على ضوء قوله تعالى:
﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنَّاهُم في الأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلاَة وَآتُوا الزَّكاة وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهواْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُور﴾ [الحج، الآية: ٤١]
الدكتور/ حمد بن حمدي الصاعدي
الأستاذ المشارك بكلية الشريعة
بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
١٤١٩هـ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين؛ أمَّا بعد:
فإنَّ الكتابة في موضوع دعائم التمكين للمملكة العربية السعودية على ضوء قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَْرضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١] ذات شئون؛ لأنَّ الموضوع واسع جدًا، والمادَّة غزيرة ومتشعبة، ولا يفيد في ذلك اختصار الموضوع مهما حاول الكاتب الاختصار. ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله، كما قيل.
ولذا فإني سوف أشير إلى أمور أجدها أولى بالإشارة؛ ومنها ما يلي:
١ - أنَّ الكتابة في هذا الموضوع هي من باب التذكير بالنعم لتعرف فتُشْكَر فَتَدُوم كما قال الله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] .
٢ - أنَّ المقصود الأهم في هذا الموضوع، هو التنبيه على أهمية العقيدة وتطبيق الشريعة في جميع شئون الحياة؛ لأنَّ التمسك بالعقيدة الصحيحة وتطبيق أحكام الشريعة على الوجه الذي أراده الشارع، هما أساس التمكين في الأرض، وشرط العاقبة الحسنة والنجاة والحياة السعيدة في الدنيا والآخرة ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣] .
[ ٤١ / ٣١٢ ]
٣ - أنَّ الالتفاف حول المنهج الشرعي، والاعتصام بالكتاب والسنة، والتكاتف والتآلف، وتحقيق الأخوة الإسلامية - كما أمر الله - مقصد شرعي ودعامة من دعائم التمكين والاستخلاف في الأرض كما قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥] .
٤ - أنَّ عالمية المنهج وبقاءه وتفرده على غيره بميزات لا توجد في غيره، كل ذلك يتطلب الدعوة المستمرة إليه والمحافظة على بقائه ووقايته من كل ما يخدش نقاءه وصفاءه أو الاعتداء عليه؛ لأنَّ الحق لا يكفيه كونه حقًا وحسب، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْض﴾ [البقرة: ٢٥١] .
٥ - أنَّ المتتبع لسير ولاة الأمر في المملكة العربية السعودية منذ نشأتها وخلال مراحلها وأدوارها المتتابعة، وخاصّةً في الدور الثالث الذي يبدأ بفتح الرياض على يد الملك عبد العزيز - ﵀ - عام ١٣١٩هـ، لا يمكنه إلاَّ أن يقول: إنَّ القاعدة التي يسير عليها أولئك الحكام، والمنهج الذي يطبقونه في حياتهم وحياة رعيتهم هو تطبيق الدعائم الشرعية الواردة في الآية الكريمة موضوع البحث، وقد وعد الله بالنصر والتمكين لمَنْ وَفَّى بشروط التمكين. وأنَّ المهم هو تحقق الشروط، لا حصول المشروط؛ لأنَّ حصوله قد أخبر الله به، وما أخبر الله به ورسوله ﷺ لا شك ولا ارتياب في تحققه.
وهذه الأمور التي سبقت - وإن كان البحث سوف يتكفل ببيانها وإيضاحها - الإشارةُ إليها في هذه المقدمة مما يدفع المطلع على الاستمرار في قراءة الموضوع، وهذا أحد أهداف الكاتبين.
[ ٤١ / ٣١٣ ]
نسأل الله تعالى العون والتوفيق، إنَّه سميع مجيب.
خطة البحث:
١ - المقدمة: وتشتمل على ما يلي:
أ - أهمية الموضوع، أسباب اختياره.
ب - تحديد الزمان الذي يتناوله البحث، وأسباب الحصر في ذلك.
٢ - التمهيد: وهو في بيان ألفاظ عنوان البحث. ويتناول ما يلي:
أ - الدعائم.
ب - التمكين.
ج – المملكة العربية السعودية.
٣ - صُلْب الموضوع، وفيه عِدَّة فصول:
الفصل الأول: فيما يتعلَّق بالآية الكريمة. وفيه مباحث:
الأول: في بيان حال العرب قبل مبعث الرسول ﷺ.
الثاني: في مناسبة الآيات لِمَا قبلها.
الثالث: في سبب نزول الآية الكريمة.
الرابع: في أقوال المفسرين في الآيات.
الخامس: في بيان دلالات الآية الكريمة، وعلاقة ذلك بما كان عليه الحال إبان قيام الدولة السعودية على يد الملك عبد العزيز - ﵀ -. وفيه مطالب:
الأول: الصورة الكريمة التي سيكون عليها الذين إنْ مَكَّنهم الله في الأرض.
الثاني: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
الثالث: وظيفة الدولة المسلمة. وأنَّ الحق لا يكفيه كونه حقًا فقط.
الرابع: أن تلك الصورة الكريمة لم تدم طويلًا. وإن كان التمسك
بالأصل لم يزل موجودًا للوعد الإلهي بذلك.
الخامس: علاقة الآية الكريمة بما كان عليه الحال عند قيام الدولة السعودية على يد الملك عبد العزيز عام ١٣١٩هـ.
الفصل الثاني: في ماهية الدعائم، وبيان أهميتها. وفيه مباحث:
الأول: في الدعامة الأولى: إقام الصلاة. وفيه مطالب:
الأول: في ماهية الصلاة.
الثاني: في أهميتها.
الثالث: في المقصود بإقامة الصلاة على ضوء الآية الكريمة.
الثاني: في الدعامة الثانية: إيتاء الزكاة. وفيه مطالب:
الأول: في ماهية الزكاة.
الثاني: في أهمية الزكاة.
[ ٤١ / ٣١٤ ]
الثالث: في الحكمة من إيتاء الزكاة على ضوء الآية الكريمة.
الثالث: في الدعامة الثالثة والرابعة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفيه مطالب:
الأول: في ماهيتهما.
الثاني: في أهميتهما.
الثالث: في الحكمة منهما على ضوء الآية الكريمة.
الفصل الثالث: في اهتمام ولاة الأمر في المملكة العربية السعودية بتلك الدعائم والأسس، وتطبيقها على أنفسهم ورعيتهم. وفيه مباحث:
الأول: في اهتمام المؤسس الأول بتلك الدعائم. وفيه مطلبان:
الأول: تقريره للهدف العام من الدعامة الأولى، وهو العقيدة السلفية.
الثاني: عنايته بالهدف الخاص من الدعامة الأولى: إقام الصلاة.
الثالث: في جهود أبنائه من بعده في ترسيخ وتطبيق تلك الدعائم.
الرابع: في ثمرة تطبيق تلك الدعائم على الراعي والرعية.
١ - المقدمة: وتشتمل على ما يلي:
أ - أهمية الموضوع وأسباب اختياره.
ب - تحديد الزمان الذي يتناوله البحث وأسباب الحصر في ذلك.
أ - أهمية الموضوع وأسباب اختياره:
إنَّ بيان أهمية موضوعٍ مَّا تنبع من أهمية الأمور التي يبحثها، وما لها من مكانة وشأن عظيم.
وهذا الموضوع الذي نتحدَّث عن أهمية وأسباب اختياره يتناول الأمور التالية:
١ - العقيدة الصافية المبنية على توحيد الله، وإخلاص العبادة له دون سواه، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] .
٢ - الشريعة والمنهج الكامل الذي رضيه الله لعباده وأتَمَّ به النعمة عليهم وفيه بيان صحة المعتقد وسلامة البناء [١] .
[ ٤١ / ٣١٥ ]
٣ - التعاون والاعتصام حول المعتقد الصحيح المبني على النصوص الشرعية من الكتاب والسُنَّة وفهم السَّلَف الصَّالح. كقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣] .
وكقول الرسول ﷺ: "مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمَّى" [٢] .
٤ - السلطة المسلمة التي تحمي ذلك كله، وأنَّه لا يكفي في الأمر أن يكون حقًا، بل لابدَّ من مدافع عن الحق ودافع إليه، في استقامة المنهج.
٥ – التذكير بالنعم وتجليتها، لتعرف، فتشكر، فتدوم، لأنَّ دوام النعم والزيادة منها مرهون بشكرها، كما قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُم﴾ [إبراهيم: ٧] .
٦ - التحذير من كفران النعم؛ لأنَّ ذلك يعرضها للزوال والاضمحلال. هذه بعض الأمور التي حضرتني عند التفكير في كتابة هذا الموضوع دعائم التمكين للمملكة العربية السعودية على ضوء قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنَّاهُم في الأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلاَة وَآتُوا الزَّكاة وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهواْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُور﴾ [الحج، الآية: ٤١] .
