللالكائي والهروي وغيرهما. (انظر: المشكاة ح١٧٧، والإرواء ٦/٣٤ ح١٥٨٩)
[ ٤٢ / ٨٨ ]
- وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان أهل الكتاب يقرؤن التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا: ﴿آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون﴾ (١) الآية" (٢)
- وعن ابن عباس ﵄ قال: يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أنزل على نبيه ﷺ أحْدَثُ الأخبار بالله تقرؤنه لم يُشبْ؟! وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدَّلوا ما كتب الله وغيروا بأيديهم الكتاب فقالوا: ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (٣)، أفلا ينهاكم بما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؟ ولا والله ما رأينا منهم رجلًا قطُّ يسألكم عن الذي أنزل عليكم.
- وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "لا تسألوا أهل الكتاب، فإنهم لن يهدوكم وقد أضلوا أنفسهم، فتكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل".
- وأما أدلة جواز الإطلاع على كتب أهل الكتاب فمنها:
قال تعالى: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكّ مّمّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْجَاءَكَ الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْترين (٤)﴾ (٥) .
_________________
(١) سورة البقرة: ١٢٦.
(٢) أخرجه البخاري (انظر: فتح ٥/٢٩١، ٨/١٧٠)، والبيهقي في السنن الكبرى ١٠/) ١٦٣.
(٣) سورة البقرة، آية ٧٩.
(٤) المراد من قوله تعالى: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكّ﴾ على سبيل الفرض والتقدير، إذ الشك لا يتصور منه ﷺ أبدًا لعصمته، ولذا قال رسول الله ﷺ: "لا أشك ولا أسأل"، كذا قاله ابن عباس وقتادة وسعيد بن جبير والحسن البصري. (انظر: تفسير ابن كثير ٢/٤٤٨) .
(٥) سورة يونس، آية ٩٤.
[ ٤٢ / ٨٩ ]
وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَىَ بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ .
قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ .
- وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال:
"بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عَلَيَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار". والتحديث عن بني إسرائيل يقتضي النظر في كتبهم.
- وعن عطاء بن يسار قال: "لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة. قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن، يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ الخ" (١) .
- وورد أن عبد الله بن عمرو ﵄ أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب فكان يحدِّث منهما.
وإزاء هذه النصوص التي ظاهرها التعارض بين النهي والجواز في النظر في كتب أهل الكتاب، فقد ذكر العلماء أقوالًا في الترجيح والجمع بين تلك النصوص:
قال الحافظ ابن حجر في شرحه لقول النبي ﷺ: " وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج " أي لا ضيق عليكم في الحديث عنهم لأنه كان تقدم منه ﷺ الزجر عن الأخذ عنهم والنظر في كتبهم، ثم حصل التوسع في ذلك، وكأن النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية والقواعد الدينية خشية الفتنة، ثم لما زال المحذور وقع الإذن في ذلك لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار.
_________________
(١) رواه البخاري (انظر: فتح الباري ٤/٣٤٣)، وأحمد ٢/١٧٤.
[ ٤٢ / ٩٠ ]
وقال بعضهم: إن الأمر بالإباحة والجواز ليس على إطلاقه، فإن جاء ما في كتبهم موافقًا لما في شرعنا صدّقناه وجازت روايته، وما جاء مخالفًا لما في شرعنا كذّبناه وحرمت روايته إلا لبيان بطلانه، وما سكت عنه شرعنا توقفنا فيه فلا نحكم عليه بصدق ولا بكذب وتجوز روايته، وتذكر للاستشهاد لا للاعتقاد.
والأولى في هذه المسألة الجمع بين النصوص المتعارضة، لأن فيه العمل بالنصوص كلها، أما القول بالنسخ ففيه الأخذ ببعض النصوص وترك لبعضها، وطريقة الجمع بينها تكون بالتفصيل في المسألة على النحو الآتي:
١- حكم المقروء من كتب أهل الكتاب.
٢- حال القارئ لها.
٣- قصد القارئ ونيته من القراءة فيها.
١- فأما بالنسبة لحكم المقروء منها فإنه على ثلاثة أنواع:
أ - نوع يجوز تصديقه وروايته، وهو ما جاء في كتبهم موافقًا لما في شرعنا.
ب - ونوع يحرم روايته إلا بشرط تكذيبه وبيان بطلانه، وهو ما جاء في كتبهم مخالفًا لما في شرعنا.
ج - ونوع يتوقف فيه، لا يحكم عليه بصدق ولا بكذب وتجوز روايته وتذكر للاستشهاد لا للإعتقاد، وهوما سكت عنه شرعنا.
٢- وأما حال القارئ لكتبهم فإنه يجوز لأهل العلم من الراسخين في الإيمان والعلم وعلى هذا الصنف من الناس نحمل نصوص الجواز والإباحة في قراءة كتب أهل الكتاب، ولا يجوز لمن لم يكن من الصنف الأول كالعامي الغرِّ والشاب الغمر من الناس ومن في حكمهم فهؤلاء تحمل عليهم نصوص المنع وعدم الجواز.
٣- وأما بالنسبة لقصد القارئ ونيته ممن يجوز لهم القراءة، فإنه لا يجوز للقارئ إذا كان النظر فيها على وجه التعظيم والتفخيم لها، أو إذا كان يتشاغل بذلك دون غيرها مما هو مطلوب من علوم الشرع.
[ ٤٢ / ٩١ ]
وأما إذا كان قصد القارئ معرفة ما في كتبهم من الشر لتوقيه وتحذير الناس منه، أو الرد على المخالف وإلزام اليهود والنصارى بطلان دينهم وتحريف كتبهم ونسخ شريعتهم والتصديق بمحمد ﷺ بما يستخرج من البشارات في كتبهم، فهذا جائز يدل عليه النصوص الشرعية وفعل الأئمة كابن حزم وابن تيمية وابن القيم وغيرهم في النقل من كتب أهل الكتاب، ولولا اعتقاد الأئمة جواز النظر فيها لما فعلوه وتواردوا عليه.
وذلك القصد داخل ضمن ما أمرنا به الله ﷿ في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلِىَ سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بمِنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ (١) . وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوَاْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاّ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون﴾ .
والمجادلة المحمودة التي أمرنا بها هي التي تكون عن علم وبصيرة وهدي وذلك يقتضي النظر في كتبهم لإلزامهم الحجة وإقامة البينة عليهم والله أعلى وأعلم.
_________________
(١) سورة النحل، آية ١٢٥.
[ ٤٢ / ٩٢ ]