وإن كانت الأسباب ليست محصورة في تلك الأمور إلاَّ أنَّ ما ذُكِرَ أهمها.
ب - تحديد الزمان الذي يتناوله البحث:
يتحدَّد الكلام في هذا الموضوع بالمدة الزمانية - التي دخل فيها الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود - ﵀ - مدينة الرياض عام ١٣١٩هـ، إلى الوقت الحاضر - عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود أطال الله في عمره.
[ ٤١ / ٣١٦ ]
والسبب في هذا التحديد أمور منها:
١ - أنَّ دعائم التمكين للمملكة العربية السعودية المذكورة في عنوان البحث أشد وضوحًا، وأكثر جلاءً في هذا الدور.
٢ - أنَّ المناسبة التي كُتِبَ الموضوع من أجلها حددت الاحتفاء بمرور مائة عام على تأسيس المملكة، فكان من المناسب أن لا يخرج الموضوع عن ذلك التحديد.
٣ - أنَّ قصر الموضوع على هذه المدة المتميزة يعطيه مجالًا للاستيفاء بخلاف ما لو كان مشتملًا على أدوار المملكة العربية السعودية الثلاثة.
التمهيد:
ويتناول شرح ألفاظ عنوان الموضوع. وهي:
أ – الدعائم.
ب - التمكين.
ج – المملكة العربية السعودية.
أ - الدعائم:
جمع لدعامة، وفعله (دَعَمَ) كمَنَعَ، قال في مقاييس اللغة [٣]: "الدال والعين والميم أصل واحد.
وهو شيء يكون قيامًا لشيءٍ آخر ومساكًا؛ تقول: دعمت الشيء أدعمه دعمًا، وهو مدعوم. والدّعامتان: خشبتا البكرة، ودعامة القوم سيدهم. ويقال: لا دعم لفلان أي: لا قوة له".
- وفي اللسان: "دعم الشيء يدعمه دعمًا مَال فأقامه" [٤] .
- وفي المعجم الوسيط [٥]: "دَعَمَهُ دعمًا: أسنده بشيءٍ يمنعه من السقوط. ويقال: دعم فلانًا أعانه وقَوَّاه.
ودَعَّمَه: قوَّاه وثبَّته. ويقال: هو دعامة الضعيف أي معينه.
ويقال: هذا من دعائم الأمور، أي: مِمَّا تتماسك به الأمور".
- ومن هذه المعاني السابقة لمادَّة (دَعَمَ) يتضح معنى الدعائم، وأنَّها تدور على معنى التثبيت، والتقوية، والمنع من السقوط، والقوة، والإسناد، والإعانة، والدعم. ولا نقصد بدعائم التمكين إلاَّ هذه الأمور التي ثَبَّتَتْ وقَوّتْ ودعَّمَت وأسندت ومنعت من السقوط، وأعانت على استمرار الولاية الراشدة التي قامت على تلك الدعائم. وبذلك يلتقي المعنى اللغوي مع المعنى الاصطلاحي، وهذا ما قصدناه من البحث اللغوي.
[ ٤١ / ٣١٧ ]
ب - التمكين:
تفعيل مصدر للفعل الرباعي (أمكن أو مَكَّنَ) يقال: (أمكنه) من الشيء جعل له عليه سلطانًا وقدرة.
والأمر: فلانًا سهل عليه وتيسر له. ويقال: فلان لا يمكنه النهوض لا يقدر عليه [٦] .
و(مَكَّنَ له في الشيء): جعل له عليه سلطانًا. وفي القرآن الكريم: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ ﴾ [سورة الكهف، الآية: ٨٤] .
وقد يأتي هذا الفعل لازمًا كما يقال: (مَكُنَ) فلانٌ عند الناس مكانةً، عظم عندهم، فهو مكين [٧] . ويجمع على مكناء. وفي القرآن الكريم: ﴿قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [سورة يوسف: الآية: ٥٤] .
وبعد أن عرفنا معنى الدعائم والتمكين يتضح أنَّ إضافة الدعائم إلى التمكين من باب شجر الأراك؛ لأنَّها سلبت المعنى وأصبح معنى الكلمتين واحدًا هو التثبيت والإمساك والمنع من السقوط الخ المعاني التي سبقت.
ج- المملكة العربية السعودية:
دولة إسلامية عربية ذات سيادة، وهي معروفة بما تتميز به وتحويه من الحرمين الشريفين، حيث قبلة المسلمين التي يتوجهون إليها في صلاتهم خمس مرات في اليوم والليلة ومهاجر نبيهم ﷺ، ومحاولة تعريف المعرف قد يزيده غموضًا. ولكن نقول: إنَّ المملكة العربية السعودية تشغل الجزء الأكبر من جزيرة العرب وتقع في الجزء الغربي من قارة آسيًا بين خطي طول ٣٥ْ - ٥٦ْ شرقًا، وعرض ١٦ْ - ٣٢ْ شمالًا.
ويحدها شمالًا: الكويت، والعراق، والأردن.
وجنوبًا: الجمهورية اليمنية.
وشرقًا: عُمان ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر، والخليج العربي.
وغربًا: البحر الأحمر.
وعاصمتها: الرياض.
ومن أهم مدنها: مكة المكرمة، والمدينة المنورة.
وجدة على البحر الأحمر، والدمام على الخليج العربي.
[ ٤١ / ٣١٨ ]
وقد أطلق عليها هذا الاسم (المملكة العربية السعودية) بعد توحيدها تحت راية التوحيد عام ١٣٥١هـ الموافق ٢١ جمادى الأولى، أول برج الميزان ١٣١٠ شمسية الموافق الموافق ٢٣/٩/١٩٣٢م.
ووصفت بالسعودية: نسبة إلى مؤسسها الأول محمد بن سعود الذي عاش في المدة من ١١٣٩-١١٧٩هـ حيث التقى بالداعية السلفي المجدِّد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وتعاهد معه على نصرة الإسلام، ونشر الدعوة السلفية عام ١١٥٧هـ، وعلى تطبيق الشريعة الغرَّاء، وذلك في مدينة الدرعية [٨] .
الفصل الأول
فيما يتعلَّق بالآيات الكريمة
وفيه مباحث:
الأول: في حالة العرب قبل مبعث الرسول ﷺ.
الثاني: في مناسبة الآيات لما قبلها.
الثالث: في سبب نزول الآيات.
الرابع: في بيان أقوال المفسرين في الآيات الكريمة.
الخامس: في دلالات الآية الكريمة وعلاقة ذلك بما كان عليه الحال في زمان قيام الدولة السعودية الثالثة: وفيه مطالب:
الأول: الصورة الكريمة التي سيكون عيها الحال بعد التمكين في
الأرض.
الثاني: أنَّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
الثالث: بيان وظيفة الدولة المسلمة على ضوء الآية الكريمة.
المبحث الأول: في حالة العرب قبل مبعث الرسول ﷺ:
كانت العرب، والناس جميعًا - إلاَّ القليل - عند مبعث الرسول ﷺ في جاهليَّةٍ جهلاء، وضلالةٍ عمياء، انتشرت فيهم عبادة الأوثان، وعكفوا على القبور، ودعوا غير الله تعالى. فاضطربت أحوالهم السياسية والاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية، وكثرت الحروب، وثارت لأتفه الأسباب، وتفكَّكت الأُسَر، وعمَّت الرذيلة، وقلَّت الفضيلة.
[ ٤١ / ٣١٩ ]
ولم يكن هناك نظام يحكم بين الناس إلاَّ النظام القبلي القائم على التعصب للقبيلة. فبعثَ اللهُ تعالى رسوله محمَّدًا ﷺ بالدين الحقِّ، والتوحيد الخالص، مُبَشِّرًا مَنْ أطاعه بالجنة، ومُحَذِّرًا مَنْ عصاه بالنار. فاستجاب لدعوته الرجل، والرجلان، وبعض النساء، والصبيان، مِمَّن كتب الله لهم الفوز والفلاح [٩] .
وعارضَ دعوته كثيرٌ مِمَّن كُتِبَت عليه الشقاوة، فوقف في طريق الدعوة التي جاء بها الرسول ﷺ من عند ربه، وأخذ يثير حولها الشكوك والأوهام، ويؤذي الذين دخلوا في دين الله بشتى أنواع العذاب، فَقُتِلَ بعض من آمن، ظلمًا وعدوانًا، وضُيِّقَ على بعضهم الآخر، حتى اضطروا إلى ترك أهلهم وأموالهم وبلدهم، وفرُّوا بدينهم الذي هو أغلى شيء يملكونه. وكانت الحكمة تقضي بألاَّ يعرض هؤلاء النفر أنفسهم للهلاك، فلم يؤمروا بالجهاد في بادئ الأمر، وإنَّما أُمِرُوا بالصبر والتحمُّل حتى قوي أمر المسلمين، وكانت لهم شوكة ودولة تحميهم، وتصد العدو عنهم [١٠] . وحينئذٍ شُرِعَ الجهاد لإعلاء كلمة الله -تعالى-، والدفع عن المستضعفين [١١] .
المبحث الثاني: مناسبة الآيات لما قبلها:
الآية الكريمة التي يدور البحث على ضوئها مرتبطةٌ بثلاث آيات قبلها، والآيات الثلاث ليست بمنفصلة عمَّا تقدمها من آيات السورة الكريمة.
[ ٤١ / ٣٢٠ ]
فالله - ﷾- لَمَّا ذكر جملة مِمَّا يُفْعَل في الحج، وما فيه من منافع دنيوية وأخروية - وكان المشركون قد صدُّوا الرسول ﷺ عام الحديبية ومنعوه من دخول الحرم، وآذوا مَنْ كان بمكة من المؤمنين - أنزل الله تعالى هذه الآيات مبشرة للمؤمنين بدفعه عنهم، ومشيرة إلى نصرهم وإذنه لهم في القتال [١٢] . ومعلنة ما به يزول الصد والمنع، وما به يصير المسلمون أعزة أحرارًا أقوياء [١٣] . ووعد الله في هذه الآيات بالتمكين لهم في الأرض، وردهم إلى ديارهم، وفتح مكَّة لهم [١٤] . وأنَّ عاقبة الأمور راجعةٌ إلى الله تعالى. والعاقبة للتقوى.
ولم يذكر - ﷾- ما يدفعه عنهم ليكون أفخم وأعظم وأعمَّ [١٥] . ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ. أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [سورة الحج - الآيات: ٣٨-٤١] .
المبحث الثالث: في سبب نزول الآيات الكريمة:
[ ٤١ / ٣٢١ ]
١ - رُوِيَ أنَّ المؤمنين لَمَّا كثروا بمكَّة أذاهم الكُفَّار، وهاجر مَنْ هاجر إلى أرض الحبشة، أراد بعض المؤمنين أن يقتل مَنْ أمكنه من الكُفَّار ويغتال ويغدر، فنزلت الآيات إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج: ٣٩] .
فوعد الله فيها بالمدافعة، ونهى عن الخيانة، وخصَّ المؤمنين بالدفع عنهم والنصرة لهم، وعلَّل ذلك بأنَّه لا يحب أعداءهم الخائنين الله والرسول ﷺ الكافرين نعمه [١٦] .
٢ - وعن ابن عباس [١٧] ﵄ قال: "لما أخرج النبي ﷺ من مكَّة قال أبو بكر [١٨] ﵁: أخرجوا نبيهم. إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، ليهلكن القوم، فنزلت ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ الآية. قال ابن عباس: وهي أول آية نزلت في القتال".
قال الترمذي [١٩]: "حديث حسن". وقد رواه غير واحد عن الثوري [٢٠] . وروى نحوه عن جماعة من التابعين [٢١] .
المبحث الرابع: في أقوال المفسرين في معنى الآيات:
١ - ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج: ٣٨] .
المعنى: إنَّ الله يدافع عن المؤمنين الذين توكلوا عليه وأنابوا إليه، غوائل المشركين وشر الأشرار وكيد الفجار.
وقيل: يعلي حجتهم. وقيل: يوفقهم. والمعنى متقارب.
والجملة مستأنفة لبيان هذه المزية الحاصلة للمؤمنين من رب العالمين وأنَّه المتولي للمدافعة عنهم [٢٢] .
[ ٤١ / ٣٢٢ ]
وفي الآية إشارة إلى أنَّ المؤمنين مُعَرَّضون للابتلاء من أعداء الله، ولكنَّ الله -﷾- يدافع عنهم. فيربط على قلوبهم ويثبت أقدامهم على طريق الهدى، ويمدهم بالصبر على احتمال المكروه، وهذا الوعد أشبه بالدروع التي تتكسَّر عليها ضربات الباطل والكفر. ثُمَّ ينتهي الأمر بانحسار الضلال وأهله، وغلبة الإيمان وانتصار أهله؛ كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:٢١] . وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج:٣٨] .
أي أنَّ الله لا يحب مَن اتَّصَف بهذه الصفة، وهي الخيانة في العهود والمواثيق، لا يفي بما قال.
والكفر: الجحود للنعم لا يعترف بها [٢٣] .
والجملة مقررة لمضمون الجملة الأولى؛ فإنَّ مدافعة الله للكافرين عن عباده المؤمنين مشعرة أتم إشعار بأنَّهم مبغضون إلى الله غير محبوبين له.
وإيراد صيغتي المبالغة للدلالة على أنَّهم كذلك في الواقع لا لإخراج مَن خان دون خيانتهم، أو كفر دون كفرهم [٢٤] .
وهكذا تضمَّنت الآية وعدًا من الله بنصر المؤمنين، ووعيدًا بخذلان الكافرين الخائنين، والخيانة - هنا - تصدق بالأصالة على الخيانة الكبرى. وهي خيانة الأمانة الإلهية التي عرضها الله على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان. مما يجب على الإنسان الوفاء به من حقوق الله تعالى، وحقوق العباد في كُلِّ آن.
وتصدق بالتبع على بقية صنوف الخيانات مِمَّا يتفرَّع عنها ويظهر أثره في مختلف التصرفات [٢٥] .
٢ - ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] .
الآية على تقدير محذوف: أي أذن لهم في القتال بسبب أنَّهم ظلموا. قال ابن عباس -﵄-: "هذه أول آية نزلت في الجهاد" [٢٦] .
[ ٤١ / ٣٢٣ ]
وقال أكثر المفسرين: هم أصحاب رسول الله ﷺ. كان مشركو مكَّة يؤذونهم أذىً كثيرًا، وكانوا يأتون إليه بين مضروب ومشجوج، ويتظلَّمون إليه، فيقول لهم: "اصبروا فإنِّي لم أومر بقتالهم"، حتى هاجروا، فأُنْزِلَت هذه الآية [٢٧] .
وقال في أحكام القرآن: "إنَّ الله -﷾- لَمَّا بعثَ محمَّدًا ﷺ بالحجَّة، دعا قومه إلى الله دعاءً دائمًا عشرة أعوام لإقامة حجة الله، ووفاءً بوعده الذي امتن به بفضله في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ [الإسراء:١٥] .
واستمرَّ الناس في الطغيان، وما استدلوا بواضح البرهان، وحين أعذر الله بذلك إلى الخلق وأبوا عن الصدق، أمَرَ رسولَه ﷺ بالقتال يستخرج الإقرار بالحق منهم بالسيف" [٢٨] .
وقُرِئ ﴿يُقَاتَلُونَ﴾ بفتح التاء وكسرها. وقوَّى صاحب الأحكام [٢٩] قراءة الكسر؛ لأنَّ النبي ﷺ بعد وقوع العفو والصفح عمَّا فعلوا، أذِنَ الله له بالقتال عند استقراره بالمدينة، فأخرج البعوث، ثُمَّ خرج بنفسه حتى أظهره الله يوم بدر. وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [٣٠] . وفي هذا التذييل للآية وعد من الله تعالى بنصر المؤمنين نصرًا مؤزرًا متى خاضوا المعركة لإعلاء كلمة الله ونصر دينه.
وقد جاء هذا الوعد في صيغة تحفز على الاستماتة في سبيل الله، كلها توكيد وتأييد.
ومَنْ كانت قدرة الله توجهه وترافق خطواته وحركاته، لن يستطيعَ عائق كيفما كان أن يقف في طريقه أو يفتّ من عزيمته [٣١] .
[ ٤١ / ٣٢٤ ]
٣ - ﴿الذين أُخْرِجُوا من الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] .
﴿الذين أُخرجوا من ديارهم﴾: وصفٌ للذين أذن لهم بالقتال، فهو بدل منصوب على المدح، أو مرفوع على أنَّه مبتدأ. والمراد بالديار: مكَّة المكرَّمة [٣٢] .
قال ابن عباس - ﵄ -: "أُخْرِجُوا من مكَّة إلى المدينة بغير حق، وهم محمَّد ﷺ وأصحابه" [٣٣] .
﴿إِلأَ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾: أي ما كان لهم إلى قومهم إساءة،
ولا كان لهم ذَنْب إلاَّ أنَّهم وحَّدوا الله وعبدوه لا شريك له.
- وهل في هذا عدوان على أحد؟ أو ضرر يعود على أحد؟! ولكن أهل الضلال والبغي ينظرون بعيون مريضة، ويحكمون على الأمور بعقولٍ فاسدة. فيرون النور ظلمة، والخير شرًّا، والإحسان إساءً!! [٣٤] .
فتكون هذه الآية الكريمة مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩] .
وقول النابغة [٣٥]:
بهنَّ فلولٌ من قراع الكتائب [٣٦]
ولا عيب فيهم غير أنَّ سيوفهم
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠] .
معنى: لهدِّمَت: لَخُرِّبَت باستيلاء أهل الشرك على أهل الملل.
والصوامع: صوامع الرهبان. وقيل: صوامع الصابئين.
والبيع: جمع بيعة، وهي كنيسة النصارى.
[ ٤١ / ٣٢٥ ]
والصلوات: هي كنائس اليهود.
والمساجد: هي مساجد المسلمين.
والمعنى: لولا ما شرعه الله للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء لاستولى أهل الشرك، وذهبت مواضع العبادة من الأرض [٣٧] .
قال ابن كثير [٣٨]- ﵀ -: "أي لولا أنَّه يدفع بقومٍ عن قوم، ويكف شرور أناس عن غيرهم بما يخلقه ويقدره من الأسباب، لفسدت الأرض، ولأهلك القويُّ الضعيفَ" [٣٩] .
وقيل: لولا هذا الدفع لهدِّمَت في زمن موسى -﵇- الكنائسُ. وفي زمن عيسى -﵇- الصوامِعُ والبِيَعُ. وفي زمن محمَّد ﷺ المسَاجِدُ.
وقيل: لولا دفع الله ظُلْمَ الظَّلَمة بعدل الولاة [٤٠] .
وحمل الآية على العموم أولى؛ لأنَّ التخصيص لم يقم عليه دليل.
- والآية فيها تحريض على القتال المأذون فيه قبل، وأنَّه تعالى أجرى العادة بذلك في الأمم الماضية بأن ينتظم به الأمر، وتقوم الشرائع، وتصان المتعبدات من الهدم، وأهلها من القتل والشتات.
- وكأنَّه لما قال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ قيل: فليقاتِل المؤمنون، فلولا القتال لَتُغُلِّبَ على أهل الحق في كُلِّ أُمَّة [٤١] .
وقوله -تعالى-: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ .
الضمير ﴿فيها﴾ يعود على المساجد؛ لأنَّها أقرب مذكور. وقيل: يعود على الجميع، باعتبار ما كان عليه الأمر قبل أن ينحرف أهلها عن دين الحق، وتنسخ بما جاء في القرآن. وأُخِّرَت المساجد لتأخرها في الوجود.
وقيل: إنَّ هذه المواضع ذُكِرَت مرتَّبة على الأشرف فالأشرف. فأُخِّرَت المساجد لشرفها [٤٢]؛ ولأنَّها أماكن العبادة الحقة [٤٣] .
﴿وَلَيَنْصُرنَّ الله مَنْ ينْصُرُه إنَّ الله لقويٌّ عزيز﴾
اللام واقعة في جواب القسم. والمعنى: والله لينصرن مَنْ ينصره.
- والمراد بمَن ينصر الله: من ينصر دينه وأولياءه [٤٤] .
[ ٤١ / ٣٢٦ ]
- ونصر الله تعالى لهم: أن يظفر أولياءه بأعدائهم جلادًا وجدالًا، وفي ذلك حضٌّ على القتال.
- ثُمَّ أخبر تعالى: أنَّه قوي على نصرهم، عزيز، لا يغالب [٤٥] .
فوصف الله نفسه بالقوة والعزَّة، فبقوته خلق كل شيء، فقدَّره تقديرًا. وبعزَّته لا يقهره قاهر، ولا يغلبه غالب. بل كل شيء ذليل لديه، فقيرٌ إليه.
ومَن كان القاهر الذي لا يغالب ناصرَهُ، فهو المنصور، وعَدَوَّهُ المقهور. قال تعالى: ﴿ولقد سَبَقَت كَلِمَتُنا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ. إنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورونَ. وإنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١-١٧٣] . وقد أنجز الله وعده حيث سلَّط المهاجرين والأنصار على صناديد الكفر من العرب، وعلى أكاسرة العجم، وقياصرة الروم، وأورثهم أرضهم وديارهم [٤٦] .
ولن يخلف الله وعده لمن جاء بما شرطه في هذه الآية وغيرها مِمَّن تحقَّق فيه هذا الوعد.
٤ - ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١] .
﴿الذين﴾: منصوب بدل ﴿ممن ينصره﴾ أو وصف المأذون لهم في القتال. فيجوز فيه من الإعراب ما جاز في قوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا﴾ كما سبق.
- والتمكين: السلطنة ونفاذ الأمر على الخلق.
- وفي الآية إخبار بالغيب عمَّا تكون عليه سيرتهم إنْ مكَّن لهم في الأرض وبسط لهم في الدنيا، وكيف يقومون بأمر الدين [٤٧] .
وعن عثمان بن عفَّان [٤٨] ﵁ - هذا والله – "ثناء قبل بلاء": يريد أنَّ الله قد أثنى عليهم قبل أن يحدثوا من الخير ما أحدثوا. وقالوا: فيه دليل على صحة أمر الخلفاء الراشدين؛ لأنَّ الله تعالى لم يجعل التمكن ونفاذ الأمر مع السيرة العادلة لغيرهم من المهاجرين. فلا حَظَّ فيها للأنصار والطلقاء [٤٩] .
[ ٤١ / ٣٢٧ ]
- وفي الآية أخذ العهد على مَنْ مكَّنه الله أن يفعل ما رتب على التمكين في الآية [٥٠] .
- وقيل: نزلت في أصحاب محمد ﷺ [٥١] .
- وعن الحسن [٥٢]، وأبي العالية [٥٣]: هم أمته ﵇.
وقيل: هم أهل الصلوات الخمس، وهو قريب مِمَّا قبله [٥٤] .
وقال ابن أبي نجيح [٥٥]: هم الولاة.
وقال الضحاك [٥٦]: هو شرطٌ شرطه الله من أتاه الملك.
قال ابن عباس - ﵄ -: المهاجرون والأنصار والتابعون.
وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: "فينا نزلت هذه الآية ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ . والآية بعدها. أُخْرِجْنَا من ديارنا بغير حق [٥٧] إلاَّ أن قلنا: ربنا الله، ثُمَّ مكنا في الأرض فأقمنا الصلاة، وآتينا الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهينا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور، فهي لي ولأصحابي" [٥٨] .
وقال الصباح بن سوادة الكندي [٥٩]: "سمعت عمر بن عبد العزيز [٦٠]: يخطب ويقول: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْض ﴾ الآية. ثُمَّ قال: ألا إنَّها ليست على الوالي وحده. ولكنها على الوالي والموَلَّى عليه. ألا أُنبئكم بما لكم على الوالي من ذلك. وبما للوالي عليكم منه؟:
١ - إنَّ لكم على الوالي من ذلكم أن يؤاخذكم بحقوق الله عليكم.
٢ - وأن يأخذ لبعضكم من بعض.
٣ - وأن يهديكم للتي هي أقوم ما استطاع.
- وإنَّ عليكم من ذلك الطاعة غير المبزوزة [٦١]، ولا المستكثر بها. ولا المخَالِف سرُّها علانيتها".
وقال عطية العوفي [٦٢]: "هذه الآية كقوله -تعالى-: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ﴾، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ كقوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ " [طه: ١٣٢] .
[ ٤١ / ٣٢٨ ]
وعن زيد بن أسلم [٦٣]: في قوله -تعالى-: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْض﴾: قال: "أرض المدينة". ﴿أَقَامُوا الصَّلاةَ﴾: قال: "المكتوبة". ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: قال: "المفروضة". ﴿وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوف﴾: قال: "بلا إله إلاَّ الله". ﴿وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: قال: "الشرك بالله". ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾: قال: "وعند الله ثواب ما صنعوا" [٦٤] .
ويقول ابن جرير [٦٥]- رحمه الله تعالى - في تأويل قوله -تعالى-:
﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١]: "يقول تعالى ذكره: أذن للذين يقاتلون بأنَّهم ظلموا - الذين إنْ مكَّناهم في الأرض أقاموا الصلاة - والذين ههنا رد على الذين يقاتلون.
ويعني قوله: ﴿إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْض﴾: إن وطَّنا لهم في البلاد فقهروا المشركين وغلبوهم عليها، وهم أصحاب رسول الله ﷺ، يقول: إنْ نصرناهم على أعدائهم وقهروا مشركي مكة، أطاعوا الله فأقاموا الصلاة بحدودها.
﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: يقول: وأعطوا زكاة أموالهم من جعلها الله له. ﴿وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ﴾: يقول: ودعوا الناس إلى توحيد الله والعمل بطاعته وما يعرفه أهل الإيمان بالله [٦٦] .
﴿وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَر﴾: يقول: ونهوا عن الشرك بالله والعمل بمعاصيه الذي ينكره أهل الحق والإيمان بالله.
﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾: يقول: ولله آخر أمور الخلق، يعني أنَّ إليه مصيرها في الثواب عليها، والعقاب في الدار الآخرة [٦٧] .
[ ٤١ / ٣٢٩ ]
وعن أبي العالية: "كان أمرهم بالمعروف أنَّهم دعوا إلى الإخلاص لله وحده لا شريك له. ونهيهم عن المنكر أنَّهم نهوا عن عبادة الأوثان وعبادة الشيطان. ثُمَّ قال: فمن دعا إلى الله من الناس كلهم فقد أمر بالمعروف، ومن نهى عن عبادة الأوثان وعبادة الشيطان فقد نهى عن المنكر [٦٨] .
المبحث الخامس:
في دلالات الآية الكريمة، وعلاقة ذلك بما كان عليه حال الجزيرة العربية عند قيام الدولة السعودية الثالثة عام ١٣١٩هـ، وفيه مطالب:
الأول: الصورة الكريمة التي سيكون عليها ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ .
الثاني: أنَّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
الثالث: وظيفة الدولة المسلمة. وأنَّ الحق لا يكفيه كونه حقًّا فقط.
الرابع: أنَّ تلك الصورة الكريمة لم تدم طويلًا، وإن كان التمسك بالأصل موجودًا للوعد الإلهي بذلك.
الخامس: علاقة ما تدل عليه الآية الكريمة بما كان عليه الحال عند قيام الدولة السعودية على يد الملك عبد العزيز.
المطلب الأول: في الصورة الكريمة التي سيكون عليها المؤمنون بعد التمكين في الأرض:
[ ٤١ / ٣٣٠ ]
لقد جاءت الآية الكريمة ذات الرقم (٤١) من سورة الحج، تحمل دلالات عامَّة وشاملة لا يحدها زمان ولا مكان - كما ظهر ذلك من أقوال المفسرين -، وسواء أريد ب ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْض﴾ طائفة مخصوصة - كالمهاجرين، أو أصحاب الرسول ﷺ، أو أهل الصلوات الخمس، أو الولاة - أو كان المراد عموم أُمَّة الرسول ﷺ، كما يدل عليه ظاهر نظم الآية - التي سيقت في قوالب شاملة عامَّة - كالذين، والأرض، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر - فإنَّ الآية تعرض الصورة الكريمة التي سيكون عليها هؤلاء المؤمنون الذين أُخْرِجُوا من ديارهم بغير حق، وذلك حين ينصرهم الله، ويمكِّن لهم في الأرض، وتكون لهم القوة والغلبة [٦٩] . إنَّهم مع ذلك لن يكونوا على شاكلة مشركي مكَّة الذين كان إليهم وبأيديهم القوة والسلطان، فتسلَّطوا على عباد الله، ورهقوهم، وأخذوهم بالبأساء والضراء، وأخرجوهم من ديارهم بغير حق [٧٠] .
إنَّ هؤلاء المؤمنين حين يمكن لهم في الأرض - سيكونون مصابيح هدى وينابيع رحمة - للإنسانية كلها بما يقيمون فيها من موازين
الحق والعدل، وما يغرسون في آفاقها من مغارس الخير والإحسان.
إنَّهم يقيمون الصلاة ليستمدوا منها العون من الله.
ويؤتون الزكاة فيكشفون الضر عن عباد الله.
ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فيصلحون بهذا من سلوك الناس، ويقيمون لهم الطرق المستقيمة، فلا تتصادم منازعهم، ولا تفسد مشاربهم. وقد صدق الله وعده، ومكَّن ﷾ للمؤمنين في الأرض، بعد أن هاجروا من مكة إلى المدينة.
فكانوا أعلام هدى، وآيات رحمة، وموازين عدل وإحسان بين الناس، وكانوا كما وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿كُنْتُم خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَت لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروفِ وَتَنْهَونَ عَنِ المُنْكَرِ وَتُؤْمَنُونَ باللهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] [٧١] .
[ ٤١ / ٣٣١ ]
المطلب الثاني: أنَّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب:
وبيان ذلك أنَّ سبب نزول الآية - كما سبق - هو إيذاء كفار قريش لأصحاب الرسول ﷺ، وهجرتهم إلى المدينة. ولكن نَظْم الآية والقوالب التي صيغت بها معانيها، جاءت عامَّة كليةً تشمل جميع من توفرت فيه شروط التمكين في الأرض، وقد مرَّ مَنْ قال بذلك من المفسرين [٧٢] .
والقاعدة عند العلماء والأصوليين والمفسرين: أنَّ الآية إذا كان لها سبب نزول خاص، وكذا الحديث، إذا كان واردًا على سببٍ خاصٍّ. فإنَّ الحكم لا يكون مقصورًا على السبب. وإن كان دخول صورة السبب في الحكم لها الأولوية؛ لأنَّ العبرة بعموم اللفظ عند استنباط الحكم لا بخصوص السبب، كما هو الراجح لدى كثيرٍ من العلماء. وعلى ذلك يكون الحكم الذي دلَّت عليه الآية الكريمة عامًّا لجميع مَنْ تحقَّقت فيه شروط التمكين في الآية [٧٣] .
وهذا أحد الأسباب التي توضح العلاقة بين دلالة الآية وموضوع البحث.
المطلب الثالث: وظيفة الدولة المسلمة. وأنَّ الحق لا يكفيه
كونه حقًّا فقط:
ذكر كثيرٌ من المفسرين أنَّ الآية الكريمة - وهي قوله -تعالى-: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ الآية [الحج: ٤١] . قد تضمَّنت الغاية الكبرى من وجود الدولة المسلمة الصالحة. وبيان الأسس والدعائم التي تقوم عليها تلك الدولة [٧٤] .
- وأنَّ القيام بالمبادئ المذكورة والتقيد بمضمونها - هو الشرط الذي شرطه الله لمن يستحق النصر في قوله -تعالى-: ﴿وَلَيَنْصُرنَّ الله مَنْ ينْصُرُه إنَّ الله لقويٌّ عزيز﴾ [الحج:٤٠] . وتلك الأسس والدعائم -كما ذُكِرَت في الآية- أربع:
الأولى: إقام الصلاة
الثانية: إيتاء الزكاة.
الثالثة: الأمر بالمعروف.
الرابعة: النهي عن المنكر.
[ ٤١ / ٣٣٢ ]
والكلام على أهمية هذه الأسس وما قامت به الدولة السعودية في شأنها - سيأتي - إن شاء الله.
لكن نشير إلى ناحية أخرى تعرَّضت لها الآيات - كما سبق - وهي أنَّ الحق لا يكفيه كونه حقًّا، بل لابدَّ من منافح عنه، ودافع إليه. ومِنْ ثَمَّ لم يشأ الله أن يترك الإيمان والخير عزلًا، تكافح قوى الطغيان والشر - اعتمادًا على قوة الإيمان في النفوس، وتغلغل الحق في الفطر، وعمق الخير في القلوب، إلاَّ ريثما يستعدون للمقاومة، ويتهيأون للدفاع. ويتمكنون من وسائل الجهاد. وعندئذٍ أُذِنَ لهم في القتال لرد العدوان؛ لأنَّ الإيمان والخير والحق لابدَّ لها من قوة تحميها من البطش، وتقيها من الفتن، وتحرسها من كُلِّ مَنْ يريد الاعتداء عليها [٧٥] .
ووراء ذلك كُلِّه تلك القاعدة العامَّة، وهي حاجة العقيدة إلى الدفع عنها، وأنَّ الحقَّ مهما كان نوعه لابدَّ له من نصرة ودفاع، وهذه الحقيقة عبَّر عنها القرآن الكريم بمنتهى الدقة والوضوح في قوله -تعالى-: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢١٥] وإليها يشير في هذه الآيات بقوله -تعالى-: ﴿وَوَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ فهذه المواضع - على قداستها وتخصيصها لعبادة الله - معرَّضة للهدم والخراب، ولا يشفع لها في نظر الباطل، كونها يُذْكَر فيها اسم الله كثيرًا، ولا يحميها إلاَّ دفع الله الناس بعضهم ببعضٍ، أي دفع حماة العقيدة لأعدائها الذين ينتهكون حرمتها ويعتدون على أهلها، فكان من حكمة الجهاد في الإسلام، حماية العقيدة، وحرية العبادة، وتمكين المؤمنين العابدين العاملين من تحقيق منهاج الحياة القائم على العقيدة، المتصل بالله، الكفيل بتحقيق الخير للبشرية في الدنيا والآخرة [٧٦] .
[ ٤١ / ٣٣٣ ]
الرابع: أنَّ تلك الصورة الكريمة والسيرة الحسنة لم تدم طويلًا:
سبق أنَّ الصورة الكريمة التي سيكون عليها المؤمنون الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق - بعد التمكين لهم في الأرض - قد تحقَّقت في رسول الله ﷺ وصحابته الكرام - رضوان الله عليهم، وذلك بعد أن هاجروا إلى المدينة النبوية، وتوفَّرت فيهم شروط التمكين، حيث قامت أول دولة إسلامية تحت راية لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله.
وكان أولئك المؤمنون القائمون على أمرها، مَصابيح هدى، وينابيع رحمة للإنسانية كلها، بما يقيمون فيها من موازين الحق والعدل، وما يغرسون في آفاقها من مغارس الخير والإحسان.
فكانت سيرتهم في الحكم والرعية شعيرة إسلامية يجب الاهتداء بها، كما قال الرسول ﷺ: "عليكم بسنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسَّكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإنَّ كُلَّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" [٧٧] .
كما أصبحت سيرتهم في الرعية وما كانوا عليه من العدل أمنية إنسانية يود كل قائم ومسئول عن أمر المسلمين أن يسيرها ويهتدي بها أو بما يشابهها.
لكن تلك الصورة الكريمة والسيرة الطيبة التي كان عليها الرسول ﷺ وخلفاؤه من بعده - لم تدُم طويلًا، لحكمةٍ يعلمها الله، وأسباب قدرها، ومنها الابتعاد عن شروط التمكين في الأرض، والإخلال بما أمر الله به.. نعم! ما برحت عوامل الضعف الذاتية، ونقم الكيد الخارجية تنهش في جسم الأمة الإسلامية بما يوهن أو يمرض عافيتها [٧٨] .
إلاَّ أنَّ الله -تعالى- بمقتضى اسمه اللطيف، واسمه الرحيم، وقى هذه الأُمَّة من الاستئصال [٧٩] . وقضى بقدره الحكيم بحفظ الدين إلى يوم التناد، كما قال -تعالى-: ﴿إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
[ ٤١ / ٣٣٤ ]
وقال الصادق المصدوق ﷺ: "لا تزال طائفة من أمَّتي ظاهرين على الحق لا يضرهم مَنْ خذلهم - أو مَن خالفهم - حتى يأتي أمرُ الله" [٨٠] .
وإنَّ المستقرئ لتاريخ هذه الأُمَّة في حقبه المتتابعة والمتفاوتة، قوةً وضعفًا، يعلم أنَّ: دولة الإسلام لم ينقطع موكبها، ولم تقف سفينتها منذ أن أقام الرسول ﷺ دولة الإسلام العظمى في المدينة النبوية.
فقد شهد التاريخ الإسلامي - بعد عهد الرسول ﷺ والخلافة الراشدة - عِدَّة دول [٨١] . تعنى بأمر العقيدة والشريعة، وتحمي الحوزة، وتدافع عن حصن الإسلام، وإن كان ذلك لا يقاس بمعيار الخلافة الراشدة، لكن الأمر الذي لا يجوز نكرانه، هو أنَّ تلك الدول قد قامت بمسئولياتٍ كبيرة، منها:
١ - اتخاذ الكتاب والسُنَّة مصدرًا للتشريع والحكم، وإن حصل تقصير في إنفاذ مقتضاهما دون الاستخفاف بالأصل أو ردّ للأمر أو جحود للأحكام.
٢ - الحفاظ على كيان الأُمَّة والاستمساك بمبدأ وحدتها، ولو على ضعف في بعض الأحيان.
٣ - استمرار الدعوة والفتح الإسلامي.
٤ - اتصال النشاط العلمي والحضاري ونشر الثقافة الإسلامية. ولو في مستوى أقل مِمَّا هو مطلوب [٨٢] .
وفي ذلك كله تصديق لمعنىً جليلٍ من معاني الحديث العظيم الذي مرَّ، كما أنَّ فيه دليلًا على صدق ما وعد الله به من أنَّه يخرج لهذه الأمة مَن يجدد لها دينها. كما في الحديث النبوي: "إنَّ الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة مَنْ يجدِّد لها دينها" [٨٣] .
فلم يزل المصلحون يتتابعون على هذه الأمَّة المحمدية، كلَّما بَعُدَ العهد بواحدٍ خلفه آخر، وفاءً من الله جلَّ وعلا بهذا الوعد الحكيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩] .
[ ٤١ / ٣٣٥ ]
حتى وصل الأمر بالأمة الإسلامية إلى العقد الأول والثاني من القرن الرابع عشر من هجرة المصطفى ﷺ، فكان المجدِّد فيه هو الشيخ محمد بن عبد الوهاب - ﵀ - فقد نشأ في زمن ضعفت فيه الآثار المحمدية. وضعفت المعالم الإسلامية، فلا راية إلاَّ لأهل الشرك والبدع. لهم الصولة والجولة، والعامة تبعٌ لهم. والخاصة دعاة لهم، قد ضلوا وأضلوا كثيرًا وضلوا عن سواء السبيل، لم يسلم من شباكهم إلاَّ نذر يسير. وأصبحت البدعة عندهم سُنَّة إذا غيرت قيل: غيرت السُنَّة.
فلمَّا رأى الشيخ حالهم، وعرف ضلالتهم، دعاهم إلى توحيد الله بالعبادة، وإفراده بها.
ولم يزل صابرًا على ما يلقاه من أذى، داعيًا إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، يسانده في ذلك - بعد عون الله تعالى - الإمام محمد بن سعود - ﵀ -، إلى أن أتت هذه الدعوة المباركة ثمارها، وغرست غرسًا طيبًا ما زال الناس يعيشون في ظله، فأثمرت تلامذة يدعون إلى الحق، وكتبًا تهدى إليه، فسار الطلاب بهذه الدعوة إلى كل مكان، وسارت مؤلفات الحق مسار النهار، فانشرحت صدور الموفقين لهذه الدعوة وقبلوها، ودعوا إليها، والتقت قلوبهم عليها، وإن تباعدت أقطارهم. واتضح دين الحق، وظهر أمر الله: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨] .
لكن هذه الدعوة المباركة لم تسلم من حروبٍ شرسة، شنَّها أعداؤها، أعداء الدين الذين شَرِقُوا بدعوة الحق وكرهوها، وسعوا في الإطاحة بها، والقضاء عليها، وعملوا بكل ما أوتوا من الوسائل إلى إخماد نور هذه الدعوة الإصلاحية، ولكن وسائلهم باءت بالفشل، ولم تحقق تقدمًا ولم تقض لهم وطرًا؛ لأنَّ نور الله باقٍ ودينه منصور.
[ ٤١ / ٣٣٦ ]
فحقق الله لعباده المؤمنين وعده بالنصر والتمكين في الأرض [٨٤] على يد الإمام الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود، حيث رفع راية التوحيد خفاقة، فأعزَّ الله به أهل هذه الدعوة بعد أن كانوا أذِلَّة، وأغناهم جلَّ وعلا به بعدما كانوا عالة [٨٥] .
المطلب الخامس: في بيان العلاقة والموازنة بين دلالة الآية الكريمة وما كان عليه الحال إبان قيام المملكة العربية السعودية على يد الملك عبد العزيز:
إنَّ بيان العلاقة وعقد المقارنة بين دلالة الآيات الكريمة، وما صاحب نزولها من الظروف المتعلقة بحال العرب من الناحية الدينية أو السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية عند مبعث الرسول ﷺ، وحال جزيرة العرب إبان قيام الدولة السعودية على يدي الملك عبد العزيز - ﵀ - لا يتطلب كبير عناء؛ إذ المشابهة والموازنة بينهما جدًا واضحة، فالجاهلية الجهلاء بالأمور الدينية، وكثرة البدع وعبادة القبور من دون الله قد كانت موجودة.
- والفوضى السياسية، واستئساد الحكم القبلي العشائري، هو الذي يتحكم في كثيرٍ من المناطق.
- والفاقة والعوز وقلة الموارد الاقتصادية هي الحالة الظاهرة.
- والتفكك الاجتماعي والأسري والتناحر بين الأخ وأخيه هو المسيطر في غالب الأحيان.
- والإخراج بدون ذنب إلاَّ أن يقول المؤمن ربنا الله، قد حصل.
- والهجرة إلى البلاد الآمنة من أجل إقامة الحق قد وقع.
- والتمكين في الأرض للمؤمنين وعودتهم إلى ديارهم منصورين قد تحقق.
- وتطبيق الشرع ومعرفة الغاية الكبرى من وجود الدولة المسلمة الصالحة، وفقه الأسس التي تقوم عليها تلك الدولة قد وجد.
- والجهاد من أجل إعلاء كلمة الله قد كان.
- فما الذي حدث، حتى عادت الحال إلى ما كانت عليه في عهد رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين - رضوان الله عليهم - أو قريبًا من ذلك؟!
[ ٤١ / ٣٣٧ ]
إنَّ الذي حدث فعلًا، هو العودة إلى الصورة الكريمة التي بشَّرت بها الآية، والاقتراب من شروط التمكين في الأرض التي دلَّت عليها الآيات، واستحقاق النصر الذي وعد الله به المؤمنين. كل هذه الأمور وغيرها مِمَّا يؤهل للاستخلاف في الأرض كما وعد الله قد حصل. والله لا يخلف الميعاد، وينصر مَنْ نصر دينه، ويُعْلِي مَنْ أعزَّ عقيدته، وما ذلك على الله بعزيز [٨٦] .
--------------------------------------------------------------------------------
[١] المنهج القويم ص ٤٥
[٢] رواه البخاري في كتاب الأدب، باب ٣٦ رقم ٥٦٨٠، وفي كتاب المساجد باب ٥٤ رقم ٤٦٧ وغيره. ومسلم في البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم الخ رقم ٢٥٨٥ – ٢٥٨٦.
[٣] مقاييس اللغة لابن فارس ٢/٢٨٢، تحقيق وضبط عبد السلام هارون، ط٢ مطبعة البابي الحلبي بمصر.
[٤] لسان العرب المحيط ٢/٩٨٥ أعاد بناءه على الحرف الأول من الكلمة، يوسف خياط، دار الجبل.
[٥] المعجم الوسيط ١/٢٨٦، مجموعة من المؤلفين، ط ٢.
[٦] المعجم الوسيط ٢/٨٨١، مختار الصحاح ٦/٢٢٠٥
[٧] لسان العرب، مادة (مكن) ٥/٥١٦-٥١٧
[٨] تاريخ المملكة، سيد محمد إبراهيم ص ١٥٣
[٩] الدعوة في عهد الملك عبد العزيز ١/٣٥-٥١، وظلال القرآن ١٧/٦٠٠- ٦٠١.
[١٠] البحر المحيط ١/٣٧٣.
[١١] التيسير في أحاديث التفسير ٤/١٧٧
[١٢] البحر المحيط ١/٣٧٣
[١٣] التفسير الواضح ٢/٧١، والتيسير في أحاديث التفسير ٤/١٧٧، وأحكام القرآن لابن العربي، القسم الثالث، ١٢٩٦-١٢٩٩
[١٤] البحر المحيط ١/٣٧٣
[١٥] أحكام القرآن لابن العربي، القسم الثالث ١٢٩٦-١٢٩٩.
[١٦] البحر المحيط ١/٣٧٣.
[ ٤١ / ٣٣٨ ]
[١٧] ابن عباس هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، ابن عم الرسول ﷺ، وُلِد قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له رسول الله ﷺ بالفهم فكان يسمى البحر والحبر؛ لسعة علمه. وقال عمر: لو أدرك ابن عباس أسنانا ما عشره منا أحد. مات سنة ثمانٍ وستين بالطائف وهو من المكثرين من الحديث. تقريب التهذيب ص ١٧٨-١٧٩، وسير أعلام النبلاء ٣/٣٣١ فما بعدها.
[١٨] أبو بكر: هو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة التيمي، أبو بكر بن أبي قحافة الصديق، خليفة رسول الله ﷺ، مات في جمادى الأولى سنة ١٣هـ وعمره ثلاث وستون سنة.
تقريب التهذيب ص ١٨١، الاستيعاب ٢/٢٤٣، الإصابة ٢/٣٤١
[١٩] الترمذي: هو محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي الترمذي، أبو عيسى، صاحب كتاب الجامع. أحد الأئمة، ثقة حافظ، مات سنة ٢٧٩هـ.
تقريب التهذيب ص ٣١٤، شذرات الذهب ٢/١٧٤-١٧٥.
[٢٠] الثوري هو: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله الكوفي، مناقبه كثيرة، أفردها ابن الجوزي في مجلد. من تآليفه: كتاب التفسير، والجامع الكبير. توفي سنة ١٦١هـ.
تقريب التهذيب ص ١٢٨، وتاريخ بغداد ٩/١٥١، وطبقات ابن سعد ٦/٣٧١
[٢١] فتح القدير ٣/٤٥٧، وكتاب توفيق الرحمن في دروس القرآن للشيخ فيصل بن عبد العزيز آل مبارك ص ١٠٧، وانظر سنن الترمذي: كتاب تفسير القرآن حديث (٣١٧١) .
[٢٢] فتح القدير للشوكاني ٣/٤٥٦، وابن جرير ٧/١٧١
[٢٣] ابن كثير ٣/٢٢٤
[٢٤] فتح القدير ٣/٤٥٦
[٢٥] التيسير في أحاديث التفسير ٤/١٧٨
[٢٦] صفوة التفاسير ٢/٢٩١
[٢٧] صفوة التفاسير ٢/٢٩١، وانظر تفسير ابن كثير ٣/٢٢٥.
[ ٤١ / ٣٣٩ ]
[٢٨] أحكام القرآن لابن العربي، القسم الثالث ص ١٢٩٦-١٢٩٧، وابن جرير ١٧/١٧١-١٧٢
[٢٩] هو: أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد المعافري الأندلسي الأشبيلي، ولد في شعبان سنة ٤٦٨هـ، ختام علماء الأندلس، وآخر أئمتها وحُفَّاظها، وله عِدَّة مؤلَّفات منها: أحكام القرآن، وكتاب المسالك في شرح موطأ مالك، والعواصم من القواصم، والمحصول في أصول الفقه، وغيرها. وتوفي سنة ٥٤٣هـ. طبقات المفسرين للدادي ٢/١٦٧-١٧٠، طبقات المفسرين للسيوطي ص٣٤، وفيات الأعيان ٣/٤٢٣
[٣٠] أحكام القرآن لابن العربي، القسم الثالث ص ١٢٩٧
[٣١] التيسير في أحاديث التفسير ٤/١٧٨
[٣٢] فتح القدير ٣/٤٥٧
[٣٣] صفوة التفاسير ٢/٢٩٢
[٣٤] ابن كثير ٣/٢٢٥، التفسير القرآني للقرآن - الكتاب التاسع ص ١٠٤٤
[٣٥] هو زياد بن معاوية بن ضباب الذبياني الغطفاني المضري، أبو أمامة، شاعر جاهلي، من الطبقة الأولى. كانت تضرب له قبة في سوق عكاظ فتقصده الشعراء وتعرض عليه أشعارها.
طبقات ابن سلام ص٥١، الأعلام ٣/٥٤-٥٥، الشعر والشعراء ص٨٧ وما بعدها.
[٣٦] ديوان النابغة ص ٣٩. وفتح القدير ٣/٢٢٥
[٣٧] فتح القدير ٣/٤٥٧
[٣٨] هو: إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير بن ضوء بن درع. الحافظ، عماد الدين أبو الفداء، ولد سنة ٧٠١هـ، وتوفي سنة ٧٧٤هـ، له عِدَّة مؤلفات منها: التفسير، والبداية والنهاية، والأحكام على أبواب الفقه، وغيرها. طبقات المفسرين للداودي ١/١١١-١١٣، الدرر الكامنة ١/٣٩٩.
[٣٩] ابن كثير ٣/٢٢٦
[٤٠] ابن كثير ٣/٢٢٦
[٤١] البحر المحيط ٦/٣٧٤-٣٧٥
[٤٢] ابن كثير ٣/٢٢٦
[٤٣] صفوة التفاسير ٢/٢٩٢
[٤٤] فتح القدير ٣/٤٥٧
[٤٥] أحكام القرآن لابن العربي، القسم الثالث ص ١٢٩٧
[ ٤١ / ٣٤٠ ]
[٤٦] البحر المحيط ٦/٣٧٦، تفسير النووي لمراح لبيد ٢/٥٦
[٤٧] البحر المحيط ٦/٣٧٦، تفسير النووي لمراح لبيد ٢/٥٦، التفسير القرآني للقرآن، الكتاب التاسع ص ١٠٤٦-١٠٤٧
[٤٨] هو: عثمان بن عفان - ﵁ - ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي أمير المؤمنين، ذو النورين، أحد السابقين الأولين، وثالث الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، استشهد في ذي الحجة سنة ٣٥هـ، وكانت خلافته اثنتى عشرة سنة، وعمره ثمانون سنة.
تقريب التهذيب ص ٢٣٥، الإصابة ٢/٤٥٥، الاستيعاب مع الإصابة ٣/٦٩
[٤٩] انظر: البحر المحيط ٦/٣٧٦، والطقاء: جمع طليق وهو الأسير الذي خلى سبيله. ترتيب القاموس، مادة طلق. ومختار الصحاح ص:٣٩٦.
[٥٠] انظر: البحر المحيط ٦/٣٧٦
[٥١] انظر: البحر المحيط ٦/٣٧٦
[٥٢] هو: الحسن بن أبي الحسن يسار، أبو سعيد، مولى زيد بن ثابت الأنصاري ولد بالمدينة لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب - ﵁ - ثُمَّ نشأ بوادي القرى، وقرأ القرآن على حطان الرقاشي، وروى عن خلف، من التابعين، له ترجمة مطولة في سير أعلام النبلاء ٤/٥٦٣ رقم الترجمة ٢٢٣، وشذرات الذهب ١/١٣٦، وطبقات المفسرين للداودي ١/١٥٠. ومن مؤلفاته: التفسير، وكتابه إلى عبد الملك بن مروان في الرد على القدرية. توفي سنة ١١٠هـ.
[٥٣] هو: رُفَيْع - بالتصغير - بن مهران، أبو العالية الرياحي - بكسر الراء والتحتانية - ثقة كثير الإرسال، من الثانية، مات سنة ٩٠هـ. له تفسير رواه عنه الربيع بن أنس البكري.
تقريب التهذيب ص ١٥٤، طبقات المفسرين للداودي ١/١٧٨-١٧٩
[٥٤] البحر المحيط ٦/٣٧٦
[٥٥] هو: عبد الله بن أبي نجيح، الإمام الثقة المفسر. أبو يسار الثقفي المكي، واسم أبيه يسار، مولى الأخنس بن شريف الصحابي، وهو من أخص الناس بمجاهد، توفي سنة ١٣١هـ.
[ ٤١ / ٣٤١ ]
تقريب التهذيب ص ١٩١، سير أعلام النبلاء ٦/١٢٥-١٢٦، شذرات الذهب ١/١٨٢، طبقات المفسرين للداودي ٢/٢٥٨، تقريب التهذيب ص ١٩١
[٥٦] هو: الضحاك بن مزاحم الهلالي، أبو القاسم الخرساني المفسر، يروي تفسيره عنه عبيد بن سليمان، وهو صدوق كثير الإرسال، مات بعد المائة.
انظر: طبقات المفسرين للداودي ١/٢٢٢، شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي ١/١٢٤، سير أعلام النبلاء ٤/٥٩٨-٥٩٩
[٥٧] فتح القدير ٣/٣٥٨
[٥٨] المرجع السابق ٣/٣٥٨
[٥٩] لم أعثر على ترجمته.
[٦٠] هو: عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي أمية، أمير المؤمنين، أمُّه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، ولي إمرة المدينة وكان مع سليمان كالوزير، وولي الخلافة بعده، فعُدَّ من الخلفاء الراشدين، وروى له الجماعة، كان عادلًا في رعيته وأعادها إلى عهد الخلفاء الراشدين، فلذا عُدَّ الخليفة الخامس، مات ﵀ سنة مائة وواحد ١٠١هـ.
تقريب التهذيب ص ٢٥٥، شذرات الذهب ١/١١٩.
[٦١] المبزوزة: من بزّ قرينه، بزًّا، وبزّة، غلبه. والشي نزعه وأخذه بجفاء وقهر.
انظر: تفسير ابن كثير ٣/٢٢٦، توفيق الرحمن في دروس القرآن ٣/١٠٧، المعجم الوسيط ١/٥٤
[٦٢] هو: عطية بن سعيد بن جنادة الجدلي العوفي الكوفي، أبو الحسن، صدوق يخطئ كثيرًا، مدلسًا من الثالثة، مات سنة إحدى عشرة.
تقريب التهذيب ص٢٤٠، شذرات الذهب ١/١٤٤
[٦٣] هو: زيد بن أسلم العدوي، مولى عمر، أبو عبد الله، أو أبو أسامة المدني، ثقة عالم. وكان يرسل، من الثالثة، مات سنة ١٣٦هـ. كانت له حلقة للفتوى والعلم بالمدينة، له تفسير القرآن يرويه عنه ابنه عبد الرحمن.
تقريب التهذيب ص ١١١-١١٢، شذرات الذهب ١/١٩٤، سير أعلام النبلاء ٥/٣١٦
[٦٤] فتح القدير ٣/٤٥٨، ابن كثير ٣/٢٢٦، زاد المسير ٥/٤٣٧
[ ٤١ / ٣٤٢ ]
[٦٥] هو: محمد بن جرير الطبري، الإمام الحبر، صاحب التفسير المشهور والتاريخ والمصنفات الكثيرة، سمع إسحاق بن إسرائيل ومحمد بن حميد الرازي وطبقتهما، وكان مجتهدًا لايقلد أحدًا، أثنى العلماء على تفسيره وعدوه من أفضل التفاسير. كانت ولادته سنة أربعٍ وعشرين ومائتين بآمل طبرستان، ووفاته في بغداد سنة ٣١٠هـ. شذرات الذهب ٢/٢٦٠
[٦٦] تفسير ابن جرير ١٧/١٧٩، صفوة التفاسير ٢/٢٩٢
[٦٧] ابن جرير ١٧/١٧٩
[٦٨] المرجع السابق ١٧/١٧٩
[٦٩] التفسير القرآني للقرآن، الكتاب التاسع (٩/١٠٤٧-١٠٤٨) .
[٧٠] المرجع السابق.
[٧١] المرجع السابق ص ١٠٤٨
[٧٢] أحكام القرآن لابن العربي ٦/٣٧٦، وانظر ص ٢٩ من البحث.
[٧٣] البحر المحيط ٦/٣٧٦
[٧٤] مجموع الفتاوى لابن تيمية ٢٨/٢٤٢، الدعوة في عهد الملك عبد العزيز ١/٢٠٥-٢٠٦، التيسير في أحاديث التفسير ٤/١٨١-١٨٢، التفسير الواضح ٢/٧١-٧٢، أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير ٣/١٦٤، المنهج القويم ص ٤٠
[٧٥] في ظلال القرآن ١٧/٦٠٢، التيسير في أحاديث التفسير ٤/١٧٩-١٨٠، التفسير الحديث ٧/١٠٦-١٠٧، التفسير الواضح ٢/٧١، التفسير القرآني للقرآن ١٧/١٠٤٢-١٠٤٤
[٧٦] المراجع السابقة.
[٧٧] رواه أبو داود، كتاب السُنَّة، حديث رقم (٤٠٦٧) . والترمذي في كتاب العلم، باب (١٦) حديث رقم (٢٦٧٦) . والإمام أحمد (٤/١٢٦-١٢٧) . وابن ماجه في المقدمة ٦: باب اتباع سُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين، حديث (٤٣٤٢) .
[٧٨] المنهح القويم ص ٢٥
[٧٩] لقوله – تعالى -: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الأنفال:٣٣) .
[ ٤١ / ٣٤٣ ]
[٨٠] أخرجه الإمام أحمد (٥/٢٨٤،٢٨٣،٧٨)، وأبو داود، حديث رقم (٤٢٥٢) وابن ماجه برقم (٣٩٥٢)، وابن حبان في صحيحه. انظر موارد الظمآن ص ٤٥٨، ومناهج العلماء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للسامرائي ص ٢٥٥
[٨١] مثل: الخلافة الأموية من ٤٢-١٣٢، والخلافة العباسية، والدولة العثمانية، والدولة السعودية قبل الملك عبد العزيز. المنهج القويم ص ٢٦
[٨٢] المنهج القويم ص ٢٦
[٨٣] أخرجه أبو داود في الملاحم ٢/٤٢٤ وقال عنه سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز - حفظه الله: "هذا حديث إسناده جيد، ورجاله كلهم ثقات. وقد صحَّحه الحاكم، والحافظ العراقي، والعلاَّمة السخاوي، وآخرون". وصحَّحه الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ٥٩٩.
وانظر: الفواكه العذاب في معتقد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ص ٦
[٨٤] قال -تعالى-: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: ٥٥) .
[٨٥] الدعوة في عهد الملك عبد العزيز (١/١٥-١٧)، المنهج القويم في الفكر والعمل ص ٢١-٢٧، الفواكه العذاب في معتقد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ص ٦-٧
[٨٦] انظر ما سبق ص ٤٢ من هذا البحث. والمقصود: أن معنى الآية الكريمة قد تحقق في صحابة رسول الله ﷺ، ورضي الله عنهم.
[ ٤١ / ٣٤٤ ]